islamaumaroc

الجمهورية العربية المتحدة بعد ثلاث سنوات -2-

  دعوة الحق

40 العدد

لقــد كان من الضروري أن يثير الحادث الدولي المتمثل في قيام الوحدة بين مصر وسوريا – كان من الضروري أن يثير هذا الحادث كثيرا من الانعكاسات وردود الفعل المختلفة في أكثرية أنحاء العالم، وخاصة في الغرب حيث يشتد تأثر المصالح الغربية – إلى حد بعيد – بجميع المجريات العامة بالبلاد العربية، وحيث تتضاعف العناية – نتيجة لذلك – بكل ما يجد في هذه البلاد من تقلبات وتطورات، وقد نجم بالفعل – غداة إعلان قرار فاتح يبراير 1958 – نجم كثير من ردود الفعل العالمية والغربية مما أمكن للمراقبين ملاحظته على الصعيد السياسي والنفساني، إلا أن ردود الفعل هذه لم تكن صورها دائما موحدة متجانسة، فقد كان ثمة من لم يجاوز اثر الحادث على نفوسهم حدود الاستغراب، بيد أنه كان إلى جانب هؤلاء من كان تفاعل الحادث مع نفوسهم أكثر حدة وعمقا، وقد تبدى ذلك بوضوح من التحفظات الكثيرة التي انطبعت بها لهجة الصحافة الغربية  في أحاديثها عن مستقبل المشروع بينما كان لا يزال في طور المحادثات التمهيدية، وعندما أضحت الوحدة حقيقة واقعية وأصبح الكيان الدولي العربي الموحد قائم المعالم، بارز الشخصية واضح الملامح والقسمات غدا من غير الممكن حينذاك لكثير من الأوساط في الغرب أن تستسيغ هذه الانتفاضة العربية الكريمة أو تستمرىء وجودها، ولهذا كان طبيعيا أن تواجه الجمهورية العربية المتحدة – في فجر ميلادها- حقيقة الانعكاس القاتم الذي خلقه قيامها في الغرب، كان عليها أن تواجه هذا الانعكاس وتتحمل نتائجه بكل ما يؤدي إليه ذلك من تعقيدات ومضاعفات وما يفرضه من واجبات وتبعات، وما يضعه من مشاكل ومعضلات، ولا شك أن من ابرز هذه المشاكل حملة المناورات الأجنبية الجديدة التي كان على الجمهورية الوليدة أن تجابهها باستمرار، وإذا ما استقرينا مظاهر هذه المناوات واستقصينا جوانبها المختلفة فإنه يمكننا أن ندرجها في الأساسات الآتية:
1) التشكيك في سلامة الأصول التي ينهض عليها بناء الكيان الموحد الجديد المنبثق عن الوحدة المصرية السورية.
2) بذل الجهد في تحديد الاندفاع الشعبي نحو هذه الوحدة وعزل الحماس الجماهيري الذي أحاط بقيامها وخاصة في الإقليم السوري حيث انصب الاختصاصيون السيكولوجيون الأجانب على تكوين جملة من المركبات والعقد النفسانية في نفسية الجماهير وتقليص ولائها للنظام التوحيدي القائم واضعاف إيمانها بجدوى هذا النظام ومعقوليته.
3) استنفاد كل الوسائل في عزل الدولة الجديدة على الصعيد الإقليمي، وتحديد علاقاتها وروابطها مع مجموع بلاد منطقة الشرق الأدنى والأوسط، وقد اقتضى ذلك أن يتركز على حكومة الجمهورية المركزية تيار من المدعيات المختلفة تستهدف في مجموعها التأثير على مظان الراي العام بالمنطقة واستدراج هذه المظان إلى اتخاذ موقف سلبي تردى إزاء المبادرات الحية المتوثبة التي كانت أساس لقيام هذه الحكومة والنظام الذي تتولى توجيهه. بيد أن الجهود الدولية التي بذلت في هذا الميدان لم تتكشف بالفعل عن نتائج ايجابية عملية ، إلا ما كان من ازدياد التماسك والالتحام بين الإقليمين الموحدين، وتضاعف نسبة النمو والاستقرار في ربوعها وامتداد ظل النفوذ المعنوي اللذين ينعمان به في المحيط الإقليمي والدولي.
