يوسف كَاسْوِيت: تدبُّرُ آيات الله بين الخلق والحقّ
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc

يوسف كَاسْوِيت: تدبُّرُ آيات الله بين الخلق والحقّ

 darss elhassani 7 annee 1439 080618

ترأس أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، مرفوقا بصاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن، وصاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، يوم الجمعة 23 رمضان 1439(08 يونيو 2018) بالقصر الملكي العامر بمدينة الرباط، الدرس السابع من سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية.

 وألقى الدرس بين يدي صاحب الجلالة أعزه الله، الأستاذ يوسف كيزويت، أستاذ بجامعة شيكاغو بالولايات المتحدة الأمريكية، متناولا بالدرس والتحليل موضوع : "تدبر آيات الله بين الخلق والحق"، انطلاقا من قول الله تعالى : "خلق الله السماوات والأرض بالحق، إن في ذلك لآية للمومنين". 

نص الدرس الحسني السابع اذي ألقاه الأستاذ يوسف كيزويت بحضرة أمير المؤمنين

مقدمة

بسم الله الرحمان الرحيم، وصلّى الله على سيدِنا محمّدٍ المرسَل رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحابته الطيّبين الأكرمين أجمعين

مولاي أميرَ المؤمنين، حامي حمى الوطن والدين، وسبطَ الحبيب الأمين، أعزّ الله أمرَكم، وأمدّ في بقائكم، وخلّد في الصالحات ذكرَكم.

وبعدُ: فإنّ موضوعَ هذا الدرسِ الذي تفضّلتم عليّ بشرف إلقائه بين يدي جلالتكم، في هذا المجلس العلمي السنيّ، يدور حول مركزيّةِ البيئةِ في الحياة الروحية، وأهمّيّةِ تدبّر آياتِ الله في الآفاق العلويّة والسفليّة. فإنّ المؤمنَ يتأمّل عالمَ الطبيعة بعين المعتبر الشكور، ويستشعر روعةَ تناغُم الإيقاعِ الإلهيّ في عالمِ الظهور، ويجدّد دهشتَه وسعادتَه الفطريّةَ بخلق الرحمان الذي لا يُرى فيه عيب ولا فُطور.

وأستند في درسي هذا إلى الأسس الفكريّة لعارف مغربيّ-أندلسيّ فريد لم يحظ بكثير من الاهتمام من طرف الباحثين، اسمه أبو الحكمِ بنِ برّجان، وهو مدفون بمدينةِ مرّاكشَ المباركة، ويسميه المراكشيّون الذين يقيمون بجانب ضريحه بالرحبة القديمة، «سيدي برّجال».

وكان رحمه الله باعتراف من معاصريه، أبرز عارف في القرن السادس الهجري، وأكثرهم تأثيراً، وأغزرهم إنتاجاً. وقد حاز على لقب "غزاليِّ الأندلس" قيد حياته. وكان رحمه الله مفتتنًا بآيات الله الكونية في تفسيره وشرحه لأسماء الله الحسنى، وقد تعمّق في الكلام عمّا يسمّيه بـ«الحقِّ المخلوقِ به الخلقُ»، وكان يحثّ على مركزيّة الطبيعة في الحياة الروحية للمؤمن، وكم هي حاجتنا اليومَ إلى تجديد وتعزيز هذه العلاقةِ الروحيةِ بالبيئة.

وأتناولُ هذا الموضوع في ثلاثة محاور:

  • الأوّل تحليلُ قولِه تعالى: «خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ».
  • ثمّ أتناول، في المحور الثاني، كيفيّةَ تدبّر آيات الله المخلوقة والمتلوّة انطلاقًا من فكر ابن برّجانَ
  • وأخيرًا أَخْتِمُ هذا الدرسَ بمعالجة مفهومِه للبيئة، انطلاقًا من فهمه لمبدأ التطابق الثلاثي بين البيئة والقرآن والإنسان.

