islamaumaroc

معاوية بن أبي سفيان صفحة تاريخية فاصلة بين عهدين

  دعوة الحق

40 العدد

قد يذهب الباحثون عن سر تقلبات الدولة الإسلامية ومدها وجزرها إلى مذاهب شتى، وقد يطول بهم البحث والاستنتاج بعد المقارنات والموازنات بين العهدين: عهد الخلافة الراشدة، والعهد الذي يليه. وقد لا يضعون أيديهم على نتائج حاسمة، ويستبد بهم القلق أحيانا طالما لم يجدوا لهذه الظاهرة التاريخية تفسيرا واضحا مستمدا من تصرفات العهدين، ومن التعبئات والأفكار والوسائل والأهداف التي كانت تملأ تلك الفترة التاريخية من حياة المسلمين، وقد يطول الحديث إذا نحن تعرضنا للموضوع من أساسه.
لذلك أركز هذا البحث في العهد الأموي الذي تلا عهد الخلافة الإسلامية وأركز النظرة الأولى في سيد موقف ذلك العهد، وهو معاوية بن أبي سفيان.
أما عهد الخلافة الإسلامية فإنا نجد أنفسنا في حل من تصوير حياته الاجتماعية والسياسية ما دمنا مقتنعين بأن حياته العامة كانت تمتاز بطابع ديني،وتتسم بمسحة النبوة، فإن لنظام هذه الخلافة نفس الفكرة، ونفس التصميم الذي أقامته الدعوة الإسلامية زمن الرسول(ص)، ليس هناك فروق طبقية ولا شعور سلالي، ولا حاكم ومحكوم، ولا ملك وسوقة، كل ما في الأمر أن خليفة المسلمين يقيم عدل الله فيهم، ويسوي بينهم في أعطياتهم وأرزاقهم وخصوماتهم وفي تقريب مسافات الخلف بينهم، ويصون عليهم دنياهم صيانته لدينهم، ولا يأخذ منهم أموالهم إلا على الوجه المعروف لتنفق في أوجهها المعروفة كذلك.
أما حين يصل بنا المطاف الى مؤسس العهد الأموي، وقائده المحنك معاوية فإن اثر الخلافة الإسلامية ينمحي عندما نقف على عتبة العهد الذي كان مليئا بتقلبات فكرية وسياسية واجتماعية وعسكرية لتحقيق مطامع خاصة قد يركب لها أصحابها كل مركب بما وسعهم من الوسائل في تثبيت فكرتهم، وتركيز دعوتهم، واستمالة الجماهير إليهم وتسديد السهام على أعدائهم.
بيد أنه وان  أوغلنا في البحث، وبالغنا في تعليل الأحداث وتسلسلها، واستنفدنا ما لدينا من جهد، فلا نستطيع أن نجرؤ على القول بأن هذا الصراع بين هذين العهدين كان وليد أشخاص، أو اشترك في تأليفه عدة أسباب وعوامل غابرة، بل هو صراع نجده في الواقع بين فكريتن، وبين خلقين، وبين مزاجين من زمن بعيد.
وربما لا يكون من المستبعد أن يلتمس تفسير هذا الانقلاب والتحول في الفكرة الإسلامية فيما انتهى إليه عاهل ألمانيا في تصريحه لشيخ الاسلال بالأستانة، لنستمع غليه: انه يجب علينا أن نقيم تمثالا ذهبيا في ميدان- كذا- من عاصمة برلين، لمعاوية بن أبي سفيان، لأنه هو أول من حول نظام الإسلام عن قاعدته الديمقراطية الى عصبية الغلب، ولولاه لكنا- معشر الألمانيين – عربا مسلمين.
على ضوء هذه الفكرة نستطيع أن نضع أيدينا على بعض الوثائق التاريخية وعلى تفسيرها الواضح، وعلى تفسير بعض الأهداف التي كان يحيطها معاوية بسياج سميك من أساليب التغطية والتمويه والتي ترجع في الحقيقة الى غرض واحد- الى ما يستتبع ذلك من مطالب – وهو استرداد مجد ءال عبد شمس، واحياء ذلك الشعور السلالي الذي أحيا بجانبه العداء التقليدي القديم بين بني هاشم وبني أمية.
فقد أسس معاوية الدولة الأموية الجديدة في بلد اسلامي يتوفر على المواد الضرورية- من مال ورجال- لتشييد صرح مثل هذه الدولة- على أنقاض الخلافة الإسلامية- بما فيها من خلافة علي الذي أحال صفاء حقه، وصفاء سريرته وصدق جهاده إلى قتام، وأحال انتصاراته التي كانت تنتظره- في شخصية مثل شخصيته، وجهاد مثل جهاده- إلى هزائم متلاحقة بما كان يستعمله في هذا السبيل- وأكثر مما يلزم- من المهارة الفائقة والدرس والوقيعة والتحايل والمساومات، فكان له نفوذه الواسع، ومكاسبه الوفيرة، وطمأنينته على مستقبل استخرجه من خاصرة الباطن ووقف جهده ونشاطه على خدمته وتلافي كل ما يمكن أن يحيق به.
