islamaumaroc

الموسيقى الأندلسية والشباب

  دعوة الحق

40 العدد

الموسيقى فن من الفنون الجميلة التي تطبع على محبتها والافتتان برقتها النوع البشري إذ كان بخيمه وخليقته يستلذها ويتعشقها عن طواعية وهوية في اندفاع مدهش يضعه أحيانا في قمة النشاوى خفة وطربا – ولا بدع ما كان الفن الموسيقي يسيطر أحيانا حتى على بعض الحيوانات العجم، فتنسى ما يعلوها من أتعاب ومشاق وتقطع الفلوات المترامية الأطراف متأثرة بأصوات الحداة وأراجيزهم المتزنة الخالدة – لا سيما إذا صدرت عن مثل كعبد والغريض ومن إليهما ممن أوتوا مزمارا من مزامير آل داوود، فتلك آية الفن الكبرى التي يسجد لها أرقاء الطبع وفنانو الغريزة الذين خلقوا لتنسم نفحات الأصوات والتقاط ذررها الفتانة واكتشاف ذراتها في كل صقع من أصقاع الأريحية والسلو.
فهم الذين أدركوا وأدركوا وحدهم أسرار الفن ومدى مزاياه على النفوس والأرواح تسلية وخفة ونشاطا، بل ذكروا أن له تأثيرا على الدورة الدموية وتصفيتها، أدرك حقيقته أجدادنا فقاموا بواجب تنشيط فنونه فوقفوا الرباع والعقار لتنظيم أجواق وترتيب هيئات فنية لتطرب الحمقى بالمارستانات والمستشفيات بأصوات وأنغام فعالة لها عملها الحميد في المصابين بالأدواء العقلية على الأخص، ومن وراء هذه الظاهرة الساحرة كان كل صوت يعد بمثابة موجة من الأمواج السابحة في الفضاء لها ذبذباتها الخاصة التي تقع على حاسة السمع مندفعة نحو الدماغ فتسري منه في النفس سريان الكهرباء في السلك حيث تحس الذات بانفعال لطيف، وخفة مريحة تستطيع الروح به استرجاع ما فقدته من كمال ونشاط، وهذا ما جعل علماء النفس وأطباءهم في المقدمة اليوم يعالجون المرضى ومرضى العقول والأدمغة بواسطة الموسيقى وأنغامها الشجية والرقيقة التي تغالب تلك الادواء وتقاومها في لطف كما يقاوم الدواء المادي – الداء بعراك المادتين أو الميكروبين بتعبير صحيح، فيشعر المريض وقتما تأخذ الأصوات في أنغامها بدبيب في نفسه كأن سنة نوم تأخذ الأصوات في أنغامها بدبيب في نفسه كأن سنة يوم يستيقظ من كراه كأنما نشط من عقال، وهذا الفيلسوف(جان بودن) يقول في كتابه الجمهورية: ان الموسيقى تطرد الشياطين، ويرمي إلى هذا المعنى ما عرف في بعض الأوساط المغربية بالحضرة أو جوقة(كناوة) بما ينشأ عن أثرها من خفة ونشاط للمصروع أو المصدوع أثناء سماعه لآلات هذه الأجواق من طبول وأوتار وقراقب ومزامير مدعين أن أرواحا جنونية تقمصت نفوسهم، وأخذت تنطقهم بما يتفوهون به في تغيير أصواتهم العادية، بغض الطرف عن مصادمة هذا الاعتقاد الصحيح قاصرين النظر على النتائج الملموسة، هذا ما يجعل الموسيقى في الصف الأول من المعالجات الروحية لاجتثاث الأدواء العقلية كدواء ناجع يغني عن باقي الأدوية المادية، إذ الصوت أو النغم ينزل منزلة الإشعاعات الكهربائية التي تسلط على الداء بكيفية علمية ومقدار محدود حسبما يتحمله جسم المصاب، وذلك ما يجعل الموسيقى عنصرا مساعدا له فعاليته القوية في الطب، وفعلا فقد أدخلت الهيئة الصحية العامة في الأرجنتين على وسائلها شيئا جديدا يقوم على أسس علمية حديثة ثابتة، ذلك أنها ابتدأت تستعمل الموسيقى كأساس للعلاج في المؤسسات الصحية العامة، فأصبحت الآن تعزف فيها في بعض الأحيان موسيقى سيمفونية –للملحنين كلاسيكيين ذات أثر كبير في المرضى.