إنّ أبحاثي بجامعة شيكاغو، يا مولاي، تدور حول تاريخ الفكر المغربي، لأنّي وإن كنتُ أمريكيًّا في الأصلِ، فإنّي أعتزّ بهويّتي المغربيّةِ قبل كلّ شيء، فقد نشأتُ في مملكتِكم الشريفةِ، أدام الله عزّها، وتتلمذتُ في مدارسها، وتشبّعتُ من منابعها الروحية، وكفاني بهذا الانتماء شرفًا وعزًّا.

خلق الله السماوات والأرض بالحقّ

مولاي أمير المؤمنين، إنّ القرآن الكريم يتعمّد اللفْتَ والتنبيهَ إلى الآيات الكونيّة التي تحيط بنا وتغمرنا، ويحثّ المؤمنَ على تجديد النظر والتفكّر في آيات الله بعين المعتبر.

ومن الملحوظ أنّ الله تعالى يُقسِم بمشاهدَ كونيةٍ مألوفةٍ، كالشمس التي نراها يوميًّا، وحتّى بعوضَةً فما فوقها؛ إذ ما من شيء في الكون إلاّ ويدلّ على الله وله وظيفة إرشاديّة.

وهذه المشاهد آيات باهرة، وأمثالٌ عظيمة دالّةٌ على بديع صنع الله، والله تعالى يقسم بها ليذكّرنا بأنّ الكون ليس عاديًّا، وأنّ ظاهرةَ النظرِ الاعتيادي إلى خلق الله مرض من أمراض القلوب، وينشأ هذا المرضُ عن حبّ العاجلة. فالقسم بالشمس يوقظ هممنا، ويفتح بصائرنا كي لا نخلد لرؤية عجائب الله فينا وحولنا بشكل اعتيادي banal.

فالمؤمن مؤمورٌ بِمدَاوَمة الاتّعاظ والاستبصار، وبمقاومة الاعتياد. وبالتالي فالمؤمن المثاليّ كالطفل، منبهر بشروق الشمس؛ مندهشٌ بقدرته على الوقوف؛ مسحورٌ بجماليّة وردةٍ؛ متفكّر في نعمة الأكل والشرب. وأمّا من يمرّ على مشهد أو آية من آيات الله وهو مُعرِضٌ عنها، أو يجرُؤُ على القول بأنّ المشهدَ عاديٌّ، فهو حيّ أشبه بِمَيّتٍ، لأنّه لا يستشعر عظيمَ نِعَمِ الله عليه، ولا يشكر الله حقيقةً، وأنّى له الشكر، إذ الشكر ينافي الاعتياد، «وقليل من عبادي الشكور».

وكان الحبيبُ صلّى الله عليه وسلّم سيّدَ المعتبرين في آيات الله، ولم يعتد شيئًا قطّ. إذ لم يفقد النبيّ صلى الله عليه وسلّم الدهشة إزاء الخلق.

وكان حبّ الحبيب صلّى الله عليه وسلّم يمتدّ إلى الجبال، والسهول، والسماء، والأرض، والأشجار والحيوان والنبات، وكانت هذه الكائنات تحبّه أيضًا، حتّى إنّه قال: «أُحُدٌ جبل يحبّنا ونحبُّه».

مولاي أمير المؤمنين، إنّ آية «خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ» آية واضحة المعنى، بعيدة الدلالة. إذ، كما يؤكّد ابن برّجان، الاعتبار مِن أرقى العبادات، وبه يُستحضر مراد الله من خلقه، وذلك لأنّ عالم الخلق يحمل لمسةَ الخالق في جوهره، تمامًا كما يحمل المصنوعُ بصمةَ الصانعِ الشخصيّةَ على مصنوعه، أو كما يترك فنّانٌ خصائصَه المميّزةَ في أعماله الفنيّة.

ومن المقاصد العليّة للوحي، تدريب الإنسان على كسب مَهَارَةٍ يتعرّف من خلالها على الخصائص المميّزة لصُنْعِ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ، ليتعرّف على رمزيّة بل وإيحائية الخلق، ويكتشفَ آثارَ أسماءِ الله، ويتذوّقَ حقائقَها.

