الثلاثاء 28 رمضان 1442هـ الموافق لـ 11 مايو 2021
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

المستفاد في مناقب العباد

صدر عن منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان، سنة 2002، كتاب "المستفاد في مناقب العباد بمدينة فاس وما يليها من البلاد" لأبي عبد الله محمد التميمي الفاسي ، بتحقيق ودراسة الدكتور محمد الشريف. ويندرج هذا النص التراثي المغربي ضمن "أدب المناقب" الذي يحظى باهتمام متزايد من لدن الباحثين؛ نظرا لما يقدمه هذا النوع من الأدب من معطيات تاريخية وفكرية ثمينة ونادرة تهم الباحثين في مختلف المجالات العلمية.

كما أن هذه المادة التاريخية قد تغري المؤرخين خاصة؛ لما تتضمنه من معطيات حول مختلف العلاقات الاجتماعية والواقع الديني ومجريات الحياة اليومية لمجتمعات الغرب الإسلامي عموما.

المستفاد أقدم نص مناقبي مغربي
إن كتاب "المستفاد" يؤرخ لمتصوفة وأولياء فاس "وما والاها من البلاد" ما بين القرن الرابع إلى نهاية القرن السادس الهجريين، وتمثل هذه الفترة الزمنية فترة حاسمة ما بين انبثاق حركة التصوف والولاية، ومرحلة تنظيمها في زوايا وطوائف في الفترة المرينية اللاحقة.
جاء في مقدمة التحقيق أن كتاب "المستفاد" يعد إحدى الدعامات الأساسية لدراسة التصوف المغربي والوقوف على رجاله، إلى جانب كل من كتاب "التشوف إلى رجال التصوف" لابن الزيات التادلي، و"دعامة اليقين في زعامة المتقين" لأبي العباس أحمد العزفي، و"السر المصون" لطاهر الصدفي، و"المقصد الشريف" لعبد الحق البادسي...
ويعتبر كتاب "المستفاد" أقدم نص مناقبي مغربي وصلنا؛ فهو مصدر من المصادر الدفينة لتاريخ المغرب في العصر الوسيط، ووثيقة تضم بين دفتيها معطيات مهمة عن الجوانب الاجتماعية والثقافية والنفسية للمجتمع المغربي في القرن السادس الهجري خاصة. كما أن مادة الكتاب تسهم في اكتشاف جوانب غامضة من التاريخ الثقافي والاجتماعي للمدن والأرياف المغربية.
وقد وضع المحقق هذه الجوانب وغيرها في القسم المخصص لدراسة النص وتحليل محتوياته، وجاء في خمسة مباحث. أما النص المحقق فيضم مائة وخمس عشرة ترجمة لأولياء ومتصوفة فاس ونواحيها، تعقبها فهارس متنوعة، القصد من ورائها تمكين القارئ من ولوج النص والاستفادة من معطياته. والجدير بالذكر أن أصل الكتاب بقسميه عبارة عن أطروحة تقدم بها المحقق د. محمد الشريف لنيل دكتوراه الدولة في شعبة التاريخ.
ومن أهم محاور هذه الدراسة:

المؤلف وبيئته العائلية والمحلية
هو أبو عبد الله محمد بن قاسم بن عبد الرحمان بن عبد الكريم التميمي الفاسي (1). ينتمي إلى قبيلة تميم التي دخلت بلاد المغرب والأندلس في وقت مبكر. وتتفق المصادر على أن التميمي فاسي المولد والنشأة، لكنها لا تثبت تاريخ ولادته، ومن المؤكد أنها كانت قبيل منتصف القرن السادس الهجري/الثاني عشر للميلاد، وقد حصرها محقق الكتاب ما بين سنة (535هـ و540هـ/ 1140-1145م)، لمجموعة من القرائن تكونت لديه من خلال تتبعه لبعض أطوار طفولته بفاس.
ومن شيوخ التميمي في المرحلة الأولى من مراحل تعليمه، والذي سيكون له تأثير كبير على متصوفة الغرب والمشرق الإسلاميين نجد الشيخ أبا مدين. إلا أن التميمي سيرتبط ارتباطا خاصا بشيخ الشيوخ أبي يعزى وذلك منذ نعومة أظافره.
توجه التميمي بعد أخذه العلم عن أبرز علماء مدينته فاس إلى سبتة، حيث أخذ العلم عن اثنين من كبار محدثيها وهما: أبو عبد الله محمد بن حسن بن عطية بن غازي الأنصاري السبتي، وأبو محمد بن عبيد الله الحجري. ثم تاقت نفسه إلى الاستزادة من المعارف خارج مسقط رأسه ووطنه، وربما دخل الأندلس للأخذ عن علمائها حسبما ذكرته بعض المصادر. ثم رحل إلى المشرق رغبة في طلب العلم. وهناك اكتملت شخصيته، وبدأت معالم ميله للتصوف تتوطد أكثر خلال هذه الرحلة المشرقية.
وبعد رحلته الطويلة في طلب العلم رجع إلى فاس، وأخذ في نشر العلم والانكباب على التأليف، إلى أن وافته المنية أواخر سنة (603هـ/ 1207م)، أو في أول سنة (604هـ/ 1208م). بل إنه كان قد "حدث بالمشرق" وقعد للتدريس بالإسكندرية في رحلة عودته إلى المغرب، وأشهر من أخذ عنه بهذه المدينة أبو مروان عبد الملك بن أبي القاسم التوزري ابن الكردبوس، مؤلف كتاب "الاكتفاء في أخبار الخلفاء". كما حدّث بتونس، وربما حدّث بالأندلس قبل أن يستقر به المقام في مسقط رأسه. وأشهر من أخذ عنه بفاس الصوفي الكبير محيي الدين بن العربي الحاتمي....
تصف المصادر التي ترجمت للتميمي بأنه المحدث الحافظ الذاكر للحديث ورجاله وتواريخهم وطبقاتهم. وتضيف تلك المصادر بأنه كان فقيها متفننا محصلا راوية رحالا مستوسعا في السماع..
تنسب للتميمي آثار عدة، أوصلها ابن عبد الملك المراكشي إلى أربعة عشر عنوانا من بينها: كتاب "المستفاد"، و"أدب المريد السالك"، و"الطريق إلى الواحد المالك"، و"رسالة البرهان في ذكر حنين النفوس إلى الأحبة والأوطان"، و"الإنابة في ذكر طريق الاستجابة" في جزءين، و"الإيضاح عن طريق أهل الصلاح"...

بعض الإشكاليات التي يطرحها كتاب المستفاد
طرح المحقق في هذا الجزء من الدراسة أكثر من إشكالية تتعلق بكتاب المستفاد، منها على سبيل المثال اختلاف الباحثين القدامى والمحدثين حول مؤلف كتاب "المستفاد"، فمنهم من نسبه إلى محمد التميمي ومنهم من نسبه إلى محمد بن علي بن عبد الكريم الفندلاوي ....
كما أن ضبط عنوان الكتاب، يطرح أكثر من صعوبة لدى المحققين، وذلك بسبب ضياع مقدمته، فباستثناء كلمة "المستفاد" التي يبتدئ بها العنوان، فإن الاختلاف قد طال بقية العنوان. بل إن من المؤلفين الأندلسيين من أغفل حتى كلمة "المستفاد" واكتفى بتسميته بـ "تاريخ فاس"...
ورجح محقق كتاب المستفاد صيغة ابن عبد الملك المراكشي، وهي: "المستفاد في مناقب العباد بمدينة فاس وما يليها من البلاد"، نظرا لما عرف عنه من ضبط وتحر فيما يخص عناوين كتب مترجميه من جهة، ولأنه الوحيد الذي اهتم بإنتاج التميمي الثقافي وعدد مؤلفاته من جهة أخرى.

التزام الواقعية في المنهج والأسلوب
تفيد القطعة الوحيدة الموجودة في المكتبات أن أصل كتاب المستفاد عبارة على ثلاثة أجزاء، ولا يوجد -حسب المحقق- أي تحول أو تغير أو قطيعة في نهج المؤلف حينما ينتقل من الجزء الثاني إلى الجزء الثالث، فهو يسترسل في إيراد تراجمه دونما ضابط معين.
ثم إن خاتمة الكتاب جاءت مقتضبة جدا لا تتعدى عبارة "تم الكتاب بحمد الله تعالى وعونه وصلى الله على سيدنا محمد وآله"، وهي عبارة تدل -دائما حسب المحقق- على أن الكتاب لم يصل إلى نهايته المنطقية. الأمر الذي يفسح المجال لطرح عدة احتمالات، كأن يفترض أن النسخة التي وصلتنا من "المستفاد" ليست النسخة النهائية كما كان يريدها التميمي.
ويتميز كتاب المستفاد بخصائص منهجية لا تخرج في مجملها عن مختلف المؤلفات التي ألفت في أدب المناقب. ومن هذه المميزات:

الإيجاز والاختصار
التزم التميمي في كتابه أسلوب "الإيجاز" و"الاختصار"، فقد ختم مثلا ترجمة الشيخ ابن معلى قائلا: "وأخبار هذا الشيخ كثيرة ولولا ما شرطت من الإيجاز والاختصار لأوعبت القول منه"(2). وبعد كلامه عن أبي مدين يقول": "وشهرة الشيخ وكراماته معروفة، فلهذا لم أشبع القول في ذلك، ولشرطنا المقدم في الاختصار"(3). ويختم ترجمة أبي العباس الخشاب بالقول: "وفيما ذكرنا كفاية لشرطنا أن لا نتجاوزه"(4).
إلا أن التميمي -كما لاحظ ذلك محقق الكتاب- لم يلتزم وعده هذا. فقد أطلق العنان لقلمه في تراجم بعض الشيوخ، كما هو الحال بالنسبة لترجمة الشيخ أبي يعزى أو ترجمة الشيخ أبي الحسن علي بن حرزهم التي "أطال فيها".