وإذا كان فن الموسيقى بهذا الاعتبار له أهميته السلوانية من جهة، والعلاجية من جهة أخرى كان أبناء الصدر الأول خصوصا من يعلم مقداره يعدونه من أجل العلوم في ظرف كان لا يتناوله سوى أعيانهم وأشرافهم،وهذا إسحاق ابن إبراهيم الموصلي الذي كانت له اليد الطولى في العلوم نرى الفن الموسيقي غالبا عليه حتى اشتهر به في ميدان المعرفة – ونرى الرشيد العباسي اخرج مالا للعلماء وأمر بإحضارهم وادخال كل طبقة وحدها وجعلوا يدخلون زمرا زمرا، فكان إسحاق كلما دخلت طائفة دخل معها وكان أعلمها في مادتها فيقبض نصيبه مع كل طائفة حتى تردد إلى سفرة العطاء 24 مرة.
وقد علمنا ما لتلميذه زرياب من يد في الفن فاليه ينسب تأسيس مدرسة الموسيقى بقرطبة، تلكم المدرسة التي ذاع صيتها في عالم الفن المطبوع، وعلمنا كذلك أنه دقق البحث في طبيعة الأنغام وموارد الصوت البشري بحثا جديا، فجعل أوتار العود خمسة بعد أن كانت أربعة، وهذا يرمي إلى فكرة " اندريه جوليان" ونظريته أن الموسيقى والألحان والمراتب وردت من الشرق حيث تكونت باسبانيا، وبقيت خالصة لم يساورها تغيير، وطبق العرب الرياضة في الموسيقى، وعرف الأندلسيون الأنغام المسجلة" النوتان" قبل أن يعرفها مكتشفها المزعوم " جيدودي ارتسو" ويذيعها في ايطاليا، ويكفي في كتب هذا الفن، كتاب أبي بكر بن باجة الغرناطي وهو في المغرب بمنزلة أبي نصر الفارابي المعلم الثاني بالنسبة لأرسطو، وإليه تنسب الالحان المطربة بالأندلس التي عليها الاعتماد، وليحيى الخدج كتاب الأغاني الأندلسية على منزع الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني، ولا شك أن الموسيقى العربية أترث على الغربيين بواسطة الحجاج والتجار الصليبيين الذين سمعوا ألحانها الشجية، وتغنوا بها أيضا، ذلك لأن الأنغام العربية كانت تروق لهم إلى درجة أن الرهبان كانوا ينكرون إهمال أناشيد الكنيسة واستبدالها بأغاني الكفار المدنسة وكان الفونس العاشر الذي اكتسب علومه المدهشة بمطالعة تآليف العرب يرى للمشارقة نصيبا وافرا في إيجاد الموسيقى العصرية.
ومن بين هذه السطور ندرك أن رنة الألحان تجلت في جنوب فرنسا وايطاليا على نغمات المواليات الغرامية العربية الرقيقة، وأن فتيات الغرب ألفوا التوقيع على العيدان، كما نعلم أن بواسطة العرب دخلت الموسيقى الشرقية إلى الأندلس ثم أوربا، لذا فالطرب الأندلسي يعد طربا مشتركا بين الشرق والغرب يستلذ نوباته وألحانه الشرقي والغربي جميعا حيث أن الأندلس (الفردوس المفقود) كان مهجر عدة أقطاب من سائر أطراف المعمور، وبطبيعة هذه الظاهرة أن يحملوا معهم فيما يحملون ما رق ولذ من ألحان وأنغام ذاعت في سماء شبه الجزيرة الخالدة، وتلقاها الأحفاد عن الأجداد وحفظوها كأمانة أولا، وفن ثانيا، حفظا صادقا جعلهم غير مفرطين في حملها وقت جلائهم عن فردوسهم المفقود إلى ما وراءه من أقطار حتى تخوم الهند حيث عثر هناك على آثار ودفاتر أندلسية تصفح بعضها المؤرخ الفرنسي" دوكستري"، إنما تجلى هذا الأثر الخالد أو اللحن الخالد بتعبير أوفق في الرباط وفاس وتطوان وتكونت أجواق وفرق للطرب