الثلاثاء 28 رمضان 1442هـ الموافق لـ 11 مايو 2021
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

إمارة المؤمنين: القراءة القانونية (1)

البيعة مكون أساسي في القانون المغربي العام، ماضيا وحاضرا. فهي ذات إطار مرجعي في الفقه الإسلامي وما واكبه من فكر، ولها ممارسات مغربا ومشرقا، ولكنها تعاصر اليوم طروحات ناجمة عن الفكر القانوني الأوروبي. فطرحها في سياق منهجي مزدوج يجعلها مرتبطة بمفهومين مختلفين، الأمر الذي يتطلب شرح مفهومها من هذا المنطلق الجديد، ولكونها ترتبط بشكل جوهري بمشروعية الحكم وممارسته، فإنها خاضعة بالدرجة الأولى لاعتبارات سياسية، لذا يتعين إبراز الآثار المترتبة عنها منذ وضع أول دستور مغربي عام 1962 ‏،سواء بالنسبة للفقه أو بالنسبة للقانون المغربي الكلاسيكي أو بالنسبة للقانون العام المغربي. فمن ناحية المفاهيم نجد استعمال مصطلحات مثل خلافة وسلطنة وملكية ‏وإمارة المؤمنين، بعضها اندثر وبعضها ما يزال مستعملا.

فتعريف ابن خلدون للبيعة على أنها عهد على الطاعة أكيد على الإنسان معرفته لما يلزمه من حق صاحبها ، السلطان أو الإمام، تعريف يتيح لنا معرفة خصائصها ، فيتبين أن التمييز ببن سلطة روحية وأخرى دنيوية تمييز غربي الأصل، لأن ‏السلطان يمثلهما معا:

  • 1.فهو خليفة الله في الأرض وهو القائم على القواعد الشرعية، ومن بين ما يترتب على مهمته عدم السماح بتغيير أركان الدين، والعلماء يعينونه على التأويل:
  • 2.لا يمارس الحكم إلا بعد قبول البيعة التي سيستمد منها سلطته ويعتزم بها

فالتفويض الذي يتلقاه السلطان في نظر الماوردي، بمقتضي البيعة، تفويض يخضع لشروط ويجعل سلطة المبايع معيارية وسلطة وزرائه (حكومته) تابعة في مرتبة أسفل لا يترتب عنها تفويض شخصي.

فالبيعات بالمغرب كان يحررها علماء فاس، وتعتبر بيعتهم "بيعة كبرى"، بينما يحرر العدول والقضاة في جهات أخرى، مدن وقبائل، بيعات صغرى.

فالبيعة من خلال هذا التوضيح تقيد حكم المبايع ولا تترك سلطته غير محدودة، إذ هو ملزم بمقتضاها بالمحافظة على المصالح العليا للجماعة . وتعتبر بيعة فاس للسلطان مولاي حفيظ في بداية القرن العشرين شبيهة بما يسمى "ميثاق الحقوق السياسية" ‏ بالمفهوم الغربي.

فالماوردي يضع فصولا لما يشبه دستورا من عشرة عناوين تشبه ما نجده في الدساتير الحديثة، من قبيل المبادئ الأساسية في الديباجة وحقوق المجتمع وواجباته والقانون والحرية وتوزيع السلط والتعاون، إلخ.

فطبيعة البيعة في الفقه المغربي تجعلها ذات طابع إلزامي بين طرفين هما السلطان والجماعة، ولذلك فصفتها القانونية ليست سوى مسألة شكلية ترتبط بجوهر الحكم من منظور الدين.

نجد نموذجا لمجادلة مذهبية في تاريخ المغرب بين فقيهين هما : يحيى الحاحي وعيسى السكتاني بخصوص عقد بيعة السلطان السعدي مولاي زيدان.

فبعد وفاة المنصور، والد زيدان، طلب السكتاني من الحاحي الانضمام لبيعة هذا الأخير، إلا أنه رفض، فهو كان يصر على تبيان شروط البيعة، أما السكتاني فكان يدافع عن اللامشروطية، لأن المهم في نظره هو قيام سلطان وتجنب الفتنة والمحافظة على ما يسمى اليوم بـ"النظام العام"، لأن العلماء في نظره إنما عليهم القيام بواجب النصح للسلطان. فبالنسبة للخلع لا يرى السكتاني أنه وارد ما دامت البيعة لم تخضع لشرط في البداية، فهي إذن ذات صبغة مطلقة.

إن كون البلدان الإسلامية لم تعرف تطورا في اتجاه دساتير مكتوبة، على النمط الغربي، قد يفسره كون بيعة حاكم جديد تشكل في حد ذاتها قطيعة وتجديداً دستورياً. وكأننا في تطور دوري خلدوني بدل تطور الخط الأوروبي الذي نشأت عنه الدولة في العصر الوسيط. أما تاريخ المغرب فقد خضع لاستمرارية متواصلة عبر تاريخ الأسر الحاكمة،وهذا ما أعطى البيعة بعدها الأساسي المتمثل في الارتباط بين السلطة السياسية الدينية والأمة. وتنعكس هذه الاستمرارية في ثلاثة مكونات:

  • ‏استمرارية في المقومات الدينية العقدية والمذهبية التي وحدت الأمة بدل الانتماء العرقي
  • ‏استمرار نمط الحكم الملكي لإدارة البلاد
  • ‏وعي تكون لدى السكان بالانتماء إلى نفس الجماعة في مجال ترابي معين.

‏إن هذه المكونات هي التي عكسها الدستور الحديث في شعاره: الله، الوطن، الملك. فمنها قدسية الدولة التي يحرص كل نظام على عدم انتهاكها .

عندما تعقد البيعة لمعهود له من قبل والده، فإنها تأتي لتكرس واقعا يعزز استمرارية الدولة ويضمن استقرارها ، فالعقد في نفس الوقت تكريس للشرعية من خلال المطابقة مع الدستور.

وللبيعة في المغرب خصائص منها:

  • 1. أنها عقد مكتوب ومشهود عليه، وقد يختم بتوقيعات أعيان ينوبون عن المبايعين;
  • 2. أن البيعة ذات قيمة رمزية كبرى تجعلها مصحوبة بالإشهار ومقترنة بالاعتقاد في بركة العهد الجديد المترتب عنها;
  • 3‏. أن البيعة تعطي مكانة خاصة للعلماء، وان كان المبايعون يشملون فئات أخرى كالتجار وكبار الجيش وممثلي ‏الحرف . وترجع المكانة الخاصة للعلماء إلى معرفتهم بالشروط التي تقتضيها البيعة والى حرصهم على تجنب الفتنة ;
  • 4. أن البيعة كانت دائمأ في المغرب عقدا ملزمأ للطرفين؟ فبالرغم من أنها تتعلق ب "القانون السياسي"، فإن قواعد القانون المدني والعقود هي التي تنطبق عليها بالدرجة الأولى، فالمبايعة في معنى المعاملة والمداينة. فالطاعة تلزم مقابل إنجاز مجموعة أهداف تتعلق بالصالح العام في مستوياته المادية والروحية.

ومن المفيد للمحلل السياسي أن يعمق النظر في الكيفية التي استمرت بها البيعة حتى وجدت مكانها دون تناقض في الإطار المفاهيمي المنقول عن النظام الدستوري المعاصر. يمكن تتبع نموذج لتفعيل البيعة من خلال وقائع تولي كل من صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني عام1961 ‏ وتولي صاحب الجلالة الملك محمد السادس عام 1999 ‏. فكلاهما بويع كملك وكإمام أعظم، أي كأمير للمؤمنين، وان كان قد وقع العهد لكل منهما في حياة والده. فالذي حدث هو أن الدساتير المختلفة المتوالية قد أدخلت التفصيل على ما كان متضمنا من شرط البيعة على وجه الإجمال، لذلك لم يقع أي تناقض بين البيعة وبين الدستور، يضاف إلى ذلك أن الملك المبايع يحتفظ من خلال الدستور بسلطات تضمن له الوفاء بجوهر ‏ما يلتزم به من خلال البيعة.

‏فإذا كنا لا نجد للبيعة ذكراً في نص أحكام الدستور، فذلك لأنها كانت سابقة منطقيا، على الرغم من كون الدستور ‏الأداة المتحكمة في تنظيم السلط ضمن الدولة والمنظمة لسير المجتمع .

و في صلة بالموضوع، فان البيعة هي أساس شرعية الملك الذي يمتلك حق منح الدستور أو مراجعته. فوظيفية البيعة يجب أن " تقرأ " في ثنايا أحكام الدستور سواء بكيف ضمنية أو صريحة، كلما تعلق الأمر على الخصوص بأبعاد سلطات الملك من خلال الصلاحيات الخاصة الممنوحة له، ومن ‏خلال ضمانه للحقوق والحريات، وكل الأبعاد الأخرى التي يتطلبها تسيير النظام المعياري في مجمله.

‏فحسب النظرية الكلسينية، نسبة لـKelsen ‏ (النظرية الخالصة للقانون)، تعد البيعة عقداً، بل معيارا، بكل ما في ‏الكلمة من معنى، حيث تتبوأ قمة تراتبية المعايير (2) .

ليس بإمكاننا تجنب هذا التصور الاجتهادي للدستور المكتوب، بل سيكون من الأدق القول بأن الدستور في المغرب يتضمن مستويين اثنين : الأول يستدعي قواعد العرف (بالمعنى القوي) للبيعة،كمنشئة لتعاقد مابين الأمة وأمير المؤمنين (الإمام الأعظم)، وهكذا فعقد البيعة في حد ذاته عبارة عن نص دستوري. أما الثاني فهو ما نعنيه بالدستور المكتوب (وهو حاليا دستور سنة 996 ‏1) (3) والذي يعد الفصل19 ‏ فيه العنصر الرابط الذي لا محيد عنه ما بين المستويين المذكورين.

‏وقد أدرك أحد كبار المختصين في علم السياسة، وهو ماكس فيبير، المعنى الواجب منحه لقداسة الملك المنصوص عليها دستورياً (الحرمة) مؤكداً قبل كل شيء على البعد "القانوني العقلاني" (4) والذي يؤثر في الواقع في البناء ء بكامله وفي توزيع السلط (التنفيذية والتشريعية والقضائية) التي لا يمكن تمثلها على شاكلة نموذج مونتسكيو بسبب السيادة المسلم ‏بها للإمام الأعظم (أمير المؤمنين).

لذا تتبين لنا المكانة التي يحتلها الفصل 19 ‏ من الدستور في صلب البعد المعياري الذي تسمح به البيعة والمتضمن في الاعتراف للملك بوضع أمير المؤمنين.

الملك أمير المؤمنين والممثل الأسمى للأمة و رمز وحدتها وضامن دوام الدولة واستمرارها وهو حامي حمى الملة والدين والساهر علي احترام الدستور، وله صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيئات.وهو الضامن لاستقلال البلاد و حوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة.

بغض النظر عن التغييرات الراجعة للإصلاحات والمراجعات العادية التي تطرأ باستمرار على هذا المقتضى أو ذاك من الدستور المكتوب. فإن مؤسسة البيعة ستظل قائمة لأنها تتجاوز في جوهرها بحد ذاته كل أدوات المقتضى الدستوري المكتوب والذي تحكمه دينامية التغيير بمفهوم الفقيه الفرنسي (ليون دوكي) Leon Duguit   في كتابه la transformation du droit 1904 .

بهذا المعنى، فإنا بقرا،ة هذا الفصل19 ‏ نجد أنه يستعرض، وبترتيب مضبوط. وظائف الملك الإمام، وهذه الوظائف هي:

  • أ . وظيفة أمير المؤمنين بصفته الإمام الأعظم، وكون الإسلام الدين الرسمي للدولة (ديباجة الدستور);
  • ب. وظيفته بصفته « الممثل الأسمى للأمة» أي أن صفة تمثيله للأمة بأكملها منبثقة من البيعة;
  • ‏ج. وظيفته بصفته رمز الوحدة الترابية للبلاد في كل أشكالها;
  • ‏د . وظيفته بصفته ضامن دوام الدولة و استمرارها;
  • ‏هـ. وظيفته بصفته حامي حمي الدين الإسلامي والساهر على احترام الدستور;
  • و. وظيفته بكونه هو الذي يصون حقوق و حريات المواطنين:
  • ‏ز. وظيفته بصفته الضامن لاستقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة.

وهكذا فإن المهم في مسلسل الإنتاج المعياري (القانون)، هو أن التفويض الذي تمنحه البيعة للملك تتم استعادته من خلال الدور الدينامي الذي يقوم به الملك فيها ابتداء من التوجه المعياري والى نشر القوانين، وذلك عبر تقدير ما يمنحه من سلطات دستورية من جهة السلطة التشريعية و التنفيذية في إطار قيامه بالتحكيم.

إن هذا يؤكد لنا مدى التوازن الموجود ما بين التقليد و الحداثة في المنظومة الدستورية المغربية التي تمنح للبيعة دورها المحوري، و يتأكد الأمر بصفة أوضح عند رجوعنا إلى القانون الدستوري المقارن حيث يتضح مدى براعة نظامنا الدستوري و ضرورة اعتبار البيعة إحدى مؤسسات القانون السياسي المغربي التي ستظل مركزية ووجيهة و دائم، كيفما كانت تغيرات القواعد الدستورية التي قد تخضع مستقبلا لمنطق المراجعات و الإصلاحات العادية في حياة الدساتير المكتوبة.