فكما أنّ الناقد الفنّيّ، يكتسب حساسية طبيعية، وقدرةً مهارية تمكّنه من تقييم المنجزات الفنيّة وعزوها إلى أصحابها، فإنّ المعتبر في آيات الله، كالناقد الفنّي، يُنَمِّي ذوقًا دقيقًا يتعرّف من خلاله على الخصائص المميّزة للفنّ الإلهي، ولآثار صنعه تعالى في متحف الكون، وقد كان ابن برّجانَ ذوّاقًا خبيرًا معتبرًا في أساليب هذا الفنّ الإلهي.

تعريف مختصر بالإمام ابن برّجان

كان رحمه الله في واجهة مدرسة عرفانيّة مغربية، واتّخذت هذه المدرسة اسم «المعتبرين في آيات الله»، وكان اتّجاههم المنهجيّ يركّز على أهمّيّة آيات الله في الخلق.

وإذا تأمّلنا الاتّجاه السائد في كتب التصوّف المشرقيّ إلى القرن السادس الهجري، رأينا أنّها تركّز عمومًا على علم التزكية، علمِ اكتسابِ الأخلاق الحميدة، واجتنابِ سفاسفِ الأعمال. وبالمقارنة مع صوفيّة المشرق، فإنّ المعتبرين في المغرب اتّخذوا التزكية وعلم الأخلاق كمبدأ مسلَّمٍ به لا يُستغنَى عنه، إلاّ أنّهم جنحوا إلى تدبّر آيات الله في الآفاق، وإلى العلوم الكونية، وأطالوا التأمّل في صنع الله، واتّخذوا العبرة من الشاهد إلى الغائب كمبدأ فكريّ ومنهج روحيّ. وهذا التباين المشربيّ بين التصوّف في المشرق من جهة، وبين مدرسة المعتبرين في المغرب من جهةٍ أخرى، هو ما يفسّر في نظرنا ظهورَ كبار العارفين بالمغرب والأندلسِ في القرن السابع الهجري فصاعدا، كابن عربي وعلي الحرّالي وعفيف الدين التلمسني، وتأثيرَهم العظيم في الميدان الحضاري والفكري والروحي عبر القرون، وهذا باعترافِ الباحثين شرقًا وغربًا.

وقد قعّد ابن برّجان أسس هذه المدرسة. ويمكن اعتباره يا مولاي بمنزلة ثامن الرجال السبعة بمرّاكش، ولا آذَنُ لنفسي بالدخولِ إلى مدينةِ مراكشَ إلاّ بعد زيارة ضريحه الشريف.

وما أجملَ وصفَ المترجمِ ابنِ الزبير لمكانته العلمية، حيث قال:

"[كان] مِن أجلّ رجال المغرب، إمامًا في علم الكلام ولغات العرب والأدب، عارفًا بالتأويل والتفسير، نحويًّا بارعًا، نقّادًا ماهرًا، إمامًا في كلّ ما ذُكر، لا يُماثَل بقرين، مشاركًا في علم الحساب والهندسة وغير ذلك، قد أخذ من كلّ علم بأوفر حظّ، مُؤْثِرًا لطريقة التصوّف وعلم الباطن، متصرّفًا في ذلك، عارفًا بمذاهب الناس، متقيّدًا في نظره بظواهر الكتاب والسنّة، بريئًا من تعمّق الباطنيّة، بعيدًا عن قُحِّيَّة الظاهرية، شديد التمسّك بالكتاب والسنّة، جاريًا في تأويل ذلك على طريقة السلف وعلماء المسلمين وما عليه السواد الأعظم، ...[ذلك] من فضل الله يؤتيه من يشاء."