الأندلسي منذ عهد بعيد وظلت محافظة على طابعه الرائق معتمدة على تحرير الفنان الحائك(الحايك) التطواني أصلا، الفاسي دارا الذي كان يعيش أيام المولى محمد بن عبد الله قدس الله روحه – فيما ألفه وجمع من مقطوعات وموشحات وطقطوقات في المدح والوصف وذكر المعاهد والمنازل والبكور والآصال وشموسها الهادئة الفاترة، وأوقات ما بين ذلك، وقد طبعه الفنان المرحوم المكي مبيركو الرباطي سنة 1354هـ موافق 1935م وكان من آيات الفن الموسيقي الأندلسي تركيب طبوعه وأنغامه على طبائع الإنسان الأربع – السوداء والبلغم والدم والصفراء، بحيث أن ما يستلذه السوداوي من أغاني وأصوات كالذيل وما يحتويه من فروع لا يكترث له الصفراوي، ولا تستطيبه نفسه، فالذيل للسوداوي، والزيدان للبلغمي، والمادية للدموي، والمزموم للصفراوي، ويلمع هذا المعنى الدقيق الذي على ضوئه ركب أبو نصر الفارابي أوتار خريطته يلمع إلى الاتزان والوحدة الصوتية التي يتكيف بها كل أصل من أصول هذه الموسيقى الحافز كل من يذوقها لأن يحس بنقراتها ترن في أحاسيسه فيطرب لها الوجدان ويرقص، وإليك الأصوات الأربعة المحتوي كل واحد منها على نوبات تعرف بالنبوات الأربع والعشرين الموجود منها الآن إحدى عشرة نوبة وهي: رمل الماية، الأصبهان، الماية، رصد الذيل،غريبة الحسين، الحجاز الكبير، الحجاز المشرقي، عراق العجم، العشاق.
تلك النوبات والطبوع الأندلسية الجذابة التي تعد في تراث الفن المغربي بما تتوفر عليه من تراتيبعىKhoc cho nho thuong voi trong long, khoc cho noi sau nhe nhu khong. Bao nhieu yeu thuong nhung ngay qua da tan theo khoi may bay that xa...
http://nhattruongquang.0catch.com  
 وتقاطيع مسلية تدفع السامع لإصغاء إليها في خفة ومرح، يجعلانه أحيانا يقلد نقراتها المتزنة بلسانه وأصاب
بعض شبابنا لا ينفعل لطبوعها الرقيقة رغم نظامها واتزان ألحانها، ومتانة أشعارها في شتى الأغراض والمناحي الأدبية المرحة التي كانت تدرج في ابهاء قصور الفردوس المفقود بالزهراء والحمراء، وقصور المغرب في أكثر مدنه، وليس بعيدا أن يكون للشباب الواعي عذر في هذه المظاهر التي نراه يعرض فيها عن طربه الوطني وموسيقى أجداده التي لا يزال آباؤه يستطيبونها ويطربون لألحانها المتلونة حسب الزمان ودقاته اليومية من غداة يوم لنظيره الموالي لسبب قد يعد قويا في تأثيره على نفسية الشاب الناشئ بما أصبح يعيش فيه من ألوان الطرب الشرقي والغربي بواسطة الإذاعات وتنوع مشاربها، فلحظة مع الموسيقار الموهوب عبد الوهاب المصري وآنة مع بلبل الشرق الصداح السيدة أم كلثوم، وهكذا نجده يعيش لحظات في أعماق الطرب الشرقي والإفريقي وغيرها من أنواع الموسيقى العالمية،حيث ينسيه ذلك موسيقى بلده الشعبية والأندلسية، أضف إلى هذا ما كان يحيط الموسيقى كفن جميل من أشواك لا في تعلمها ولا في الاستماع إليها من أفكار بالية تعزى أحيانا للدين وحكمه فيها ما كان له اثر سيء في انتحال الفن الموسيقي كمهنة رقيقة أو ثقافة جميلة يتعاطاها الناشئون من الشباب في معهد من معاهد الفن ومدرسة من مدارسه.