________________________________________

  • 1-مقال من كتاب محمد السادس إمارة المؤمنين في عشرة تجليات، كتبه ذ.عبد العزيز الجزولي أستاذ بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية جامعة محمد الخامس الرباط، تحت عنوان إمارة المؤمنين القراءة القانونية، يتطرق فيه لبعض الجوانب القانونية الخاصة بمؤسسة البيعة.
  • 2-انظر عبد العزيز الجزولي، الحريات وترتيبية المعايير ، المناظرة المغربية الألمانية «حول الدستور والقانون الجنائي» المنظمة بالرباط من طرف مؤسسة ماكس يلانك أعدها ونشرها م. أمزازي/ بالفرنسية .
  • 3- في تقديم دستور 1962 ‏، قال صاحب الجلالة المفغور له الحسن الثاني: `وهكذا فان الدستور الذي أعددته بنفسي. والذي سيعلن على الملأ في كافة أرجاء. المملكة ليعرض على موافقتك خلال أجل عشرين يوما ، هذا الدستور قبل كل شئ تجديد لعهد صادق وميثاق مقدس ربط دائما الشعب وملكه ` الخطاب الملكي السامى يوم18 نونبر 1962. ‏
  • ‏4- محمد طوزي: الملك أمير المؤمنين في تشييد دولة عصرية ص59 البيان –1986- دار النشر Albin Michel ألبان ميشيل بالفرنسية

البيعة في عرف أهل المغرب، صورتها وخصائصها

وأهل المغرب يأخذون بقاعدة البيعة الشرعية في تمليك ملوكهم. اقتداء، بما فعله الصحابة الكرام غداة وفاة رسول الله صلى الله علبه وسلم واختيارهم أبي بكر رضي الله عنه أول خليفة له.

وقد أصبح الأخذ بهذه القاعدة عندهم سنة منيعة لم يعدلوا عنها منذ مبايعتهم للإمام إدريس بن عبد الله أول ملوك الدولة الإدريسية بالمغرب، وفد توالى بعده الأئمة المبايعون إلى أمير المؤمنين محمد السادس، نصره الله وأيده، ولهم في ذلك تقاليد مرعية.

صورتها

عندما يموت ملك، أو يخلع من الملك، أو يعجز عن القيام بأعبائه، يجتمع أولو الأمر من رجال الدولة وأعيان الأمة، فيتبادلون الرأي والمشورة فيمن يصلح للملك من بعده  طبقا للشروط المنصوص عليها عند فقهاء هذا الشأن، فإذا اختاروه وانعقد عليه إجماعهم، عقدوا له البيعة، أما إذا كان المرشح معهودا له بالأمر في حياة سلفه فإن البيعة تكون مجرد تزكية لعهد أخذه من قبل.

بعض خصائصها

فمما تتميز به بيعة أهل المغرب، أنها تتم عن طريق ممثلي الأمة، علماء، وأشرافا، وأعيانا، وتكون الكلمة العليا فيها للعلماء باعتبارهم حملة الشريعة المطلعين على أسرارها، والمسؤولين أمام الله أكثر من غيرهم عن نصح المسلمين و إرشادهم إلى ما فيه نفعهم وصلاحهم، ودرء كل مفسدة عنهم، ووقايتهم من كل زيغ وانحراف عن جادة الدين وصراطه المستقيم.

‏ومنها، أيضا، أنها عقد مكتوب، يشهد فيه عدول الأمة، وقضاتها على المبايعين بالسمع والطاعة للإمام المبايع . فإذا تم الإشهاد دعي للإمام بصيغ الدعاء المخزنية المعروفة، التي لا يدعى بها إلا للملوك، ثم تدق حينئذ الطبول وتنفخ المزامير وتطلق المدافع ابتهاجا بالملك الجديد.

‏ومنها، كذلك، أن نصوصها كانت تعلق في صدر أقدس الأمكنة بالبلد، كالمساجد الجامعة والأضرحة المتبرك بها، إبرازا لشرعيتها وإعلانا عن دوامها واستمرارها، على أن البيعة كيفما كانت صفات الذين عقد وها، والجهات التي عقدت فيها لم تكن في الماضي ماضية الأثر، سارية المفعول إلا إذا أقرها علماء جامع القرويين بفاس، وعلماء كلية ابن يوسف بمراكش.

ومما تجدر الإشارة إليه أن البيعة الكبرى الني تعقدها الهيأة العلمية والمخزنية ينتقى لإنشائها أبرع الكتاب، ويدعى لكتابتها أمهر الخطاطين، فتكون متونها وخطوطها، كأنها قطعه فنية تتلألأ في جيد الأدب الرائق، وفن الخط الفائق.

إن الملك في المغرب، ولو أنه ينتقل من الأب إلى الابن بحكم العهد المسلم المعروف، فإنه لابد من كتابته إحياء لسنة السلف، ولعرف جرى عليه سلف هذه الأمة ذات الولع الشديد بالتثبت و التأكيد  والتمسك بالتقاليد والأعراف، مع حبها للتجديد في محافظة على التليد.

البيعة في القانون العام الإسلامي

تعتبر مؤسسة البيعة إحدى المكونات الأساسية في القانون العام المغربي سواء تعلق الآمر بالدولة التقليدية أو بالدولة القائمة في الوقت الحاضر .

فإذا كان من اليسير وضع البيعة في إطار الفكر والفقه الإسلامي واستيعاب الأسس والممارسات المرتبطة بها في بلدان المغرب العربي مقارنة مع دول المشرق ، فإنها عرفت مع ذلك تأثيرات واسعة ناجمة عن تبني بعض طروحات الفكر القانوني الأوروبي .

كما أن مقاربة هذه المؤسسة في سياق منهجي وبالضرورة مزدوج ، من شأنه أن يؤدي إلى نوع من الانحراف لكونها ترتبط بمرجعين مفاهيميين مختلفين، الأول ذو أصول قانونية محلية والثاني أوروبي مما يستدعي المرور، بصفة جلية أوضمنية، بمنظومة للمعادلة المفاهيمية قصد الإحاطة بالمفهوم  .(1)

وتزداد الصعوبة أكثر إذا ما أردنا أن نضفي على البيعة مضمونا قانونيا صرفا مادامت هذه المؤسسة خاضعة للاعتبارات السياسية بالدرجة الأولى والتي تجعل منها طريقة ترتبط وبشكل جوهري بمشروعية وممارسة الحكم .

من هنا تبدو أهمية طرح بعض الجوانب القانونية الخاصة بهذه المؤسسة الأصلية في الفقه الإسلامي؛  والقانون المغربي الكلاسيكي؛ والمكانة التي تحتلها في القانون العام المغربي منذ وضع أول دستور مكتوب سنة 1962 بغية الإحاطة بمدلولها الدستوري الصرف والسياسي من خلال سير دواليب الدولة؛ ولكن على الخصوص إبراز الآثار المترتبة عن البيعة بالنسبة لفروع القانون الأخرى؛وأخيرا النظر في الإمكانيات التي يتيحها القانون المقارن للوقوف على ما تمثله البيعة من حيث الأصالة والمحتوى ضمن التجارب العالمية الأخرى.

البيعة في القانون العام الإسلامي

إننا لا نريد هنا القيام بدراسة شمولية لمعنى مؤسسة البيعة في الفكر السياسي الإسلامي [2] بقد رما نسعى إلى الإحاطة أساسا بمدلولها " الدستوري وآثارها على المعايير القانونية المترتبة عن عقد البيعة للحاكم باعتبارها أمانة مطلقة لا رجعة فيها.

لذا فمن الضروري تحديد معنى هذه المؤسسة وإبراز خصائصها التاريخية العامة واقتراح شبكة " للمعادلات " بهدف توضيح المفاهيم وتلافي كل لبس ممكن بهذا الخصوص .

بعض الإيضاحات المفاهيميمة

هناك مصطلحات في القانون العام الإسلامي منها ماهو متجاوز ومنها مازال معمولا به الى حد الآن ، وهي تلعب دورا أساسيا باعتبارها مرادفات أو لانتمائها لمعاني متقاربة لكنها تحمل مع ذلك اختلافات طفيفة فيما بينها .

خـلافة

من فعل " خلف " أو " أخلف " واستخلف " لذلك فإنها تحيلنا على أعلى سلطة تمثل خلافة الله في الأرض .

فالإنسان خلقه الله ليكون خليفة له في الأرض ( وفق ما جاء في القرآن والكتب المنزلة)

وقد قام بهذه المهمة محمد باعتباره آخرالأنبياء كما قام بها أنبياء آخرون من قبله .

أطلق على خلفاء الرسول ( الخلفاء الراشدون)

وهكذا فقد استندت " الخلافة " إلى أسس دينية الغرض منها السهرعلى توجيه وإرشاد الأمة الإسلامية ( كما هو الحال في الخلافة الأموية في دمشق والخلافة العباسية في بغداد والخلافة الفاطمية في القاهرة)...

أما الخلافة الأخيرة التي فرضت الطاعة لها عالميا فهي الخلافة العثمانية في القسطنطينية / اسطنبول والتي انحلت بعد الحرب العالمية الأولى بعدما وضع لها حد نهائي من لدن الجمهورية العلمانية لكمال أتاتورك . والجدير بالإشارة إلى ان المغرب لم يخضع لهذه الخلافة لكون السلاطين المغاربة من أصل شريف يتمتعون بشرعيتهم الدينية الخاصة بهم .

سلطنة

وهي مؤسسة سياسية ودينية من سلطة ، لذا فان السلطان يعني الحاكم أما السلطنة فيقصدبها دولة ذات حدود معينة سواء اعترف السلطان بالخلافة أم لا . ويؤسس رباط البيعة مشروعية السلطان إزاء الجماعة التي يحكمها .

الإمامة

 وهو مصطلح ديني محض، لكونه استخدم أصلا للإشارة إلى "السلطة " المعترف بها لأي شخص مؤهل ( المعرفة الدينية والسلوك السوي ) إٌقامة الصـوات الجماعية اليومية أو غيرها من الشعائر في المسجد ( الإمامة الصغرى)

وقد استمر استخدام المصطلح بالنسبة لمن " يقود" الأمة سياسيا ودينيا وهو ما يطلق عليه بالإمامة العظمى .

وهكذا فان البيعة ومن خلال التعاقد الذي تقيمه تمنح صلاحية ممارسة سلطات الإمامة العظمى للسلطان أو الملك .

ملكية ، مملكة ، مُلك ، ملك

من فعل " ملك " ( بالمعنى الحرفي ) أوامتلك سلطات( بالمعنى المجازي).

وهذه المفردة تستخدم كمرادف لسلطان بالمعنى الشمولي ( السلاطين العلويين أو الملوك العلويين ) .

إلا أن الفرق بالنسبة للقانون السياسي المعاصر كبيرلأن استبدال "سلطان " " بملك " في عهد الملك محمد الخامس غداة الاستقلال (1956) استند إلى مبررات أساسية : وهي تتمثل في اعتماد مرجعية " الملكية الدستورية " في حين أن نظام السلطنة يتسم بصبغة " ملكية مطلقة " أو " باختلاط السلطات "

أمير

وهي من فعل أمر بمعنى الذي يأمر .

لهذه الكلمة استعمالين في الفقه الكلاسيكي الاسلامي:

  • المعنى الأصغر ويقصد به " نائب الخليفة " على اعتبار أن الخليفة يحكم مجموع الأمة ، بينما الأمير لا يحكم سوى منطقة محددة بمعنى أن الأمير " هنا يأخذ صفة الحاكم المحلي .
  • المعنى الأكبر : عندما تضاف لأمير كلمة المؤمنين أي أمير المؤمنين الذي يكتسب شرعيته بمقتضى مسطرة البيعة التي تضمن له طاعة الجميع .

أما في القانون المعاصر والقانون العام الوضعي ، فان لهذا المصطلح معنيان ( في المغرب حاليا):

  • أمير : بمعنى " الأمير " أي صاحب السمو ( وهي تستخدم للذكر مثلما هو الحال بالنسبة للأنثى ( أمير ، أميرة ) وهو لقب يعني الانتماء للعائلة الملكية مع كل ما يستتبع ذلك من حقوق وواجبات دستورية (اللائحة الملكية ، التشريفات والبروتوكول)...
  • ·أمير المؤمنين : بمقتضى الفصل 19 من الدستور حيث تشكل البيعة أحد المكونات الأساسية لإمارة المؤمنين ( انظر الماوردي )

الأبعاد القانونية الصرفة

إن دراسة البعد القانوني للبيعة يقتضي الانطلاق من الطرح النظري المستفيض للماوردي .

تستند نظرية الماوردي إلى كون التفويض الذي يتلقاه الإمام بمقتضى البيعة لا يحق تكليف الآخرين به ( الوزراء ) دون أن يؤدي ذلك إلى حل رباط البيعة بالرغم من إمكانات المراقبة التي يمكن أن يمارسها الحاكم ( الخليفة أو السلطان ) على من يفوضهم للنيابة عنه .