منهج المقارنة والتشبيه
إن إحدى الخصائص الجوهرية في منهجية "المستفاد" تتمثل في كثرة استعمال التميمي لمنهج المقارنة والتشبيه؛ فالمقارنة تأتي في سياق تشبيه سلوك المترجم لهم ببعض الأحوال والمقامات التي شاهدها أو عاشها أو سمعها عن بعض المتصوفة، خاصة المشارقة منهم، أو احتفظت ذاكرته بها. فهو كثيرا ما ينبهنا على أن هذا السلوك أو ذاك لهذا المترجم به يذكره بما جاء من "أمثال العباد" أو أقوال "الحكماء" أو الحديث النبوي أو بالسلف وبالتابعين أو بسيرة المتصوفة. وربما يكون التميمي قد لجأ إلى أسلوب المقارنة لتأكيد البعد السني في هوية المترجمين.

الاستشهاد بالقرآن والحديث والشعر
إذا كان التميمي لم يكثر من الاستشهاد بالآيات القرآنية، فإن استشهاده بالحديث النبوي أو بمعانيه بادية للعيان، وغالبا ما يأتي استشهاده بالحديث في سياق التأكيد على سنية سلوك عباده في كل أشكاله ومواصفاته، وأن مواقفهم لا تزيغ عن النهج النبوي ولا تنحرف عنه.
لذا نستطيع القول بأن التميمي - مثله مثل معاصريه من أمثال ابن الزيات والبادسي- قد نهج في مستفاده نهجا يتسم بالواقعية ويصطبغ بالصبغة العلمية؛ فهو لم يعتمد على الأدلة النظرية المجردة، ولم يلجأ إلى الاغتراف من النظريات الصوفية، وإنما استند على الأمثلة الحية والأفكار الواضحة والمعروضة بسهولة.
وحتى عندما كان يتعلق الموضوع بالتدليل على سلوك والبرهنة على موقف، فإن التميمي لم يكن يتجاوز إطار هذا النهج الواقعي، كأن يذكر الآية التي تشهد له، أو بالحديث النبوي الذي يدعمه أو بأقوال العباد أو الصحابة أو بأعمالهم، أو يسوق المقطوعة الشعرية التي تجسد ذلك الموقف أو تعبر عنه؛ أي أنه دعم خطابه بدعائم مستمدة من القرآن والحديث والشعر والحكم والأمثال والآثار، نظرا لما تلعبه هذه المقومات من دور محوري في الخطاب الصوفي.(5)

مادة كتاب "المستفاد" أصل لا مصدر له سوى التميمي
قدم صاحب "المستفاد" مائتين وخمسة وسبعين خبرا عن الأولياء في القطعة التي بين أيدينا، وهي أخبار لا مصدر لها سوى المؤلف نفسه ورواته. فقد استقى التميمي أخبار الأولياء الذين ترجم لهم مما يزيد عن ستين من الرواة، منهم أفراد من عائلته وكثير من شيوخه.
ومن خلال الوقوف على أنواع المصادر المعتمدة في جمع الأخبار ونقلها، يلاحظ أن التميمي قد استقى معلوماته من مصادر متنوعة يمكن تصنيفها في خانتين: المشاهدة المباشرة والرواية الشفوية:
- فالمشاهدة والمعاينة المباشرة تمثل هذا المصدر أكثر من نصف الأخبار التي تضمنتها تراجم الكتاب، مما يعطيه بامتياز خاصية "الأصل الذي لا مصدر له" سوى شهادة مؤلفه. فقد اعتمد التميمي على صلته المباشرة في نقل أخبار المترجم لهم، وغالبا ما يورد أخبارهم مسبوقة بضمير المتكلم وبأشكال متعددة من نوع: "أخبرني" و"قال لي" و"رأيته" و"اجتمعت به"...إلخ.
- أما الرواية الشفوية: فقد جمعت بين أربعة أنواع من الروايات وهي: الرواية ذات السند المباشر: وتكون مسبوقة بقوله: "أخبرني فلان، قال". والرواية ذات السند القريب: وهي التي استمد التميمي أخباره بشأنها من شيوخه الذين سمعوها من طبقة أخرى من الرواة، وتكون مسبوقة بقوله: "أخبرني فلان عن فلان قال"... والرواية ذات السند البعيد، وتكون مسبوقة بقوله: "أخبرني فلان عن فلان عن أشياخ البلد"، وهي قليلة، وربما يكون التميمي قد استعملها فيما يخص أخبار الشيوخ الذين لم يعاصرهم، لا هو ولا الجيل الثاني من مخبريه. ثم أخبار دون مصدر محدد، ونسبتها محدودة كذلك، ووردت بصيغة المبني للمجهول مثل قوله: "أُخبرتُ عنه" (التي وردت في ثلاثة مواضع فقط). أو ذُكِر عنه أنه"، أو يبدأها بصيغ من قبيل: "أخبرني بعض الإخوان" أو "أخبرني بذلك بعض من حضره وشاهده"...
هكذا حاول التميمي إثبات صحة معلوماته بإسناد أخباره إلى أصحابها وتحديد ملابسات الرواية؛ كأن يشير مثلا إلى مكان تلقي الخبر وتاريخه، أو يذكر بعض الصفات الخاصة للمخبرين بما يثبت بعض مميزاتهم الدينية والعلمية كالنزاهة والموضوعية والتجرد، أو يصف المروي عنه بالفقه أو العلم، أو ببعض المميزات الأخلاقية كالصلاح والخير، وقد يذكر علاقته بالشيخ المترجم له وموقعه في الطائفة؛ كأن يقول:" كان من أصحاب الشيخ"، أو "من خواص أصحابه".
وإذا كانت مادة كتاب "المستفاد" أصلا لا مصدر له سوى التميمي، فمن الطبيعي ألا نعثر فيه على ذكر للمصادر المدونة التي قد يكون اعتمدها مؤلفه، إلا أن التميمي –مع ذلك- قد اعتمد على بعض المصادر الكتابية بطريقة ضمنية دون الإفصاح عن عناوينها أو عن مؤلفيها، وذلك في سياق المقارنات التي أجراها بين الكرامات والمواقف الإنسانية والأحوال النفسية والروحية لأوليائه...
أما المجالات الجغرافية التي استقى منها المؤلف أمثلته الخاصة بسيرة العباد والصلحاء فهي مرتبطة أساسا بفضاء تحرك عباده، مثل الأندلس وإفريقية والمشرق الإسلامي، مع غلبة واضحة للمشرق ورجالاته في عدد التشبيهات التي أوردها.

محتوى الترجمات وبنيتها
إن التراجم التي ترجم لها التميمي متباينة سواء بطولها أو بمحتواها، ففي بعض الأحيان قد يعطي للترجمة حقها بأسلوب مركز ودقيق، وأحيانا يقتضب المعلومات اقتضابا، وكأنه لا يستطيع إغفال صاحب الترجمة ولو على الأقل بالإشارة إلى خصلة واحدة من خصاله.
والملاحظ أنه كلما كان للمؤلف معرفة مباشرة بالمترجم به إلا وكانت ترجمته أكثر حيوية ومطردة، بسرد أحواله وخصاله ولكراماته المختلفة ونبذ من كلامه (نموذج محمد المهدوي، أبي الحسن بن حرزهم وأبي يعزى). كما يلاحظ أن التميمي لم يترجم لأية امرأة فيما وصلنا من "المستفاد".
تتكون ترجمات "المستفاد" من ثلاثة عناصر أساسية وهي: اسم المترجم له ولقبه وأصله في بعض الأحيان، ثم صفاته ومزاياه، ثم أخباره وكراماته. وهي بذلك لا تستجيب إلا جزئيا لثوابت الترجمة المناقبية النموذجية كما أوضحتها البحوث الحديثة.(6) 
ثم إن طريقة عرض التميمي للعباد والصالحين الذين أوردهم في مصنفه لا تخضع لضابط زمني أو مجالي محدد. كما أنه لا يشير دائما إلى هوية العباد والأولياء، لذلك كان من الصعب معرفة أصولهم الجغرافية أو الإثنية انطلاقا من معطيات ترجماتهم. فقد اقتصر التميمي في غالب الأحيان على ذكر اسم المترجم له وأوصافه دون الإفصاح على أصله الجغرافي أو انتسابه القبلي. ربما لأن هم المؤلف الأساس هو إبراز الجانب الروحي التعبدي للشيوخ المترجم لهم أكثر من محتدهم العائلي أو الجغرافي، وهو الجانب الذي اهتمت به كتب التراجم بامتياز.
واستنادا إلى حرفية عنوان الكتاب نفسه نجد أن مدينة فاس تقع في مركز اهتمام التميمي، فأغلب المترجم لهم من سكانها أو من أحوازها، ثم الأندلسيون، ثم أفريقية والمغرب الأوسط.
وأولى عناصر الترجمة عند التميمي تتمثل في مجموعة من النعوت التي تسبق اسم المترجم به. والنعت الأكثر استعمالا هو "الشيخ" أو "الشيخ الفقيه". في حين أورد ثلاثين ترجمة مجردة من أي نعت، وإن كان نعت "الشيخ" يرد في ثنايا الترجمة. وقد حلى التميمي بعض المترجمين ب"الشيخ الحاج" أو: "الشيخ الخطيب" ...
والملاحظ أن التميمي لم يستعمل بتاتا نعت "الصوفي" بالنسبة للعباد في مدينة فاس. والمرة الوحيدة الذي استعمله فيها نجده متعلق بأحد متصوفة المشرق(7). كما انه لم يستعمل بتاتا بعض الألقاب التي نجدها في مؤلفات مناقبية أخرى مثل "الولي" أو "العارف" أو "المحقق" أو "الإمام"أو "القدوة"...
إن الأوصاف الدقيقة التي استعملها التميمي في تقديم شخصياته سمحت له بالتعبير بشكل عميق عن الخصائص الأكثر تعبيرا عن مترجميه الروحية وعن مميزاتهم وفضائلهم، أو المعارف التي وصلوا إليها ودرجاتها. وهذا الأمر ربما يدل على اهتمامات المؤلف السنية وإلحاحه على أن المترجم لهم هم بخصال السلف الصالح يقتدون.(8)
أما الكرامات فقد وردت في بعض التراجم، ولم ترد في أكثر من نصف عدد المترجم لهم. فقد نص التميمي صراحة في أربع وعشرين ترجمة على أن أصحابها ظهرت لهم "كرامات" أو كانت لهم "مكاشفات" أو "براهين" ...