ولكم صدق المترجم ابن الزبير: فقد كان ابن برّجان يعيش، بل يتنفّس أصولَ التصوف السنّي الجنيديّ النابعةَ من القرآن الكريم والسنّةِ النبويّة الشريفة، مع امتلاكه لاستقلاليّة فكرية فريدة، وقدرةٍ على التنقّل بين مختلِف العلوم النقلية والعقلية، واتّسامٍ بمنظور فكري متكامل. وكان ابن برّجان يجسِّد مبادئ العقيدة الأشعريّة، متبنّيًا في مؤلّفاته المواقف السنيّة السائدة.

وكان يعلّم أتباعَه النظرَ في خلق الله بعين متأمّلة، ويؤكّد أهمّيةَ الاتّصالِ المباشر بالبيئة، لأنّها تغذّي الروح، إذ هي محلّ لتجلّي معاني أسماء الله الحسنى. ويقول بعبارته:

«القلب حيّ والقلم ميّت...وأقرب طريق إلى [كشف الحجاب] أعلمه...أن ... تكون بموضع تَشْرُف منه على موجودات كثيرة [أي الطبيعة] ... فذلك أعون لك على ما تريده...ثمّ ارم ببصرك إلى سماء وأرض وهواء ونبات وحيوان وغيرِ ذلك...واقض بما رأيت [في البيئة] على أمثالها ممّا لم تره [من عجائب الآخرة]."

تنبّؤه لفتح بيت المقدس

ومن العجائب الغيبية التي اشتهر بها ابن برّجان على الصعيد الدولي، تنبّؤه لفتح المسلمين لبيت المقدس باليوم والسنة قبل نصف قرن من وقوع الحدث، انطلاقًا من تفسيره لفواتح سورة الروم: «الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ». وقد حرّر الملك صلاح الدين الأيّوبي بيتَ المقدس من الصليبيّين سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة تمامًا كما ذكره الشيخ قبل وفاته، وقُرئ تفسير ابن برّجان على منبر المسجد الأقصى يوم الجمعة في حضرة الملك صلاح الدين.

وقد تتبّعتُ يا مولاي الجوانب التاريخية والفكرية لهذا الحدث المدهش الذي تحقّق في الواقع، ورجعتُ إلى كلّ النصوص المتعلّقة به، وبرهنتُ على تاريخيّتِه في كتابي:

«The Mystics of al-Andalus»، «صوفيّة الأندلس»

وهذا التنبّؤ ليس وحياً، بل هو فهم لإشارة قرآنية، ومن المبشّرات التي يراها الرجل الصالح، إذ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. والعلم الذي استخدمه في تحديد هذا الموعد، هو علم تدبّر دوائر التقدير، وهو علم يشمّ ولا يفرك، إذ يحتاج إلى كشف، وأنا عبد محجوب، إلاّ أنّي أستطيع أن أقول أنّه مُنْبَنٍ على فهمه الدقيق لعلاقة الزمان بالتدبير الإلهي في القرآن. وذُكِرت هذه الحادثة في منظومة الإمام المقّري الشهيرة، «إضاءة الدجنّة في عقائد أهل السنّة»، في باب إعجاز القرآن.

منهجه في تدبّره آيات الله في الخلق 

الحقّ المخلوق به الخلق

مولاي أمير المؤمنين

إنّ طريقة تفكير المعتبرين المغاربةِ، ونظريّتَهم البيئيةَ، في غاية التناسق والشمولية، وإن كان الأمر يبدو غريبًا بالمقارنة مع الخطاب الديني السائد في عصرنا الراهن، فهو منظور فكري أصيل وجدير بأن يُدْرَسَ بتَمعُّن، إذ باستطاعته أن يغيّر طريقةَ نظرِنا للعالَم وتعاملِنا مع البيئة كخلفاءَ لله في الأرض.

فالمبدأ الأوّل الذي يُلِحّ عليه المعتبرون المغاربةُ عمومًا، هو أنّ آثار الله منطبعة على قُماش الوجود المادّي، والوحي القرآني، والكائن البشري، وأنّ هذه التجلّياتِ مظاهرُ لكمالاتِ اللهِ وصفاتِه العُلى. وقد «كتب اللهُ الإحسانَ على كلّ شيء»، والاعتبار هو التَفَوُّقُ في قراءة ما كتبه الله من إحسان في خلقه، وهذه القدرة على القراءة هي المعرفة الحقّة عند الإمام ابن برّجان؛ إذ بها يتمّ العبور من الشاهد إلى الغائب، وبها تُكتَسب الحكمةُ، والله يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ، وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ.