إن الصفة التي يتناول بها الماوردي سلطة الحكم ( الوزاري ) وتمييزه لها عن السلطة العليا مفيدة لكونها تكشف عن اختلاف تراتبي ضمني مابين سلطة ذات طابع معياري وسلطة "حكومية" تابعة أو تأتي في مرتبة أسفل بالنسبة للتنفيذ ، وذلك لتجنب تفويت التفويض الشخصي " الانتقائي القائم على أساس البيعة .

إن السبل التي تتيحها قراءة متأنية لنظرية الماوردي تتمثل في إمكانية القيام بمقارنة المصطلحات الواردة لديه ، عندما يتحدث عن الطابع الشخصي الصرف الذي تتيحه البيعة للسلطنة ، بما هو موجود في الفلسفة الغربية ، علما ان غنى هذه المقارنة يكمن في كون المفكرين الغربيين الذين يتم الرجوع لهم تناولوا موضوع البيعة بمعنى السيادة في أنظمة ملكية بدأت تشهد ميلاد الدولة الوطنية .

هل تعني البيعة" التعاقد الاجتماعي"بالمعنى الذي ورد به لدى كل من هو بس أوروسو؟

إن الإطار المعياري محكوم بالتصور الفلسفي للحكم مهما تعلق الأمر بالفكر الإسلامي الخاضع لتأثير المسلمات الدينية .

من المسلم به أن من الصعب نقل مفاهيم الفلسفة والقانون الغربيين بكيفية مطلقة إلى تلك المستخدمة في الفكر الإسلامي ، إلا أن قراءة معمقة تسمح لنا باستجلاء بعض التشابه في المقولات الواردة لدى المؤلفين انطلاقا من معايير دينية ومدنية .

إلا أن أي محاولة لمقارنة نظامي الفكر الفلسفي والقانوني لا يمكن أن تتم إلا انطلاقا من مقابلة تقريبية للمفاهيم .

فما هي إذن نقاط الالتقاء الموجودة مابين " العقد الاجتماعي " لدى هو بس أوروسو و" عقد الإمامة " لدى الماوردي في سياق استجلاء معنى مؤسسة البيعة ؟ ونحن إذا ما اخترنا هذا الفقيه فلكونه يعتبر المفكر السني الذي وضع إطارا مفاهيميا بل نظريا بعيد نوعا ما عن الممارسات المحكومة باعتبارات ترمي لخدمة هذه السلالة الحاكمة أو تلك . وبعبارات ماكس فبر، فان الإطار المفاهيمي للماوردي ، يشكل " النمط الأمثل " مما يقربه من المنهج الذي اتبعه المفكرون الغربيون اللاحقون بالنسبة للفترة التي عاش فيها .

وكمحاولة في هذا الاتجاه يعرض الجدول الموالي بعض العناصر المرجعية الأساسية التي يجد من خلالها نص الماوردي مدلوله الشامل ،كما يكشف عن الإفادة الهامة التي يمكن الخروج بها انطلاقا من هذه المقارنة :

جدول اجمالي لمقترح "العقد الاجتماعي "

العـقد

العقد عبارة عن اتفاق بين شخص أو مجموعة من الأشخاص يلتزمون تجاه شخص أو أغتنم بمنح أو القيام أو عدم القيام بشيء ما ."

اجتماعي

وهو يعني تنظيم مجتمع سياسي .فالعقد الاجتماعي عبارة عن تعاقد ثنائي( يلتزم فيه المتعاقدون الواحد أو أكثر إزاء الآخر بصفة متبادلة) يتم من خلاله تنظيم الأفراد في مجتمع سياسي .

الحالات دولة التنين(السلطة المطلقة) اتحاد(انعدام تعاقد) دولة الحق والقانون عقدالأمامة(الدينية والسياسية)
المؤلف هوبس لوك روسو الماوردي
المبرر الخوف من الموت انعدام سلطة مشتركة في الدولة الطبيعية الخوف من فقدان الحرية تلافي الفوضى
ما يتم منحه كل حقوقه الطبيعية وحريته لاشيء: نوكل للحكومة مهمة معينة الحرية الطبيعية غير المحدودة نظريا والمنعدمة عمليا لدى كل من هوبس وروسو معا
ما يتم أخذه الراحة أو الأمن خدمة الصالح العام وحماية الجميع الحرية التي يضمنها القانون: المحدودة نظريا ولكنها فعلية الأمن
العواقب البقاء مع التخلي حرية انعدام أي تعاقد مستلب: حكومة ديمقراطية مختلطة(العموم، اللوردات، الملك عليهم جميعا الاتفاق فيما بينهم

اختفاء السادة لكون الجميع خاضع للقانون المساواة:القانون للجميع

الحرية: القانونللجميع

البيعة : عقد ملزم للطرفين بينالإمام والأمة ومن حق الإمام ان يشرع القوانين (العلماء ) تحت المراقبة(هوبس )
الأضرار ما فائدة الأمن دون حرية؟ ماهو المهم فعلا؟ تتحول الإرادة العامة في الدول الكبرى الى ارادة الأغلبية

كيف يمكن ملاءمتها مع القانون: فالملكية الدستورية هي التي تحدد كيفية تنفيذه و" تفويضه"

مقتطفات أساسية

هوبس

" فعندما يقوم أولئك الذين يحكمونهم ( أي المواطنين ) بفرض أعباء ثقيلة عليهم، فان ذلك ليس رغبة في المتعة أو سعيا للحصول على استفادة ما... وإنما يعود ذلك إلى الطابع الجموح للمحكومين أنفسهم ومساهمتهم كرها في ابتزازهم قدر الإمكان في زمن السلم رغبة في امتلاك وسائل لمقاومة الأعداء أو الانتصار عليهم في حالة مواجهة طارئة أو مفاجئة " ( التنين).

لـوك

" إن سلطة استبدادية ومطلقة وحكومة تفتقد لقوانين قائمة ومستقرة لن تتطابق وأهداف المجتمع والحكومة . وفعلا، فالبشر عندما يتركون حرية الوضع الطبيعي قصد الخضوع لحكومة لن تتوفر لهعم معها حرياتهم وراحتهم وممتلكاتهم أشياء فجائية " ( عن الحكومة المدنية).

روسـو

" لن يكون من الحكمة الاعتقاد بأن الشعوب رمت نفسها في البداية في أحضان حاكم مطلق دون شروط أو مقابل ، وأن أول وسيلة لضمان الأمن الجماعي الذي تصوره أناس يعتزون بأنفسهم ، ولا قبيل لإخضاعهم ، تمثلت في الاندفاع إلى العبودية . فمن الأكيد إذن ، وهي المسألة الجوهرية لكل قانون سياسي ، أن الشعوب اختارت لها حكاما للدفاع عن حريتهم وليس لاستعبادهم . فإذا ما كان لدينا أميرا يقول بلين Pline لتراخان Trajan فذلك من اجل حمايتنا لكي لا يكون علينا سيد " ( العقد الاجتماعي)

الماوردي

" فقالت طائفة ( الإمامة ) وجبت بالعقل لما في طباع العقلاء من التسليم لزعيم يمنعهم من التظالم ، ويفصل بينهم في التنازع والتخاصم ، ولولا الولاة لكانوا فوضى مهملين ،وهمجا مضاعين ... وقالت طائفة أخرى بل وجبت بالشرع دون العقل،لأن الإمام يقوم بأمور شرعية قد كان مجوزا في العقل أن لا يرد التعبد بها ، فلم يكن العقل موجبا لها ، وإنما أوجب العقل أن يمنع كل واحد نفسه من العقلاء عن التظالم والتقاطع ، ويأخذ بمقتضى العدل في التناصف والتواصل، فيتدبر بعقله لا بعقل غيره، ولكن جاء الشرع بتفويض الأمور إلى وليه في الدين"( استشهاد من القرآن).

تعليق

إن الوسيلة التي تسمح بالانتقال لدى هُوبز من الحالة الطبيعية إلى المجتمع المدني هي نوع من التعاقد يطلق عليه التعاقد الاجتماعي الذي يقبل فيه كل طرف إزاء الطرف الآخر بالتنازل عن حكم نفسه بنفسه ليضع كل سلطته في يد رجل واحد يصبح مالكا بذلك للسيادة .

إلا أن الحاكم في هذه الحالة لن يحافظ على الأهم ، ألا وهو الحفاظ على نفسه بمعنى المحافظة على النظام .

فإذا ما تبين بأن الحاكم عاجز عن المحافظة على النظام ، فان من حق المحكومين أن ينقلوا خضوعهم إلى حاكم آخر : ( التنين ، الجزء، الثاني ، الفصل 21)

"من المعلوم أن خضوع الرعايا للحاكم يدوم مادام ولكن ليس أكثر من دوام السلطة التي تؤهله لحمايتهم "

فالحاكم حسب هوبز هو المشرع الذي يصدق على القواعد القانونية الإلزامية.

فنحن نجد لدى الماوردي في حقيقة الأمر وجهي السيادة اللذين جاء بهما كل من التنين عند هوبز وروسو والتي تتأسس على القانون المنبثق من " الإرادة العامة ". يجب أن لا يغفل عن ذهننا بأن الأب سييس Siyès فيما بعد، هو الذي " سيحرف " الإطار الذي جاء به روسو بلجوئه إلى " الأغلبية " هذا المفهوم الذي كان يعني به روسو الجماعة الصغيرة " للديمقراطية المباشرة " ( سويسرا ) كما هو وارد بالنسبة لكل بيعة هنا في المغرب والتي تمارس وفق دوائر متراكزة من جماعة إلى أخرى ، ومن حنطة إلى أخرى قبل أن تنتهي عند " أهل الحل والعقد ". وفي هذا الإطار فإن من المفيد الرجوع إلى مخطوطات عقود البيعة التي حررها العدول في المدن والبوادي بالمغرب خلال فترة ما قبل الاستعمار.

فهناك إذن تشابه أكثر ما بين العقد لدى هوبز وعقد الإمامة لدى الماوردي شريطة الأخذ بعين الاعتبار لجوهر المشكلة والمتعلق بالدور العادل والمنصف للقانون المدني الانجليزي والفقه بالنسبة للإمامة. إلا أن هذا الموقف يقترب كثيرا من روسو على اعتبار أن الإمامة تحرر ولا تخضع لها أحدا .

يتبين من خلال هذا التوضيح بأن الخليفة / السلطان لا يتمتع بسلطات غيره محدودة كما يفترض انطلاقا من "بيعة غير مشروطية ولا رجعة فيها " لأن عليها أن تضمن المحافظة على المصالح العامة للجماعة : فعند قبوله تولية الحكم فان ذلك يعني بالنسبة له التزاما حاول الفقهاء المسلمون تحديده باعتباره أهدافا سامية للسلطات التنفيذية بالمعنى الشمولي للكلمة .

فالماوردي في محاولة أولية ومن منطلق إجرائي يضع الفصول الأولى" لدستور " يصنفه الى 10 عناوين [3] ويكفي مقارنتها بالطروحات الكبرى لإحدى الدساتير المعاصرة المكتوبة (المبادئ الأساسية للديباجة، حقوق وواجبات المجتمع، القانون والحرية، توزيع السلط، التعاون الخ ...) للوقوف على مدى التقدم الذي تتسم به نظرية الماوردي .

ويجب أن نستحضر أيضا في هذا الصدد بأن الانتقال من الاجتماعي أى الرعايا ثم إلى المواطن كان بطيئا وعنيفا في أوروبا .


 [1] عياض بن عاشور : انظر كل أعماله المخصصة للفكر الدستوري وخاصة منها : " السياسة ، الديانة والقانون في العالم العربي "سيرس، تونس، 1992

 [2] باستثناء المؤلفات التاريخية الكبرى لابن خلدون وخالد الناصري السلاوي ... يمكن التركيز هنا على مرجعين أساسيين هما :- الماوردي : الأحكام السلطانية -لويس ميليو : مدخل للقانون الإسلامي ( بالفرنسية)

 [3] انظر محمد لحبابي : " الحكومة المغربية في بداية القرن العشرين "(بالفرنسية ) وهو يقدمها بكيفية أكثر وضوحا:

  • الحفاظ على العقيدة وفقا للمبادئ القائمة والمتفق عليها من لدن الجماعة
  • تنفيذ القرارات القضائية وحل المنازعات
  • حماية الحياة والشرف والممتلكات من كل اعتداء
  • تطبيق المقتضيات الجنائية
  • الدفاع عن الحدود بهدف ضمان حياة وشرف المسلمين وأهل الذمة
  • الجهاد
  • تحصيل تركة الأجنبي والضرائب الشرعية
  • تجديد مبلغ الأجر وما يجب أداؤه للخزينة
  • تعيين أشخاص مؤتمنين ونصوحين في مناصب السلطة والمكلفين بالمالية
  • السهر على الشؤون والأعمال

البيعة في الفكر السياسي والفقه المغربي

لقد كانت طبيعة البيعة في صلب اهتمامات الفقهاء المغاربة، إلا أن الروابط الأكثر اعتبارا من اللازم وضعها في السياق الخاص الذي يتم فيه تولى الحكم والظروف الخاصة للخلافة. أما الحجج التي ترد لدى أكثرهم شهرة فيمكن إجمالها في الشروط التي تجعل مؤسسة البيعة ذات طابع إلزامي أولي .