فإلى أي نمط ينتمي كتاب المستفاد؟
إن المعلومات التي يقدمها التميمي تسمح عموما برسم الصورة الروحية للشخص المترجم له، وفي بعض الأحيان تسمح بتتبع مسار حياته الروحية والصوفية. إلا أن التميمي لم يقتصر على ذكر "العباد" كما ورد في عنوان كتابه، وإنما ترجم فيه كذلك لمن اتسم بالخير والفضل سواء كان من المنقطعين إلى العبادة والخلوة، أو من العلماء المدرسين، أو من الفقهاء أو القضاة. .. وعلى الرغم من هذا التنوع البين في أصول المترجمين، فإن قاسمهم المشترك هو علاقتهم بمدينة فاس أو نواحيها؛ ولادة أو نشأة أو دراسة أو عبورا أو مدفنا..
وإن كان بعض المؤلفين القدامى قد صنفوا كتاب التميمي ضمن المؤلفات التاريخية، فمن المؤكد أنه ينتمي إلى صنف "الترجمة الإخبارية العامة" التي تقصد إلى "رصد ما يتعلق بالشخصيات التي لها وجود بارز في بيئتها، إما علما أو أدبا، وإما سياسة ووجاهة، وإما صلاحا وبركة".(9)

"المستفاد" وثيقة اجتماعية تعكس زوايا المجتمع الفاسي
يعتبر كتاب المستفاد" وثيقة اجتماعية على درجة عالية من الأهمية تعكس زوايا المجتمع الفاسي (أو المغربي)، وتلقي الأضواء على ملامح قلما نعثر على مثيلها في المصادر الأخرى. ويبدو أن الدور الديني لرجال التصوف والأولياء كان من أهم الأدوار التي لعبوها داخل مجتمعاتهم. فأغلب الكرامات التي يوردها التميمي –وغيره من مؤلفي كتب المناقب- تؤكد حرصهم الشديد على القيام بالفرائض الدينية، وعدم التساهل في تطبيقها وإعطائها مدلولها الصحيح...
وتبقى الصورة التي يقدمها لنا التميمي في مستفاده حول عالم أولياء فاس ومتصوفتها لا تختلف كثيرا عن الصورة التكرارية والنمطية التي كونت نسيج الحركة الصوفية بالمغرب في العصر الوسيط، والتي نجد صداها في مختلف كتب المناقب المغربية والأندلسية الأخرى. فباستثناء بعض الخصوصيات المتعلقة بمستوى تكوينهم الثقافي ووضعهم الاجتماعي، فهناك نقط تلاق عديدة بين مكونات عالم أولياء التميمي وعالم غيره من مؤلفي المناقب، سواء تعلق الأمر بالمنشأ الاجتماعي للمتصوفة وبمسلكهم الشخصي والحياتي، أو بدورهم داخل المجتمع.
إن مؤلف المستفاد قد عاصر نشأة الخلافة الموحدية حسبما يدل على ذلك مصاحبته للولي أبي يعزى بمراكش على عهد المؤمن بن علي. لذلك يمكن القول إن الفترة التي عاصرها التميمي هي فترة يطبعها استقرار سياسي وازدهار حضاري أشادت به جل الكتابات القديمة والحديثة على حد سواء.

خاتمة
إن كتاب "المستفاد" باعتباره أقدم نص مناقبي مغربي وصلنا يدشن لمرحلة انطلاقة التأليف في مناقب الأولياء التي ستعرف طريقها بعده بقليل، والتي جاء بعضها كخطاب مضاد لخطابه كما نلمس ذلك عند التادلي بصفة خاصة.
إن الظرفية التي تحكمت بإنتاج "المستفاد" جعلته لا يفصح مباشرة عن استفحال ظاهرة التصوف الإصلاحي ذي النزعة الاعتراضية سياسيا. ففي تغييبه للصراع بين السلطة الموحدية والمتصوفة لصالح إبراز المواجهة بين هؤلاء والفقهاء، وإعطائه الأولوية للبعد الديني الأخلاقي في ممارسات الأولياء ما يدل على نجاح سياسة الاحتواء التي سنتها السلطات الموحدية تجاه المتصوفة ورموزها. من جهة أخرى، نجد أن معارضة نصوص "المستفاد" وكرامات الأولياء بشهادات غيره، وخاصة شهادة التادلي، تبرز ميل التميمي إلى إخفاء أوجه المعارضة المحتملة والمواجهة بين المتصوفة والسلطة.
وإذا كان إغفال التادلي لذكر كتاب "المستفاد" "قد يفهم في ضوء ما وصف به صاحبه من قلة الضبط"(10)، فإنه يفهم كذلك وبطريقة أوضح في ضوء موقف الرجلين من الجهاز الموحدي، والذي يبدو انه كان على طرفي نقيض؛ إذ بدا لنا التميمي غير معارض إن لم نقل إنه بدا مساندا للسلطة الموحدية.

الهوامش
(1) - ابن الأبار، التكملة لكتاب الصلة، ج1/ص 374-375. ابن عبد الملك المراكشي، الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة، السفر 8، تحقيق د. محمد بنشريفة، الرباط، ص 352.
(2) - المستفاد ترجمة 18
(3) - المصدر نفسه، ترجمة 3
(4) - المصدر نفسه، ترجمة 6
(5) - انظر كلام المحقق
(6) - انظر كلام محقق الكتاب
(7) - ترجمة 62
(8) - انظر كلام المحقق
(9) - انظر كلام المحقق
(10) - التشوف، 18 من مقدمة التحقيق

مؤلفات في التصوف

ظل التصوف المغربي عبر مسيرته التاريخية المضيئة مرتبطا في أصوله ومنطلقاته بمنابع التشريع الإسلامي من كتاب وسنة وإجماع وقياس، وترجم ذلك مشايخه الذين تمسكوا بالسنة المحمدية الغراء قولا وفعلا، مبدأ وهدفا.

وظل هؤلاء المشايخ العلماء ينشرون الإشعاع العلمي والثقافي والروحي داخل المغرب وخارجه، وتجلى ذلك في المؤلفات والمصنفات الجمة المفيدة التي ألفوها في هذا اللون من الذوق والعرفان الذي عرفه المسلمون من لدن النشأة الإسلامية إلى الآن، والتي منها مثلا:

*- التشوف إلى رجال التصوف وأخبار أبي العباس السبتي- لابن الزيات التادلي

*- المقصد الشريف والمنزع اللطيف في التعريف بصلحاء الريف، لعبد الحق بن إسماعيل البادسي

*- المستفاد في مناقب العباد بمدينة فاس وما يليها من البلاد، لأبي عبد الله محمد بن عبد الكريم التميمي الفاسي

*- دعامة اليقين في زعامة المتقين (مناقب الشيخ أبي يعزى)، لأبي العباس العزفي

التشوف إلى رجال التصوف وأخبار

يعد كتاب "التشوف إلى معرفة رجال التصوف" لابن الزيات"، الذي ألف عام (617هـ/1220م)، من أهم المصادر التراثية المغربية التي استطاعت الكشف عن مناقب كثير من الصلحاء والأولياء في المغرب. ويعتبر يوسف بن يحيى التادلي أول من أرخ للتصوف ورجاله بالمغرب.

وقد ضم هذا المؤلف بين دفتيه أخبار ما يربو عن سبعة وسبعين ومائتين من أبرز رجالات العلم والولاية والكرامات بالمغرب، وأكثرهم من صلحاء الجنوب، وذلك إلى حدود سنة (517هـ/1123م).
كما احتوى هذا المؤلف نصا آخر للتادلي، خصصه لأخبار أبي العباس السبتي.

الكتاب يمثل رصيدا تاريخيا مهما
يشتمل هذا المؤلف إلى جانب تلك التراجم والأخبار، على مادة تاريخية في غاية الأهمية والدقة، تخص الجانب الاجتماعي والفكري والسياسي من تاريخ المغرب، سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار الظرفية الزمنية الدقيقة التي ألف فيها هذا المصنف. وقد مثلت الفترة الزمنية الممتدة ما بين القرن الخامس والقرن السابع للهجرة منعطفا حاسما في التاريخ الثقافي بالمغرب الأقصى.
وبعبارة أدق، يمكن القول بأن مادة هذا الكتاب تضعنا أمام رصيد تاريخي مغر يفسر لنا الاهتمام المتزايد بالكتاب من قبل الباحثين في تاريخ المغرب خاصة، لا من زاوية التاريخ الديني فحسب، على حد تعبير "أدولف فور"، بل حتى من منظور التاريخ الكلي، اجتماعيا وثقافيا.
ثم إن المادة العلمية التراثية المبثوثة في ثنايا هذا المؤلف، وإن لم يكن القصد من ورائها التأريخ لعلم التصوف، حيث إن المؤلف قد أشار في مقدمة كتابه إلى أنه قد جرد الكتاب من علوم التصوف واقتصر على إيراد أخبار الرجال؛ فإنها مع ذلك تكشف بطريقة أو بأخرى جانبا مهما من تاريخ التصوف بالمغرب.