ولا مغالاة في القول أن البناء العقائدي المتين الذي تستند إليه الوحدة المصرية السورية وتنهض على أساسه هو بلا ريب – كما قدمناه – مصدر هذه الطاقة من الحصانة والمناعة التي تتوافر لهذه الوحدة والتي تضمن لها مزيد القدرة على الصمود أمام العوامل والتيارات الدولية المضادة، تلك العوامل والتيارات التي ما فتئت تعترض جميع البوادر التوحيدية العربية المتحررة والتي تشكل بالفعل جزءا كبيرا من تاريخ الكفاح التوحيدي العربي ومرحلة أساسية من مراحل نموه وتطوره، وإذا ما استقصينا أصول هذه العوامل فانه سيكون من اليسير لنا أن ندرك بان المد الثوري التحرري الذي خلقه قيام هذه الوحدة والتهديد المباشر الذي يشكله وجودها للمصالح الغربية والشرقية في منطقة غربي آسيا وتطورات الأوضاع الدولية التي أعانت على نشوئها في المنطقة، كل ذلك كان من المعقول أن يؤدي بهذه الوحدة إلى الارتطام بكثير من المناورات الدولية المتعددة ويجعل منها هدفا أساسيا من أهداف العدوان الدولي غير المباشر بكل ما يتقمصه هذا العدوان من صور مختلفة وما يتجلى فيه من مظاهر متنوعة. ومن بين العوامل الأساسية في هذا المقام ما يلي:
1) كان قيام هذه الوحدة بالشكل الذي تم الإعلان عنه في فاتح يبرا ير 1958- ظاهرة خطيرة وهامة جدا في حياة العرب والقومية العربية، فقد أكدت الشهور التالية لميلاد الجمهورية المتحدة أن القومية العربية يمكن في حالة توافر المقتضيات اللازمة- أن تكون أساسا لحقائق كيانية جديدة تتوافر لها جميع العناصر الضرورية لقيام المجتمعات الحية النامية المتماسكة: والحق أنه ليس من الجائز – لحد الآن- تقدير النتائج البعيدة لقيام الجمهورية العربية المتحدة وما يمكن أن تنطوي عليه هذه التجربة العربية الفريدة من آثار عميقة على مستقبل الفكرة الوحدوية العربية العامة، إلا أن الذي يبدو مؤكدا بالفعل هو أن قيام هذه الجمهورية كان تحديا ضخما للنظريات المناوئة للقومية العربية، تلك النظريات التي تقوم في مجموعها على أساس الاعتقاد بأن مبدأ هذه القومية مبدأ وهمي خيالي مفتعل وبالتالي فأن الدعوة للوحدة في نطاق  هذا المبدأ هي – بالضرورة- دعوة غير معقولة وتتنافى مع القواعد الصحيحة لبناء الكيانات والمجتمعات السليمة. وقد لاقت هذه النظريات- بالفعل- بعض الرواج والنفاق في أوساط معينة بالعالم العربي وفي كثير من المحافل المعينة بالشؤون العربية في الغرب، ولا تزال بعض المحافل والأوساط- وقد قامت ج.ع.م- تستمسك بالأمل بإمكانية إخفاق البادرة التوحيدية الرائعة التي تتمثل في وجود هذه الجمهورية وبالنتيجة انتكاس العقيدة القومية العربية التي تنهض على أساسها هذه البادرة، إلا أن الأطوار التي مرت بها التجربة الوحدوية بين سوريا ومصر في غضون السنوات الثلاث الماضية لم يكن من شأنها أن تبيح الاستمرار في انتظار هذا الإخفاق أو ترقب بوادره وارهاصاته على الرغم مما تتناوله مصادر الدعاية الأجنبية والشعوبية من مواضيع في هذا المجال.