من الواضح بأن الصفة القانونية للبيعة ليست سوى مسألة شكلية مادام من غير الممكن فصلها عن المواقف الفلسفية " حول جوهر الحكم و " السياسة " وممارستهما حسب الديانة الإسلامية ،وبخاصة الشروط الواجب توفرها في الشخص الذي سيحمل على عاتقه هذه المهمة والزعامة التي يتقلدها طبقا لذلك.

ولعل الجدال الذي يمكن الأخذ به هنا كمثال والذي كان يعود باستمرار في الفكر القانوني المغربي هو ذاك الذي دار بين فقيهين في عهد السعديين وهما يحيى الحاحيوأبو مهدي عيسى السكتاني[1] بخصوص عقد البيعة للسلطان السعدي مولاي زيدان . فمن الممكن ان يكون هذا الاختيار اعتباطيا لكنه يبقى ذو دلالة كبيرة من وجهة نظرنا .

فالأول كان يدافع عن " البيعة المشروطة " ( أي تلك التي تتم وفق عقد ملزم للطرفين برضاهما ويتضمن أحكاما محددة تقضي بالنسبة لهما الأخذ والعطاء المتبادل ). أما الثاني فهو يرفض هذا الرأي ويبرر لامشروطية الاتفاق باعتبارات يمكن أن ندخلها اليوم فيما يسمى " بالنظام العام " على اعتبار أن السكتاني يرفض بتاتا الفوضى ويشدد على تجنب الفتنة "، كما يؤكد في هذا المستوى بأن وظيفة العلماء هي تقديم النصح للحكام [2] فهذا الفقيه عاش في ظروف اتسمت باضطرابات ينكب هو نفسه على تحليلها بشكل عميق [3] مستندا في ذلك إلى أشهر الأئمة في الموضوع موليا الأولوية للمحافظة على النظام العام بالنسبة للجماعة بدل التشرذم الذي تنجم عنه عواقب وخيمة ....

وفي الجانب الثاني ، فإن البيعة بالنسبة للسكتاني عبارة عن التزام لارجعة فيه ولا يمكن حلها شرعيا لكونها لم تخضع لأي شرط في البداية ، فهي إذن ذات صفة مطلقة.

والجدير بالذكر هنا أن هذا الطرح يستند إلى خلفية تتمثل في نموذج البيعة التي تمت للنبي سيدنا محمد.

إلا أن الموضوع الذي يعنينا هنا هو معرفة الآثار الناجمة عن عقد البيعة بالنسبة للقانون بكل أبعاده.

إن أي قراءة قانونية سوف تبقى سجينة للطابع الخاص الذي اتسمت به ظروف ممارسة مهام الإمامة العظمى في كل مرحلة تاريخية . أما كون البلدان الإسلامية لم تعرف تطورا للإصلاح في اتجاه دساتير مكتوبة قبل المرحلة الاستعمارية ، فذلك أمر يرجع تفسيره إلى أن كل بيعة حاكم جديد كانت تشكل في حد ذاتها قطيعة وتجديدا دستوريا . فنحن هنا نتموضع ضمن التطور التاريخي الدوري "الخلدوني" بدل التطور الخطي الأوروبي للدولة التي انبثقت في العصر الوسيط.

وهكذا ، فالنتيجة أن ليس لنا إلا الكشف عن ثنايا المنظومة الفكرية للماوردي وبعض الفقهاء الذين قاموا بتحليل كل فترة على حدة ثم تصحيح ذلك في ضوء الفكر التاريخي ( الإفراني، الزياني، الناصري، ابن زيدان الخ ..) للإحاطة بشرعية السلطة وحيثيات ممارستها في ارتباط بحقبتها الزمنية الخاصة “ فهل يتعلق الأمربالنموذج الدستوري العرفي الانجليزي أم النموذج المكتوب والجامد وفق التقليد الاتيني ؟

أ “ ماهي خصائص تاريخ المغرب وماهي الخصوصيات المغربية ؟

بداية، هناك بعض المسلمات التاريخية التي لا محيد عنها لفهم الحاضر . فتاريخ المغرب ( كما يؤكد ذلك جل المؤرخين ) خضع وبشكل جلي لاستمرارية متواصلة . فهو نتاج تأثيرات وتمازجات عديدة تراكمت منذ التاريخ القديم الى اليوم ، ومن ضمنها تاريخ السلالات الحاكمة بشكل خاص ، حيث تستمد منه الدولة المغربية أسسها. وهذا ما يعطي لمؤسسة البيعة بعدها الأساسي في العلاقة التي تربط مابين السلطة السياسية الدينية والأمة .

فمنذ عهد الأدارسة ( القرن 8 م ) والى قيام الدولة العلوية ( التي تنتمي إليها الأسرة الملكية الحالية ) ورغم التقلبات التي شهدها عهد كل سلالة حاكمة ، فان الاستمرارية المشار إليها من قبل تنعكس في ثلاث مكونات رئيسية شكلت على الدوام أساس الدولة المغربية :

  • 1- استمرارية دينية متمثلة في الإسلام السني المالكي الذي تحول إلى لحمة توحد الجماعة التي كان يهيمن عليها طيلة قرون عديدة الانتماء العرقي. وبالتالي فقد تبوأ الإسلام صفة دين الدولة منذ القرن 8 م .
  • 2- استمرارية نمط الحكم لكون السلالات الحاكمة اختارت جميعها النظام الملكي لإدارة البلاد كيفما كانت الفترة التاريخية وتحت غطاء تسميات مختلفة (أكليد ، سلطان ، ملك ...) .
  • فهذه المؤسسة التي ترجع ولاشك لعهود قديمة ( ماقبل الإسلام ) هي الوحيدة التي عرفها المغاربة تاريخيا كنظام حكم مركزي وحدهم بصفة تدريجية .إلا أن هذا النظام السياسي ينسجم تماما والإسلام لاعتماده قاعدة البيعة التي تقوم على الرضاء المتبادل باعتباره عقد ملزم للطرفين (انظر ما يلي).
  • 3- وتتمثل الاستمرارية الثالثة في الفكرة التي كونها سكان هذه الرقعة من العالم عن مجالهم الترابي ووعيهم بالانتماء إلى نفس الجماعة ( الدينية واللغوية والثقافية ) فهذا الوعي بالانتماء المشترك لنفس الوطن هو الذي سمح مبكرا بقيام الدولة الوطنية ( المغرب الأقصى : البلد الموجود في أقصى الغرب) ويمكن الاطلاع بهذا الخصوص على كرونولوجيا تعاقب مختلف الدول الحاكمة منذ القرن 8 م وتلك الخاصة بالأحداث أيضا .

هذا ما يفسر كون هذه المكونات الثلاثة شكلت الأساس بشعار المغرب الوارد في الدستور وهو الله ، الوطن ، الملك باعتبارها صياغة تركيبية للمرجعية الدينية وسيادة الدولة الوطنية العصرية انطلاقا من مكونها الترابي .

وهكذا فنحن إزاء مرجعية ثلاثية في النهاية : الإسلام ( الديانة التوحيدية ) والوطن الذي يوحد الأمة أي الوطن ، وأخيرا الملك باعتباره المشخص للنظام الملكي ، والذي يستمد شرعيته من وضعه كأمير للمؤمنين ومن البيعة التي تسبغ بدورها الشرعية على كون الملكية الضامن الرمزي والحقيقي لاستمرارية الدولة ووحدتها .

ب / فما هي البيعة أو المبايعة ؟ إنها عقد الولاء [4]

جاء في الفصل التاسع والعشرين ( ص: 209، طبعة دار البيان ) من مقدمة ابن خلدون عن البيعة ما يلي: " اعلم أن البيعة هي العهد على الطباعة كأن المبايع يعاهد أميره على أنه يسلم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين لا ينازعه في شيء من ذلك وبطبيعة فيما يكلفه به من الأمر على المنشط والمكره ...".

" فافهم معنى البيعة في العرف فإنه أكبر على الإنسان معرفته لما يلزمه من حق سلطانه وإمامه "

كما أن الماوردي في مؤلفه " الأحكام السلطانية " خصص للبيعة فصلا بكامله يتضمن طرحا نظريا متكاملا لهذا المفهوم .

وقد تبنى المغاربة قاعدة البيعة في تولية ملوكهم عملا بالنموذج الذي أسسه صحابة الرسول سيدنا محمد عند مبايعتهم لأبي بكر في سقيفة بني ساعدة ليصبح خليفة عليهم غداة وفاة الرسول.

فالمغاربة لم يحيدوا عن هذه القاعدة من أجل تبني أي قواعد عرفية أو مكتوبة مهما اكتست من شهرة لدى الشعوب الأخرى منذ مبايعة إدريس بن عبد الله الكامل المنحدر من ذرية فاطمة الزهراء بنت الرسول وعلى ابن عمه ) سنة 172 هـ (751 م) إلى أن اعتلى العرش صاحب الجلالة الملك محمد السادس بتاريخ 23 يوليوز 1999 عند تلاوة نص البيعة من طرف وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية آنذاك والتي قامت بتوقيعها الطبقة السياسية باعتبارها هيئة تمثل " الناخبين الكبار " لتولية الملك الجديد على رأس الدولة .

وهكذا فان عقد البيعة تاريخيا في المغرب يأتي غداة وفاة أو خلع أو تنازل ملك لعدم قدرته على الوفاء بالتزاماته ، فيقوم على اثر ذلك أهل الحل والعقد وكبار رجالات الدولة واعيان الأمة بعقد اجتماع للمشورة بهدف اختيار من هو أهل لتولي الملك حسب معايير محددة في الفقه الإسلامي.

وعندما يقع اختيارهم على الشخص الذي يحصل عليه الإجماع فإنهم يعقدون له البيعة.

أما عندما يكون المرشح لخلافة الملك كمعهود له بالأمر أي معينا مسبقا والملك لازال على قيد الحياة ، فإن عقد البيعة في هذه الحالة يأتي فقط ليكرس واقعا قائما ويعزز استمرارية واستقرار الدولة . ( انظر تعيين صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن وليا للعهد من لدن صاحب الجلالة الملك محمد الخامس سنة 1957 والذي أصبح فيما بعد الملك الحسن الثاني ، وانظر أيضا الفصل الذي يحدد في دستور 1956 قواعد تولية العرش والتي يصبح بها صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير سيدي محمد ملكا بعد وفاة صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني في يوليوز 1999) .


[1] انظر محمد ضريف : تاريخ الفكر السياسي بالمغرب ص 167 وما بعدها ، افريقيا “ الشرق ، 1989 ، الدار البيضاء .
"[2]
الحمد لله الذي جعل الصدع بالحق وظيفة الأنبياء وأورثه من بعدهم من خلقه فريق العلماء ".
[3] إذ غائلة الجور وإن تفاحشى ، أقل بكثير من غائلة الخروج الذي يترتب عليه فسادا المهج والأموال والأغراض والأديان وهتك الحرم "
[4]
 بيعة: واجب الإخلاص والطاعة للحاكم وللوطن .( قاموس روبير ) وهو تعريف يجب وضعه في السياق التاريخي للمغرب ، ذلك أنه بالرغم من اختلافه الكبير عن المعنى الذي اتخذته البيعة في النظام الملكي الأوروبي لكون هذا الأخير يندرج ضمن البنية الهرمية للمجتمع الفيودالي الخاضع أيضا لتاثير الكنيسة ، فإنه يبقى مع ذلك من حيث غايته العملية قريبا من القانون السياسي .

البيعة ضمن خطاطات القانون المقارن

من المفيد الرجوع إلى دساتير الديمقراطيات العصرية الأكثر تقدما وخاصة منها الأنظمة الملكية أو بعض الأنظمة الشبيهة لها ( كندا ) لإبراز إلى أي حد تندرج البيعة بمعناها الماوردي في الحداثة دون أن يؤدي ذلك إلى أي اضطراب أو فتنة )1(

إن ما يبرر إدراج هذه المقارنة هنا يعود الى ملاحظة جاءت على لسان ملك متخصص في القانون في لحظة حاسمة من تاريخ المغرب المعاصر، عند ما علق جلالة الملك الحسن الثاني وبكل براعة على مفهوم البيعة والمدلول الذي يحمله في سياق الحكم التحكيمي الخاص بصحرائنا ضمن خطابه الذي أعلن فيه عن المسيرة الخضراء ( بتاريخ 16 اكتوبر 1975 )؛

حيث قال جلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه :

" أما هنا فقد قالت محكمة العدل : هناك روابط قانونية أولا وروابط بيعة بين المملكة المغربية وبين الصحراء.

