islamaumaroc

المراحل الفكرية بحياة الغزالي-1-

  دعوة الحق

40 العدد

إن المصدر الأساسي الوحيد الذي يمكن أن يستقي منه الحديث عن حياة الغزالي ومراحلها الفكرية هو كتابه الطريف المسمى ب« المنقذ من الضلال والموصل إلى ذي العزة والجلال».
ولما كان هذا الكتاب قد أصبح- من حيث هو مرجع يعتمد عليه في التعرف على حياة أبي حامد الغزالي- موضع شك من قبل بعض الباحثين، فسوف لا نغفل هذه الناحية أيضا، وسنحاول تبين حقيقة الأمر، ولكن لا غنى لنا عن أن نستلهم أولا هذا الكتاب في موضوعنا وأن نتعرف على ما أراد الغزالي اطلاعنا عليه من مراحل تفكيره.
يقص الغزالي في (المنقذ) قصة حياته في لهجة خطابية مؤثرة وأسلوب جميل تسوده رزانة تدل على عمر صاحبها.
ويحدد الغزالي في البدء المواضيع التي سيتحدث عنها وهي الحديث عما قاساه في استخلاص الحق من بين اضطراب الفرق، وما تجرأ عليه من الارتفاع من التقليد على الاستبصار، وما استفاده من علم الكلام، وما احتواه من طرق التعليمية، وما ازدراه من الفلسفة، وما ارتضاه من التصوف، وما صرفه عن نشر العلم ببغداد مع كثرة الطلاب، وما دعاه إلى العودة إلى نيسابور.
إن أسلوب الغزالي هنا هو أسلوب القصة المشوقة الجميلة المؤثرة، وليس هذا الكتاب في الحقيقة إلا قطعة أدبية فنية.
يقول الغزالي انه منذ شبابه لم يزل يقتحم لجة ذلك البحر العميق الذي غرق فيه الأكثرون، وما نجا منه إلا الأقلون، ذلك هو بحر اختلاف الأديان والملل والمذاهب مع تبيان الطرق والفرق، فلم يكن يترك مسالة إلا ويحاول استكشافها، ولا مذهبا أو فرقة إلا ويسعى للاطلاع على كنهها وحقيقتها، وكان تعطشه ذاك إلى درك الحقائق غريزة وفطرة من الله وضعت في جبلته- وبذلك انحلت عنه عقدة التقليد، وخاصة عندما لاحظ أن أبناء كل من النصارى واليهود والمسلمين لا ينشأون إلا على دين آبائهم( قال رسول الله ( ص) كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه).
وعند ما فكر الغزالي بكل هذا ظهر له أن العلم اليقيني( هو الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافا لا يبقى معه ريب، ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم، ولا يتسع القلب لتقدير ذلكن بل الأمان من الخطأ ينبغي أن يكون مقارنا لليقين مقارنة لو تحدى بإظهار بطلانه مثلا من يقلب الحجر ذهبا والعصى ثعبانا، لم يورث ذلك شكا وإنكار...فإنني إذا علمت أن العشرة أكثر من الثلاثة، فلو قال لي قائل: لا بل الثلاثة أكثر من العشرة بدليل أني اقلب هذه العصا ثعبانا، وقلبها، وشاهدت ذلك منه، لم اشك بسببه في معرفتي، ولم يحصل لي منه إلا التعجب من كيفية قدرته عليه، فأما الشك فيما علمته فلا)(1).
فكل علم لم يصل إلى هذه الدرجة من اليقين فلا ثقة بت ولا أمان معه.
فهل وجد الغزالي أن عنده من هذا النوع من العلم شيئا..كلا ؟ إلا فيما يتعلق بالحسيات والضروريات، إلا أن الحواس خادعة، فإن العين تنظر إلى الظل فتراه واقفا فتحكم بسكونهن ثم تدل المشاهدة بعد ساعة على حركته، وكذلك الكوكب نراه صغيرا في حجم الدينار، ولكن أدلة الهندسة تدل على أنه أكبر من الأرض في المقدار.