*- اهتمام الباحثين بتحقيق نصوص الكتاب
نظرا للأهمية العلمية التي تميز بها كتاب التشوف، اهتم كثير من الباحثين، سواء على الصعيد المحلي أو العالمي، وعلى مختلف مشاربهم، بتحقيق نصوص هذا الكتاب وإخراجها للوجود. حيث لقي هذا الكتاب عناية خاصة في حياة المؤلف وبعد مماته، تجلت هذه العناية في عدة وجوه لعل أبرزها:
*- روايته بالسند في فهارس كبار الأعلام
*- اختصاره كما فعل أحمد بن علوان المصري (ت 787هـ) وأحمد بن عبد الله السملالي (ت1093هـ)، أو نظم رجاله كما فعل أحمد بن عبد القادر التستاوتي سنة (1127).
*- كثرة النقل عنه من الذين كتبوا في التراجم والمناقب سواء أشاروا إليه أو لم يشيروا، منهم على سبيل المثال صاحب جذوة الاقتباس وصاحب سلوة الأنفاس وصاحب الإعلام بمن حل بمراكش وأغمات من الأعلام.
*- التأليف على غراره في أخبار الصلحاء أفرادا وجماعات، والنسج على منواله في سرد تلك الأخبار وكأنه رسم نموذج هذه الكتابة وحدد معالم تلك الصورة. (1)
إلا أن هذا الاهتمام الكبير الذي حظي به هذا المصنف، سواء من حيث غزارة نسخه الموجودة في مختلف الخزانات الخاصة والعامة أو من حيث كثرة نساخه، جعلت هذه المادة التراثية تتعرض لكثير من التصحيف والمغالطات سيما ما تعلق منه بأسماء الأشخاص والأماكن.

النسخة التي بين أيدينا
كانت أول طبعة لكتاب "التشوف إلى رجال التصوف" لابن الزيات سنة 1958 قد صدرت ضمن مطبوعات معهد الأبحاث العليا المغربية (الجزء الثاني عشر). وهذه الطبعة كان قد اعتنى بتصحيحها ونشرها "أدولف فور" الذي كان إذ ذاك أستاذا بمعهد الأبحاث العليا المغربية.
وفي السنوات الأخيرة اعتنت كلية الآداب بالرباط بنشر طبعة ثانية من كتاب التشوف، ضمن سلسة نشر كتب التراث وإخراجها، في سنة 1997، في 544 صفحة من القطع المتوسط، وقام بتحقيقها الأستاذ أحمد التوفيق، وهي النسخة التي بين أيدينا.
لقد استجمع المحقق وهو بصدد تحقيقه لكتاب التشوف مجموعة من النسخ غير التي اعتمدها فور المحقق السابق لهذا الكتاب، فاستدرك بهذه النسخ عددا من الكلمات والجمل التي لا توجد في طبعة فور. لذلك سعى المحقق جاهدا إلى إبطال كثير من القراءات في الحواشي التي لم تثبت صحتها أو نسبتها.
أما تصحيح رسم الأعلام أو قراءتها فقد اعتمد فيه المحقق لغة المواطن الأصلية للمترجمين، ولا سيما القاموس الذي وضعه شارل دوفوكو للغة التوارك التي حافظت على كثير مما اندثر في المغرب الأقصى من الدلالات الصنهاجية.
كما أورد تعريفات مقتضبة لا يختنق بها النص لعدد من الأعلام، قصده من ذلك –كما أكد في مقدمة تحقيقه- تقريب القارئ من السياق المحسوس التاريخي والجغرافي للأخبار الواردة في الكتاب...
أضف إلى ذلك أن المحقق قد وضع خريطة تبين، ولو بصفة تقريبية في بعض الأحيان، مواقع القبائل والأماكن المذكورة ومواقع الرباطات ومدافن المترجمين.
كما ألحق الأستاذ أحمد التوفيق بهذه الطبعة ترجمة أبي العباس السبتي، وهي ليست من كتاب التشوف، لأن المؤلف قد وضعها تأليفا خاصا. ونسخها متوفرة بكيفية مستقلة أو ملحقة بالتشوف في مجلد واحد بمعظم المخطوطات المشار إليها.
هذه النسخة التي اعتمد في إخراجها على نسختين هما:
1- نسخة ملحقة بنسخة التشوف في الخزانة الملكية ..
2- نسخة ملحقة بنسخة التشوف الأميرية بالخزانة العامة
وفي الأخير وضع المحقق لكل من التشوف وترجمة أبي العباس السبتي فهارس للآيات القرآنية والأحاديث النبوية والقوافي والكتب وأعلام الأشخاص والجماعات والأمكنة والتراجم.(2)

التشوف ومشروع بعث رجالات التصوف بالجنوب
إن قصد ابن الزيات من تأليفه لهذا الكتاب هو "إعلام كثير ممن خفي عنهم من كان بحضرة مراكش من الصالحين ومن قدمها من أكابر الفضلاء". وهو ما قرره في مقدمة كتابه بقوله: "ولما خفي عن كثير علم من كان بحضرة مراكش من الصالحين ومن قدمها من أكابر الفضلاء، رأيت أن أفرغ لذلك وقتا أجمع فيه طائفة أدون أخبارهم وأضيف إلى ذلك من كان من أعمالها وما اتصل بها من أهل هذه العدوة الدنيا.
وربما ذكرت من قدم مراكش وما اتصل بها وإن كان من غيرها، إذا كان مماته بها. وذكرت من هو من أهل هذه العدوة وإن كان مماته بغيرها. وتحريت في نقل ذلك عن أهل الثقة والأمانة والخير والصلاح والمستورين ما استطعت. وربما ذكرت بإسنادي ما نقلته من ذلك. وربما سمعت الخبر من عدة طرق بألفاظ كثيرة.
فاعتمدت على أصحها سندا وأقربها إلى الصواب لفظا. ونبهت، عند ذكر كل رجل ذكرته، على مقامه المعلوم له. وإن كان مشتملا على أضراب من أفاضل العلماء والفقهاء والزهاد والورعين وغير ذلك من ضروب أهل الفضل؛ فإن اسم الصوفي يصدق على جميعهم بوضع هذا الاسم عند المحققين..."(3)
وربما كانت القضية المركزية التي كان يتمحور حولها هذا المؤلف هي رصد الواقع العمراني لمدينة مراكش خلال النصف الثاني من القرن السادس الهجري، وما واكب ذلك من تناقضات وتباينات. سيما ما شهدته البلاد في هذه الفترة من هزائم وتراجعات إن على المستوى السياسي أو العسكري كان أبرزها هزيمة عقاب..
هذا الواقع المرير كان يشعر الكثيرين سيما مع بداية القرن السابع بأن "رجال الفضل والصلاح" قد ولى زمنهم، وبتعبير المؤلف " وبالجملة فقد قل الصالحون المخلصون في هذا الأوان..." لذا وقع اهتمام المؤلف ببعث هذا الجيل من الفضلاء والأولياء والصالحين، وذلك بالتعريف بهم وبأحوالهم وأخبارهم.

أصل الرواة المصدر الوحيد لمادة كتاب التشوف
يضم كتاب "التشوف" تراجم عدد من الرجال الذين تنتهي إليهم معظم الأسانيد الصوفية في المغرب الأقصى..
وقبل أن يذكر المؤلف مختلف الأعلام المترجم لهم خصص مقدمة أو مدخلا لهذا المصنف ضمها سبعة أبواب اعتبرها لازمة:
الباب الأول: في صفة الأولياء
الباب الثاني: في حفظ قلوبهم وترك النكير عليهم
الباب الثالث: في محبتهم
الباب الرابع: في زيارتهم ومجالستهم
الباب الخامس: في حسن الثناء ووضع القبول لهم في الأرض
الباب السادس: في إثبات أحوالهم
الباب السابع: في إثبات كراماتهم ويشتمل على فصول..
وقد شرع في تصنيف هذا الكتاب كما ذكر في مقدمة الكتاب- "شهر شعبان المبارك من سنة سبع عشرة وستمائة، ولم أتعرض فيه لأحد من الأحياء، وأكبر من في وقتنا هذا، ممن هو حي الشيخ الصالح الصوفي أبو محمد صالح بن ينصارن بن غفيان الدكالي ثم الماجري نزيل رباط آسفي. وهو إلى الآن لا يفتر عن الاجتهاد والمحافظة على المواصلة والأوراد من كلامه: الفقير ليس له نهاية إلا الموت...: (4)
إن المادة الغزيرة والفريدة التي أودعها التادلي في مصنفه تومئ إلى أن هذا العمل قد تطلب منه جهدا جهيدا ووقتا طويلا ليجمع أخبار مائتين وتسعة وسبعين من الرجال والنساء من بينهم تسعة عشر من المجاهيل، ومن مختلف مناطق المغرب الأقصى من أغمات ومراكش وأعمالها ودكالة وركراكة وتادلة وهسكورة وسجلماسة وفاس ومكناس وسلا وسبتة ودرعة وسوس الأقصى وتلمسان وبجاية وغيرها.
وأول من ترجم لهم من الأولياء هو محمد بن سعدون القروي (ت 485)، وآخرهم أبو علي عمر بن علي (ت616). قال ابن الزيات: " واخترت أن أبتدئ وأختم بمن اسمه محمد تبركا باسم نبينا صلى الله عليه وسلم. والله سبحانه المسؤول والمأمول في المعونة على ما فيه رضاه والعصمة من الزلل في القول والعمل وان يجعل أعمالنا وأقوالنا خالصة لوجهه الكريم. إنه سميع مجيب وهو حسبي ونعم الوكيل."(5) 
ومما يستخلص من مختلف تلك التراجم أن هناك رجالا -سيما بعض الأندلسيين- ترجم لهم وهم كانوا مشهورين من طريق غير طريق ابن الزيات، ورجالا انفرد في الإخبار عنهم ورواية أحوالهم، ورجالا لم يعرفوا ويشتهروا إلا من طريقه، حيث أصبحت تلك التراجم عمدة لمن جاء بعد التادلي. وهؤلاء الذين نقل ابن الزيات أخبارهم بالسند عبر جيل أو جيلين أو ثلاثة أجيال، عاشوا ما بين القرنين الخامس والسادس الهجريين.
لذا يمكن القول بأن أصل الرواة هو المصدر الوحيد لمادة كتاب التشوف، فقد أخذ هذه الأخبار عما يربو عن خمسين من الرواة بلفظ "سمعت فلانا" و"حدثني فلان" وربما قال: "كتب إلي بذلك فلان"، ويقل في هؤلاء الرواة من نجد له ذكرا في كتب التراجم.
ويظهر بالاستقراء أن المؤلف قد نوع من مصادر استقائه لأخبار هؤلاء، فمنهم من كان على صلة مباشرة بالتادلي وباشرهم عن قرب. وجلس إليهم وراقب أحوالهم بنفسه.
كما يظهر بالاستقراء أيضا أنه أكثر من الرواية عن أشخاص معينين في أخبار مناطق معينة، كأخبار سجلماسة عن محمد بن أبي القاسم، وأخبار سبتة عن أحمد بن إبراهيم الأزدي، وأخبار تادلة عن عبد الله بن موسى، وأخبار دكالة عن داود بن عبد الخالق الخ. وقد روى بعض مخبريه عن طبقة أخرى من الرواة بالنسبة للجيلين الأولين من المترجمين.(6) 