وهنا شعبي العزيز “ إذا سمحت لي - سأتوسع في هذه النقطة بحكم تكويني القانوني . سيقول بعض الناس، إن المحكمة لم تقل ( روابط سيادة )، طيب، أجيب : ماهو الفرق بين السيادة وبين روابط البيعة حتى في القانون الأوروبي نفسه ؟ ولاسيما أننا لا ننسى أن المحكمة ستنظر في قضية ترجع في روحها وحكمها إلى أوائل القرن الذي نعيش فيه ، ذلك القرن الذي لم تكن توجد في أوروبا إلا دولتان جمهوريتان وهما : فرنسا ، وسويسرا، أما ما تبقى مثل اسبانيا وايطاليا وألمانيا وهنغاريا ويوغوسلافيا وروسيا وبولونيا وهولندا وبلجيكا والنرويج والدانمارك فكانت لا تستعمل إذاك نص السيادة بل تستعمل نص البيعة ، وهنا يمكن أن أقول حتى للأوروبيين أساتذة القانون إنهم باستعمالهم البيعة أدخلوا علي الفرح أكثر من استعمالهم السيادة لأنهم باستعمالهم نص البيعة استعملوا ماهو مناسب للتاريخ الذي استعمرت فيه الصحراء .

النقطة الثانية: سأجيب عنها على أساس القانون الإسلامي :

كما في علمك شعبي العزيز، القانون الإسلامي الدولي هو أول قانون نظم حياة الأفراد مع الجماعة ، وحياة الجماعة مع الأفراد، وحياة الحاكمين بالمحكومين ، والعكس بالعكس ، والبيعة في القانون الإسلامي “ وان اكتست دائما عدة أصناف وأشكال - لم تكن دائما بيعة تربط فقط الشخص بالملك أو الشخص بأمير المؤمنين، بل لما كان لؤلئك الأشخاص من تمثيل وقوة تمثيل كانت تربط أولئك الأشخاص وما يمثلونه من قبائل وعشائر وأقطار وأمصار بينهم وبين أمير المؤمنين ، أو من ولاه الله أمر شؤون المسلمين .

ولكن سأستمر قائلا للسادة أعضاء محكمة العدل - ولست في حاجة لأقول لهم هذا لأنهم يعرفونه ، لا سيما وأنهم وضعوا علينا أسئلة تتعلق بالمذهب المالكي وكيف كان يطبق بالطريقة التي يعرفه بها الناس ، فإذا كان هناك تجاهل من بعضهم فهو تجاهل العارف .

وأؤكد لك ، شعبي العزيز، أن البيعة في المغرب كان لها طابع خاص ذلك أن البيعة في المغرب كانت دائما مكتوبة .

نحن نعلم أنه في تاريخ الإسلام كان رؤساء القبائل يأتون للسلام على الأمراء والملوك ويضعون أيديهم على أيديهم أو على المصحف ويقولون إننا نبايعك على الكتاب والسنة ، ونبايعك بيعة الرضوان الخ ...

ولكن المغرب هو الدولة الوحيدة التي لم تكتف بالبيعة الشفوية بل ما ثبت في تاريخ المغرب وفي أي دولة مغربية أنه وقعت بيعة شفوية بل كانت دائما بيعة مكتوبة .

وحتى أولئك الذين لم يستطيعوا كتابة هذه البيعة كانوا يبعثونها عن طريق العدل ، ولكن هذا بحث إن أردتم المزيد من الاطلاع عليه يمكن أن أكلف وزير الدولة المكلف بالشؤون الثقافية ليقوم بإلقاء محاضرة وكتابة سلسلة من المقالات في هذا الموضوع ".

(انتهى مقتطف الخطاب الملكي)

إن هناك مثالان أو بالأحرى حالتان توضحان إلى أي حد تنتمي البيعة بالمعنى القانوني الأول إلى القانون الوضعي المقارن ، علاوة على ما تأخذه كذلك من أبعاد دقيقة بخصوص تسيير الدول في الوقت الذي يتم تناولها في المغرب ضمن القواعد العرفية البسيطة .

الحالة الأولى تخص كندا التي تتوفر على قانون ينظم قسم البيعة والذي جاء في منظومة بالضبط ما يلي :

" إن عقد البيعة سواء كان بمبادرة شخصية ، أو إلزاما قانونيا أو واجب تفرضه قاعدة قانونية جاري بها العمل في كندا باستثناء القانون الدستوري لسنة 1867 والقانون الخاص بالمواطنة ـ يتم إبرامه لدى السلطة المختصة طبقا لعبارات النص التالي دون غيرها :)2(

" أنا .... أقسم بأن أكون مخلصا وصادقا في بيعتي لصاحبة الجلالة الملكة إليزابيث الثانية ملكة كندا وورثتها وخلفها . وهكذا ليكون الله في عونه " .

وفي حالة انتقال الملك ، فإن الاسم الموجود في قسم البيعة هذا يتم استبداله باسم الملك الجديد " ( S.R.ch.O “ 1 .ort .2 -1974-75-76,ch . 108. art . 3 )

كما أن نفس القانون ينص على :

" .... إن كل شخص يتم تعيينه في وظيفة أو يقوم بوظيفة تتعلق بالسلطة التشريعية للبرلمان عليه :

  • أ ) أداء قسم البيعة حتى ولو لم يكن ذلك إلزاميا بمقتضى قاعدة قانونية أخرى .
  • ب ) أداء القسم المهني بمقتضى الصيغة الواردة في هذه القوانين في جميع الحالات التي

لا ينص فيها صراحة على صيغة أخرى بمقتضى قاعدة قانونية أخرى "

فبغض النظر عن الخصوصيات المؤسسية لكندا في علاقتها بالملكية الانجليزية ، فان البيعة كآلية من شأنها أن تشد اهتمام رجل القانون الذي ينتمي للنظام القانوني والسياسي الإسلامي في سياق إلقاء أضواء جديدة على النحو الذي يسمح بإدماج المعايير المؤسسية الكلاسيكية بكيفية فعالة ودائمة وجعلها تتماشى والضرورات التي يفرضها الفكر السياسي المعاصر. ذلك أن من شأن هذه الإضاءات المقارنة أن تفند الكثير من الأفكار المسبقة المتمثلة في تصورات إيديولوجية صرفة .

الحالة الثانية ( وهو اختيار عشوائي ) تتعلق "بإشكالية" تحرير قسم البيعة في القانون الأمريكي ضمن " الحفل " الخاص بمنح الجنسية . من المؤكد ان هناك تيارا ضمن رجال القانون الأمريكي الذين يعتبرونها غير دستورية لأسباب عديدة ( حرية المعتقد والعبادة ..)

إن نص البيعة للدولة الأمريكية كما تتم تلاوته من طرف المرشح للحصول على الجنسية بين يد القاضي ، بعد استيفائه لكافة الشروط الإدارية الجاري بها العمل، تبدو لنا هنا مفيدة جدا :

" أصرح بواسطة هذا العقد بالتخلي ورفض كل طاعة أو إخلاص لأي قوة أجنبية أو أمير أو سيد أو دولة أو ملك كنت من رعاياهم أو مواطنيهم ، وبالمقابل فإنني أدعم وأدافع عن دستور وقوانين الولايات المتحدة الأمريكية ضد أي عدو سواء قدم من خارج البلاد أو من داخلها وان أكن لهؤلاء الإيمان والطاعة التامين وان احمل السلاح لفائدة الولايات المتحدة إذا ما اوجب القانون ذلك ، وأن أقوم بالخدمة العسكرية لفائدة الولايات المتحدة إذا اوجب القانون ذلك ، وان أنجز عملا يخدم الصالح العام تحت إشراف سلطة مدنية إذا اوجب القانون ذلك واني آخذ هذا الالتزام على عاتقي بكل حرية ودون أي تحفظ أو إرادة تملص ، وكان الله في عوني ."

إن تحليل من هذا القبيل لايدع أي مجال للشك بخصوص معايير " البيعة " على الطريقة الأمريكية والتي يتبين من خلالها ، في بداية مسلسل منح الجنسية ، واجب الطاعة الذي يتقلد به كل أمريكي ولو كان حديث العهد بذلك .

كما أن العبارة الدينية الواردة في نهاية النص ، شبيهة بما يتضمنه كذلك نص البيعة في كندا والذي نجد له مثيلا في النظام الإسلامي من خلال عبارة : " والله المستعان "

وهكذا فإن آفاقا معمقة وثرية للمقارنة تنفتح أمامنا عندما تتخذ لدينا تدابير انفتاح معياري حيث يكون الملك (أمير المؤمنين ) معنى مباشرة ( مدونة الجنسية ) أو عندما تغامر بعض أقلام التي تريد استمالة الشعب و المنتمية لبعض المنابر الإعلامية باللجوء إلى تأويلات مغرضة مستهدفة بذلك القذف في مؤسسات عريقة باسم حداثة تم تمثلها بكيفية سيئة .


[1]  من المفيد التساؤل عن الصمت الذي عرفته المبايعة في النظام الجمهوري وذلك بتحويله من اعتبار شخصي إلى ضرب من الخيال المتعلق بالدولة والذي تعد فيه جمهورية اليعاقبة " الواحدة والغير قابلة للتقسيم " والتي تمثل أعلى درجات التجمع من خلال صورة " ماريان " السلفة الملحدة ، لازال لفلسفة القانون إذن مكانة ودور هامين .

[2]  توضح أحد الاجتهادات الكندية بان تغيير كلمة واحدة أو إضافة كلمة أخرى يعد خرقا من شانه أن يبطل قسم البيعة ( حالة الموظفين السامين ) ان هذه المسالة المركزية للبيعة الإجبارية من لدن السلطات الإدارية في كندا تحيلنا على جوهر نظامنا الدستوري حيث يقوم صاحب الجلالة بتعيين الموظفين السامين المدنيين والعسكريين بمقتضى ظهير أو طقوس تجديد عقد البيعة في مختلف المناسبات .

البيعة في إطار القانون السياسي المعاصر

تعد مسألة تولية العرش في الحقيقة الفعل الذي تتولد عنه البيعة باعتباره أساس صحة هذه التولية من طرف الملك الجديد . لذا فقد أدخلت عليها بعض التعديلات مقارنة مع الماضي بسبب التطور نحو تبني أشكال القانون السياسي المعاصر.

فمنذ حصول المغرب على الاستقلال سنة 1956 ، فان تولية العرش تتم من خلال مرحلتين:

  • الأولى يتم فيها التعيين المسبق لولي العهد (أ)
  • والثانية يتم فيها عقد البيعة أو المبايعة (ب).

أ - التعيين المسبق لولي العهد

بمناسبة الذكرى 28 لميلاد صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن، قام جلالة الملك محمد الخامس بتعيينه " وليا للعهد "بواسطة ظهير شريف يحمل رقم 1-57-219 حيث ألقي كل من جلالة الملك وسمو الأمير خطابين تاريخيين في المشور السعيد ( بالقصر الملكي ) جديرين بأن يستحضرهما كل مغربي على الدوام.

وينص دستور 13 اكتوبر 1996 في فصله 20 على ما يلي:

" إن عرش المغرب وحقوقه الدستورية تنتقل بالوراثة إلى الولد الذكر الأكبر سنا من ذرية جلالة الملك الحسن الثاني ، ثم إلى ابنه الأكبر سنا وهكذا ما تعاقبوا ، ماعدا إذا عين الملك قيد حياته خلفا له ولدا آخر من أبنائه غير الولد الأكبر سنا ، فان لم يكن ولد ذكر من ذرية الملك فالملك ننتقل إلى أقرب أقربائه من جهة الذكور ثم إلى ابنه طبق الترتيب والشروط السابقة الذكر ".

وهكذا فوراثة الحكم محددة كتابة بمقتضى الدستور ، وعلى هذا الأساس خلف ولي العهد الأمير سيدي محمد الإبن الأكبر أباه جلالة الملك الحسن الثاني في يوليوز 1999.

ب - عقد البيعة

فمنذ حصول المغرب على استقلاله ، تم تحرير عقدين للبيعة بمناسبة تولية كل من جلالة الملك الحسن الثاني وجلالة الملك محمد السادس لدى توليهما الإمامة العظمى بالنظر للإمامة الصغرى التي تقف عند حدود إمامة الصلوات اليومية أو الشعائرية في المساجد.

جـ - تولي الإمامة العظمى من طرف جلالة الملك الحسن الثاني

بمجرد وفاة جلالة الملك محمد الخامس بتاريخ 26 فبراير 1961 ( موافق 10 رمضان 1380 ).

بادر صاحب السمو الملكي ولي العهد على التو وبصفة مستعجلة الى:

  • ضمان الأمن والمحافظة على النظام في مجموع ربوع المملكة.
  • إعلان الخبر للأمة بواسطة المذياع.
  • ثم تم بعد ذلك تحرير عقد للبيعة حالا في مقر إقامة سموه بالسويسي حيث قام بتوقيعها من كان حاضرا من وجهاء الدولة.
  • إلا أن هذا العقد كان شكليا في الحقيقة لكون مسألة انتقال الحكم كانت قد حسمت منذ 9 يوليوز 1957.

د - تولي الإمامة العظمى من طرف جلالة الملك محمد السادس

إن وفاة صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني يوم 23 يوليوز 1999 فتحت الباب مباشرة لتطبيق نص الفصل 20 من الدستور الجاري به العمل لأن الملك الجديد منطقيا هو صاحب السمو الملكي ولي العهد سيدي محمد.