وهو مع ما ليقه من النجاح الباهر، والجد الكبير، كان يعلم أنه في حاجة إلى من يستعين به في تقصي آثار المناوئين له والسعي في تخاذلهم وترويج الشكوك بين الناس في عدالة قضيتهم.
بل ربما كانت في بعض الأحيان ترتسم على وجهه أسارير القلق وعلائم الحيرة، وطلائع الشك في نجاح قضيته في المعركة المقبلة، وفي عدالتها إزاء علي بن أبي طالب، وفي إفهام الناس بنبل مقصده في ثورته عليه، وكان معاوية يحس بهذا في قرارة نفسه، وان الحال سينتهي بانفضاض الناس من حوله إن لم ينته في هذا الموقف على رأي واضح، خصوصا وهو يرى أن الناس قد اسلموا أمرهم الى علي ودانوا له بالطاعة، واستقامت له البيعة في الحجاز وفي العراق وامتدت إلى مصر والى الشام، والناس يتحدثون في سر سكون معاوية عن طاعة الخليفة الجديد. رأى أن الأمر قد يفضي به الى أسوأ مصير، وبدأت أمارات اليأس تساوره من حين لآخر وبخاصة بعد معركة طلحة والزبير- أيتعجل بالطاعة لعلي ليبقيه على ولايته بالشام، أم يناجزه القتال، وكيف يمكنه إقناع الناس بمناهضة الخليفة سليل الرسول(ص) والحال أن مداد النبوة لم يجف، وبساطها لا يزال منشورا لم يطو، والمسلمون مستهلكون في نصرته، راضون عنه رضاهم عن دينهم ؟.
كل هذا جعل من معاوية طاقة حرارية لا تخبو، وقوة لا تلين، وفكرة ممتدة طويلة تجمع الأمور أولاها على آخرها في أناة وحسن تقدير، فانتهى به الحال إلى الاستنجاد بعمرو بن العاص الذي ما يقصر عنه في رأي ولا في حزم ولا في قوة، إن لم يكن أوسع منه دهاء ومكرا، فقد بعث إليه بكتاب- فيما يرويه اليعقوبي- يقول فيه: وبعد، فإنه كان من أمر علي وطلحة والزبير ما قد بلغك، فقد قدم على جرير بن عبد الله في بيعة علي، وحبست نفسي حتى تأتيني، فأقدم على بركة الله تعالى.
وقد صادف الكتاب من نفس عمرو بن العاص ما كان يرجوه لمعاوية، بل وجده كله قرحة دامية يتحفز للوثوب، ويتأهب للانقضاض، فألمه لفراق مصر، وتولية ابن أبي سرح عليها وعزله من قبل الخليفة عثمان أمور لا تزال تحز في نفسه ويلاقي منها عناء شديدا.
وهو- من جهة أخرى- ليس خاطرا جديا في نفس ابن العاص أنه ليحس بمطالع هذه الخلافة المعقودة لعلي في شيء من الشك وقلة التقدير.
وبعد، فمن يكون عمرو بن العاص، ومن يدري لون المساومات التي كانت هوايته المفضلة يطبع بها حياة المسلمين، وقد وجد من نفس معاوية ما يشفي غلته في توسيع الشقة بين العهدين.
أثار الفتنة على عثمان من مضاجعها حتى نعى، وها هو ذا الآن يثيرها شمطاء على علي حتى ينعى وهو إلى جانب هذا كله لم يكن من الأبطال الذين كان سيتعين بهم معاوية- كالمغيرة، وزياد- فحسب، بل كان له المدد الأول والأخير في اصطناع المساومات، وإلهاب التحرشات، والقضاء على كل حركة مناهضة. حقا إن المكاسب الفياضة، والانتصارات التي سيقت لمعاوية ما كانت لتنتظم له لو لم يكن ابن العاص هو الذي يستوثق له من صلابة الطريق ويقوم له تلك الصفقات الانتهازية تقويمها الحقيقي، ويقطع به المسافات القريبة والبعيدة في بعد تقديره وتفكيره ودقة حسابه للأشياء.