هنا يكذب حاكم العقل حاكم الحس..ولكن هل المعقولات يقينية هي الأخرى ؟...كلا، لأن المحسوسات قد تنهض قائلة: لقد كنت واثقا بي فجاء حاكم العقل فكذبني( فلعل وراء إدراك العقل حاكما آخر إذا تجلى كذب العقل في حكمه كما تجلى كذب العقل في حكمه كما تجلى حاكم العقل فكذب الحس في حكمه)(2).
ويمثل أبو حامد لذلك بالنوم، فنحن نعتقد في المنام أننا في عالم الواقع حتى إذا استيقظنا فإننا نعلم أنه لم يكن لما رأينا في المنام من حقيقة أصلا، وقد قال النبي(ص) الناس نيام فإذا ماتوا استيقظوا) فلعل المرحلة بعد العقل هي الموت، ولعلها ما يدعيه الصوفية أنها حالتهم بما يزعمون مشاهدته في أحوالهم إذا غاصوا وغابوا عن حواسهم.
فلما بلغ أبو حامد الغزالي إلى هذه الحالة، حاول علاجها بدليل، ولكن كيف السبيل إلى دليل وهو يتم تربيته من الأوليات العقلية، وقد شك الغزالي في كل شيء ؟
 أعضل الداء وعز الدواء، ودام هذا الحال مدة شهرين كان الغزالي أثناءها( على مذاهب السفسطة بحكم الحال لا بحكم النطق والمقال)(3)...
ثم شفي من ذلك وعادت نفسه إلى الاعتدال، ورجعت إلى الضروريات العقلية قيمتها...يبدون نظم دليل وترتيب كلام( بل بنور قذفه الله تعالى في الصدور) وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المحررة فقد ضيق رحمة الله الواسعة(4)، ويستشهد الغزالي بما ورد في الأحاديث النبوية في هذا المعنى فيقول إن النبي (ص) سئل عن معنى الشرح في قوله تعالى(..يشرح صدره للإسلام..) فقال ( هو نور يقذفه الله تعالى في القلب) كما قال عليه السلام(إن لربكم في أيام دهركم نفحات إلا فتعرضوا لها).
بعد هذا تبين لغزالي أن الحقيقة لن تعدو الفرق الأربع التالية:
1-المتكلمون ويدعون أنهم الرأي والنظر.
ب-الباطنية وهم يزعمون أنهم أصحاب التعليم المخصصون بالاقتباس من الإمام المعصوم.
ج- الفلاسفة وهم يزعمون أنهم أهل المنطق والبرهان.
د-الصوفية وهم يدعون أنهم خواص الحضرة وأهل المشاهدة والمكاشفة.
ورأى أبو حامد أن الحق أشذ عن هؤلاء فلا مطمع في إدراكه، ولا في الرجوع إلى التقليد لأن شرط المقلد أن لا يعلم أنه مقلد. ولذلك بدأ الغزالي يبحث هذه الفرق ويستقصي ما عندها.
1-فابتدأ بعلم الكلام فحصله وطالع فيه، وصنف ما شاء الله له التصنيف، فوجد أن هذا العم لا يفي إلا بمقصود ذاته، فلا يشبع نهم أبي حامد على الحقيقة. والقصد منه حفظ عقيدة أهل السنة على أهل السنة، وحارستها عن تشويش أهل البدعة، فقد بعث الله تعالى إلى عباده على لسان رسوله بعقيدة فيها صلاح دين العباد ودنياهم، كما نطق بذلك القرآن والحديث، ثم ألقى الشيطان في وساوس المبتدعة أمورا تخالف السنة فلهجوا بها، وكادوا يشوشن عقيدة الحق على أهلها، ولذلك قام المتكلمون لنصرة السنة بكلام مرتب يكشف تلبيسات المبتدعة، ومن ذلك نشأ علم الكلام..
