islamaumaroc

الإسلام وضيافة العرب

  دعوة الحق

40 العدد

الضيافة خلق من أنبل الأخلاق الإنسانية وأجمل الآداب الإسلامية..هو أكرام واعتناء وإيثار ووفاء، ومواساة لأصحاب الرحلات والسياحات من الضعفاء، ورعاية للعلماء والكبراء..وقد لعبت الضيافة دورا هاما عند الأمة العربية في الجاهلية والإسلام، شاعت في الأمة العربية مآثرها، وتأصلت بين أكنافها منابتها، فكانت الضيافة منذ أقدم العصور وثيقة الصلة بالأرومة العربية، تغنت بفضائلها الشعراء، وأثنى على المتخلقين بها البلغاء، فلما بعث رسول الإسلام متمما لمكارم الأخلاق سار على نسق تتميم هذه المكارم عمليا فلم يزد هذا الخلق الكريم غلا تحبيذا وتنويها، وحضا عليه وتنبيها، وطبعه بطابع الإيمان الخالص الذي جعله شعارا يتحلى به صادقو الإيمان حيث قال (من كان يومن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) حديث متفق عليه..وقال عليه السلام (يا أيها الناس افشوا السلام، وصلوا الأرحام، واطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام) أخرجه الترمدي وصححه...وهذا حديث جامع لوسائل التقرب والتحبب إلى الناس وإلى الله بإتيان ما يحبه الله ويرضاه من مكارم الأخلاق، وبمناجاته والخضوع له في وقت غفلة الناس ونومهم بوجه خاص.
وكان من البواعث عند العرب على اكرام الضيف الرغبة في المحمدة، وخوف الجفاء والمذمة كما قال الشاعر..
(واعلم بأن الضيف يو      ما سوف يحمد أو يلوم)
وقال قيس بن عاصم الصحابي الذي ذكر الأحنف المشهور أنه منه تعلم الحلم، قال قيس رضي الله عنه:
(وأني لعبد الضيف من غير ذلة
                 وما في الأذاك من شيمة العبد)
وقال القاضي عياض في شرح مسلم: (والضيافة من آداب الإسلام، وخلق النبيئين عليهم الصلاة والسلام، ولا تجب عند الأكثر لقوه فليحسن وليكرم، وهذه لا تستعمل في الواجب) ثم يقول عياض( واختلف في المطلوب بها فقال الشافعي وابن عبد الحكم: هي على الحاضر والبادي وقال مالك وسحنون: لأن في الحضر مرتفقا فندقا وسوقا، وقد تتعين كما فيمن اجتاز وخيف عليه).
فهذا الإكرام من مكارم الأخلاق المطلوبة على العموم في شريعة الإسلام وعلى الخصوص في حق الضيف وفي قوله عليه السلام (أطعموا الطعام) حيث لم يخصصه بأفراد ذوي أوصاف خاصة، من فقر وشبهه، ما يؤكد مطلوبية تعميمه في حق الغني والفقير المسلم وغيره، وقد كانت عادة قريش قبل الإسلام إطعام حجاج بيت الله وسقايتهم بصفة جماعية، كما هو معروف ويشير إليه قول الله تعالى أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام إلى آخر الآية، واستمر ذلك مدة طويلة في عهود الإسلام، كما ذكرت ذلك في بحث خاص نشر بمجلة(دعوة الحق)، وإن كان حجاج بيت الله الآن تفرض عليهم ضرائب خاصة لم يبق لها الآن مع غنى ولاة الحرم بدخل البترول أي مبرر ولا شبهة...وقد اتخذ موضوع إكرام الضيوف صبغة خاصة في عهود من تاريخ الإسلام عبر عنه في بعض الأوقات بالفتوة التي هي ظاهرة في النجدة وإغاثة الملهوف، والعفة والطهارة، وبذل المعروف. قال ابن مفلح المقدسي في الآداب الشرعية:)ذكرت الفتوة عند سفيان الثوري فقال: ليست الفتوة بالفسق والفجور، ولكن الفتوة كما قال جعفر بن محمد، طعام موضوع، وحجاب مرفوع، ونائل مبذول، وبشر مقبول وعفاف معروف، وأذى مكفوف...
