الأحد 27 ذو القعدة 1438هـ الموافق لـ 20 غشت 2017
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc
Print Email

أماني برهان الدين لوبيس: بناء الحضارة الإسلامية بين الأصل المشهود والتجديد المنشود

darss elhassani 4 1348 2017

درس من سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية التي تلقى بحضرة أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس حفظه الله، وقد ألقت الدرس الأستاذة أماني برهان الدين لوبيس، رئيسة مجلس العلماء الإندونيسي لشؤون المرأة والشباب والأسرة، متناولة بالدرس والتحليل موضوع : "بناء الحضارة الإسلامية بين الأصل المشهود والتجديد المنشود"، انطلاقا من قول الله تعالى "والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويوثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون"، وذلك يومه السبت 22 رمضان 1438(17 يونيو 2017) بالقصر الملكي العامر بمدينة الدار البيضاء؛ وفيما يلي نص الدرس الحسني:

نص درس الأستاذة أماني برهان الدين لوبيس

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحابته الأكرمين

مولاي أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس،ملك المملكة المغربية الشقيقة، حفظكم الله وأمنكم ورعاكم.

يشرفني أن أتقدم إلى جنابكم الشريف، بخالص الشكر وبالغ التقدير، على دعوتكم وتشريفكم لي، بإلقاء هذا الدرس أمامكم، وأنتم راعي العلمِ والعلماءِ والعالمات الذي أسبغ عَطْفه الموْلوي على هذا المجمع النوراني، فجاء مقترنا بآيات الجلال والجمال. أحمل إليكم تحيات النساء المسلمات الإندونيسيات المنضويات تحت المجلس العلمي وعددهن أكثر من 80 مليون امرأة.

وأستأذنكم يا صاحب الجلالة في أن أتناول موضوع: "إستراتيجية تدبير شؤون الأمة من منظور الدين"؛ انطلاقا من قوله تعالى في سورة الحشر الآية 9:{وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.

إنني على يقينٍ، يا مولاي، بأن حلقات الدروس الحسنية المُنِيفَةِ، لها علاقة وطيدة بتنمية الإنسان ورخائه روحياً وماديا، ولذلك فتناول مثل هذا الموضوع مناسب لها.

وقد قسمت عرضي هذا إلى أربعة محاور:

  • الأول، عن تفسير معاني الآية القرآنية؛
  • الثاني، عن المنطلقات الدينية لبناء المجتمع؛
  • الثالثِ،عن مقومات التعامل مع التجديد الذي هو سنة الحياة؛ الرابع، عن التعاون والشراكة لتحقيق العيش الكريم المبني على القيم النبيلة.

أولا : شرح معاني الآية

تتضمن هذه الآية الكريمة قضايا تتعلق بذلك النموذج الحضاريوالتجربة التاريخية الفريدة التي أسس بها الإسلام مجتمعه الأول على المؤاخاة بين المهاجرين من مكة والأنصار الذين آووهم في المدينة.

"إَنَّ الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ "هُمُ الْأَنْصَارُ الَّذِينَ اسْتَوْطَنُوا الْمَدِينَةَ قَبْلَ هجرة الْمُهَاجِرِينَ إِلَيْهَا.

وقوله تعالى: "وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَإنَّ لِلَّهِ خمسه"، إخبار بتخصيص نصيب من مال الفيء للمهاجرين.

أما الْأَرْضَ فقد أبقاها لِأَنَّ اشْتِرَاءَهُ إِيَّاهَا بِمَنْزِلَةِ قَسْمِهَا.

ثم جاءت الآية بإقرار فَضْلَ الْمَدِينَةِ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْآفَاقِ بما تُبُوِّئَتْ بِالْإِيمَانِ وَالْهِجْرَةِ.

ثم أبرزت هذا الموقف الرائع للأنصار الذين لم يجدوا في أنفسهم حسدا بالنسبة لما خص به الهاجرون، وهم الذين أشركوهم حتى في أموالهم.

قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: نَزَلَ بِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ ضَيْفًا، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إِلَّا قُوتُهُ وَقُوتُ صِبْيَانِهِ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَطْفِئِي السِّرَاجَ وَنَوِّمِي الصِّبْيَةَ.