2) أدى قيام الوحدة بين مصر وسوريا وتكتل القوى السياسية الموالية لمبدا الحياد الايجابي داخل هذه الوحدة- أدى ذلك إلى نشوء أوضاع سياسية جديدة في الشرق الأوسط من شأنها أن تقضي إلى تجميع مصادر الاتجاه الحيادي في المنطقة وتركيز الضغط الإيديولوجي والسياسي الذي توجهه هذه المصادر وتستهدف منه العمل على مطاردة الاتجاهات التدخلية الأجنبية وتحقيق المدلول السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي يعبر عنه مفهوم القومية العربية، وقد كان من شأن هذا التركيز لقوى الحياد الدولي في منطقة من أهم المناطق الحيادية في العالم- كان من شأن ذلك أن يعين على تعزيز الأوضاع الدولية التي تحتضن مبدأ الحياد ويضفي على جوهر الفكرة ذاتها رداء لامعا من الجدة والروعة والفعالية.
3) كان قيام النظام التوحيدي الجديد أساسا لكثير من التغيرات الجذرية التي أصبحت تميز الخريطة السياسية والأوضاع الدولية العامة بالشرق الأوسط تلك التغيرات التي ساهمت حقا في قلب مستويات التوازن الدولي الكلاسيكي بهذه المنطقة وأعانت على إبراز الواقع الثوري العربي الجديد الذي أصبح يتحكم في تحديد مصيرها وتخطيط اتجاهاتها وضبط مسيرها التاريخي الحاسم نحو السلام والحرية والوحدة والتقدم.
 ومن بيت هذه التغيرات:-أ- حبوط خطة عزل مصر.-ب- انفلات سوريا من بؤرة الضغط الدولي الذي كان عليها مستمدا فعاليته من حدود البلاد الشمالية والشرقية والجنوبية-ج- تعزز مركز الجبهة العربية الاشتراكية المتحررة في الشرق الأوسط -د- تقلص ظل الدعوة لخطط الإلحاق كمشروع الهلال الخصيب وانحسار مد الدعوات التوحيدية الإقليمية الضيقة القائمة على أساس اعتبار الشخصية السورية شخصية قومية متميزة ومنفصلة عن نطاق القومية العربية، ومن الجلي أن البعض من هذه الخطط والدعوات لم يكن عديم الصلة بالانقلابات العسكرية المفاجئة التي كانت تتوالى بالتتابع على سوريا-ه- تطور الموقف العسكري على الحدود الإسرائيلية السورية في الشمال والجنوب، وارتباط القوات العربية الرابضة على هذه الحدود بسلطة مركزية قارة، وخضوعها لنظام من الإشراف والتوجيه موحد، والذي يبدو واضحا أن تضاؤل عدد الاعتداءات الإسرائيلية على حدود الإقليم الشمالي بعد معركة " التوافيق" يعود في الدرجة الأولى إلى تطور وضعية الجيش الأول نتيجة اندماجه في إطار القيادة العربية الموحدة، وما أصبح يتوفر عليه بسبب ذلك من إمكانيات تنظيمية وفنية تزداد أهميتها باطراد مع توالي الأيام، وواضح أن تطور الأحوال العامة  بين العربية المتحدة وإسرائيل بمثل هذه الصورة الحاسمة سيكون له تأثير جوهري في تعديل موازين القوى السياسية الدولية بالشرق الأوسط وتأثير واضح على مستقبل التوسع العسكري الإسرائيلي، وفورة الامتداد الاكتساحي الذي تعتمده إسرائيل كوسيلة مثلى لضمان وجودها الدولي، وتأمين مستقبلها الاقتصادي، الديمغرافي وتطورها الاجتماعي-و- اتساع مدى التجربة العميقة التي كان لابد أن تعانيها القومية العربية في مجال صراعها مع التيارات المذهبية المضادة والمبادئ والشعارات الأجنبية المتناقضة، وفي طموحها إلى مواجهة التحديات الفكرية والفلسفية والأخلاقية التي يضعها تدفق هذه التيارات والشعارات على المجتمع العربي المعاصر.