خاتمة
إن قراءة متأنية لكتاب التشوف تكشف أن ابن الزيات لم يكن ذلك المؤلف الذي اقتصر ظاهر عمله على سرد الأحداث، وأخبار الرجال، وذكر كراماتهم وولاياتهم، بل كان واعيا بكنه ما يكتب، ومدركا لخصوصية المادة التي يجمعها.
وكأي مؤلف علمي، لم يسلم كتاب التشوف من بعض الثغرات والانتقادات، خاصة منها مؤاخذة البعض له لعدم إدراجه لترجمات كثير من الزهاد والصالحين، خصوصا في المنطقة التي اهتم بها وفي المدة الزمنية التي تناولها، حيث لم يدرج مثلا- ترجمة القاضي عياض والسهيلي وغيرهما رغم منحاهما الزهدي. فكانت هذه النقطة مما يؤاخذ على هذا الكتاب..
ثم جاء بعد التادلي عبد الحق البادسي، فأرخ لرجالات شمال المغرب، وأسماه "المقصد الشريف، والمنزع اللطيف، في التعريف بصلحاء الريف"، مستدركا بذلك جانبا مهما مما لم يذكره التادلي. ويبقى كتاب التشوف كتابا جليل الفائدة، وله أثر نفسي إيماني لمن قصد الاطلاع عليه، وهو المقصود الأسمى لهذا المصنف، فالمؤلف عندما برر في المقدمة ذكره لجملة من المجهولين والمجهولات قال: "إذ المقصود إيراد عجائب أخبارهم لعل الله أن ينفع بهم".

الهوامش
· - هو يوسف بن يحيى بن عيسى بن عبد الرحمان التادلي، المعروف بابن الزيات، كان شيخا وفقيها وقاضيا وأديبا. تذكر المصادر انه صحب أبا العباس السبتي، ولقي أبا محمد عبد الله بن سليمان بن داود بن حوط الله الأنصاري وأبا عمرو عثمان بن عبد الله الفاسي المعروف بالسلالقي أو السلالجي..
أخذ العلم عن شيوخ كبار من أمثال أبي موسى عيسى بن عبد العزيز القزولي الذي كان قطبا في علوم العربية، وأبي القاسم أحمد بن بقي الأموي... وغيرهما، وقد اكسبه التتلمذ على يد هؤلاء الكبار مكانة علمية كبيرة، ومتانة في اللغة العربية، الجانب الذي يبرز بشكل جلي في كتابه "التشوف".
ويعد كتاباه التشوف وأخبار أبي العباس السبتي من أبرز تآليفه في التصوف، وإن كانت تنسب إليه تآليف أخرى في صلحاء المغرب لم تثبت نسبتها إليه. توفي التادلي بركراكة سنة 627هـ وقيل سنة 628هـ.


(1) - انظر مقدمة محقق هذا الكتاب
(2) - انظر تفصيل المسألة في تقديم أحمد التوفيق لهذا الكتاب
(3) - انظر مقدمة الكتاب، ص 33- 34
(4) - انظر مقدمة الكتاب، ص 41
(5) - انظر كتاب التشوف إلى معرفة رجال التصوف، ص 83
(6) - راجع كلام المحقق في هذا الخصوص في مقدمة تحقيقه

دعامة اليقين في زعامة المتقين

يعد كتاب "دعامة اليقين في زعامة المتقين" لأبي العباس العزفي ثالث كتاب ضمن سلسلة الكتب المعروفة التي ألفها المغاربة في مناقب صلحاء المغرب بعد كتابي "المستفاد في مناقب العباد بمدينة فاس وما يليها من البلاد" للتميمي، وكتاب" التشوف إلى رجال التصوف" لابن الزيات التادلي.

وقد قصد المؤلف من الكتاب “"دعامة اليقين- ذكر أخبار الشيخ الشهير أبي يعزى يلنور، فتوسع في ذكر أخباره، وجعلها واسطة عقد كتابه. جاء في مقدمة الكتاب: ".. أشار علي من أمرهما رشيد ممثل، وبسرورهما وفضلهما يضرب المثل، أن أجمع من كرامات الشيخ الصالح بقية الأولياء، السابق في حلبة الأصفياء، أبي يعزى يلنور بن عبد الرحمن بن أبي بكر الأيلاني..ما صح منها بالتواتر والاستفاضة. وما تقرر لدي عند البحث بالمجاراة فيها والإفاضة وما بلغني منها على حكم الإسناد، وتهذيبه عند النقاد، أو الإرسال عن الأفاضل الثقات، والصالحين ذوي الثقاة. فلبيت دعوتهم المرضية، وحمدت همتهم العلوية، وشكرت الله تعالى حين جعل أمراءنا من صالحينا، ووفقهم للمنافسة في الحقائق والمعارف والفضائل والعوارف حينا فحينا."(1) 
ويعد الشيخ أبي يعزى يلنور من الشخصيات التي حظيت باهتمام واسع في كتب المناقب، إذ قلما تجد كتابا من هذه الكتب يخلو من ذكر أخبار هذا الشيخ. بل إن هذا الاهتمام نلاحظه حتى في كتب طبقات المشارقة. كما أفرد أبو العباس أحمد بن أبي القاسم بن محمد الشعبي الصومعي التادلي في نهاية المائة العاشرة للهجرة مصنفا لذكر أخبار أبي يعزى نقلا عمن تقدموا، وسماه "المعزى في مناقب الشيخ أبي يعزى".

دعامة اليقين ومحاولة تجاوز الأزمة
إن تأليف "دعامة اليقين"يأتي في ظرفية تاريخية صعبة، إذ يتزامن وفترة تراجع المد الموحدي بعد هزيمة الجيش الموحدي في موقعة العقاب بالأندلس (609هـ). تلك المعركة التي استشهد فيها عدد كبير من الزهاد والصالحين، وعلى رأس هؤلاء زاهد علماء سبتة "أبو الصبر أيوب" صاحب أبي يعزى..
لذا يمكن اعتبار مشروع العزفي في هذا الكتاب يتغيا منه تجاوز الأزمة؛ أزمة الدولة الموحدية المختنقة بنكسة الجهاد على الساحة الإيبيرية بعد عام 609هـ وأزمة الثقافة الرسمية المواكبة لها في ارتباط مع عقيدة المهدي...(2)
من هنا نستطيع تحديد زمن تأليف هذا المصنف ما بين عام (609هـ)، وهو عام العقاب واستشهاد أبي الصبر، وبين عام 621هـ، وفيه قتل الرجل الصالح المتورع الزاهد أبو محمد عبد الواحد- الذي بايعه أشياخ الموحدين على كره منه..

أبو العباس العزفي: العالم السبتي
ويعد أبو العباس أحمد بن القاضي أبي عبد الله محمد بن أحمد بن محمد اللخمي، المعروف بابن أبي عزفة. المولود عام سبعة وخمسين وخمسمائة، من أعلام عصره بسبتة. الشيخ الفقيه الجليل السني الفاضل. اشتهر بعلمه وعمله ودرايته. لزم التدريس بمدينة سبتة مدة طويلة، تتلمذ له الناس من مختلف الآفاق والطبقات من سبتة إلى أقاصي سوس..

أخذه العلم عن شيوخ أجلاء من أقطاب العصر في المغرب والمشرق، منهم أبوه القاضي أبو عبد الله والزاهد أبو محمد الحجري والقاضي ابن زرقون والخطيب ابن حبيش والمحدث ابن بشكوال والمقريء ابن خير.. وأخذ العلم عنه ناس كثيرون واستفادوا من علمه الغزير(3).

توفي أبو العباس العزفي سنة ثلاث وثلاثين وستمائة وقد خلف مؤلفات عديدة منها: منهاج "الرسوخ إلى علم الناسخ والمنسوخ"، و"إثبات مالا منه بد لمريد الوقوف على حقيقة الدينار والدرهم والصاع والمد"، و"الدر المنظم في مولد النبي المعظم"... وغيرها من المصنفات.

مادة "دعامة اليقين"
قسم المؤلف مادة "دعامة اليقين" ورتبها على سبعة أبواب. وقد مهد لهذه الترجمة بمقدمة مستفيضة في ذكر الولاية والكرامة، حيث تحدث فيها عن نسب الشيخ، ومجاهداته وأشياخه وكراماته والآخذين عنه وإخوانه. ثم ختم بذكر آداب زيارة روضته وما للمؤلف من اتصال في النسبة بهذا الشيخ المترجم. كما خصص جزءا مهما من الكتاب للحديث عن الخضر وهو ذو المكانة الرفيعة في أخبار المتصوفين.
وقد اعتمد العزفي في سرده لأخبار أبي يعزى على منهج المحدثين ومصطلحهم،إذ ميز في أخبار أبي يعزى مما أسنده بين المتواتر بأنواعه والمرسل بأنواعه؛ لأن في هذا المنهج دعامة للموقنين وإفحاما للمنكرين. سيما إذا كان استعمال قواعد الإسناد، والتحري في تطبيقها، يجيء من طرف رجل متفق على ضبطه وتحريه من مثل العزفي..(4)

الهوامش:
(1) - دعامة اليقين في زعامة المتقين (مناقب الشيخ أبي يعزى)، لأبي العباس العزفي، تحقيق أحمد التوفيق، ص 1-2. مكتبة خدمة الكتاب، الرباط
(2) - انظر مقدمة المحقق للكتاب، ص هـ، و
(3) - المصدر نفسه، ص 42-43
(4) - انظر مقدمة المحقق للكتاب، ص ب، ج

نبذة عن الشيخ سيدي أحمد التجاني وطريقته

لقد ساهمت المملكة المغربية إسهاما حقيقيا ولعبت دورا محوريا في نشر الإسلام وبناء قيمه الروحية والعلمية والحضارية في العالم ولاسيما عن طريق النماذج الخيرة من شيوخ التصوف وتلاميذهم من التجار وذوي السلوك . من بين مسالك هذا الإشعاع المشرب التجاني الذي انطلق من المغرب حيث حل الشيخ التجاني ووقع احتضان طريقته رسميا وشعبيا .

