islamaumaroc

دروس في التضحية من الأضحية

  دعوة الحق

40 العدد

يقول الله عز وجل لنبيه(ص) (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن...)
نعم إنه ليقص عليه من أنباء الرسل ما يثبت بت فؤاده، ووضع له في هذه القصص الحقن والموعظة والذكرى للمؤمنين.
إن الله عز وجل لم يذكر لنا قصة من قصص القرآن الكريم، غلا ويردنا أن نتدبر معناها، ونسير غورها حتى نفقه مغزاها فنستخرج منها الحكم ونأخذ منها العبر، عن كنا من أولي الألباب كما يقول في ذلك(لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب..)
ومن هذه القصص البليغة قصة أبي الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع ابنه إسماعيل، وفيها تبرز لنا أعظم التضحية، تضحية الأب الحليم الأواه المنيب بابنه الصادق الوعد الأمين..تضحية وأي تضحية...
لو عرضت على الجبال الراسيات الشامخات لما أطاقتها ولاعتذرت منها...تصور أيها القارئ الكريم أبا شفوقا كان قد حرم الذ1رية، حتى إذا بلغ الشيخوخة وكاد أمله ينقطع من الولد، إذا بالذي اصطفاه خليلا في الدنيا يرزقه غلاما زكيا وفيا...حتى إذا بلغ معه السعي، وأصبح يليق بوراثة الحكمة والنبوة، أو بمعنى آخر أصبح الساعد الأيمن لهذا الأب العجوز، يعتمد عليه في المهمات والملمات، فبنى معه أول بيت وضع للناس(وأذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل).
أقول حتى إذا بلغ هذه السن المنتجة النافعة التي تملأ قلب الأب سرورا وبهجة وتكحل عينيه قرة وجمالا، إذا بالذي ينعم عليه بت يسأله...
نعم يسأله إياه تلميحا لا تصريحا ليترك له مجال التهرب إن لم يستطع تحمل المحنة غير أن اللبيب من الإشارة يفهم، ومن أولى بابي الأنبياء بهذه النباهة، فاعتبر المنام وحيا صريحا، وعده امتحانا واختبارا للمحبة الإلهية، فما كان منه إلا أن سارع إلى ابنه وحبيبه يعرض الأمر عليه ليرى رأيه فيه، ولكن الغبن العليم الحكيم كما وصفه ربه كان عند حسن ظن أبيه كما كان أبوه عند حسن ظن ربه بت...فبادر يقول لأبيه الصديق الوقور: يا أبت افعل ما تومر ستجدني إن شاء الله من الصابرين..
يا لله ما أعظم هذه التضحية من الأب..يا لله ما أعظم هذا البر من الابن.. وهل هناك تضحية أعظم من أن يقدم أحدنا ولده فلذة كبده وحشاشة قلبه قربانا لربه ؟ وهل هناك بر أعظم من أن يقدم أحدنا رقبته لأبيه ليذبحه ؟ وهل أبقى هذا الأب الجواد الكريم تضحية تعدل هذه التضحية ؟
وهل أبقى هذا الغلام المرضى برا على وجه الأرض يعدل هذا البر ؟
سجل يا تاريخ سجل ! وتكلمي يا أيام.
تعال أيها القارئ العزيز نقرا معا هذه القصة العجيبة الفريدة من سورة الصافات(رب هب لي من الصالحين..الآية)
لقد كان في وسع الأب أن بعض الطرف عن المنام ولو أنه وحي بالنسبة للأنبياء إلا أنه ليس كالوحي الصريح الذي ينزل على الرسل، لا يقبل الشك ولا الالتباس، ولكن إبراهيم عليه الصلاة والسلام المتفاني في محبة خليله كان يرى التلميح تصريحا كان يرى كل شيء من الله إلهاما..مناما كان أم يقظة، ابتلاء كان أم  أنعاما، فإذا بت يلبي دعوة مولاه ويذهب مستشيرا ابنه في رؤياه..
فيجيبه هذا الولد البار:افعل ما توؤمر ولا تتأخر ..فإذا كان ذبحي يرضي مولاك فإنه يرضيني، وان كان سفك دمي يسر خليلك فإنه يسرني..فصبر جميل والله المستعان وكلنا لله وكلنا راجعون إليه.. وكان لسان حال إسماعيل يقول(ما هي غلا أمانة طلبها صاحبها فرددناها، فهو المنعم المتفضل وله الحمد في الأولى والآخرة..
بخ بخ لك يا إسماعيل ابن خليل الرحمن...ومرحى مرحى يا ابن أبي الأنبياء، فلا عجب إذا أن نقرا هذا الثناء العظيم عليه من العلي العظيم(واذكر في الكتاب إسماعيل..الآية).هذه هي القصة العتيدة الغريبة، فما الذي ينطوي تحتها يا ترى ؟