وقد تم أيضا تحرير عقد بيعة وقعه عدد كبير من وجهاء الدولة يتكون من الموظفين السامين المدنيين والعسكريين وممثلي الهيآت المنتخبة باعتبارهم يمثلون " أهل الحل والعقد" . وقد تمت قراءة نص هذه البيعة من لدن وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أمام الموقعين، كما بث ذلك مباشرة للشعب المغربي على أمواج الإذاعة وشاشة التلفزة.

هناك إذن مرحلتان أساسيتان (هما تلك الممتدة من سنة 1956 الى 1962 ثم من 1962 إلى اليوم).

تميزت المرحلة الأولى بالتخلي عن نظام السلطنة سنة 1957 والتأسيس التدريجي للملكية الدستورية وتعيين الأمير مولاي الحسن وليا للعهد.

لذلك فان المرحلة الممتدة من سنة 1956 إلى 1957 تعتبر مرحلة التأسيس في إطار تعديل تدريجي لنظام قائم على البيعة.

فمنذ أن أصبح للمغرب دستور مكتوب سنة 1962 على شاكلة الدساتير الأوروبية، ومسألة معرفة الوضع الذي ستحتله البيعة في هذا الدستور يتم تجنبها باعتبارها مسألة اجتهاد شائكة.

فإذا كنا لا نجد لها أثرا في نص أحكام الدستور، فذلك لأنها كانت سابقة منطقيا على الرغم من كونه الأداة المتحكمة في تنظيم السلط ضمن الدولة والمنظمة لسير المجتمع . وفي صلة بالموضوع ، فان البيعة هي أساس شرعية الملك الذي يمتلك حق منح او مراجعة الدستور. فوظيفية البيعة يجب أن " تقرأ " في ثنايا أحكام الدستور سواء بكيفية ضمنية أوصريحة كلما تعلق الأمر على الخصوص بأبعاد سلطات الملك من خلال الصلاحيات الخاصة الممنوحة له ومن خلال ضمانه للحقوق والحريات وكل الأبعاد التي يتطلبها تسيير النظام المعياري في مجمله.

فحسب النظرية الكلسينية Kelsen ( النظرية الخالصة للقانون ) تعد البيعة عقدا بل معيارا بكل ما في الكلمة من معنى تتبوأ قمة تراتبية المعايير.

ليس بإمكاننا تجنب هذا التصور الاجتهادي للدستور المكتوب، بل سيكون من الأدق القول بأن الدستور في المغرب يتضمن مستويين اثنين: الأول يستدعي قواعد العرف ( بالمعنى القوي ) للبيعة كمنشئة لتعاقد مابين الأمة وأمير المؤمنين ( الإمام الأعظم ) . فعقد البيعة إذن في حد ذاته عبارة عن نص دستوري. أما الثاني فهو ما نعنيه بالدستور المكتوب ( وهو حاليا دستور سنة 1996 ) [1] والذي يعد الفصل 19 فيه العنصر الرابط الذي لا محيد عنه ما بين المستويين المذكورين.

وقد أدرك احد المختصين في علم السياسة المعنى الواجب منحه لقداسة الملك المنصوص عليها دستوريا ( الحرمة ) مؤكدا قبل كل شيء على البعد " القانوني “ العقلاني " ( فبر Weber ) [2] والذي يؤثر في الواقع في البناء بكامله وفي توزيع السلط (التنفيذية والتشريعية والقضائية) التي لا يمكن تمثلها على شاكلة نموذج مونتسكيو بسبب السيادة المسلم بها للإمام الأعظم ( أمير المؤمنين).

لذا تتبين لنا المكانة التي يحتلها الفصل 19 في صلب البعد المعياري الذي تسمح به البيعة والمتضمن في الاعتراف للملك بوضع أمير المؤمنين.

"الملك أمير المؤمنين والممثل الأسمى للأمة ورمز وحدتها وضامن دوام الدولة واستمرارها ، وهو حامي حمى الملة والدين والساهر على احترام الدستور ، وله صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيآت . وهو الضامن لاستقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة "

فعند قراءة هذا الفصل 19 نجده يستعرض وبترتيب مضبوط وظائف الملك / الإمام.

  • أ ) أمير المؤمنين بصفته الإمام الأعظم كون الإسلام الدين الرسمي للدولة.
  • ب ) وهو يعد " الممثل الأسمى للأمة " أي أن صفة تمثيله للأمة بأكملها منبثقة من البيعة ، إلى جانب اعتبارها من طرف بعض المختصين في القانون الدستوري ، " انتخابا بالمعنى العصري للكلمة " [3] وهكذا فان هذه الصفة تضع الملك فوق كل السلطات الدستورية الكلاسيكية . فتجديد البيعة إذن تأكيد من جديد لاستمرارية عرف سياسي وديني يستمد شرعيته من عملية الاستفتاء للمصادقة على الدستور [4] . وهكذا فإن الملك ممثل الأمة في تدبير مصالحها العامة في الداخل والخارج ولكون الدستور ينص على أشكال تمثيلية أخرى ( منها البرلمان على وجه الخصوص ) فهو " الممثل الأسمى للأمة ". وبهذه الصفة، يحق له مراجعة الدستور ووضع دستور جديد على أساس عرضه للمصادقة بواسطة الاستفتاء.
  • جـ - ويعد الملك رمز الوحدة الترابية للبلاد في كل أشكالها ( موحد المجموعات الاجتماعية والمقاطعات التي يتكون منها التراب الوطني ).
  • د - إن الملك هو ضامن دوام الدولة واستمرارها حيث تؤهله سلطاته الدستورية للسهر على ذلك سواء في الظروف العادية او عند اجتياز البلاد لمراحل استثنائية.
  • هـ - والملك هو حامي حمى الدين الإسلامي والساهر على احترام الدستور ، وهي وظيفة مستمدة من البيعة باعتبارها عقدا يلتزم بمقتضاه المحافظة على النظام الدستوري ( الاستقرار ) واستبعاد كل فتنة، وكذا النظام الديني ( وما يترتب عن ذلك من تدبير للحقل الديني والأحباس ).
  • و ـ والملك يصون حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيآت بمعنى أنه المحاسب ( بموجب التعاقد الملزم للطرفين في البيعة ) للحريات العامة.
  • ز ـ والملك هو الضامن لاستقلال للبلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة .

وهو تعبير عن السيادة في بعدها الخارجي ( الوظيفة الملكية بكل معانيها ) لأن البيعة التي عقدت للملك لا يمكن ان يترتب عنها إلا أثر بهذا الشكل . وقد تضمن الخطاب الملكي ليوم 16 اكتوبر 1975 العبارة الأكثر دلالة بهذا الخصوص والتي ما فتئت تتكرر في كل الخطب الملكية اللاحقة بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء كل يوم 6 نونبر.

كما أن الفصل 19 يشكل الشبكة التي تحتوي البناء الدستوري برمته والمحكوم بأسبقية عقد البيعة وقابليته للتجدد على الدوام . فهذا البعد الزمني الذي يشمل الماضي و يمتد في المستقبل، والذي يعد النموذج الأساسي لوراثة الحكم فيه أمرا محلولا من الناحية المعيارية وأحد محاوره الرئيسية، يفسر سير السلطات الذي يتمحور حول السلطة الملكية التحكيمية العليا المشرفة تراتبيا وبصفة إلزامية على كل السلطات الأخرى التي تعد تابعة لها من خلال ما تكلف به من " وظائف "

فالوظيفة التشريعية للبرلمان مشروطة بسلطة التوجيه الملكية المعيارية من خلال الخطب التي يوجهها له الملك ( الفصل 28 )، كما هو الحال بالنسبة للسلطة التنفيذية التي تم تعزيزها في الدستور الحالي ( 1996) والتي تخضع لتوزيع حكيم . فالتحكيم الملكي يلعب دورا حاسما من خلال تعيين الوزير الأول والوزراء المسؤولون أمامه إلى جانب ترأسه مجلس الوزراء .

لقد رأينا في هذا النموذج ّ البرلماني العقلاني " أثرا للدستور الديغولي لسنة 1958 مادام مسلسل تشريع القوانين ينطلق من اقتراحات السلطة التنفيذية ، في حين تبقى المبادرة البرلمانية بهذا الخصوص استثناء الأسباب ترتبط بالفعالية .

أما فيما يتعلق بالسلطة القضائية، فان الفصل مابين السلطات يضمن لها الاستقلال الضروري ، إلا أن الذي يضمن لهذه السلطات (البرلمان والحكومة والقضاء) الاستقلال هو الملك من خلال إشرافه عليها ومن خلال الصلاحيات المخولة له بحكم البيعة (يترأس الملك المجلس الأعلى للقضاء كما تصدر أحكام القضاء باسمه).

وفي إطار هذا الفصل بين السلطات الدستورية التي توجد على رأسها سلطة التحكيم الملكية العليا ، يجدر بنا أن نقتبس ما جاء به رجل القانون الفرنسي لافيريير La Ferri¨re عندما ميز مابين أعمال السلطة وأعمال التسييرالتي تقوم بها هيئات تمارسها باسم الحاكم المؤتمن الوحيد عليها من قبل الجماعة .

والمهم في هذا التمييز ليس البعد الإداري الذي يركز عليه لافير يير la Ferri¨re بل ما يسميه العميد جورج فيديل Georges Vedel " بالأسس الدستورية " [5] عندما يتحدث عن القانون الإداري .

فأعمال السلطة هذه سوف تكون موسومة بطابع السيادة الصادرة عن هيآت تمارس جزءا من الحكم حسب الأبعاد الريغالية للدولة ( وزارة العدل والأحباس والشؤون الإسلامية والداخلية والشؤون الخارجية) وبناء عليه، فهي تبرر اللجوء الى مسطرة أصيلة بل وخصوصية في علاقتها بالملك وبالهياكل الوزارية المختلفة او الهيآت التي تنشئ لغاية محددة (مختلف المجالس العليا) والتي تتطلب فعلا " السلطة الرسمية " للملك والمشروطة بصفته أمير المؤمنين المحددة مهامها بدقة والمنصوص عليها بصفة تراتيبية في الفصل 19 .

إن هذا التصور لأعمال السلطة، يستدعي التحكم في التعيينات على كافة المستويات الحاسمة لممارستها ، وهذا ما أوضحه الفصل 30 من الدستور ( الوظائف المدنية والعسكرية العليا ) .

أما فيما يتعلق بأعمال التسيير، فإنها لا تستلزم سوى صلاحية قانونية بسيطة على النحو الذي لا تتطلب فيه سوى تنفيذ مأمور، على الرغم من أن تصورا صحيحا للإمامة ومن خلال نظرية ما يسمى " بالمصالح المسترسلة " تحيلنا افتراضا على صنف من نظرية الخدمة العمومية المتكاملة الى حد بعيد كما طرحها ليون ديغي Lyon Duguit في بداية القرن العشرين كجوهر " لحكومة ( هي عبارة عن ) مجموعة من الخدمات العمومية " [6]

من هذا الجانب لم يكن ممكنا تمييز الإدارة في النظام التقليدي المغربي عن ممارسة السلطة ( أومامة محتسب ...)

المهم في مسلسل الإنتاج المعياري ( القانون ) ، أن التفويض الذي تمنحه البيعة للملك تتم استعادته من خلال الدور الدينامي الذي يلعبه الملك فيها ابتداءا من التوجه المعياري والى نشر القوانين وذلك عبر تقدير ما يمنحه من سلطات دستورية من السلطة التشريعية والتنفيذية في إطار قيامه بالتحكيم.

إن هذا يؤكد لنا مدى التوازن الموجود مابين التقليد والحداثة في المنظومة الدستورية المغربية التي تمنح للبيعة دورها المحوري ، ويتأكد الأمر أكثر عند رجوعنا إلى القانون الدستوري المقارن حيث تتضح مدى براعة نظامنا الدستوري وضرورة توضيح ما يتعلق بالتصورات الاعتباطية ومن أين تستمد طروحاتها كأفكار مسبقة وجب محاربتها .


[1] " وهكذا فان الدستور الذي أعددته بنفسي والذي سيعلن على الملأ في كافة ارجاء المملكة ليعرض على موافقتك خلال اجل عشرين يوما ، هذا الدستور قبل كل شيء تجديد لعهد صادق وميثاق مقدس ربط دائما الشعب وملكه " الخطاب الملكي السامي يوم 18 نونبر 1962.