وقد أحسن بعضهم الذب عن السنة والعقيدة إلا أنهم- فيما يرى الغزالي – اعتمدوا على مقدمات أخذوا من الخصوم بدافع التقليد أو تبعا لإجماع الأمة، ولم تكن مهمتهم تخرج عن استخراج تناقض خصومهم، وأخذوهم بلوازم مسلماتهم.
لذلك لم يستطع الغزالي أن ينتفع بشيء من هذا وهو الطالب للضروريات.
ويرى الغزالي أن المتكلمين لم يمحقوا الحيرة عنده، ولا يستبعد أن يكون هذا قد حصل لغيره،إلا أنه لابد أن يتسمر مشوبا بالتقليد فيما ليس من الأوليات.
2-ومن هنا انطلق أبو حامد الغزالي إلى الفلسفة، فعلم انه لا يستطيع أن يقف على فساد علم من العلوم من لم يقف على مشتهى ذلك العلم، ثم يجاوز فيه درجة أعلم أصحابه، وبذلك يطلع على ما لم يطلع عليه صاحب العلم من غور وغائلة، وهنا ما لم يهتم بت أحد من أهل الإسلام.
يقول الغزالي(ولم يكن في كتب المتكلمين من كلامهم حيث اشتغلوا بالرد عليهم إلا كلمات معقدة مبددة، ظاهرة التناقض والفساد، لا يظن الاغترار بها بعاقل عادين فضلا عمن يدعي دقائق العلوم، فعلمت أن رد المذهب قبل فهمه والاطلاع على كنهه رمي في عماية).
وقد شمر أبو حامد عن ساعد الجد لتحصيل الفلسفة من الكتب رغم انه كان مرهقا بالتدريس لثلاثمائة طالب من طلاب بغداد، واطلع على منتهى علوم الفلاسفة في أقل من سنتين، ثم واظب على التفكير فيها ما يقرب من سنة، معودا، مفتقدا حتى اطلع على ما فيها من خداع وتلبيس اطلاعا لم يشك فيه.
وقد علم الغزالي أن الفلاسفة على اختلاف أنواعهم وكثرة أصنافهم تلزمهم وصمة الكفر والإلحاد، وإن كان هناك تفاوت بين قدمائهم ومحدثيهم في القرب من الحق والبعد عنه.
وتبين له أن الفلاسفة أصناف ثلاثة: الدهريون والطبيعيون والإلهيون. ويفصل الغزالي في بيان الصنف الأخير، ثم يرى أن مجموع ما صرح عنده من هذه الفلسفة الأرسطية بحسب نقل الفارابي وابن سينا ينحصر في أنواع ثلاثة، وهي ما يجب التفكير بت، وما يجب التبديع بت أي ما يجب اعتباره بدعة مستحدثة لم ترد في نصوص الشرع ولا أقوال أهل السنة، وما لا يجب إنكاره...
وتبين للغزالي أيضا أن علوم الفلاسفة رياضية، ومنطقية، وطبيعية، إلهية، وسياسية، وخلقية،
فالرياضيات لا تنفي الدين ولا تثبته فلا سبيل إلى مجاحدتها حيث أنها أمور برهانية، إلا أن لها آفتين:
الأول تنشأ ممن يعجب بها وبدقائقها فيظن أن علوم الفلاسفة كلها على مثال ذلك الضبط تلك الدقة فيكفر بالدين، ويعتنق الفلسفة، ويرى أن الدين لو كان صحيحا لما تخلى الفلاسفة عنه وهم أصحاب هذه الدقة وأهل ذاك اليقين..ولهذا ينصح الغزالي بزجر من يخوض في تلك العلوم لأنه قل أن يخوض فيها المرء ولا ينخلع من الدين ويفقد التقوى.
أما الآفة الثانية فتنشأ من صديق للإسلام جاهل يظن أن نصرة الدين تتم بإنكار كل علم منسوب إلى الفلاسفة، ويحذر الغزالي من ذلك، فإن مثل هذا الشخص إنما يضعف أمر الدين وهو يحسب أنه ينتصر له.