هو الشيخ العارف بالله العالم الرباني المربي الشهير أبو العباس أحمد بن محمد بن المختار بن أحمد بن محمد بن سالم. التجاني، الشريف الحسني. يتصل نسبه بالإمام محمد النفس الزكية بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن مولانا علي وسيدتنا فاطمة الزهراء بنت سيد الوجود صلى الله عليه وسلم.

ولد الشيخ سيدي أحمد التجاني بقرية عين ماضي 1150 هـ / 1737م وتوفي بمدينة فاس عام 1230 للهجرة (14 - 1815 للميلاد) ودفن بزاويته بالحومة المعروفة بالبليدة من محروسة فاس.

وقد اعتنى والده بتربيته مند صباه، حيث حفظ القرءان الكريم وهو لم يتجاوز السبع سنين، ثم طلب العلوم وبرز فيها، ولما بلغ إحدى وعشرين سنة تطلع إلى النهل من معين التصوف، فسافر سفره الأول إلى فاس سنة 1171 هـ، قاصدا كبار أهل الله من الشيوخ العارفين. ولقي في هذه الرحلة بعضا من أكابر الشيوخ . كان من جملتهم الشيخ الإمام مولاي الطيب بن مولاي محمد بن مولاي عبد الله الشريف بوزان. والشيخ الكبير العارف مولاي أحمد الصقلي بفاس. وسيدي محمد الحسن الوانجلي بجبل الزبيب، وكذا الشيخ العارف سيدي عبد الله ابن العربي بن أحمد من أولاد معن الأندلس، والشيخ سيدي أحمد الطواش بتازة. فهؤلاء أشهر من لقيهم الشيخ سيدي أحمد التجاني في سفره الأول إلى فاس.

وذكر العارف بالله خليفته سيدي العربي بن السائح أنه في هذا السفر حضر مجالس بعض كبار أهل العلم بفاس، وسمع بها شيئا من الحديث. وأقام بجبل العلم مدة أخذ فيها القراءة والتجويد على بعض المتقنين لذلك.

وأخذ في هذه الرحلة عدة طرق عمن كان يلقنها من المشايخ فأخذ الطريقة القادرية بفاس. والناصرية عن سيدي محمد بن عبد الله التزاني بالريف، وأخذ طريقة الشيخ العارف سيدي محمد الحبيب السجلماسي الصديقي عن بعض شيوخها بفاس.

ويتضح مما ذكر أن الشيخ سيدي أحمد التجاني رضي الله عنه جال في ربوع المغرب من فاس إلى تازة والريف ووزان وجبل العلم حيث مرقد القطب الكبير، مولانا عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه. كل ذلك طلبا لملاقاة كبار شيوخ العصر من الصوفية المربين.

ثم رجع الشيخ بعد ذلك إلى الصحراء، وقصد البلد الأبيض حيث زاوية الشيخ سيدي عبد القادر بن محمد ( المعروف بسيدي الشيخ ) القطب الصديقي الشهير. ونزل بهذه الزاوية مدة خمس سنين قضاها في العبادة والتبتل والتدريس والإفادة.

ثم انتقل إلى مدينة تلمسان وأقام بها مدرسا معلما مرشدا نافعا، دون ادعاء مشيخة ولا طريق خاص مستقل، ومكث بها إلى غاية عام 1186 هـ , حيث عزم على شد الرحلة لزيارة بيت الله الحرام وأداء فريضة الحج، وزيارة مرقد المصطفى عليه الصلاة والسلام. وفي طريقه الى تونس لقي الشيخ سيدي محمد بن عبد الرحمن الأزهري، فأخذ عنه الطريقة الخلوتية.

ثم حل بمدينة سوسة وأقام بها سنة كاملة، درّس فيها العلم، وخصوصا " الحكم العطائية " وطلب في مدة إقامته بها ملاقاة شيخ زمانه وقطب وقته سيدي عبد الصمد الرحوي، فكانت بينهما مهاداة ومكاتبة.

وبعد انقضاء سنة على إقامته بتونس ركب البحر إلى مصر، وبها لقي الولي الكبير، والعارف الشهير سيدي محمود الكردي.

ثم توجه لبيت الله الحرام، ودخل مكة المشرفة في شهر شوال سنة 1187 هـ. وعلم بوجود شيخ كبير بها وهو العارف بالله سيدي أحمد بن عبد الله الهندي، فكاتبه وراسله، وكانت بينهما مواصلة بالمكاتبة فقط دون ملاقاة.

ثم لما قضى الشيخ حجه ونسكه، رحل لزيارة المصطفى عليه الصلاة والسلام. وبالمدينة المنورة لقي القطب عبد الكريم السمان المتوفى عام 1189 هـ.

وبعد قضاء حجه وزيارته رجع رضي الله عنه إلى مصر، فمكث بها مدة عند شيخه سيدي محمود الكردي، وهناك ذاع صيته، وقصده الناس.

وفي عام 1188 هـ. رجع إلى تلمسان وأقام بها مدة ثمانية أعوام. ولقي في هذا العام صاحبه وتلميذه العلامة سيدي محمد بن محمد بن المشري السباعي مؤلف كتاب " الجامع لما افترق من العلوم".

وفي مدة إقامته بتلمسان كان يتردد على فاس مرات متعددة، لزيارة المولى إدريس الأزهر، وملاقاة الرجال من أهل العلم والمعرفة. وهكذا وفي عام واحد وتسعين ومائة وألف، وفي إحدى زياراته لفاس لقي بمدينة وجدة، صاحبه وخليفته سيدي علي حرازم برادة الفاسي مؤلف كتاب " جواهر المعاني " المتوفى قيد حياة الشيخ سنة 1218 هـ في رحلته للحج. ودفن مع شهداء بدر رضي الله عنه.

وفي عام 1196 هـ. رحل من تلمسان إلى قرية أبي سمغون والشلالة بالصحراء. وفي مدة إقامته بها رحل إلى بلاد " توات " لملاقاة أحد كبار الشيوخ وهو سيدي محمد بن الفضيل. وفي أحد أسفاره لقي صاحبه سيدي العربي الدمراوي التازي.

وكان الشيخ سكن بقرية الشلالة من 1196 إلى 1199 ، حيث انتقل إلى قصر أبي سمغون وسكنه إلى غاية عام 1213 هـ.

وفي هذه السنة أي عام 1213 هـ. ارتحل بصفة نهائية بأهله وعياله إلى مدينة فاس. واتخذها دارا وقرارا إلى أن وافاه الأجل المحتوم عام 1230هـ .

وعندما استوطن الشيخ سيدي أحمد التجاني مدينة فاس، سطع نجمه، وظهر علمه، وذاع صيته، حيث تعرف عليه السلطان مولانا سليمان العلوي رضي الله عنه. وهو الإمام العدل العالم فأكرم مثواه وأنزله منزلة رفيعة، وأسكنه دارا من دوره المعتبرة، لما رأى من غزارة علمه، وجلالة قدره.

والملاحظ في حياة الشيخ سيدي أحمد التجاني رضي الله عنه مسألتان أساسيتان:

الأولــى: أن حياته وعطاءه وشخصيته تميزت بمرحلتين مختلفتين تماما : مرحلة ما قبل 1196هـ . ومرحلة ما بعدها.

فمرحلة ما قبل 1196 . كان الشيخ فيها طالبا بحاثا عن العلم والمعرفة والشيوخ كثير الأسفار والرحلات، آخذا عن جمع من شيوخ الطرق. ولم يتصدر خلال هذه المرحلة لمشيخة.

وفي مرحلة ما بعد 1196 . تفرد بطريقته الخاصة به، وتصدر للمشيخة وإعطاء الطريقة، ووضع منهجا سلوكيا تربويا بقواعد مضبوطة وشروط معتبرة.

الثانــية : أن دخوله فاسا واستيطانه بها، كان مرحلة هامة حيث لم يغادرها إلى غيرها على سبيل الإقامة. وبها بنى زاويته، فكانت منطلق طريقته، وبها موطنه ومدفنه. ومنها خرجت هذه الطريقة المباركة وانتشرت في الآفاق .

لقد كان للطريقة التجانية القدم الراسخ واليد الطولى في نشر الثقافة والعلوم الإسلامية وتربية الأجيال تلو الأجيال على المحبة والسلام والوئام ،محققة بذلك وحدة روحية وهوية ثقافية تجمع شعوب إفريقيا وقبائلها وأجناسها وحدة تجمع بين المادة والروح ، والعلم والعمل ، والدين والدنيا .

وظلت هذه المبادئ مترسخة ، قائمة ، قوية بفضل رعاية ملوك وأمراء الدولة العلوية وحدبهم المتواصل ، ومجهوداتهم المحمودة في الحفاظ على هذا الموروث العلمي والروحي الذي يشكل جزءا لا يتجزأ من الذات الإسلامية ويمثل بجلاء دين الاعتدال والسلم والوسطية .

ومن هنا فإن تنظيم المغرب لهذه التظاهرة الهامة ينطلق مما يلي :

1 - رعاية الوشائج الناتجة عن العلائق التاريخية مع الخارج كما أثمرتها الطريقة التيجانية .