ويذكّرنا الشيخُ بأنّ الخلق لم يخرج من العدم عبثًا، بل أُبدع العالمُ وفق تصميم منظم ومنسجم ومتناسق ومتماسك وجميل. يقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾.وهذا "الحقّ" الذي خُلق به الخلق، متعدد المعاني، إذ يُشير إلى مجموع "آثار" الله، و"مسالك" أسمائه في الكون، و"مقتضياتها" .

وكثيرًا ما يعبّر ابن برّجان عن هذا "الحقّ" بمصطلح خاصّ، وهو مصطلح "الحقِّ المخلوقِ به الخلقُ"، أي الحقِّ الذي فُطِرَ عليه الخلقُ، ويَقصد به الجملةَ الجامعةَ لدلائل الله ووحيه ورسله وآياته ومعاني أسمائه المبثوثة في السماوات والأرض.

والحقّ المخلوق به الخلق، من منظور مدرسة المعتبرين، هو الوسيلة الوحيدة التي يمكن من خلالها معرفة الله في الخلق، لأنّنا في نهاية المطاف، لا نتعرّف على الله إلاّ من خلال صفاته العُلى، ولا يتمّ الوصول لتلك الصفات إلاّ من خلال معاني أسمائه الحسنى، ولا يتمّ التعرّف عليها إلاّ من خلال آثارها في الكون، وجملة هذه الآثارِ معبّر عنها بهذا الحقّ القرآني.

ولهذا، فالغرض الرئيس من جلّ سور القرآن هو تذكير القارئ بـالحقّ المخلوق به، ويتّضح هذا من قراءة متأنّية لسورة الرحمان مثلا، ومن تكرار الآية ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.

وكثيرًا ما يؤكد المعتبرون المغاربة أن النبيّ إبراهيمَ عليه السلام، وصل إلى معرفة التوحيد من خلال تأمّله في السماوات العلى، وعبّر عنها بقوله لأبيه: ﴿قَدْجَاءنِيمِنَالْعِلْمِمَا لَمْيَأْتِكَ﴾. والعلم الذي جاءه هو علم الحق المخلوق به الخلق.

وإذا تأمّلنا هذا المفهوم من منظور الإلهيات (لا من منظور الكونيات)، فإنّ الله في جلاله وجماله وكماله ووحدانيته المطلقةِ، لا يقضي أمرًا إلاّ وهو كامل التناسق والجمال، لأنّ الله هو الله، ولأنّ الأمر الإلهي امتداد لإرادة الذات العليّة، إذ هو تجلٍّ لصفاته ونعوته. ويصدر الحقّ المخلوق به الخلق عن هذا الأمر الإلهي ويعمّ عالم الشهادة . وبالتالي، يقول المعتبرون: إنّ «التوحيد ينبوع الحقِ المخلوق به الخلق».

ثمّ إنّ الحقّ المخلوق به ينبّه عن عودة الأمور إلى أصلها، وعن التجليّ الإلهي العليّ يوم القيامة، والإقرارُ بهذا الحقّ هو "أمّ الشهادات وعمدتها"، إذ هو إقرار بالآخرة، وترقُّبٌ للجنة، واستعداد للقاء العليّ، وجهًا لوجهٍ، بين العبد وربّه يوم الحساب، وعنت الوجوه للحيّ القيّوم.

مبدأ التطابق الثلاثي بين البيئة والقرآن والإنسان

والمبدأ الثاني عند المعتبرين، هو مبدأ التطابق الثلاثي (la concordance)بين البيئة والقرآن والإنسان. إذ يمكن بشكل أساسيّ تقسيمَ الوجود إلى قسمين، الله وما سوى الله؛ أو الله والتجلّيات الإلهيّةُ؛ وعالم ما سوى الله يشبه سهْما صادرا عن الله، ومشيرا إليه في آن واحد؛ وبالتالي فآية الله العظمى في الكون هي الكون نفسه، أي مجمل ما سوى الله، أو "العبد الكلّيّ" بتعبير المعتبرين.