ذلك أنه ليس في الشرع أي تعرض لهذه العلوم ينفي ولا إثبات.
أما العلوم المنطقية فشأنها شأن الرياضيات في أنها لا توافق ولا تعارض الدين، ولا يخالف الفلاسفة فيها أهل الحق- على ما يرى أبو حامد- إلا بالاصطلاحات وكثرة التشعيبات، ولها ما للرياضيات من آفة.
وفي الإلهيات يرى الغزالي أن الفلاسفة لم يفوا بشروط القياس بشكل مضبوط..ولا اعتراض للغزالي على طبيعيات الفلاسفة إلا في المسائل التي أوضحها في كتاب(التهافت) والمتعلقة بمباحث الشبيبة وغيرها...
ويلاحظ الغزالي أن كلام الفلاسفة في السياسة مأخوذ من الكتب السماوية والحكم المأثورة عن الأنبياء أما العلوم الخلقية فهي مأخوذة عن الصوفية وممزوجة بالفلسفة ترويجا لباطلها على حد قول الغزالي، وقد تولد من مزج كلام الصوفية بكلام الفلاسفة آفتان:
الأولى في حق من يرد كلامهم بحيث يظن أن كل ما ذكره باطل...وهنا يوصينا الغزالي أن نعرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال...كما يرى زجر العامة عن مطالعة كتب الفلاسفة ما أمكن.
ويشعر الغزالي في هذه اللحظة كان معاتبا يلومه على عدم تقيده بهذه النصيحة، ومطالعته وإيراده لما ذكره الفلاسفة الأولون ضمن مؤلفاته وأحاديثه، وبينه إلى أن بعض ما اعترض عليه في إيراده هو من مولدات خواطره، ولا يستبعد أن يقع الحافر على الحافر، ولا يمنع القول بها إذا كانت حقائق، مجرد ذكر الأولين لها...وأن من أقل درجات العالم التميز عن العامي.
أما الآفة الثانية فهي أن يحسن القارئ الظن بما كتبه أولئك لما يجده في كتبهم من الحق الممزوج بالباطل وبذلك يقبل كل ما يعرضون عليه.
ولهذا يرى الغزالي أن من واجب العالم الراسخ أن يحذر الناس من ذلك الأذى، غذى حسن الظن بكتب الفلاسفة لما فيها من حق ممزوج بالباطل.
وهكذا وجد الغزالي الفلسفة والفلاسفة: حق ممزوج بكثير من الباطل وطريق مليء بالغوائل والآفات، فلما فرغ من علم الفلسفة، وعلم أنه أيضا غير واف بكمال الغرض(إن العقل ليس مستقلا بالإحاطة بجميع المطالب، ولا كاشفا الغطاء عن جميع المعضلات) وكان أنش اع بين الخلق تحدث التعليمية (الباطنية) بمعرفة الأمور من جهة الإمام المعصوم إذ ذاك عن الغزالي أن يبحث ما يقولون ليطلع على ما عندهم.
واتفق – كما يقول الغزالي- أن ورد عليه أمر من الخليفة لتصنيف كتاب يكشف عن حقيقة مذهبهم، وبذلك اجتمع الدافع الباطني إلى الوازع الخارجي، فابتدأ في الدراسة وجمع مقالات هؤلاء، وكان قد بلغه بعض أقوالهم المستحدثة التي لم تكن عند سلفهم، فجمعها واستوفى الجواب عنها حتى أنكر عليه بعض أهل الحق ذلك، لأن التعليمية لم يكونوا يستطيعون نصرة مذهبهم بأحسن مما قام بت الغزالي..ولكنه برر ذلك بقوله أن الشبهة إذا انتشرت فالرد عليها واجب، سيما وقد سمع عن بعض أصحابه أنهم كانوا يضحكون على الردود التي كانت تساق ضدهم، لأن الرادين لم يكونوا يفهمون حجتهم، ويقول الغزالي في هذا( فلم ارض لنفسي أن يظن بي الغفلة عن أصل حجتهم فلذلك أوردتها، ولا أن يظن بي أني – وإن سمعتها – لم أفهمها، فلذلك قررتها).