وهذا منتهى الإيثار الذي هُوَ تَقْدِيمُ الْغَيْرِ عَلَى النَّفْسِ وَحُظُوظِهَا، وهذا لا ينشأ إلا عَنْ قُوَّةِ الْيَقِينِ.

وَالْإِيثَارُ بِالنَّفْسِ فَوْقَ الْإِيثَارِ بِالْمَالِ وَإِنْ عَادَ إِلَى النَّفْسِ.

وقوله: "وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ" أَيْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ فَاقَةٌ وَحَاجَةٌ.

وفي قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الشُّحُّ وَالْبُخْلُ سَوَاءٌ. وَالْمُرَادُ بِالْآيَةِ: الشُّحُّ بِالزَّكَاةِ وَمَا لَيْسَ بِفَرْضٍ من صلة ذوي الأرحام والضيافة.

صاحب الجلالة

إن الحكمة البالغة والسبب الموجب لجعله تعالى حظا من أموال الفيء للمهاجرين فلأنهم هاجروا نصرة لمبادئ التغيير إلى الأفضل، هاجروا إلى الأنصار وهم الأوس والخزرج، وتبوءوا دار الهجرة والإيمان، فكان ذلك سببا في قوة الإسلام وانتشاره.

إذا قرأنا التاريخ نجد أن معظم سكان الأرض في الأصل كلهم مهاجرون في وقت من الأوقات، من مكان قديم إلى مكان جديد، وما أكثر ما نسي أهل البلد أن أصلهم من المهاجرين فيتصرفون بإظهار الرفض للمهاجرين الجدد، وما أحوجنا إلى الاستماع لهذا النموذج المخالف، ونحن نقرأ القرآن في قوله تعالى عن الأنصار: {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} ، وقد قدم الله بالذكر المهاجرين لأنهم جمعوا بين النصرة في مكة ثم الهجرة إلى المدينة.

ثانيا: المنطلقات الدينية لبناء المجتمع

وهكذا كانت الهجرة النبوية نقطةَ تحولٍ مهمةٍ في تاريخ الإسلام وبداية البناء العملي لدولته في المدينة المنورة، ذلك البناء الذي قام على المؤاخاة وترسيخ فقه التعايش، أفضلُ نموذجٍ في تاريخ البشرية، سواءٌ فيما بين المسلمين، أو فيما بينهم وبين الطوائف الأخرى من سكان المدينة.

وفي مؤاخاة الرسول بين المهاجرين والأنصار أقوى مظهر من مظاهر عدالة الإسلام الإنسانية الأخلاقية البناءة. فالمهاجرون قوم تركوا في سبيل الله أموالهم وأراضيهم، والأنصار قوم أغنياء بزروعهم وأموالهم وصناعتهم. فيحمل الأخ أخاه ويؤثره على نفسه. وفيما فعله المهاجرون والأنصار نزلت العديد من الآيات تثني على سلوكهم.

أكد نبينا صلى الله عليه وسلم أن لليهود من سكان المدينة دينهم وللمسلمين دينهم، ثم كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا بينه وبين بقية سكان المدينة، من يهود ووثنيين وبمناسبة الحديث عن وثيقة المدينة، نهنئكم يا صاحب الجلالة، لأن هذه الوثيقة هي التي اجتمع عليها قبل عامين، بدعوة من مملكتكم الشريفة، مئات من الشخصيات الفكرية وممثلي الأقليات في العالم، وصدر عن اللقاء إعلان مراكش الذي نص على أن الإسلام سبق لإقرار حقوق الأقليات من خلال وثيقة المدينة، وأنه لا سند في هذا الدين لمن يريد أن ينقص من حقوق الأقليات، وما تزال أصداء إعلان مراكش هذا تتردد في العالم.

ومثل هذه الأسس الأولى في حياة الإسلام جعلت المجتمع الإسلامي يتميز من جهتين: أما الأولى فلأنه جعل العقيدة بكل مظاهرها والشريعة بكل أحكامها الأساس الأكبر الذي تنبني عليه الأسس الأخرى، أما الثانية فتتجلى في ما وضعه من اعتبارات تجاه حماية وتفعيل هذه الأسس.