ثمّ إنّ عالم ما سوى اللهِ ينقسم إلى ثلاثة أقسام، أو ثلاثة "كُتُب" أساسية: (1) كتاب الخلق، وهو عالم البيئة (2) وكتاب القرآن، وهو عالم الوحي (3) وكتاب الإنسان، وهو العالم الصغير الذي عُلّم الأسماء كلَّها؛ ويُفْصِحُ كلّ كتاب، أو قسم من أقسام الوجود الثلاثة، عن كمالات الذات الإلهية بشكلها الخاصّ ويُعْرِبُ عنها بكيفيات متباينة.

ومن هنا ينشأ مبدأ التطابق الثلاثي الذي يراه المعتبرون في آيات الله بين البيئة والإنسان والقرآن؛ إذ لا يوجد التطابق بين الأعلى والأسفل فحسب، أي بين الدنيا والآخرة؛ بل إنّ التطابق يوجد في التجلّيات الإلهية الثلاثة: البيئة، والإنسان والوحي.

وقد صاغت طريقة المعتبرين في التفكير الترابطي، مقاربتَهم لتفسير القرآن، واهتمامهم بالطبيعة، وانفتاحهم على مختلف العلوم المتعلّقة بالإنسان والكون، مع تمسّكهم الشديد بكتاب الله وسنّة نبيّه صلّى الله عليه وسلّم. وكم هي عظيمةٌ حاجةُ المسلمِ في عالمنا المعاصر بتفرّعاته الفكريّة اللانهائية، إلى هذا النوع من التفكير المتكامل، الذي يمكّننا من ربط تخصّصات علمية شتّى في وحدة قرآنية جامعة ومناخ علميّ توحيديّ منسجم.

وسأقدّم بعض الأمثلة لمبدأ الترابط الثلاثيّ عند المعتبرين. فمثلاً، يتخلّل التناسق كلَّ أقسامِ الوجود. فإذا تأمّلنا عالَم البيئة، نلاحظ أنّ كلّ عنصر من عناصره يتفاعل ويتكامل بنظيره وِفقَ سُنَنِ الله في الكون؛ ويتّضح هذا التناسقُ من الحركة الدائرية للكواكب، ومن اعتماد الموجودات بعضِها على بعض، فالنباتات تعتمد على الشمس، والحيوانات تعتمد على النباتات؛ وذلك لأنّ الله تعالى بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، ويدبّر الأمر، وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا.

وإذا التفتنا إلى الكائن البشريّ، نلاحظ أنّ أجزاءه وأعضاءه متكاملة ومُعْتَمِدٌ بعضُها على بعضٍ، فالقلب معتمدٌ على الرئتين، والأطراف معتمدةٌ على الأوردة؛ ذلك لأنّه خُلق في أحسن تقويم.

ثمّ إنّ التركيب البنيوي لجسم الإنسان يذكّر المعتبر بالترابط بين النصوص القرآنية؛ فإذا تدبّرنا القرآن نجده متعاضدًا ومتناسقًا ومتكاملاً في تنظيمه وتركيبه، وآياته يُفسّر بعضُها بعضًا.