ويرى الغزالي أنه لا حاصل وراء كلام هؤلاء، فلولا  المتكلمين ناظروا التعليمية فأساءوا مناظرتهم ولم يتقنوا أساليب الرد عليهم لما انتشر أمرهم وشاع حديثهم بين الناس.
والخلاصة أن الغزالي لم يجد عند هؤلاء التعليمية شفاء ينجي من ظلمات الآراء فإنه لا علم وراء ما يدعون، بل غايتهم الوقوف عند القول أن العلم عند الإمام المعصوم الذي لابد منه.
والغزالي يتهمهم بمحاولة استدراج العوام وضعفاء العقول...
ومن هنا اتجه الغزالي إلى طريق الصوفية.
وقد لمس أبو حامد أن طريق التصوف مزيج من علم وعمل، وما أيسر العلم عندهم بالنسبة إلى العمل.طالع الغزالي ما كتبه أبو طالب المكي، والحارث المحاسبي، وما اثر عن الجنيد والشبلي والبسطامي.. فظهر له أن خصائصهم لا يوصل إليها بالتعلم، بل بالذوق وتبدل الصفات( وفرق بين أن تعلم حد السكر أو الشبع، وبين أن شكر أو تشبع)، فلذلك الفرق بين حقيقة الزهد شروطه، وبين أن تكون حالة المرء الزهد والعزوف عن الدنيا...هؤلاء إذن أرباب أحوال لا أصحاب أقوال، يقول الغزالي:
(وكان قد حصل معي من العلوم التي مارستها، والمسالك التي سلكتها في التفتيش عن صنفي العلوم الشرعية والعقلية إيمان يقيني بالله تعالى، وباليوم الآخر والنبوة)...ولم يكن ذلك بدليل، بل بأسباب وقرائن وتجارب لا تدخل تحت الحصر تفاصيلها.
وكان قد بدا أن لا مطمع في سعادة الآخرة إلا بالتقوى، وكف النفس عن الهوى، بالتجافي عن دار الغرور، والإقبال على الله تعالى، وما يوصل إلى سعادة الآخرة من الأغراض عن الجاه والمال، والهرب من الشواغل كلها، ثم لاحظ أنه منغمس في العلائق، وأن أحسن أعماله- التدريس- ليس مقبلا فيها على علوم مهمة ولا نافعة في الآخرة، كما تفكر في أن نيته في التدريس غير خالصة لوجه الله بل باعثها ومحركها طلب الجاه والصيت، فأدرك أنه على شفا جرف هار إن لم يشتغل بتلافي الأمر.
لنستمع إلى الغزالي وهو يصف تردده وصفا رائعا مؤثرا:
(..فصارت شهوات الدنيا تجاذبني بسلاسلها إلى المقام، ومنادي الإيمان ينادي الرحيل الرحيل/ فلم يبق من العمر إلا القليل وبين يديك السفر الطويل وجميع ما أنت فيه من العلم والعمل رياء وتخييل، فإن لم تستعد الآن للآخرة فمتى تستعد ؟ وإن لم تقطع الآن هذه العلائق فمتى تقطع ؟)  ثم يقول الشيطان لأبي حامد( هذه حالة عارضة إياك أن تطاولها فإنها سريعة الزوال فإن أذعنت لها وتركت هذا الجاه العريض، والشأن المنظوم الخالي عن التكدير والتنقيص والأمر المسلم الصافي عن منازعة الخصوم، وربما التفت إليك نفسك ولا تتيسر لك المعاودة).
وبلغت هذه الحال المضطربة ذروتها وأصبحت أزمة نفسية حادة اعتقل أثنائها لسان الإمام عن التدريس مما أورثه حزنا تسرب إلى باقي الأعضاء فامتنع من الطعام والشراب ويئس من علاجه الأطباء.