فمن أهم أسس هذا النموذج:

  • أولا: الإيمان بوحدانية الله بأبعادها التي تشمل كل مناحي الحياة؛
  • ثانيا: التضامن بين أعضاء الأمة الإسلامية، ولا يقتصر على المشاعر بل يقتضي التعاون والتكافل الاجتماعي، كما يقتضي الالتزام بضوابط الأخلاق في السلوك، والعمل بالشورى في الأمور الجامعة، والتقيد بمبادئ المسـاواة، والحـرية، والتسامح، والتعــايش.

صاحب الجلالة

إن البناء الحضاري له قواسم مشتركة بين البلدان، ولكنه محكوم في خصوصياته بأحوال كل بلد بحسب ثقافته، فإذا وقفنا عند حال بلدي إندونيسيا، تجد أن نسبة المسلمين تبلغ 87% من حوالي 260 مليون نسمة، ونذكر هنا السكان في معرض الكلام عن البناء الحضاري لأن السكان رأسمال الشعب الذي لابد من تطويره وإعداده، والذي يمكن أن يكون سببا في الخسارة إذا لم يتم إعداده وتطويره، وهي مسئولية لا تقع على عاتق الحكومة فحسب، وإنما تقع أيضا على المؤسسات الأهلية والمنظمات الدينية والاجتماعية.

وقد يختلف الناس كما في بلدي بين من يميل إلى الدفاع عن التراث، ومن يميل إلى التحديث ومن يفسر الظواهر بتحرر أكبر ومن يسقط في التشدد.

لكن التحدي الذي يواجه الجميع هو تصحيح النظام التعليمي، لأن طاقة منافسة النظام الحالي ما تزال منخفضة لأسباب عدة منها التمسك بنظام الإدارة المركزية في التسيير.

وهنا لابد من الإشارة إلى إن الإستراتيجية هي قبل كل شيء مفاهيم نظرية يتعين الالتزام بها، والعمل على مراعاتها والتعرف على ما تحتويه من دلالات ثم القيام بترجمة تلك الدلالات إلى معطيات في ضوء المطلوب من المهام والمتاح من الإمكانات.

وبهذا الصدد فإن تطبيق نظام الإدارة المحلية اللامركزية في النظام التعليمي من شأنه إيجاد التنافس السليم بين الأقاليم، مع تطوير الاتجاه نحو تعدد الثقافات في بلد كإندونيسيا بطريقة صحيحة.

صاحب الجلالة

إذا قارنا حالتنا بالدول المتقدمة ومنها اليابان القريب منا، نجد أن ميول القراءة وإجراء البحوث العلمية لدينا ولدى الشعوب المسلمة عامة مازالت منخفضة، وهذا الانخفاض في القراءة والبحث العلمي هو العرقلة الكبرى لتطوير النظام التعليمي، ولابد أن يصاحبه تغيير آخر في العقلية، هو تغيير العوائد من أجل التعود على كثافة العمل وتجنب الكسل والكف عن اللجوء إلى الظهور دائما بمظهر الضحية وإلقاء اللوم على الغير.

وحيث إن التعليم هو عملية نقل المعرفة والقيم والثقافة التي تفضي إلى الاستثمار في الحقل البشري، فلا بد من إعطاء الأولوية لهذا الاستثمار الذي تنتظر منه أجود المنتجات. ومن المؤكد أن نتائج مثل هذا الاستثمار لا تظهر إلا بعد مضي عشرين عاما في المستقبل، وذلك على غرار ما قام به رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، حينما قام بالتعليم والدعوة في الأمة العربية خلال 23 عاما، وتأخر ظهور بعض النتائج إلى عهد الخلفاء الراشدين.

ثالثا – مقومات التعامل مع التجديد الذي هو سنة الحياة

إن الدين توحيد بين البعد الأزلي الروحي والواقع الظرفي المادي، فالنموذج الشرعي الأول هيأ منهج العبادة الأمثل لله، ومع مرور الزمن، تتبدل الظروف النفسية والثقافية والاجتماعية والمادية، فيقتضي ذلك نظراً وعملاً متجددا لبناء نموذج جديد في مغزاه الديني، استنارة بما يصطلح عليه العلماء بمقاصد الشريعة، وهكذا كان علماء هذه الأمة على اجتهاد مستمر لتضييق الشقة بين النص الإلهي المثالي والواقع البشري المتقلب.