وكانت هذه الفتوة شائعة شيوعا عظيما في جميع البلاد التركمانية الرومية، ولها جمعيات عظيمة، من الشبان الأعزاب والمتجردين، ذكر الرحالة المغربي ابن بطوطة في رحلته جماعة الأخية فقال: واحدها أخي، على لفظ الأخ إذا أضافه المتكلم إلى نفسه، وهم بجميع البلاد التركمانية والرومية، في كل بلد ومدينة وقرية، ولا يوجد في الدنيا مثلهم احتفالا بالغرباء من الناس وأسرع على إطعام الطعام وقضاء الحوائج والأخذ على أيدي الظلمة وقتل الشرط، ومن لحق بهم من أهل الشر( لعل هؤلاء الشرط كانوا ظالمين عندهم لا حراسا للأمن كما عليه الحال عند الأمم الآن) قال: والأخي عندهم رجل يجتمع أهل صناعته وغيرهم من الشبان الأعزاب والمتجردين ويقدمونه على أنفسهم، وتلك هي الفتوة أيضا، ويبني زاوية ويجعل فيها الفرش والسرج وما يحتاج إليه من الآلات ويخدم أصحابه بالنهار في طلب معايشهم، ويأتون إليه بعد العصر بما يجتمع لهم فيشترون بت الفواكه والطعام إلى غير ذلك مما ينفق في الزاوية، فإن ورد في ذلك اليوم مسافر على البلد أنزلوه عندهم، وكان ذلك ضيافته لديهم، ولا يزال عندهم حتى ينصرف وإن لم يرد وارد اجتمعوا هم على طعامهم فأكلوا وغنوا ورقصوا، وانصرفوا الى صناعتهم بالغد، وأتوا مقدمهم بما اجتمع لهم، ويسمون بالفتيان ويسمى مقدمه كما ذكرنا الأخي) اهـ.
وغناؤهم ورقصهم على طريقة الصوفية لأنهم بالزاوية وهم متجردون كما قدمنا ثم ذكر ابن بطوطة ضيافتهم له ولباسهم العجيب وإعجابه بأمرهم..
ويوجد عندنا بالمغرب عدة زوايا يطعم فيها الواردون عليها بضيافات خاصة، مثل زاوية تزروت الريسونية وزاوية سيدي هدي بشمال المغرب، وبعض هذه الزوايا كان طلبة العلم يقصدونها لدراسة العلم، وكان ينفق عليهم من احباسها مثل الزاوية الناصرية بتمكروت التي لها تلك المكتبة الهائلة وغيرها..
وقد مرت في المغرب شخصية فذة عالمة، كان لها أثر بليغ في تربية المغاربة، وتعويدهم على الكرم والجود في باب الضيافة والصدقة والإحسان على السواء، وهي شخصية أبي العباس السبتي صاحب الضريح الشهير بمراكش، فقد كان مذهبه (أن العالم ينفعل بالجود...ذكر في نيل الابتهاج عن لسان الدين ابن الخطيب انه قال في حق السبتي: كان السبتي مقصودا في حياته مستغاثا به في الأزمات، وحاله من أعظم الآيات الخارقة للعادة، ومبنى أمره على انفعال العالم عن الجود وكونه علة في تأثير الوجود. له في ذلك أخبار ذائعة وأمثال باهرة، ولما توفي ظهر هذا الأثر على تربته).
ثم ذكر ابن الخطيب أن دخل هذه التربة الذي يطعم منه كل يوم المخاويج المقيمون بالتربة قد يبلغ ألف دينار في اليوم الواحد...
ولا يزال المغاربة يسمون أول ما يطبخه صانعو الأسفنج كل صباح بالعباسية حيث يتصدقون بها وكان مظهر الضيافات شائعا في المغرب سواء بين القبائل والمداشر المتباعدة أو بين طوائف الصوفية، أو بين فروع الهيآت السياسية في العهد الأخير. ولكن هذا الكرم العربي الإسلامي أخذ يختفي من أوساط الأمم ومن بين أفراد الأمة الواحدة والهيآت السياسية الوطنية كذلك، وأخذت العادات الغربية الأوربية تحل محله وخصوصا بين ذوي السياسة والرياضة في كثير من الولائم..بحيث أخذت الأوساط تقتصر على المشروبات في الغالب، مع إن إكرام الضيوف حقيقة إنما يكون كاملا، إذا كفي الضيف جميع حاجاته من مآكل ومشرب ومبيت.
وهذا نبل وكرم ينبغي الرجوع إليه، والتمسك به حتى يبقى المجتمع الإسلامي عاملا بقول الرسول:(من كان يومن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) وإن لم يكن هذا الإكرام على جهة الوجوب، وحتى نبقى كما كان يقول مصطفى كامل المصري رحمه الله في مصر: أحرار في بلادنا كرماء لضيوفنا. أي مكرمون.
وبقدر تمسكنا بالأخلاق الإسلامية النبيلة ترتفع قيمتنا الإنسانية في الوجود، ونقترب من أولئك الصحابة الذين انزل الله في حقهم منوها بشأنهم قوله:( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هو المفلحون).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here