 والواقع أن انطياد القومية العربية على هذا الشكل كأضخم تيار فكري عقائدي في الشرق الأوسط وتأكد وجودها كبديل حقيقي ومتكامل لجميع العناصر العقائدية الدخيلة التي تجد لها سبيلا للتسرب إلى العالم العربي، كل ذلك كان من شأنه أن يعد ظروف الاصطدام الحتمي بين هذه القومية وبين الحركات الشيوعية العالمية المتأهبة أبدا للتسلل إلى الشرق الأوسط والسيطرة على مكامن التوجيه والقيادة في ربوعه، واستصفاء الأوضاع العقائدية الخاصة التي تتحكم الآن في توجيه مصيره، وقد كان لتطورات الموقف في الشرق الأوسط- نتيجة الحملة على السويس- ما أعان بالفعل على توسيع نطاق هذا التسلل وتمديد الآفاق الملائمة لنجاحه، وأصبح حينذاك على القومية العربية أن تواجه التحدي بكل ما يتخذه من صور وأشكال ظاهرة ومتخفية، وقد واجه شعب الجمهورية العربية المتحدة- في الواقع- حقيقة هذا التحدي، ولم يكن لديه سبيل آخر للاختيار، بالنظر لما يحتله في إستراتيجية الكفاح الفكري العربي من مكانة أصيلة وما يضطلع به في مجال هذا الكفاح من أدوار طلائعية وأساسية، وأفضى الكفاح الفكري والسياسي الذي استعر أدواره بين القاهرة وبيكين وموسكو في هذا المجال إلى نتيجته الطبيعية المحتومة: انتكاس المبادئ الشعوبية والأممية والنضالية الطبقية بكل ما تنطوي عليه من أهداف واتجاهات كلية وما تعبر عنه من مثاليات وشعارات لا قومية وارتداد القوى السياسية التي تحتضن هذه المبادئ وانهزامها أمام فورة الوعي القومي الاشتراكي الذي اتخذ سبيله إلى الاستقرار في الذهنية العربية وأصبح الأساس لبناء عقائدي أصيل يتحكم في تحديد الاتجاه العام للأمة العربية.
على أن هناك حقيقة أساسية ليس من اليسير الإغفاء عنها وهي أن شعب الجمهورية العربية المتحدة والقيادة السياسية والفكرية داخل هذه الجمهورية لم يتأخر كل منهما-كما قدمنا-عن القيام بالدور الرئيسي في هذا السبيل –ز- تزايد الشعور بعد إقرار نظام الوحدة المصرية السورية بخطورة المسؤوليات التي تفرضها الحياة الحديثة على كاهل الشعب العربي في الإقليمين، وذلك بعد أن غدا من الممكن اعتبار الدولة المنبثقة عن اتحاد هذين الإقليمين كأضخم تنظيم دولي وشعبي في منطقة الشرق الأوسط، وقاعدة ارتكاز للوجود العربي في هذا القطاع الهام من العالم. وقد كان الإعلان المفاجئ عن الإمكانيات الذرية الإسرائيلية المحتملة وامتلاك إسرائيل – بالفعل- لمولد نووي في صحراء النقب- كان ذلك فرصة هامة لشعب الجمهورية العربية المتحدة ليؤكد من جديد وجود هذا الشعور العميق بالمسؤولية، وليبرهن عن إحساسه الشديد بضخامة الرسالة التي تلقيها عليه التطورات العالمية، وتصميمه على رد التحدي والسعي في مسابقة إسرائيل والمزودين لها في مضمار النشاط الذري ومشتقاته الحربية والإستراتيجية.