فلما عجز الغزالي نهائيا لم يبق له إلا الالتجاء إلى الله تعالى، فأجابه(الذي يجيب المضطر إذا دعاه) فسهل عليه الأعراض عن الجاه والمال.
وأشاع الغزالي أنه ينوي السفر على مكة، وهو يضمر السفر على الشام لئلا يطلع الخليفة وجملة الأصحاب على الأمر، وقد استهدف الغزالي من جراء ذلك لحملة أئمة العراق الذين لم يصدقوا أن رحيله كان لسبب ديني، غير طلب جاه دنيوي أكبر.
أخذ أبو حامد ما يكفي له ولأطفاله من مال العراق الذي هو وقف على المسلمين، ثم دخل الشام فأقام فيها سنتين معتزلا الناس، خاليا إلى نفسه بالرياضة والمجاهدة، لتزكية النفس وتصفية القلب لذكر الله كما تنص على ذلك تعاليم الصوفية.
وكان يغلق على نفسه طيلة النهار في صومعة مسجد دمشق، ثم سافر إلى القدس وكان يدخل الصخرة ويغلقها على نسفه كل يوم...ثم تحرك فيه دافع نحو حج البيت الحرام وزيارة الرسول(ص)، فسار إلى الحجاز..ثم..
ثم جذبته الهمم، ودعوات الأطفال إلى الوطن..فرجع إليه بعد أن كان أبعد الخلق عن ذلك لقد كانت حوادث الزمان وضرورات المعاش تغير فيه وجه المراد وتشوش صفوة الخلوة، فلم يكن يستطيع معاودة الخلو والتفكير إلا في أوقات متفرقة، وقد دامت عزلته عشر سنين.
ويقول أبو حامد أنه قد انكشف له أثناء ذلك ما لا يمكن إحصاؤه من الأمور، وما يستطيع أن يذكره، هو أنه علم يقينا أن الصوفية هو السالكون لطريق الله تعالى، خاص وأن سيرتهم أحسن السير وأخلاقهم  أزكى الأخلاق، فلا واحدة من الفرق السالفة الذكر تضاهيهم فيما هم عليه من صواب وخير، لأن حركاتهم وسكناتهم قبس من مشكاة النبوة.
ويفصل أبو حامد طويلا في ذكر محاسن الصوفية، وما يصلون إليه من مشاهدتهم الملائكة وأرواح الأنبياء وما يقتبسونه من ذلك من الفوائد مما لا يستطيع المرء التعبير عنه بالألفاظ دون أن يقع في خطأ صريح.
على أن الغزالي لا يفوته أن ينتقد التفسيرات التي أتى بها بعض المتصوفة لما يحصل لهم كالحلول والاتحاد، والوصول، ويوصينا بالتمثل في هذا الشأن بالبيت القائل:
وكان ما كان مما لست أذكره
فظن خيرا ولا تسال عن الخبر
ويرى الغزالي أيضا انه لابد من أن يستفيد المرء من مجالسة أهل التصوف حسب استعداده وأن من لم يصحبهم يستطيع أن يعلم إمكان ما يصلون إليه بشواهد البرهان.
ثم يحمل على المنكوبين الذين يسمون أقوال الصوفية هذيانا، مستشهدا بالآية الكريمة ( ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا ؟ أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا اهاوءهم).
أما كيف رجع الغزالي على التدريس، وفارق عزلته، فلأنه يقدم لتبرير ذلك بمقدمة وعظية يشرح فيها ما استفاده في خلوته:
يرى الغزالي أن الأنبياء أطباء لأمراض العقول، وليس للعقل من فائدة سوى تعريفنا بهذا الأمر، وغن يشهد للنبوة بالتصديق، ويعترف بعجزه عن إدراك ما يدرك بعين النبوة...هنا تنتهي حدود العقل البشري، ...وذلك ما عرفه أبو حامد بالضرورة.