وهذا الكلام مستفاد من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) أخرجه البخاري في الاعتصام.

وقد يظن بعض الناس أن دور الدين في استراتيجة النهضة ليس بالدور المهم، ولكن التاريخ أظهر بما لا شك فيه الدور الإيجابي للدين في صنع الحضارة، وأعظم شاهد على ذلك تاريخ الإسلام، هذا الدين الذي استطاع أن يحول مجتمع الجزيرة من مجتمع جاهلي غير حضاري إلى مجتمع طليعي في صنع الحضارة.

فإذا امتزج الإنسان مع الفكر ومع الثروة أمكن بناء الحضارة، لكن الإنسان هو العامل الأول في صنع الحضارة، لذلك كان للدين دوره في هذا القيام، ولكن الإنسان، لكي يصنع الحضارة، يحتاج إلى برنامج، وهو الذي نعبر عنه بالفكر. والفكرة والنظرية تجسدان خريطة البناء الحضاري.

ومن الداخل نرى أن مجتمعاتنا تعاني من هيمنة أفكار وأطروحات انغلاقية قديمة موروثة من عهود التخلف الفكري والسياسي في الوقت الذي يحتاج فيه العالم إلى توسيع رقعة النقد للأفكار والمفاهيم، وترسيخ مبدأ الانفتاح على الآخر.

رابعا- التعاون والشراكة للعيش الكريم

وهنا نستحضر قيمة من قيم الدين، وهي قيمة التعاون والتضامن التي ينبغي أن تكون في مقدمة الاهتمام، قال عز وجل [وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ]، إن الإسلام دعا إلى تحقيق التكافل بكل صوره وأشكاله ووضع له أسبابه، ونصوص الكتاب والسنة تؤكد على إستراتيجية بناء الأمة ولاسيما من خلال أربعة أشياء وهي التكافل الدفاعي والعمل التعاوني الجمعوي والضمان الاجتماعي وحقوق الأقليات.

أولا: التكافل الدفاعي

ويقصد به وجوب التعاون الدفاعي بين دول الإسلام من أجل حماية الإسلام، أرضه وأهله، ومن أجل المحافظة على بقاء الجماعة الإسلامية.

ففي ضمير المسلمين ما يشعر بضرورة وجود هذه الإستراتيجية الأمنية، ويبقى وجودها الفعلي متوقفا على خطة مدروسة لضمان السلام والأمن، سواء على المستوى الوطني أو العالمي. ذلك لأن الأمن حاجة أساسية من حاجات البشر، تحتل المرتبة الثانية من حاجاتهم والحفاظ على كرامة الإنسان.

أضحت مكافحة الجريمة سياسة جنائية بكل ما تتضمنه كلمة السياسة من معنى. تشترك فيها، مع الشرطة، كل الأجهزة المختصة في الدولة برعاية الفرد والمجتمع، ودعم القيم الإنسانية والخلقية فيه، كل في حدود اختصاصه، وبمثل هذه النظرة الشمولية العميقة يمكن إيجاد الحل الأمثل للمشاكل، ومن ضمنها النزاعات وظهور الشغب والقلاقل.

ثانيا: التعاون الجمعوي

لقد جاء الإسلام بالحث على الإنفاق من قبل الأنصار والمشاركة في المهنإ مع المهاجرين. وهذا المنهج المتأصل في الإسلام ينبغي أن يكون أساساً للجمعيات التعاونية التي تقوم في كل بلد مسلم، تتولى في إطار القانون جمع هذه الأموال وتنميتها وتوزيعها على الفقراء والأيتام والأرامل في كل بلد.

ولابد أن تتربى الأجيال على الحس التعاوني بوازع تعاليم الدين، حتى يكون الإنفاق من أبرز مظاهر التعاون على البر والتقوى،وحتى يبادر كل مسلم إلى تقبل الإحسان وعفو الإساءة ببذل المال والعمل متى احتاج إليه إخوانه المسلمون، بحيث لا يرضى المسلم أن يوجد في الناس جائع أو عار أو محتاج إلى إسعاف، وهو يقدر على مد يد العون إليه.