  • فالتناسق والتكامل إذا، بصمات من بصمات الخالق تعالى، لأنّه هو الواحد المحيط؛ وأقسام الوجودِ كلُّها تشترك في هذه الخاصّيّة الناشئة بالأصالة عن الأمر الإلهي. ولهذا اهتمّ المعتبرون بالنُّظُمِ الثلاثةِ: علمِ الفلكِ، وعلمِ الطبِّ، وعلمِ نظمِ القرآن.
  • وبالإضافة إلى ظاهرة التناسق والتوازن التي تتخلّل أقسام الوجود، يلاحظ المعتبرون قاسِمًا جماليًّا مشتركًا بين سائر الكتب الثلاثة (البيئة، والقرآن، والإنسان).
  • فالبيئة باهرة الجمال، لأنّها محلّ لتجلّي أسماء الله الحسنى، وفي باطنها، أي في باطن الكون بُثَّ الحقُّ الذي خُلق به؛
  • وكذلك الإنسان، فهو جميل البنية، وخُلق في أحسن تقويم، لأنّ جسمه الآدمي محلّ للروح، والروح لطيفة ربّانيّة نورانيّة ميّالة إلى الحقّ ومدركة لهداية الفطرة.
  • وكذلك القرآن: فهو مُنزَّل بالحقّ وبالحق نزل، ويتّسم بجمال إعجازي بنيويّ وتركيبي وبلاغي، إذ صفة الله الذاتية، صفة الكلام القديم، تتجلّى في اللّغة العربية في صورة قرآن عظيم.

وهكذا يلاحظ ابن برجان أوجه التوازي والتطابق الثلاثي بين البيئة والوحي والإنسان: أو تطابقًا بين الحقّ المخلوق به الخلق من جهة، وبين الروح الإنسانية من جهة، وقداسة القرآن من جهةٍ أخرى. وذلك لأنّ الثلاثة جميعهم صدروا من نفس الأمر الإلهي، وبالتالي يحملون "آثارا" من أسماء الله، ويتوافقون بكيفيات مختلفة.

فالجمال أصيل في الإنسان؛ والقداسة جوهرية في القرآن؛ والحقّ ملازم للخلق؛ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ.

وانطلاقًا من هذه المفاهيم، عبّر المتصوّفون المتأخّرون عن البعد الإيحائي للبيئة، وعن البعد البيئي للوحي، وتطابق الإنسان بهما، في كلامهم عن البيئة باعتبارها "قرآنا تكوينيًا" أو مصحفا منظورا، وعن القرآن باعتباره "وحيًا تدوينيًا" أو مصحفًا مسطورًا، وعن الإنسان باعتباره "عالَمًا صغيرًا".

وتُلتمس هذه المعاني من قراءة تدبّريّة لآيات قرآنية عديدة:

كسورة الرحمان مثلا: الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5) — فالرحمان عزّ وجلّ أوحى القرآن، وبما أنّ القرآن وحي إلهي فهو يحمل بصمة الجمال المتأصّلةَ في الرحمان؛ وقد خلق الرحمان خليفته الإنسان، ونفخ فيه من روحه وعلمه الأسماء كلّها ليدرك جمالية القرآن، وليهتدي بهدي الشمس والقمر.

ويتأكد التوازي بين الإنسان والكون صراحة في الآية الكريمة: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾.

فكلّ شيء إذا مرعيٌّ بقانون التوازن والترابط. ولذلك يقول ابن برّجان رحمه الله: "أشبه العالمُ القرآنَ، والقرآنُ العالمَ". وكذلك يقول: "ما في العالم شيءٌ إلاّ وفي الوحي أصله أو ما يدل عليه، كذلك ما في النبأ من ذكر أو تذكير أو إعلام إلا في الوجود شاهد له ومصدق لما أنبأ به".

آيات الله الخاصّة

ويكمن مثالٌ آخرٌ للتطابق في آيات الله الخاصّة؛ ففي غضون أقسام الوجود الثلاثة، آيات مركزية، أو خاصّة بالله، وتدلّ دلالةً حصريةً على الله، وبشكل مكثّف، ويؤكّد ابن برّجان أهمّيّة تدبّرها.

فالشمس والقمر في الكون آيات خاصّة بالله؛ فهي تنبّه عن الحضرة الإلهية والتجلّي العليّ يوم القيامة، ويُلتمس هذا المعنى لمن تدبّر الحديث الصحيح: « إنّكم سترون ربكمكما ترون القمر».