[2] محمد طوزي : " الملك امير المؤمنين " في : تشييد دولة عصرية ص 59 البان “ ميشيل 1986 (بالفرنسية )

[3] مليكة صروخ : القانون الدستوري طبعة 1998 ص 194

[4] المرجع السابق

[5] جورج فيديل: انظر كل طبعات مؤلفه الكلاسيكي " القانون الإداري " باريس (بالفرنسية)

[6] ليون ديغي : " تحويل القانون " (بالفرنسية)

خصوصيات عقد البيعة في المغرب

يتميز عقد البيعة في المغرب بالعديد من الخصوصيات بالنظر لتلك التي توجد تاريخيا في الشرق الإسلامي. وتتمثل فيما يلي :

الخاصية الأولى : البيعة عقد مكتوب يكتسي صبغة تعاقد

  • إنه أولاً وقبل كل شيء عقدٌ مكتوب يقوم من خلاله أعوان العدل في الدولة (العدول والقضاة) كتابة بالإشهاد وتسجيل التزامات من يعقدون البيعة أي المبايعة بالسمع والطاعة برضاهم وإٍرادتهم للمرشح الذي اختارته الأمة ليكون ملكا عليهم.
  • وهناك صيغة مغربية أخرى تقتضي بأن يقوم أولئك الذين قدَّموا البيعة هم أنفسهم بتحرير عقد إقرارهم بالطاعة ثم يختمونه بتوقيعهم أي "بخطوط أيديهم " كما يقال.
  • وبمجرد تحرير نص البيعة والمصادقة عليها تقام الدعوات لصالح الملك الذي تمت توليته وفق التقاليد التي درج عليهاالمخزن (الدولة المركزية التقليدية) والخاصة بالملك فقط ، يليها ضرب الطبول والنفخ في النفير أو الأبواق وطلقات المدافع تعبيرا عن الفرح والبهجة بحلول العهد الجديد.

الخاصية الثانية : يحاط عقد البيعة بقيمة رمزية كبيرة

  • ويقوم بعد ذلك الخطاطون بنسخ عقد البيعة الذي يعرض بكل تفاخر في مساجد البلاد وزواياها ودور كبار الأعيان لأن احترامها واجب على الجميع بحكم شرعيتها ودوامها. بل إن نصها يكون دائمًا مشمولاً بالبركة والتبرك.
  • إن هذا " الإشهار " أو " النشر " وهذا الاحترام الذي يخص عقد البيعة لا يختلفان في شيء عن قيمتها في التنصيب الدستوري ضمن الدولة العصرية باعتبارها مفروضة على الجميع مادامت تضمن الاستقرار السياسي وتحافظ على النظام الاجتماعي.
  • كما يمكن أن نشبه عملية النشر بالدَّْور الذي تلعبه الجريدة الرسمية اليوم ( نشر القوانين والمراسيم ) بل حتى بما جرت به العادة حاليا بوضع الصور الرسمية لرؤساء الدولة في الأماكن العمومية.
  • وقد كان ضريح مولاي إدريس الثاني في فاس المكان الذي تعرض فيه جميع نصوص البيعات لمختلف الملوك إلى أن أخذها السلطان مولاي عبد الحفيظ الذي تولى الحكم سنة 1908 من أجل الاطلاع عليها فلم يتم إرجاعها منذ ذلك التاريخ ( انظر كتابات مؤرخ المملكة عبد الوهاب بنمنصور في هذا الموضوع).

الخاصية الثالثة: منح عقد البيعة مكانة خاصة لرأي العلماء

  • إنها من دون شك إحدى التقاليد العريقة في المغرب لكون البيعة لم يتم فرضها أبدًا في الظروف العادية من قبل رجال السلطة او حملة السلاح أو القيادة العليا للجيش كما نسميها اليوم . من المؤكد أنهم هؤلاء كانوا يشاركون دائما في المشاورات والمداولات إلى جانب الطبقة السياسية والاجتماعية المكونة من العلماء والشرفاء ( المنحدرون من سلالة الرَّسول صلى الله عليه و سلمÂ ) والأعيان التجار وممثلو الحرف ( الحنطات ) علما أن للعلماء وزن كبير في اتخاذ القرار النهائي نظرا لاطلاعهم على الفقه وحرصهم على تجنب الفتنة للأمة.
  • وعلينا أن نضيف بأنه جرى التقليد أن يكون علماء مدينة فاس ( العاصمة التاريخية التي كانت تضم الجامعة الإسلامية الوحيدة آنذاك )، دون غيرهم، هم الذين يقومون بالمصادقة النهائية على عقد البيعة بعد إجرائها ( كهيئة شبيهة بالمجلس الدستوري اليوم ).

الخاصية الرابعة : لقد كانت البيعة دائما في المغرب تعاقدًا ملزمًا للطرفين

  •  بالرغم من أنها تتعلق " بالقانون السياسي " فإن قواعد " القانون المدني والعقود " هي التي تنطبق عليها بالدرجة الأولى. بمعنى أن البيعة تتضمن علاقة تبادل مابين الذين يعقدونها (باسم كافة المؤمنين)، وذلك أو تلك الموجهة له( لها)، أي المرشح للإمامة العظمى.
  • وهكذا فإن عقد البيعة يتضمن حقوقًا والتزامات ، فالبيعة لا يمكن اعتبارها التزامًا مطلقًا صريحًا من لدن أولئك المبايعين ، ولكنه تعاقد يتم من خلاله تبادل الطاعة التامة مقابل انجاز مجموعة من الأهداف المتعلقة بالصالح العام على كافة المستويات ( المادية والدينية).
  • إن عقد البيعة يمثِّل ولا شكّ الرُّكن الأساسي الذي لا محيد عنه بالنسبة للنظام الدستوري في المغرب على النحو الذي يجعل من الملك المكوِّن الشَّرعي وحامي النّظام الاجتماعي، لكنّه يقرّ بالمقابل للمؤمنين / المواطنين حقوقًا والتزاماتٍ يمكِنهم ممارستُها في انسجام تام مع الملك .(انظر ما يلي ).

النموذج والمثل

أما النموذج والمثل الذي يتم الاستناد إليه، كما سبقت الإشارة من قبل، فهو مبايعة أبو بكر الصديق رضي الله عنه ( الصحابي الذي كان يرافق الرسول صلى الله عليه وسلم) والتي جاءت كما يلي:

" إني وليت عليكم ولست بخيركم، فان أحسنت، فأعينوني وإن أسأت فقوِّموني، القويُّ فيكم ضعيفٌ عندي حتى آخذ منه الحقّ، والضعيف فيكم قويٌ عندي حتى آخذ له حقَّه، أطيعوني ما أَطعت الله ورسولَه فيكم، فإن عصِيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم ".

يتعلق الأمر هنا إذن بالنظر في الكيفية التي أمكن بها لمؤسسة أصيلة استمرت عبر التاريخ من أن تجد مكانًا لها في الإطار المفاهيمي المنقول عن النظام الدستوري المعاصر بعد الاستقلال.

عقد البيعة يكتبه أهل الحل والعقد

من القوانين والأحكام الدستورية التي تميز بها المغاربة "عقد البيعة"، وهو بمثابة عقد يكتبه أولو الحل والعقد من الأمة عندما يتقلد ملك من الملوك منصب الإمامة العظمى..كان للمغرب في عصوره الخوالي قوانين وأحكام يلتزمها مواطنوه ويتقيدون بها فيما يأتون ويذرون من قضايا الحكم وشؤون السياسة، ولم تكن هذه القوانين والأحكام مدونة في سجل ولا مثبتة في كتاب، وإنما كانت كالدستور البريطاني، تعارف الناس على أحكامها وتمسكوا بها وإن لم يصدر بها مرسوم أو يجر بشأنها استفتاء.

ومعظم هذه القوانين والأحكام مستمد مما أثر عن السلف الصالح من المسلمين أو نصت عليه كتب الفقه الإسلامي، وأقلها مأخوذة من تقاليد الوطن وأعرافه التي اصطلح عليها الناس وتوافقوا وجرى بها عملهم، و"ما جرى به العمل" أصل مشهور من أصول مذهب مالك بن أنس وركن من أركان فقهه معروف.

ومن هذه القوانين والأحكام الدستورية التي أخذ بها المغاربة وعملوا بها ولا يزالون "البيعة"، وهي عقد يكتبه أولوا الحل والعقد من الأمة عندما يتولى مُلكَ بلدهم ملك أو سلطان جديد.

وكان جلوس الملك على العرش في المغرب يتم بإحدى طرق أربع:

  • 1- يرشح ملك في حياته واحدا من أسرته يكون في الغالب أكبر أبنائه ليتولى الملك مكانه بعد مماته، وهذا ما يعرف بولاية العهد، فيأخذ له البيعة من الأمة ويقرن اسمه باسمه في الخطب ويخصه دون أمراء الأسرة بمميزات كقيادة الجيوش والنيابة عنه في تدبير الملك وتسيير شؤون الدولة، ومن الأمراء المغاربة الذين أخذ لهم العهد في حياة أسلافهم ثم صاروا بعدهم ملوكا: محمد بن إدريس الثاني، وعلي بن يوسف بن تاشفين، ومحمد الشيخ المدعو بالمأمون السعدي، ومولاي عبد الرحمان بن هشام العلوي، وجلالة الملك الحسن الثاني.
  • 2- وقد يرشح الملك ابنه أو أخاه للملك من غير أن يوليه عهده صراحة، وذلك باستخلافه عنه في إحدى عواصمه الكبرى أو إسناد قيادة الجيش إليه وإنابته عنه في الحكم والتدبير، حتى إذا مات لم ينازعه أحد في الملك ولم يتطاول على مقامه، ومن الذين تولوا الملك بهذه الطريقة السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمان، وابنه السلطان مولاي الحسن الأول.
  • 3- وقد لا يرشح ملك خَلَفه في الملك بولاية عهد أو استخلاف، حتى إذا مات اجتمع أمراء الأسرة ووزراء الحكومة وقواد الجيش والعلماء والشرفاء فاختاروا لرياسة الدولة خير من تتوفر فيه شروط الملك المنصوص عليها في كتب الفقه من بين أفراد الأسرة الملكية، ومن السلاطين الذين تولوا الملك بهذه الطريقة يوسف بن عبد المؤمن الموحدي، وأبو سعيد المريني، ومولاي أحمد ابن السلطان مولاي إسماعيل العلوي.
  • 4- يتولى المُلكَ مَلكٌ من الملوك قوة وغلابا، بإرادة منه أو بدونها، سواء كان من أسرة ملكية حاكمة أو من أسرة غيرها، ومن السلاطين الذين تولوا الملك بهذه الطريقة عبد المومن بن علي الموحدي، ويعقوب بن عبد الحق المريني، ومحمد الشيخ الوطاسي، والسلطان مولاي عبد الحفيظ العلوي.

وكيفما كانت الطريقة التي يصل بها ملك إلى الملك فإن ملكه لا يعتبر قانونيا إلا إذا زكاه ممثلو الأمة بالمدن والقرى ببيعات يلتزمون له فيها بالسمع والطاعة في المنشط والمكره، ويلتزم لهم فيها بالعمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يسير فيهم بسيرة سلف الإسلام الصالح، ويضمن لهم العدل ويؤمن لهم السبل ويحمي حوزة الوطن، وباختصار يتعهد لهم بجلب كل منفعة ودفع كل مضرة.وكانت البيعات تعقد تارة بحرية وتارة بإكراه، ومن العلماء والأعيان من كان يرفض مبايعة ملك جديد إذا ما أحس أن عنقه لا يزال مطوقا ببيعة ملك قديم، أو شعر أن الملك الجديد لا تتوفر له شروط التملك والخلافة المنصوص عليها في كتب الفقه الإسلامي، أو لسبب آخر من الأسباب، والتاريخ المغربي مليء بأمثلة هذا الرفض في القديم والحديث.

ولما انتقل السلطان المنعم مولاي عبد الرحمان بن هشام العلوي إلى جوار ربه بمكناس يوم الاثنين 29 محرم عام 1276هـ (26 شتنبر سنة 1859م) أخذت البيعة لابنه وخليفته سيدي محمد بن عبد الرحمان بمكناس في الساعة السابعة من صباح غده الثلاثاء (فاتح صفر = 27 شتنبر) وهو في طريقه إليها، ثم جاءته بيعات المدن والقبائل المغربية بعد ذلك، ولم يتخلف عن بيعته أحد، لحزمه وحسن تدبيره، وحميد سيرته، ولأنه كان خليفة والده ونائبه ومستشاره في كل كبير من الأمور وصغير.وتحفظ مديرية الوثائق الملكية عددا من نصوص هذه البيعات، وهي جميلة الخطوط مزخرفة الحواشي ملونة الحبر، تتخلل بعضها جداول قيدت فيها أسماء المبايعين، ويكتفي في بعضها الآخر بشهادة العدول وإعلام القاضي على بيعتهم.

وسنثبت فيما يلي بعضها مرتبا حسب اواريخه، وهي بيعات أهل فاس، وسجلماسة، وقبائلها الصحراوية، وتطوان، وأهل طنجة، والجيش الريفي، وأهل السويرة، وأهل مراكش...