ما كان ليتسرب الى عمرو- وهو على هذه الحال خطأ هذه المغامرة بما في هذه الصفقة الجديدة من مخاطر- لأنه يستحيل عليه أن يمضي في سير غير مقدر ربحه وخسارته من كل عمل يقدم عليه، فهو رجل يجيد المساومة، ويجيد الاستثمار، ويساوم في حرص، ولا ينزل السوق إلا كاسبا، ويرقب الأمور من جميع وجوهها، وصدق رسول الله(ص): اسلم الناس، وآمن عمرو بن العاص.
رأى عمرو تدفق الناس في الإسلام، وإقبالهم عليه في استمرار، والفتوحات الإسلامية أرهقت أعصاب الناس، وصارت ملء سمع العالم وبصره، فرأى بدقة بصره أن الصواب يخالفه، وان الحظ يعاكسه، إذا هو لم يتعرض للمغانم والولايات الإسلامية، فما عليه إلا أن يبذل الثمن وينتظر.
جمع معاوية أمره، وجمع- ما استطاع- القلوب حوله، فما هو مدى كسبه في هذه المعركة إزاء هذه القوة الصاعدة من المسلمين الذين ثبتوا على بيعة علي، وما هي الثغرة الأولى التي يفتحها في صفوف المسلمين، لتنتقض عليه من حوله ؟
إن معاوية بحاجة- فوق كل حاجة- إلى أن يفتح واجهة سياسية ملؤها التحايل والدهاء واستخدام المال، ليستدني الناس إليه بالإطماع، ويستميلهم إليه- أكثر من حاجته الى فتح واجهة عسكرية يلتقي فيها الجمعان- وان يكن في هذه الواجهة الأخيرة قد لطخ وجه التاريخ بصفحات دامية، فجنوده كانت ثمانين ألفا والوقائع التي كانت بينه وبين علي تسعون موقعة حربية، في مائة وعشرة أيام هلك فيها من الفريقين سبعون ألفا- ومع هذا فليس هذا كله هو الذي كان يقض مضاجعه ويستولي عليه منه الهم والقنوط، بل العقبة التي كان يسعى في تذليلها، هي ما قد يتبادر الى أذهان الناس من عدم عدالة قضيته، بماذا ينقذ نفسه من هذه الخيبة التي ربما يتعثر في أذيالها، والتي تكون لتأليب الناس عليه، واقتناعهم بحق علي ؟، وربما اعانته الظروف أن يكون اسبق الآثار الى نفسه، وأسرعها أثرا في نفوس الناس، هو المطالبة بدم عثمان الذي يأخذ على الناس- في تلك الآونة مسالك تفكيرهم، والذي كان ظل دمه رهيبا- في نظر معاوية السياسي- ملقى على عاتق خلافة علي، وان كان يعلم في أعماقه أنه لا يد له فيه وما كان ليتطامن على حين الخليفة عثمان- بل رفيقه في الكفاح: عمرو بن العاص الذي استنجد به، هو صاحب الأصابع الخفية، وصاحب الفتنة الكبرى، للقضاء على عثمان باعترافه غير مرة، ولكن ذلك كان موضوعا بقدر ما يستدني الناس منه، ويستهلكون في سبيله، ويستل من نفوسهم حدبهم على علي، وتهالكهم عليه، وموتهم دونه.
وقد أثار الفاجعة من جديد تلقيحا لعناصر البغضاء- يوم إن عرض على الناس في مسجد دمشق قميص عثمان ملطخا بالدماء، وقد روجت هذه الشائعة على نطاقها الواسع، فكان ما قدر لها من الأثر البالغ في نفوس الناس، وكانت كلها حظوظا واسعة لمعاوية، وتدعيما لسياسته، وتزويدا له بما هو في حاجة إليه أكثر من أي شيء آخر، وكان طبيعيا لما استحكم هذا في نفوس الناس ودب إليها دبيب الوهن أن لا ينزل كتاب علي على معاوية في هذا الصدد منزلته من نفوس الناس ومن سريرتهم ومن أعماقهم، تلك المنزلة التي يعرفها صدق جهاده، وصفاء طويته، وجهره بالحق.
انظر إليه وهو يقول: «وبعد فما أنت وعثمان إنما أنت رجل من المهاجرين وبنو عثمان أولى بمطالبة دمه، فإن زعمت انك أقوى بذلك فادخل فيما دخل فيه المسلمون ثم حاكم القوم إلي»، ترى هذا الخطاب في صفاء جوهره، وصدق لهجته، لم يصادف من نفوس الناس- إلا قليلا منهم- إقبالا حسنا، ولم ينسف ما تراكم من تلك الإضافات السيئة التي سكبت مياها باردة على حرارة العطف والحفاظ على سبيل النبوة، فماذا يصنع علي- ومعاوية لا يتورع عن تقمص صورة كثيرة من الشعوذات السياسية والدينية التي لا يقف على الغرض منها إلا من كان عذب المزاج طويل الأناة مثله، الا وهو القائل:« اننا لا نصل إلى الحق الا بالخوض في كثير من الباطل».