فإذا تعززت الرابطة الإسلامية بالتعاون بجميع أنواعه، تحققت الأخوة والمحبة بإذن الله تعالى، وأصبح المسلمون يداً واحدة وقوة تحظى أمام الأمم بالاعتبار.      

ثالثا: الضمان الاجتماعي

تطالعنا التنظيمات الاجتماعية المعاصرة بأنواع من التدابير والقوانين الهادفة إلى تحقيق التكافل الاجتماعي، وللمسلمين في تعاليم دينهم أسس تدعوهم إلى تحقيق هذا التكافل في أوسع صوره وأسمى معانيهيقول تعالى: [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] ولاشك أن المطلوب هو بلورة هذه التوجيهات الأخلاقية في صيغة قوانين وتدابير، يكون تنزيلها على الواقع، وتدخل في ما يمكن أن تتنافس عليه البرامج الانتخابية في بلداننا على سبيل المثال، ومن أبعاد هذا التكافل في الإسلام كونه لا يقتصر على المسلمين، بل يمتد إلى غير المسلمين، فقد رأى عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، شيخاً ضريراً يسأل على باب، فلما علم أنه يهودي قال: ما ألجأك إلى ما أرى؟ قال الجزية والحاجة والسن، فأخذ رضي الله عنه بيده وذهب إلى بيته فأعطاه ما يكفيه يومه وأرسل إلى خازن بيت المال يقول له: انظر هذا وأمثاله، فو الله ما أنصفناه،أنا أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم.

هكذا ينبغي أن نتصور الضمان الاجتماعي في الإسلام كعنصر من عناصر إستراتيجية لإحياء نهضته، حيث ينتظر أن تتعاون الدولة والمجتمع على التكفل بالفقراء وبإعانة المرضى والشيوخ والعجزة وتوفر لهم الرعاية الاجتماعية الكريمة.فمن أجل هذا فرض الإسلام الزكاة وجعلها ركناً من أركانه الخمسة، تؤخذ من الأغنياء وترد على الفقراء، وخصص لها بيتاً للمال تجبى إليه ومنه توزع على المستحقين،

والأمر الذي يجب تأكيده بقوة في مسألة العدالة الاجتماعية، من منظور الشرع، هو أن ما ثبت بدليل قطعي لا يجوز أن ندع متساهلين أن يجترئوا على اقتحام حماه، لأن ما جاء به الدين من أحكام " قطعية" هي عماد الوحدة الاعتقادية والفكرية والعملية للأمة، وهي الأحكام الثابتة بصريح القرآن، مثل توريث الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين، فلا اجتهاد ممكن في التسوية بين الذكر والأنثى! بدعوى أن التفاوت كان في زمن لم تكن المرأة فيه تعمل مثل الرجل! لأن الدين في مثل هذه الأحكام القطعية يخضع لما هو ظرفي أو غير عام، ومن هنا لا يجوز أن نتجاهل أن المرأة، وإن عملت وخرجت من بيتها، وزاحمت الرجال بالمناكب، تظل في كفالة الرجل محسوبة على نفقته.

وفيما عدا القطعيات فالتحرير الحقيقي مشروع، بل مطلوب في كل شيء في الماديات والمعنويات في الدنيا والدين.

رابعا: حقوق الأقليات

يبين لنا نموذج إندونيسيا أن حقوق الأقليات الدينية مضمونة في دستور جمهورية عام 1945م وبنص القوانين. وليس هناك صعوبات فنية أو سياسية لمعرفة حجم الطوائف الدينية، إسلامية كانت أم طائفية، غير أن مشكلة الأقليات لها أبعاد أخرى، ولاسيما بسبب سوء انخفاض متوسط الدخل السنوي لأفرادها، وازدياد نسبة الأمية، وارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض والأوبئة والكوارث الطبيعية، وما ينجم عن ذلك كله من ارتفاع معدلات الوفيات. وتأتي بعد ذلك مشكلة الذوبان الثقافي والهوية الإسلامية التي تشعر هذه الأقليات بأنها تواجه تحديات كبيرة وسط المجتمعات المتعددة.