نعم، هذا شيء لا يمنعنا من إعطاء الطرب الأندلسي ما يستحقه من قيمة وما له في نفس الواقع من مزايا سامية وضعته في أوج الموسيقى العالمية، فقد مرت مؤتمرات موسيقية في الشرق وغيره شاركت فيها أجواق الموسيقى الأندلسية بدورها وحازت على مقامات لائقة بنوباتها وألحانها المطبوعة بطابع الخلود الفني في كل أطوارها ومراحلها، بيد أنه يجب أن يلفت أباء الفن ورجاله نظرهم للموسيقى الأندلسية كتراث خالد بإدخال تحسين وتطوير يصل ماضيها الماجد بحاضرها المعاصر كتهذيب أشعارها  وإرجاع قصائدها لأصولها العتيقة والعمل على ترتيب صنائعها وتواشيها وما إلى ذلك من تواشيح وبراويل، وإضافة الآت جديدة لا لآلاتها الإحدى والثلاثين التي لم يبق منها اليوم عدا قدر الثلث، فإن أعار الفنيون الموسيقى ما تستحق من اهتمام وعناية وسايروا بها عصر الذرة وحلقوا بها في أجواء الحضارة دون أن يؤثر ذلك على جوهرها، فبالطبع يجد الشباب الواعي من موسيقاه الوطنية مجالا لاستطابتها والتأثير بأنغامها  وتقبل تواشيها، وينشل مما قد يرمي به من تعشق غريب الطرب، والهيام بألحانه بعيدا عن الطرب الشعبي والأندلسي البلديين ويشمله في التو والحين مغزى هذا المفرد الشعري:
كتاركة بيضها بالعرا         ء وملحفة بيض أخرى جناحا
وينسلك جل الفتية المتصادمين والعشاق والزيدان في شباب العراق الذي يقول فيه الجريح المتحسر:
عذيري من فتية بالعــراق
              قلوبــهم بالهـــوى قلـب
يرون العجيب كلام الغريـ
              ـب وقول القريب فلا يعجب
وعذرهم عند توبيخهــم
              مغنيــة الحـي لا تطــرب
لذا فالكاتب يهيب بالفنانين خصوصا عشاق الطرب الأندلسي وحاملي رايته كالفنان الوكيلي رئيس جوق الطرب الأندلسي بالإذاعة المغربية أن يسعى مستعينا رجال جوقته في تحقيق ما يرمي إليه العصر الجديد من تحوير خفي وتجديد جذاب يروق ويعجب في دائرة الطرب الأندلسي وطابعه الخاص من غير أن يصيبه مسخ أو تشويه يبعدان الأحفاد عن ذوقه وربط أحاسيسهم الرقيقة ونشاطهم الفني بما كان يعلو الآباء والأجداد قبل، فنود التجديد في إطار الجمع بين أذواق القديم والجديد، وهذا ما لم تساعدنا الظروف على رؤيته حتى الساعة، فيجب فنيا أن ينهض رجال الأجواق الأندلسية والشعبية والعصرية كعبد الوهاب اكومي والبيضاوي والراشدي وعبد النبي الجراري ومحمد العفير، وفيتح والسقاط وإسماعيل احمد والمعطي البيضاوي والسجعي وغيرهم ممن تضمنتهم الأجواق الناشئة للعمل على تلبية هذه الرغبة الملحة ورفع مستوى الطرب المغربي لا سيما الأندلسي منه إلى مستوى اللائق بخصائصه ومزاياه النفسية والفنية متضافرين على خلق موسيقى مشاعة الذوق تضطر المستمع للطرب التأثر بنغماتها وتواشيها بما يضفي عليها من حضارة قرن العشرين وءاياته، على أن هناك طوائف وجمعيات فنية في أوربا وغيرها لها منتديات موسيقية لا يشترك فيها إلا من رق طبعه ولان ذوقه واتسع شعوره لقبول الموسيقى أيا كان نوعها وفي أي آلة دارت وتحركت ولو على الدف والمزمار، وما هذا إلا لأن هؤلاء ينظرون إلى الموسيقى كفن من الفنون يستطيع كل واحد أن يتعاطاها، ويدرس ما تحتويه مكنوناته، وتنطوي عليه أسراره، وليس هذا بعيدا عن همة الفنانين المغاربة ما ساندهم التشجيع وحالفهم التوفيق، وكان لوزارة التربية الوطنية حظها الوافر في ميدان التكوين والمساهمة حتى يرى الفن الموسيقي في عهد الحرية والاستقلال يرفل هو الآخر في حلل الجدة والطراوة بما لا يذر مجالا للشباب الناهض في الكرة مرة أخرى على الطرب الأندلسي بما لا يتفق وطابعه الخالد.
فعلى الفنانين السعي حثيثا لتسنم ذروة الفن بما يكسوه حلة التفويت ويضعه في حبة القلوب وتصبح معاهده الجميلة مفتوحة في وجه الطالب حسب هويته وميوله.
وإننا لنعلق ءامالا كبارا على جمعية الهواة التي يرأسها الولوع الفني الحاج محمد ابن جلون – فيما تبذله من جهد في النهوض بالطرب الأندلسي والسير به قدما نحو ما كان له في سالف عصوره المشرقة في عدوة الفردوس المفقود وفي المغرب وباقي الأقطار التي ضمت أبناء الأندلس أثناء الجلاء عن ديارهم الطيبة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here