2- رعاية الإسلام في عمقه الروحي كما تمثله الطرق المنطلقة من أرضه .

3- التجاوب مع العرفان المستديم عند الآخذين بالطريقة التجانية الذين ينظرون إلى المغرب على أساس أنه التربة التي انطلقت منها هذه المنابع الخيرة .

4- التطلع إلى أنواع الفضائل والفوائد المرتقبة من لقاءات من هذا المنطلق لصالح البلدان التي تغطيها ظلال الشجرة التجانية روحيا وأخلاقيا واجتماعية .

5- الإسهام في تعزيز أنواع من الصلات والتقارب التي من شأنها تقوية أخلاق الإسلام وكل المبادرات التي تتطلبها تحديات العصر الحاضر ولاسيما في مجال التضامن وحفظ الأمن والوئام .

6- خلق فرصة لإطلاع الإخوة المنتسبين للطريقة الروحية التجانية على جهود المملكة المغربية من أجل بناء نموذج من التدبير في المجال الديني يراعي صيانة كل المقومات الأساسية في ديننا الحنيف ويراعي ما يتطلبه العصر من الانخراط الفاعل في صيانة القيم وحفظ كرامة الإنسان.

الإعلام بحدود قواعد الإسلام للقاضي عياض

يعتبر كتاب " الإعلام بحدود قواعد الإسلام" لمؤلفه القاضي عياض من أهم ما ألفه المؤلف من كتب للمتعلمين المبتدئين فيما يتعلق بأركان الإسلام و قواعد الدين وتبسيطها للناشئة من أبناء المسلمين. وقامت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بتجديد طباعة هذا الكتاب الذي حققه العلامة محمد بن تاويت الطنجي فتم ظهوره أنيقا في 141 صفحة و ذلك من سنة 1422هـ الموافق 2001 م .

يعد القاضي عياض من كبار علماء المغرب ، وإمام وقته في الحديث وعلومه وفي النحو واللغة وأخبار العرب وأيامهم وأنسابهم. وهو أحد رجالات المغرب الموسومين بالولاية والصلاح والمشهورين بالتصوف. كان إمام وقته في علوم شتى، حتى قال عنه الإمام المقري: "لا يمتري من سمع كلامه العذب السهل المنور في وصف النبي صلى الله عليه وسلم، ووصف إعجاز القرآن، أن تلك نفحات ربانية، ومنحة صمدانية خص الله بها هذا الإمام، وحلاه بدرها النظيم ". (1) حقق القاضي عياض شهرة واسعة حتى قيل: "لولا عياض لما عُرف المغرب".(2)

كتاب "الإعلام بحدود قواعد الإسلام"

يصنف كتاب الإعلام ضمن كتب الفقه المبسط والشهير، إذ يعد كتابه هذا من أخصر وأوضح ما ألف في قواعد الإسلام وأركانه وفق المذهب المالكي. كان الغرض من تأليف هذا المؤلف هو إفادة المتعلمين المبتدئين من أطفال المسلمين وغيرهم من عامة المؤمنين، كما هو الشأن في تآليف عديد من علماء الإسلام لهذا الغرض.
تناول القاضي عياض في مصنفه هذا قواعد الإسلام الخمس. وبين هذه القواعد بأسلوب بسيط وسهل، ذاكرا ما يشتمل عليه مضمونها من أحكام، بدءا من عبارة الشهادتين وما تتضمنه، مما يجب اعتقاده في جانب الله من الصفات الواجبة له تعالى، والمستحيلة في حقه، والجائزة في حقه سبحانه.
ثم أردف ذلك بأحكام الطهارة المائية ثم الترابية، فالصلاة، فالصيام، فالزكاة، فالحج؛ مركزا على ذكر كل ما يتعلق بأحكام كل فريضة من شروط وأركان وسنن ومستحبات.. على اعتبار أن ذلك مما ينبغي تعلمه، وتجب معرفته في حق كل مسلم ومسلمة، لتكون عبادته لله وفق تلك القواعد والأركان سليمة صحيحة، وفق الأحكام الشرعية المطلوبة.
كما بسط المؤلف القول في الصلوات المسنونة، كصلاة العيدين، والاستسقاء، والخسوف والكسوف، ذاكرا كل ما يتعلق بهذه العبادات المسنونة من أحكام وشروط وسنن، وكل ما يجب على عامة الناس معرفتها من تلك الأحكام، وفي حق كل من يؤم بهم في الصلاة بكيفية خاصة.
لذلك عد هذا المصنف من الكتب التي لابد من تحصيلها لمن وجبت عليه معرفة أركان الإسلام من المتعلمين المبتدئين. وضروري كذلك لكثير من القيمين الدينين فيما تضمنه من أحكام العبادات وفق المذهب المالكي، وفروعه الفقهية الميسرة.
وقد عملت وزارة الأوقاف على طبع هذا الكتاب، بتحقيق الأستاذ المحقق المرحوم محمد بن تاويت الطنجي

المقصد الشريف والمنزع اللطيف في التعريف بصلحاء الريف

إذا كان "ابن الزيات التادلي" في كتابه "التشوف إلى معرفة رجال التصوف" قد اهتم بذكر أخبار رجالات التصوف بالجنوب إلى حدود سنة (517هـ/1123م)، فإن عبد الحق البادسي· من بعده قد أرخ لرجالات التصوف في شمال المغرب، في الفترة الممتدة ما بين منتصف القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي، إلى أوائل الثامن الهجري /الرابع عشر الميلادي. وذلك في كتابه الموسوم بـ"المقصد الشريف، والمنزع اللطيف، في التعريف بصلحاء الريف".

 المؤلف يستدرك ما فات ابن الزيات ذكره من رجال وصلحاء الريف..
أشار المؤلف في المقدمة إلى الغرض الذي من أجله ألف هذا الكتاب فقال: "وبعد، فإن علماءنا المتقدمين -رضي الله عنهم- قد اعتمدوا بما ظهر لسالف هذه الأمة من الكرامات، ومهدوا القواعد التي قامت عليها أصول المقامات، وفسروا ما غمض من إشاراتهم، وكشفوا عن خفي عباراتهم، ونقلوا ما صح من كراماتهم، كالإمام الأوحد أبي القاسم القشيري، والعلامة الأعرف أبي طالب المكي، والحافظ المحافظ أبي نعيم الأصبهاني...؛ وكلهم إنما ذكروا أهل المشرق المشرق، غير معرجين على أهل المغرب المغرب، ثم إن الأديب المحسن المتفنن يوسف بن الزيات، أتى في كتابه الموسوم بـ" التشوف إلى رجال التصوف" بآيات؛ وذكر أن الحامل له على تأليف ذلك الكتاب، ما أهمله من تقدم من المصنفين والكتاب، فذكر فيه جملة من صلحاء المغرب، بأدب بارع وشأن مغرب، وبالغ في ذكر المصامدة، مظهرا لكل شيخ محاسنه ومحامده، ولم يعرج في تلك الأحياء، على ذكر أحد من الأحياء، وجعل المنتهى، فيما إليه انتهى، سنة ست عشرة وستمئة، وغفل فيما آثره من الحسن والإحسان، عن الريف الكائن ما بين مدينتي سبتة وتلمسان؛ ولعل ذلك لبعده من مكانه، وعدم اتصاله بأحد من سكانه، فانطمس عليه معرفة أبنائه، وعز لديه تسوغ أخبائه؛ وقد كان استقر بالريف المذكور، في سائر الأزمنة كل مشهور، لم يقصر في جده عن الأكابر، المشتهرة ولايتهم في الزمن الغابر، فرأيت تتميم صلته، وتنظيم فصيلته، بذكر من كان ببلاد الريف، من ولي يجب به التعريف، حتى يعلم انه كان بريفنا المهمل، من أحسن في الطاعة وأجمل (...) وسميت هذا الكتاب، المرجو من الله به حسن المآب بـ "المقصد الشريف، والمنزع اللطيف، في التعريف بصلحاء الريف"(1)
من هذا النص نستشف أن المقصد الأسمى الذي من أجله ألف البادسي هذا الكتاب هو استدراك ما فات ابن الزيات ذكره من رجال وصلحاء الريف..

 مقدمات ضرورية في التصوف
يضم كتاب "المقصد الشريف" مقدمة وثلاثة أقسام:
*- وقف في المقدمة على الأسباب والبواعث التي من أجلها ألف هذا الكتاب..
*- ثم تحدث في القسم الأول عن المقامات والكرامات، وضمنه أربعة فصول:

  •  في الولاية والولي

تناول في هذا الفصل مفهوم الولاية؛ وذكر أن الولاية في اللغة على وجوه، وأن أصلها الموالاة. كما اختلف في معنى الولي؛ فقيل فيه إنه من تولى الله أمره.. وقيل: هو من تولى عبادة الله وطاعته على التوالي، من غير أن تتخلل طاعته معصية، فشرط الولاية الاستقامة، والاستقامة شرط في التوبة... وذكر أن الولاية على ضربين: ضرب خاص، وضرب عام، الخاص قوله تعالى: (إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين)، والعام: ولاية المؤمنين، قال الله تعالى: (الله ولي الذين آمنوا)، (والله ولي المومنين)...
ثم إن الأولياء على ثلاثة طبقات -كما نقل ذلك عن الشيخ أبي الحسن علي بن محمد المراكشي في كتابه الذي سماه بـ"مناقب الأولياء، وصفة سلوك الأصفياء"-:
- الطبقة الأولى: هم قوم لا يخرجهم الله تعالى عن الخلق، ويكونون بين الناس، لا يعرف ولايتهم إلا الله تعالى...
- الطبقة الثانية منهم، وهم قوم لا يسكنون إلى احد، ولا يهدأون عن الانتقال من بلد إلى بلد، لا يشتغلون بمكسب، أشغلهم المسبب عن السبب...
- أما أهل الطبقة الثالثة فقد قال عنهم علي بن محمد المراكشي: إذا أدخل الله الولي في ولايته حماه من الدنيا وزهده في حلالها؛ لأن حلال الدنيا حساب، وحرامها عقاب، ثم ينظر الله تعالى إليه باللطف الخفي الذي لا يطلع عليه غيره، فيحفظه ويكلؤه، ثم يخرجه عن كل موجود سواه، حتى يخلصه من جميع العلائق ظاهرا وباطنا...
فالطبقة الأولى صفتهم علم اليقين، والطبقة الثانية صفتهم عين اليقين، والطبقة الثالثة صفتهم حق اليقين.. فعلم اليقين كمن سمع بمنزل ثم عمل عليه ليراه ويدخله، وعين اليقين كمن رأى المنزل وعدل عن دخوله، وحق اليقين كمن دخل المنزل ورأى المنزول به،... فعلم اليقين لعامة الأولياء، وعين اليقين لخاصة عامة الأولياء، وحق اليقين لخاصة خاصة الأولياء.(2)

  • في الفقر والفقير

أما الفصل الثاني فتناول فيه مفهوم الفقر والفقير، وذكر أن الفقر: هو الافتقار إلى الله تعالى في كل حال وفي كل نفس، والفقر المحمود هو فقر الاختيار، ومعناه أن يلازم الفقر إيثارا له على الغنى، وتكلم الناس في تفضيل الفقر على الغنى..