فقد أصبح للإسلام اليـوم حضور ثقافي وفكري في الحـياة الاجتـماعية والسياسية في جميع أنحاء العالم، ويتحدث البعض عن إسلام الشتـــات أو الدياسبورا، وقد أسست هذه الأقليات مـدارس إسـلاميــة للـتعـليـم العــام ومـؤسـســات للـدراسـات الجامعية وفوق الجامعية، وبهذه العوامل المختلفة تشق الأقلية طريقها للاندماج مع الأغلبية والحماية من تحديات الزمن وجشع الحياة.

بعد استعراض هذه المداخل المتعلقة بإستراتيجية بناء الحضارة نأتي بملاحظة منهجية ضرورية للمسلمين في تشخيص مشاكلهم واتخاذ أنسب الحلول لها، وتتعلق بوجوب تمرين العقل الإسلامي على اعتبار الحقائق الاجتماعية: وهي مجموعة التغيرات والتفاعلات التي تؤدى إلى ظهور نمط متكرر ومستقر من السلوك، يضع المجتمع في حالة تغيير مستمر، وتكون هذه الحقائق نتيجة عمليات اجتماعية.

وإذا كان واجبا على المسلمين القيام بنقد سلوكهم واعترافهم بتقصيرهم فإنهم يستحقون أن ينصفهم الغير في ما يتعرضون له من أنواع العدوان والبهتان بذرائع كاذبة في بعض الأحيان، تخفي أطماعا في نهب يدخل ضمن نهب العالم،وقد صاحب هذه الأطماع تدمير كبير،وتضييق على جمعيات خيرية بعيدة عن الإرهاب، تعمل في دائرة القانون داخل المجتمع المدني، ولديها حججها على ما تتكرس له من فعل الخيرات من قبيل التكفل بالأيتام وإقامة المستشفيات وحفر الآبار وإعانة الفقراء وإقامة المدارس وبكل ما يصب في خدمة الإسلام والمسلمين وخدمة الثقافة الإسلامية.

صاحب الجلالة

في الختام، نَخْلُصُ إلى القول في بناء الحضارة الإسلامية بين الأصل المشهود والتجديد المنشود بأن الاستثمار الثمين في القوة البشرية هو الأساس في تحقيق التنمية الشاملة في كل مناحي الحياة المجتمعية، إذا تم تدبيرها بطريقة صحيحة حديثة وبكفاءة عالية، والفلاح لمن يعمل بجدية. ولاشك في أن التعليم هو جوهر المشكل الذي ينتظر الحل من المسلمين، إذ لا يكفي أن يكون نظاما لنقل المعرفة، وإنما لابد أن يتم تطويره بأسلوب أكاديمي حضاري حافل بحيوية وبروح الانفتاح وقابل للمحاسبة وبطريقة حديثة.

وقد دقت ساعة الحقيقة أن يشيدَ المسلمون طريقهم للنهوض من الأزمات والتخلف.

صاحب الجلالة

رمضان هو شهر الرحمة والمغفرة وهو الشهر الذي يتسابق فيه المسلمون أكثر للفوز بالأجر والثواب، وبه تكثر الأعمال الصالحة والخيّرة.

نرجو الله أن يجعل لنا ولكم من خيره أوفر الحظ والنصيب، وأن يعيده عليكم أعواماً عديدة مصحوبة بكل خير وصلاح من الله عز وجل لأهلكم ولشعبكم الوفي.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

والختم من مولانا أمير المؤمنين

للاطلاع أيضا

محمد بن يحيى النينوي: اللاعنف مبدأ إسلامي أصيل

إبراهيم أحمد مقري: الأبعاد الروحية والثقافية في العلاقات المغربية النيجيرية

أحمد التوفيق : دور علماء المغرب في حماية الهوية الوطنية

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

أمير المؤمنين يوجه رسالة سامية إلى الحجاج المغاربة المتوجهين إلى الديار المقدسة لأداء مناسك الحج برسم سنة 1438 للهجرة
facebook twitter youtube