اقرأ

  • بيعة أهل فاس للسلطان سيدي محمد بن عبد الرحمان.
  • بيعة سجلماسة وقبائلها الصحراوية للسلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن.
  • بيعة تطوان للسلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن.
  • بيعة أهل السويرة للسلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن.
  • بيعة أهل مراكش للسلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن.
  • بيعة مراكش للسلطان مولاي الحسن الأول.
  • بيعة قواد الجيش للسلطان مولاي الحسن الأول.
  • بيعة قبيلة مسفيوة للسلطان مولاي الحسن الأول.
  • بيعة علماء الحديث للسلطان مولاي الحسن الأول.
  • بيعة قبيلة الحشم للسلطان مولاي الحسن الأول.
  • بيعة قبيلتي مغران وهسكورة والزاوية البناجية للسلطان مولاي الحسن الأول.
  • بيعة قبيلة زمران للسلطان مولاي الحسن الأول.
  • بيعة آيت اكومي بطن من قبيلة يمورة للسلطان مولاي الحسن الأول.
  • بيعة أهل الرباط للسلطان مولاي الحسن الأول.
  • بيعة أهل سلا وقبائل حوزها للسلطان مولاي الحسن الأول.
  • بيعة قبيلة العونات للسلطان مولاي الحسن الأول.
  • بيعة قبيلة أحمر للسلطان مولاي الحسن الأول.
  • بيعة أهل مكناس للسلطان مولاي الحسن الأول.
  • بيعة قبائل بني مطير وجروان ومجاط للسلطان مولاي الحسن الأول.
  • بيعة القصر الكبير وقبائل الغرب للسلطان مولاي الحسن الأول.
  • بيعة قبيلتي مزوضة وفروكة للسلطان مولاي الحسن الأول.
  • بيعة قبيلة مزاب للسلطان مولاي الحسن الأول.
  • بيعة هشتوكة والشياظمة للسلطان مولاي الحسن الأول.
  • بيعة قبيلة صنهاجة الوسط للسلطان مولاي الحسن الأول.
  • بيعة قبائل بني مستارة ورهونة وبني مزكلدة وسطة وبني يحمد وأولاد البقال للسلطان مولاي الحسن الأول.
  • بيعة أهل العرائش والقصر الكبير وأصيلة وبني كرفط للسلطان مولاي الحسن الأول.
  • بيعة القطبيين من قبيلة زمور للسلطان مولاي الحسن الأول.
  • بيعة أهل تطوان للسلطان مولاي الحسن الأول.
  • بيعة أهل الجديدة والقبائل المجاورة لها للسلطان مولاي الحسن الأول.
  • بيعة قبيلة أنجرة للسلطان مولاي الحسن الأول.
  • بيعة أهل ردانة وقبائلها للسلطان مولاي الحسن الأول.
  • بيعة أهل تازة والقبائل المجاورة لها للسلطان مولاي الحسن الأول.
  • بيعة قبائل أولاد حريز والمذاكرة وأولاد علي للسلطان مولاي الحسن الأول.
  • بيعة قبيلة آيت يوسي للسلطان مولاي الحسن الأول.
  • بيعة قبائل بني زمور وزاوية أبي الجعد للسلطان مولاي الحسن الأول.

بيعة صاحب الجلالة الملك محمد بن الحسن

إثر وفاة صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله في الساعة الرابعة والنصف من عشية يوم الجمعة 23 يوليوز سنة 1999م -9 ربيع الثاني عام 1420هـ، نودي بابنه وولي عهده الأمير سيدي محمد ملكا على المغرب طبقا لأحكام الدستور وعقد البيعة الشرعية له من الأمراء والوزراء ونواب الأمة وكبار ضباط الجيش وزعماء الأحزاب السياسية وغيرهم. وتلا وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية السيد عبد الكبير العلوي المدغري بين يدي جلالته نصها التالي:

بيعة صاحب الجلالة الملك محمد بن الحسن

"الحمد لله الذي جعل الإمامة العظمى أمنا للأمة ونعمة ورحمة، وجعل البيعة ميثاقا، والطاعة لأولي الأمر عهدا ووثاقا، فقال تعالى: (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله، يد الله فوق أيديهم، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسنوتيه أجرا عظيما)، وقال سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)، وقال مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية".

وإنه لما قضى الله بوفاة أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين، وإمام المسلمين في هذا البلد الأمين، جلالة الملك الحسن بن محمد بن يوسف بن الحسن قدس الله روحه وطيب ثراه، وعطر بأريج الرحمة مثواه، ولما كانت بيعته الشرعية في أعناق المغاربة جميعا من طنجة إلى الكويرة، وكانت البيعة من الشرع وهي الرابطة المقدسة التي تربط المؤمنين بأميرهم، وتوثق الصلة بين المسلمين وإمامهم، وكان فيها ضمان حقوق الراعي والرعية، وحفظ الأمانة والمسؤولية، وسيرا على المعهود في تقاليدنا الملوكية المرعية، والتي بفضلها تنتقل البيعة بولاية العهد من الملك إلى ولي عهده من بعده، فإن أصحاب السمو الأمراء وعلماء الأمة وكبار رجالات الدولة ونواب الأمة ومستشاريها ورؤساء الأحزاب السياسية وكبار ضباط القيادة العليا للقوات المسلحة الملكية الموقعين أسفله، إذ يعبرون عن ألمهم بفقدانهم لرمز الأمة سليل الملوك العلويين الكرام، وواسطة عقد الأئمة العظماء الأعلام، مولانا الحسن بن مولانا محمد بن مولانا يوسف بن مولانا الحسن، ويبتهلون إلى الله جلت قدرته وتجلت عظمته أن يسكنه فسيح الجنان، ويحسن إليه أكبر الإحسان، على إخلاصه وتضحيته، وأدائه الأمانة على وجهها، ووفائه بالرسالة بأكملها، يقدمون بيعتهم الشرعية لخلفه ووارث سره صاحب الجلالة والمهابة أمير المؤمنين سيدنا محمد بن الحسن بن محمد بن يوسف بن الحسن جعل الله أيامه أيام يمن وخير وبركة وسعادة على شعبه وبلده، وحقق على يديه الكريمتين آمال هذه الأمة الوفية المتمسكة بعرشه والمتفائلة بعهده، ملتزمين بما تقتضيه البيعة من الطاعة والولاء والإخلاص في السر والعلانية والمنشط والمكره طاعة لله عز وجل، واقتداء بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، سائلين الله لأمير المؤمنين طول العمر ودوام النصر والعز والتمكين.

وحرر بالرباط في يوم الجمعة تاسع شهر ربيع الثاني 1420 الموافق 23 يوليوز 1999".

وقع وثيقة البيعة صاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، وصاحب السمو الأمير مولاي هشام، وصاحب السمو الأمير مولاي إسماعيل، والوزير الأول، ورئيسا مجلس النواب ومجلس المستشارين، وأعضاء الحكومة، ومستشارو صاحب الجلالة، ورؤساء المجالس العلمية، ورئيس المجلس الأعلى، والوكيل العام للملك به، ورئيس المجلس الدستوري، والضباط السامون بالقيادة العليا للقوات المسلحة الملكية، والمدير العام للأمن الوطني، ورؤساء الأحزاب السياسية الخ الخ.

وكان الموقعون يتقدمون تباعا للسلام على جلالة الملك محمد بن الحسن أعزه الله وأيده.

بيعة أهل المغرب لأئمتهم (1)

البيعة في الإسلام هي الأسلوب الشرعي في تنصيب رئيس الدولة الإسلامية“ أمير المومنين “ وهي أساس الدستور الإسلامي في تشكيل السلطة العليا لتسيير شؤون المسلمين.

وتعتبر البيعة من مبتكرات الحضارة الإسلامية وخصوصياتها، وإنما سميت عملية تنصيب السلطة العليا في الإسلام "بيعة" تشبيها لها بفعل البائع والمشتري، لأنهم كانوا إذا بايعوا الإمام وعقدوا عهده، جعلوا أيديهم في يده تأكيدا للعهد الذي قطعوه على أنفسهم، ومن ثم ورد ذكر " اليد" في سياق الحديث عن "البيعة" في الآية رقم 10 من السورة رقم 48 (سورة الفتح):" يد الله فوق أيديهم".

وقد أجمع المسلمون ما عدا الشيعة الإمامية على أن تعيين الخليفة يتم بالبيعة أي بالاختيار والاتفاق بين الأمة ممثلة في أهل الحل والعقد، وبين شخص الخليفة، فهي إذن عقد حقيقي من العقود التي تبرم بين إرادتين على أساس الاختيار والرضا.

قال "الماوردي" - في أحكامه السلطانية-:"فإذا اجتمع أهل العقد والحل للاختيار تصفحوا أحوال أهل الإمامة الموجودة فيهم شروطها فقدموا للبيعة منهم أكثرهم فضلا، وأكملهم شروطا، ومن يسرع الناس إلى طاعته، ولا يتوقفون عن بيعته".

وأهل الحل والعقد هم الذين يمثلون الأمة في اختيار الخليفة باعتبار أن نصب الإمام من الفروض الكفائية على الأمة بمجموعها، يتصدرهم العلماء المختصون (أهل الاجتهاد) والرؤساء، ووجوه الناس وأعيانهم.

والأصل في البيعة، بيعـة العقبة التي كانت بمكـة حيث بايع الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بيعـة الرضوان تحت الشجـرة التي كانت بعدها بنحـو ست سنوات، ولكليـهما ذكر في كتاب الله عز وجل في الآيتين رقم 10 – ورقم 18 من السورة رقم 48 (سورة الفتح) ونص الآية رقم 10:" إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله، يد الله فوق أيديهم" ونص الآية رقم 18:" لقد رضي الله عن المومنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم، فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا".

وكما كان من نتائج بيعة العقبة إقرار مبدأ الهجرة الدينية من مكة إلى المدينة، ثم قيام الدولة الإسلامية بقيادة الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم.

كان من نتائج بيعة الرضوان انعقاد صلح الحديبية بين المسلمين ومشركي مكة والذي أفضى نقضه من طرف المكيين بعد سنتين من عقده إلى فتح مكة، ونسخ وجوب الهجرة:" لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا".

خصوصيات بيعة أهل المغرب لأئمتهم

لأهل المغرب خصوصيات يتميزون بها عن غيرهم فيما يخص بيعات ملوكهم. منها:

  • أن تكون البيعة مكتوبة، يشهد بها عدول الأمة وقضاتها على المبايعين بالسمع والطاعة للإمام والتزامه بأداء وظائف الإمامة كاملة غير منقوصة، وينتقى لإنشائها أبرع الكتاب، ويدعى لكتبها أحسن الخطاطين.
  • ومنها: أن نصوصها كانت تعلق في صدر أقدس الأمكنة بالبلد كالمساجد الجامعة والأضرحة المتبرك بها إعلانا لشرعيتها وإشارة إلى دوامها واستمرارها.ومنها أن الكلمة العليا فيها للعلماء، بوصفهم حملة الشريعة المطلعين على أسرارها، والمسؤولين أمام الله أكثر من غيرهم عن نصح المسلمين وإرشادهم إلى ما فيه نفعهم وصلاحهم، ودرء كل مفسدة عنهم ووقايتهم من كل زيغ وانحراف عن جادة الدين وصراطه المستقيم.ومن خصوصيات البيعة عند أهل المغرب كذلك أنها ميثاق غليظ ينعقد عليه إجماعهم، ويعضون عليه بنواجذهم ويعدون نكثه مروقا من الدين، ومفارقة لجماعة المسلمين، ما دام من انعقدت له البيعة مستمسكا بحبل الله المتين، حاميا للوطن والدين.
  • ومن خصوصياتها أنهم حافظوا عليها في صيغتها الشرعية ورسومها المرعية بقدر محافظتهم على إمارة المومنين نظاما لحكمهم وتدبير شؤون دينهم ودنياهم لا يقبلون به بديلا، ولا يبغون عنه حولا، مع الأخذ بالطريف المفيد والمبتكر الجديد من اجتهادات أهل العلم والفكر والنظر، مما لا يتعارض مع شرع الله ودينه.

دولة الأشراف العلويين

هذا عن البيعة بالمغرب وخصوصياتها بوجه عام، وأما بالنسبة لدولة الأشراف العلويين، فالعرف أو ما جرى به العمل في الدولة السعيدة، أنه عند وفاة السلطان يجتمع العلماء وأهل الحل والعقد، وتحرر بيعة لمن ثبتت أهليته لتولي منصب الخلافة والملك، ويوقعون عليها، وهذه تسمى البيعة الخاصة التي تعرض على باقي الطبقات، ثم تقوم باقي المدن كل واحدة بدورها بتحرير بيعتها ويكون وفد ليحملها إلى الخليفة في مقر إقامته، معزين ومهنئين.

وبهذه الطريقة انعقدت إمامة أمراء المومنين بالمغرب ومنهم إمام المغرب في عصرنا هذا مولانا محمد السادس دام له النصر والتمكين.

الخلاصة

والخلاصة أن نظام البيعة في تقاليد أهل المغرب وأعرافهم يرتكز أساسا على مبدأ توثيق الحقوق والواجبات المتبادلة بين الراعي والرعية، وكأنه في روحه وجوهره يتغيـى الأبعاد السامية في العدل والإنصاف، والتي جاءت واضحة صريحة لا لبس فيها ولا غموض فـي أول خطـاب لأول الخلفـاء الراشدين أبي بكر الصديق بعد مبايعته خليفة لرسول الله “ صلى الله عليه وسلم“ حين قال رضي الله عنه شارحا سياسته في التسيير والتدبير:" أيها الناس، إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة والكذب خيانة، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ منه الحق، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له الحق، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فيكم، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم".


(1) محمد يسف

facebook twitter youtube