وربما تظهر لك الحقيقة التي قد تختفي على بعض الناس عندما تقف على رأي صريح فصحيح صادر ممن عنده الخبر اليقين، الا وهو عمرو بن العاص، استمع إليه- وهو يصارح معاوية فيما يرويه الذهبي بعدما سمعه يقول: لولا حرصنا على خير المسلمين لما كان لنا غدو ورواح فيما نحن فيه، فقال ابن العاص: أحرقت يا معاوية قلبي بقصصك اترى أننا خالفنا عليا لفضل منا عليه، لا والله، إن هي إلا الدنيا نتكالب عليها وايم الله لتقطعن لي منها قطعة أو لأنابذنك.
مثل هذا التصريح الخطير يضع سياسة معاوية في الميزان، ليس بينها وبين الناس حجاب، ويقلق بالهن ويدعوه الى إعادة النظر في نظامه الحالي لو مل يكن يعمل باستمرار وبنشاط متزايد، ويبني في العاصفة، ويسعى في تلطيف حدة المصاعب والتموجات المختلفة التي قد تخلق في الأفق من حين لآخر.
وكان لابن العاص ما كان يرتجيه، فقد اقطعه ولاية مصرن وجعلها ولاية ممنوحة له، وربما لا يكون من المستبعد انه من اجله اشنأ معاوية ولاية الاستكفاء والعمال المفوضين، والتي لم تعرف إلا في زمنه، ثم امتدت إلى زمن من بعده دفعا لثائرة عمرو بن العاص، وحقنا لجميع الشائعات.ولم يقف به الأمر عند هذا الحد بل حول كل شيء عن مجراه في الماضي القريب، فأعاد نظره في النظام الاجتماعي والسياسي ونظام الجيوش والولايات، وحتى الشعر العربي، كان هو الآخر له نصيبه من هذا الانقلاب، فبعد ما كان شعرا عربيا مستمدا من صميم الإيحاءات الصحراوية المترامية الأطراف إذا به استحال شعرا سياسيا يزخر بمحاسن الأمويين وبأيامهم، ويطفح بترتيل هباتهم وعطاياهم وإسعاد الناس بهم، وكان لا مندوحة للدولة الأموية- وهي في هذا الظرف الدقيق- ان تنصب منابر للشعراء في كل ميدان، وفي كل مكان من أقاليم الدولة، وتشتري ألسنتهم بالمال، لعلها تستأثر بمديحهم، وتتقي هجاءهم، وتتخذ منهم أبواق تستنفر بها الناس لتجعل منهم حشودا وجنودا على دعوتها، وقد أحيا هذا الشعر السياسي الأموي ما كان يكمن في نفوس الناس من عصبية الجاهلية، والتفاخر والشعور القبلي- إلى جانب لونه السياسي الجديد.
وقد كان للدولة الأموية- وعلى رأسها معاوية- مغانم واستفادت أخرى ستفيدها من مهاترات الشعراء ذوي النزعات المختلفة وتحرشاتهم، أن يضرب على اقفية الناس، فلا ينظرون الى عيوب سياستها، ولا ينعون على أثرها واستبدادها.
فكان من شعر النابغة ومسكين الدرامي والأخطل والفرزدق والكميت وجرير معرض لمهاترات الشعراء، وسوق يجتمع الناس فيه ليستمعوا الى صنوف المدح والهجاء بمعزل عن التعرف على الحياة العامة التي يعيش فيها الناس.
وقد تطالعك الأحداث بصور كثيرة من هذه المناطق التي كان يقتحمها معاوية تنفيذا لتصميماته الأولى التي طالما شغلت بال الراصدين لسير الحركات التاريخية لذلك العهد.
فما مسألة التحكيم ورفع المصاحف على أسنة الرماح، والمغالاة في أعطيات الجنود وأرزاقهم، وتنفيذ الخطط باسم الحفاظ على أموال المسلمين ، وصيانة مقدسات الدين، إلا أمثلة حية شاهدة على الطابع الحقيقي لتكل الفترة التاريخية من حياة الناس وربما سأعود إلى مسالة التحكيم في حديث مقبل- والذي كان خطة سياسية ماكرة، وخطرا كله على علي، وقضاء فاصلا فيما بينه وبين خصومه والعنصر الحقيقي لانتقاض الناس عليه، وانتصار أعدائه، حيث بقي يتعثر في أذيال المصاعب الى أن لقي نهايته المحتومة على أيدي الخوارج.

 

 

 

 


 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here