وقد شاهد فتورا في الاعتقاد بأصل النبوة، وفي حقيقتها، وفي العمل بمقتضى تعليماتها، وتحقق من شيوع ذلك بين الناس، ولاحظ أن ذلك الفتور يرجع على أربعة أسباب:
1-أحدها من الخاضعين في الفلسفة.
ب-والثاني من الخائضين في طريق التصوف.
ج- والثالث من المنتسبين إلى دعوة التعليم.
د- والأخير من تصرفات الموسومين بالعلم بين الناس.فهناك من يتعلل- إذا سئل عن سبب فتور اعتقاده- بفساد أخلاق من يدعون العلم، وأكلهم أموال الناس بالباطل وشربهم الخمر، وهناك المتصوف الذي يرى أنه أرقى من أن يحتاج على العبادة وهناك من يقول أن الفرق مختلفة فلا ثقة بأي رأي، وثمة من قرأ الفلسفة فتوصل إلى أن يقول أن حقيقة النبوة راجعة في نهاية لأمر إلى الحكمة، والمصلحة، وان القصد من التعبد ضبط العوام عن التقاتل والتنازع، وانه –هو- ليس من العوام، حتى يدخل في حجر التكليف
ويقول الغزالي أن ذلك منتهى ما تعطيه الفلسفة الإلهية من الإيمان، وهؤلاء هم متجملون بالإسلام..فلما رأى كل ذلك، ولاحظ أن( انفضاح هؤلاء أيسر عنده من شربة ماء لكثرة خوضه في علومهم وطرقهم) قال في نفسه ماذا تغنين الخلوة والعزة وقد أشرف الناس على الهلاك..ثم راجع نفسه متسائلا)متى تشتغل أنت بكشف هذه الغمة، والزمان زمان الفترة والدور دور الباطل، ولو اشتغلت بدعوة إلى الحق لعاداك أهل الزمان بجمعهم، وأني تقومهم فكيف تعايشهم ولا يتم إلا بزمان مساعد وسلطان متدين قاهر).
وما يكاد الغزالي يستقر على البقاء، دون الصدام حتى قدر الله فتحرك داعية سلطان الوقت دون تنبيه له من الخارج، فألزم الغزالي بالنهوض إلى نيسابور لتدارك الأمر، وقد بلغ هذا الالتزام الملكي حدا خطيرا بطلت بت كل الأسباب التي كانت تدعو الغزالي إلى القعود، ويستشهد أبو حامد هنا بالآية الكريمة( ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا واذو حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله، ولقد جاءك من نبأ المرسلين)...ثم شاور الغزالي بعض أرباب المشاهدات فاتفقوا على وجوب ترك العزلة، هذا إلى منامات رآها بعض الصالحين تحبذ هذه الحركة التي (قدرها الله المولى جل وعلا على رأس هذه المائة).
ويقول الغزالي( وأنا أعلم أني وإن رجعت على نشر العلم فما رجعت، فإن الرجوع عود إلى ما كان، وكنت في ذلك الزمان أنشر العلم الذي يكسب الجاه، وأوعد إليه بقولي وعملي، وكان ذلك قصدي ونيتي وأما الآن فأدعو إلى العلم الذي بت يترك الجاه ويعرف بت سقوط رتبة الجاه).
هكذا يعرض أبو حامد قصة تطوراته الفكرية والنفسية، وهو يتطرق بعد كل ذلك على سلسلة من المواعظ والإرشادات، التي تبدو صادرة بكل وضوح عن شيخ تقي ورع يقوم بمهمة الإرشاد وتقوية الإيمان في النفوس..
فهل ترانا نستطيع الاطمئنان إلى هذا العرض ونقبله دون مناقشة..؟

(1) المنقذ من الضلال ص 59 طبعة دمشق 1956.
(2) المنقذ من الضلال طبعة دمشق 1956 ص 61.
(3) نفس المصدر ص62.
(4)  ص 63.

 

 

 


 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here