  •  في بيان مفهوم التصوف

وفي الفصل الثالث من القسم الأول وقف فيه على مفهوم التصوف ونشأته، واختلاف العلماء في سبب التسمية، وعقب على كل تعريف ثم قال: والكلام في الصوفي والتصوف كثير، وإيراده يقطع دون المراد.

  •  في إثبات كرامات الأولياء

وخص الفصل الرابع من هذا القسم لإثبات كرامات الأولياء، فأورد اختلاف العلماء في إثبات الكرامة للأولياء، وأكد أن أهل السنة أجمعوا على جواز خرق العادة للأولياء على وجه الكرامات.
كما بين الفرق بين الكرامة والمعجزة، فقال: "فإن قيل: ما الفرق بين الكرامة والمعجزة؟ قلنا: لا يفترقان في جواز الفعل إلا بوقوع المعجزة حسب دعوى النبوءة ووقوع الكرامة دون دعوى النبوءة، ودليلنا في إثبات الكرامة ما لا سبيل إلى رده في مواقع السماع.." (3) 
وتفرغ في القسم الثاني للحديث عن حياة الخضر عليه السلام والتعريف ببعض أحواله، فأشار إلى أن المفسرين اتفقوا على أن المراد بقوله تعالى في قصة موسى في سورة الكهف: (فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما) إلى آخر القصة، أنه هو الخضر.
إلا أنهم اختلفوا في حقيقة اسمه، وسبب تسميته بالخضر. كما اختلفوا في حياة الخضر. والراجح في نظر المؤلف أنه أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه اجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم، وانه عزى فيه أهل بيته بعد موته وهم مجتمعون لغسله...
قال المؤلف: "قد تضافرت الأخبار بحياة الخضر، وحكايات الصوفية في ذلك كثيرة مشهورة، وعندهم أن رؤيته من الولاية، وكل من ذكر منهم أنه رآه على صفة غير الصفة التي يراه عليها غيره؛ وحكى القشيري والمطموعي وأبو طالب المكي وغيرهم رؤية الصالحين له في مواضع كثيرة.
ثم قال: سألت شيخنا الفقيه الورع الزاهد المدرس إسحاق بن مطهر الورياغلي المعروف بالأعرج بمدينة فاس “حرسها الله- عن حياة الخضر، فقال: هو حي، وكل من فيه خصلة من خصاله، مثل الزهد، والورع، واليقين، والصبر، والرضى، يراه: وقد رأيت من رآه في هذه الأيام.(4)

 ترجمة 46 من صلحاء الريف
أما القسم الثالث فيتضمن التعريف بالمشايخ الأجلة من صلحاء الريف، وهو المقصد الأسمى من هذا التأليف، حيث ذكر ترجمة 46 من المشايخ الصلحاء المستقرين بحوز الريف؛ ما بين مدينتي سبتة وتلمسان ، هؤلاء الذين عاشوا ما بين زمانه وزمان أبي مدين، وهو ما أشار إليه بقوله: "ويتلو ذلك ما تيسر من ذكر كل ولي بين زماننا هذا، وزمن الشيخ العارف أبي مدين".
استغرقت مدة تأليف المقصد نحو سنة، إذ فرغ من تأليفه سنة (711هـ/1311م)، حيث ابتدأه في صدرها، وأنجزه في آخرها، وعلى حد تعبيره: " وابتدأته في صدر سنة إحدى عشرة وسبعمائة، ونجز في آخرها، وانتسخت هذه النسخة من مسودته بعد تحررها، وإعادة النظر فيها، برسم خزانة الشيخ الفقيه الرئيس الحسيب المجيد... أبي فارس عبد العزيز ابن الشيخ الحسيب المعظم الأكمل الأفضل، أبي العلاء صاعد ابن أبي الوليد إسماعيل بن صاعد الجهني، أدام الله اعتناءهم بالعلم وأهله.."(5)

 بين منهج أبي نعيم في الحلية، ومنهج ابن الزيات في التشوف
لقد جمع المؤلف في تأليفه هذا الكتاب بين منهج أبي نعيم في الحلية، ومنهج ابن الزيات في التشوف. فمنهجه أن يحلي المترجم بالحلى التي تناسبه، ويذكره بالمقام الذي وصل إليه، ويعقب على ذلك بقوله: وقد قيل إن التصوف كذا وكذا،.يقول المؤلف: " فانحل كل واحد منهم تحلية، كما صنعه الحافظ أبو نعيم في الحلية، وذلك مثل قوله: وقد قيل إن التصوف تحقيق وتدقيق. وجعلت تخطيط كل واحد منهم وتحليته بسجع،(أي بأسلوب مسجوع) حسبما التزمته من الأبيات عقب ذكر كل شيخ منهم رضي الله عنهم".
ثم بعد ذلك يذكر موطن المترجم، والقبيلة أو المنطقة التي ينتمي إليها، كما يشير إلى مختلف المدارس أو الزوايا التي تتلمذ بها، ويعد الشيوخ الذين أخذ عنهم، أو على حد تعبير المؤلف " وربما قد كان لأحدهم شيخ بالمشرق فيذكر من أجله، أو رأى في رحلته إليه كرامة آذنت بأفعام سجله.."(6)
كما يذكر من عرف له من تلاميذ ومريدين. ويروي الكرامات التي شوهدت له أو رويت عنه. ففي ترجمته مثلا للشيخ علي بن محمد المراكشي ذكر فيه بعض الكرامات التي روى في كتابه.. وغالبا ما يتدخل المؤلف في شرحها وإيضاح معناها، والكشف عن دلالاتها. وقد يشير إلى تاريخ مولد المترجم له ووفاته.
وعقب كل ترجمة، يورد أبياتا ضمنها ما للمترجم من مناقب وحلى، صنيع يوسف ابن الزيات، وهو ما عبر عنه بقوله: "قد رسم ابن الزيات في كتابه الذي سقى حسن يانعه وناضره، أبياتا من الشعر لغيره على وجه المثل والمحاضرة، فاقتضبت أبياتا عقب كل شيخ تناسب أحواله كل المناسبة، وتطابق حالته المرضية ومكاسبه؛ وجعلتها لزومية الرومي، جارية على الصراط السوي، موافقة للخبر المحكي المروي.."(7)

 الكتاب يرصد مرحلة تاريخية في غاية الأهمية
يعد كتاب "المقصد الشريف" للبادسي وثيقة تاريخية على غاية من الأهمية، لأنه يغطي حلقة مفقودة من تاريخ التصوف السني بالمغرب، كما أنه يرصد مرحلة مهمة من تاريخ المغرب، إذ تعرض فيه لجانب مهم من تاريخه، سيما ما تعلق منها بأحداث بني وطاس، والعرب المتغلبين على بلاد الريف أواخر العصر الموحدي، والقرصنة التي كانت تمارسها الصليبية في البحر الأبيض المتوسط لهذا العهد، وغير ذلك، مما لا نجده في كتاب سواه.
وهو كذلك يعتبر معجما جغرافيا، لكون المؤلف حدد فيه العديد من قبائل الريف بأسمائها، ومواطنها، تحديدا دقيقا، مما سيجعل القارئ يعيد النظر في كثير من الحقائق التي أوردها ابن خلدون في التاريخ أو المقدمة كما أشار إلى ذلك محقق الكتاب.(8)

الهوامش
· - هو عبد الحق بن إسماعيل بن أحمد بن محمد بن الخضر البادسي الغرناطي، ولد ببادس سنة (650/1252م). أخذ عن جماعة من الشيوخ وسمع منهم، ومن أبرز من أخذ عنهم أبو إبراهيم الأعرج الورياغلي. كان البادسي عالما ومحدثا ومؤرخا نسابة، سمع منه كتابه "المقصد الشريف" جماعة من الشيوخ، منهم عبد المهيمن الحضرمي (الصغير)، وأبو عمر، ويحيى بن أبي طالب اللخمي العزفي، وغيرهم.لا يعرف من آثاره إلا كتابان هما: "طبقات الأولياء" و"المقصد الشريف".

(1) - المقصد الشريف، والمنزع اللطيف في التعريف بصلحاء الريف، عبد الحق بن إسماعيل البادسي، ص 13-14، تحقيق سعيد أحمد أعراب، المطبعة الملكية بالرباط: 1402هـ/1982م.
(2) - المصدر نفسه، من ص 20 إلى ص 28.
(3) - المصدر نفسه، ص 40
(4) - المصدر نفسه، ص 48
(5) - المصدر نفسه، ص 15
(6) - المصدر نفسه، ص 16
(7) - المصدر نفسه، ص 16.
(8) - انظر مقدمة المحقق، ص 8-9

facebook twitter youtube