والنظير القرآني لآيات الله الخاصّة في الكون، هو سورة الفاتحة، أمّ القرآن، وكذلك الآيات الشاملة لمعاني القرآن، كآية الكرسي، وسورة الإخلاص، إذ هي تحيط برسالة الله وتلخّصها.

أمّا آية الله الخاصّةِ في الإنسان، فهي قلب المؤمن السليم، الذي هو محلّ لنظر الله يوم القيامة.

ومثلُما تشير الشمس والقمر إلى عظمة الله، فسورة الفاتحة تحيط بالرسالة الإلهية، كما أنّ قلب العبد المؤمن آية الله العظمى في الإنسان، وبفسادها يفسد الجسد كلّه.

وهكذا، نستنتج من فكر مدرسة المعتبرين أنّ دراسة بنيةِ الكونِ تُكمل دراسةَ بنيةِ القرآن، وأنّ علم الطبّ يعزّز فهمنا للإنسان وللقرآن؛ وأنّ اعتناءنا بالبيئة تكملةٌ لاعتنائنا بالدين. فعلم الكونيات، والتفسير، والطبّ، علوم متكاملة ما دمنا في مناخ قرآنيّ؛ والحفاظ على البيئة يتماشى مع حفاظنا على القرآن؛ تمامًا كما أنّ أزمة البيئة تنبّه عن أزمة علاقتنا بالقرآن، إذ الكلّ متناسق، وجميع العلوم تزيد المؤمن إيمانًا على إيمانه.

الخاتمة

وختامًا يا مولاي أمير المؤمنين: فإنّ المغرب كان ولا يزال بفضل الله، أرضًا خِصْبَةً لروحانية متأصّلة وفكر إسلامي منسجم ومستقلّ. وإنّ تراث المعتبرين في آيات الله يمثّل وجهًا مهمًّا من وجوه إرثنا المغربي الغنيّ. ثمّ إنّنا في عصرنا في حاجة لإعادة التفكير في علاقتنا بالبيئة، وبالقرآن، وبأنفسنا. وإنّ تراث المعتبرين، بتناسقه الفكري الجميل، يسلّط الضوء على هذه الأسئلة. ويمكنه أن يلعب دورًا إرشاديًّا في مواجهاتنا لتحدّيات الأزمة البيئية، لأنّ الأزمة في الأصل أزمة روحية وعقائدية. وكم هي حاجتنا اليوم إلى إحياء هذا النوع من الوعي البيئي والفكر الترابطي.

فأسأل الله تعالى أن يجعلنا من المهتدين بهدي القرآن، المسترشدين بآياته العلويّة والسفليّة، شهداء الحقّ، القائمين بالقسط. وأسأل الله أن يبارك في مبادراتِكُم المحمودةِ في مجال الإصلاح البيئي، إذ البيئة كتاب الله المنظور، وأسأل الله أن يبارك في خدمتكم لديننا الحنيف ولكتاب الله المسطور. تقبّل الله منكم، وجازاكم أعظم الجزاء، ونصر بكم الحقّ أينما كان.

ومِسْكُ الخِتام لمولانا أميرِ المؤمنين.

للاطلاع أيضا

حسن عزوزي: التعاون بين المملكة المغربية والبلدان الإفريقية في مجال الحماية من فكر التطرف والإرهاب

أحمد آيت إعزة: تعليم الدين في مدارس المملكة المغربية ومقاصده الكونية

صفية عبد الرحيم الطيب: ثوابت الهوية الإسلامية في إفريقيا وتحديات المحافظة عليها

عبد القادر الكتاني: اختلاف الفقهاء في اجتهاداتهم وطرق الاستفادة منه

محمد أرشد بن أحمد القاسمي: جهود مسلمي الهند في خدمة الحديث الشريف

رَوْحَانْ امْبَيْ: الثوابت الدينية المشتركة عامل وحدة بين المغرب والدول الإفريقية

أحمد التوفيق: حقوق النفس في الإسلام وأبعادها الاقتصادية

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

أمير المؤمنين يترأس حفل الولاء بالقصر الملكي بتطوان
facebook twitter youtube