ماذا يردي العزيز الحكيم من ورائها ؟ هل هي للترنم بالقراءة والتبرك بالمعنى ؟
أم هي لسرد حادثة وقعت في الزمن الغابر وانقضى عهدها ؟ أم هي قص من القصص التي يتعجب الإنسان لها ثم لا يلبث أن ينساها ؟
كلا والله، لا هذا ولا ذاك..إنما هي تذكرة للمسلمين في كل عام لتقديم أغلى ما يملكون لربهم هي درس للمؤمنين في التضحية بأعز ما يحوزون، بأغلى من المال والروح اللذين عقد الله عز وجل مع عباده بيعة بشأنهما أن لهم الجنة أن هم باعوهما له عند الطلب وقربوهما ثمنا حينما يدعو داعي الجهاد، فقال: (إن الله اشترى من المؤمنين...الآية)
أقول هي أعز وأغلى من هذه البيعة العظيمة، إن أن الإنسان يهون عليه مائة مرة أن يقدم نفسه وماله على أن يقدم ولده...وهذه هي غريزة الرحمة التي وضعها الله في قلوب مخلوقاته من إنسان وحيوان، فنحن نرى الحيوان كيف يقاتل دفاعا عن أولاده حتى يقتل ولا يسلمهم لشيء يؤديهم ما دام فيه عرق ينبض ونفس يتحرك...إذا فالتضحية بالروح ليست شيئا يذكر أمام التضحية بالولد، ولكن هناك ما هو أعظم ألف مرة من هذا أيضا، هو أن تقدم ولدك بيدك أنت لا بيد غيرك دون أن تراه...هو أن تأخذ سكينك بيمينك وتذبح بها ولدك، فلذة كبدك فتقطع البلعوم، والأوردة جيئة وذهابا حتى يتدفق الدم على يديك ووجهك، ويلطخ جسدك وثيابك، ثم تبقى بعد ذلك كله واقفا على قدميك، مالكا لوعيك تقول لربك: لبيك اللهم لبيك..لبيك لا شريك لك لبيك..لبيك والأمر كله بيديك..
فأي عقل هذا الذي يحتمل هذا البلاء فلا يتصدع ؟ وأي قوة هذه التي لا تخور عند هذه الفاجعة فلا تتحطم ؟ وأي قلب لا ينفطر حزنا وتصيبه السكتة عند هذه البلية فلا يقف عن الخفقان ؟. إن هذا لهو البلاء المبين...صدق الله العظيم...غير أن رحمة الله قريب من المحسنين، فيستبدل بالابن كبشا عظيما وينادي خليله قائلا: قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين..
لقد علمنا أن محبتك لربك هي فوق كل شيء فوق المال والنفس والولد، وإنما أردناك مثلا للتضحية يفتدى بك، وأسوة حسنة لذريتك المسلمة من بعدك لا تؤثر على ربها أهلا ولا مالا(ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا)...
هذه هي القصة التي لا يستطيع بشر أن يوفيها حقها من الروعة والإجلال والمهابة، إذا لا يسح بمحبتها إلا من ابتلى بها، ولا يشعر بمرارتها غلا من ذاق حنظلها.
وبعد، فما هو المعنى العميق الذي نستنبطه من القصة العظيمة لأب عظيم وابن عظيم وذبح عظيــــم ؟
كل سنة تذكرنا الأضحية بسنة أبينا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، تذكرنا بأن المقصود فلذات الأكباد لا الأكباش، حتى تظل على اتصال دائم بهذا المعنى العظيم، معنى التضحية بأعز ما يملك الإنسان معنى أن محبة الله وطاعته والاستسلام له والانقياد لحكمه، فوق المال والنفس والولد، فلا نرغب بأي منها عنه، فإنما هي أمانات عندنا، وهل لأحد فضل أن هو أدى الأمانة إلى أهلها ؟ نعم إن فعل ذلك طوعا لا كرها..
هذا هو المعنى الذي نفهمه من القصة، ولو أن المسلمين فقهوه على حقيقته، فحرصوا على الموت حتى توهب لهم الحياة، لما استعمرهم غاصب غشوم، ولما استذلهم طاغ متكبر، ولما وطء أرضهم مستعمر جبار.
وصدق الله العظيم إذ يقول( ومن يرغب عن ملة إبراهيم غلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وأنه في الآخرة لمن الصالحين، إذ قال له ربه: اسلم قال أسلمت لرب العالمين..).

 

 

 

 

 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here