وليس من الحكمة بالطبع الاعتماد – في هذا المجال – على مجرد التأكيدات اللفظية التي رددها المسؤولون العرب والموحية بإمكانية امتلاك العربية المتحدة – في المستقبل- لسلاح نووي رادع له أهميته وجدواه، ليس من المعقول – ولا شك – تقييم الموقف على حقيقته بالاستناد البسيط إلى مثل هذه التصريحات، غير أن الأحداث التاريخية التي سجلها شعب الجمهورية في الشمال والجنوب، والمواقف الايجابية التي تبناها هذا الشعب في مجال صراعه المتواصل من أجل الحياة والنمو والتطور، والمآثر التي خلفها في سجل الكفاح الإنساني ضد عوامل التقهقر والتراجع والتخاذل، كل ذلك من شأنه أن يبيح الشعور ببعض التفاؤل، ويجيز الاعتقاد بأن الشعب العربي في الإقليمين المتحدين سيعرف – بالتعاون مع أشقائه العرب- كيف يجعل من التسابق الذري قضية رابحة مثمرة، كما فعل من قبل في قضايا التأميم والتصنيع والتجهيز والتطهير وغير هذا من مواطن الفوز التي سجلها في الفترات الأخيرة من يقظته وانبعاثه.
والذي لا يتطرق إليه الشك أن ما يصل بين الإقليمين من عوامل الوحدة المتينة وما يربط بينهما من أسباب التكافل والتعاون هو خير ضمان لتوفير ظروف وعناصر النجاح في هذا المجال.
لقد كانت نقطة الانطلاق الكبرى في الحركات التوحيدية العربية الاستجابة لمنطق الواقع من ضرورة التقارب والالتحام بين المجتمعات الموحدة فكرا وتاريخا ومزاجا ولغة وأماني وآلاما، وقد كانت كل هذه العوامل بالطبع في أساس القاعدة التي أنبنى عليها كيان الجمهورية العربية المتحدة، لكنها لم تكن – في الواقع- كل شيء، فقد كانت الوحدة المصرية السورية – إلى كل ذلك- موقفا ايجابيا عربيا أمام التحديات الكثيرة التي تشكلها حقائق الحياة المعاصرة بما فيها من صور تطورية وحضارية سريعة، وليس من المعقول بالطبع أن نجرأ على التأكيد بأن الفترة الزمانية القصيرة التي تمتد من سنة 1958 إلى 1961 كانت كافية لإثبات كل هذه الفاعلية الخارقة لوجود الجمهورية العربية المتحدة، ولكنه قد يكون في ميسورنا – مع ذلك- أن نؤكد بأن السنوات الثلاث المنقضية كانت خطوة كبرى في هذا المقام، ومجرد استعراض بسيط لنتائج الوحدة في الإقليمين قد تجزيء في الدلالة على ذلك: فقد ساعدت الأحوال الناشئة عن قيام الوحدة على تهيئ المجال للشخصية القومية العربية لكي تصبح – في المحيط الدولي- أكثر جلاء ووضوحا وأعمق جذرية وأصالة، وقد أضحى بناء الجمهورية الفتية أعظم قدرة على مواجهة التطورات العالمية المعاصرة وأكثر استعدادا لمجابهتها بروح الواقعية والإبداع والتنظيم، فقد تيسر للإقليم السوري في كل الجمهورية العربية المتحدة- مثلا – أن ينال حظا من الاستقرار العام بعيدا عن الزعازع السياسية العسكرية التي كانت تدمغ وجه الحياة في ربوعه منذ بضع سنوات، هذا بالإضافة إلى الخطوات التنظيمية والإصلاحية المتلاحقة التي شهدها الإقليم والتي تتناول الحياة العامة فيه بالتهذيب والتشذيب، وقد كان من ذلك الخطوة الإصلاحية الكبرى التي شهدها الإقليم في أوائل خريف سنة 1958 والتي تتمثل في قانون الإصلاح الزراعي والمقتضيات القانونية الناشئة عنه، تلك المقتضيات التي تستهدف إعادة بعض التوازن الممكن في حياة المزارعين وتعديل النظام الاجتماعي والاقتصادي الذي كان من أكبر العوائق في تحقيق هذا التوازن وتكريس مدلوله.
ومن أحدث الخطوات التنظيمية التي عرفها الإقليم أيضا: مجموعة التدابير المالية التي اتخذت في أوائل هذه السنة والرامية إلى حماية النقد السوري من أخطار المضاربات في الأسواق الخارجية وتحديد نطاق التهريب العالي الضخم الناشئ عن اتساع حركات المضاربين، والذي كان من نتائجه الحتمية انخفاض سعر النقد السوري في كثير من الأحيان بصورة مفتعلة وغير عادلة(1).
على أن برامج الإصلاح الزراعي والمالي هذه لا تستقطب- في الواقع- كل صور الإصلاح العام الذي يجري بصورية نسبية في جميع شرايين الاقليم الشمالي، فهناك أيضا مجالات واسعة أخرى لتحقيق تطورات إصلاحية جديدة تمتد على مختلف قطاعات الحياة المدنية بهذا الإقليم، وتستهدف العمل على إنماء ثرواته وإمكانياته ومن صور ذلك: مشروع السنوات الخمس الذي يستهدف منه – بصورة خاصة- العمل على تصنيع الإقليم السوري وتوسيع مبادرات النمو الاقتصادي في مختلف ربوعه، الأمر الذي من شأنه أن يساهم- بشكل جدري- في تغيير مستقبل هذا الإقليم ويجعله أكثر استعدادا لقبول مقتضيات الحياة الصناعية الإنتاجية كما تعرفها كثير من الدول المتقدمة في حقول التصنيع وميادين التيكنولوجيا. هذا وقد ساعدت الوحدة- من جانب آخر- على تعزيز المكانة الدولية للحكومة المركزية فكان لها من ذلك سبيل إلى التخلص من كثير من المعضلات السياسية الخارجية الأمر الذي أتاح لأبناء الإقليم الجنوبي القدرة على السير الحثيث في طريق التوسع الصناعي والنمو الاقتصادي العام، وإذا ما وضعنا في الاعتبار مدى الأهمية التي يتشح بها التقدم الصناعي الذي أحرزته مصر في غضون السنوات الأخيرة أمكننا أن نحس بكثير من عناصر الثقة في المستقبل الإنتاجي والتكنولوجي للإقليم حيث ستغدو الصبغة الصناعية لصادراته أوسع نطاقا من الصبغة الزراعية والخامية تلك التي كانت تميز اقتصاده فيما قبل.
على أن الجانب الزراعي من النهوض الاقتصادي في الإقليم الجنوبي لم يبق هو الآخر بعيدا عن التأثير بمظاهر الطفرة الإصلاحية التي ستساعد في الميدان- على زيادة استثمار الموارد الأرضية في الإقليم، وبذلك يصبح من الممكن كثيرا مواجهة المشكلة السكانية التي تحول بينه وبين تدرج أكثر سرعة في ميدان التطور المعيشي المنشود. ومن بوادر التفاؤل أن السنة الأولى من حياة الإقليم في ظل الجمهورية العربية المتحدة كانت نفس السنة التي أمكن فيها لمشروع السد العالي أن يأخذ طريقه إلى المراحل الأولى من إنجازه، ولا محالة أن إقامة هذا السد ستكون- مع مشروع سد الفرات في الإقليم الشمالي- شبكة هائلة للري تتيح ل ج.ع.م. مجالا فسيحا للتوسع الزراعي وانتاج الطاقة مما لا تتوافر امكانياته لكثير من البلدان الأخرى.
على أن أهم من هذا كله ما أمكن لأبناء الإقليمين الموحدين التوفر عليه من المكتسبات الخلقية التي هي زاد كل شعب يتوق إلى الأفضل، فقد غدا يبدو جليا أن روح الثورة البناءة المبدعة تلك التي تعتمل في جسم الجمهورية وتسري في أوصالها، هذه الروح لم تعد غريبة مطلقا عن الجماهير المتحفزة في الشمال والجنوب، والمتأهبة للسير مع قافلة التاريخ ومواكبة سير التطور العالمي الأكبر، أن روحا من الوطنية الايجابية والقومية الواعية الهادفة قد غمرت – بالفعل- وكما تعكسه تطورات الأحداث- مختلف الكتل الشعبية المومنة المتحمسة في الشمال والجنوب، وليس أمام هذه الاشراقة الباهرة من الوعي الجماهيري في الإقليمين إلا أن تنبثق- وقد بدأت تفعل- عن مزيد من آيات الخلق المبدع والتنظيم الدقيق والتخطيط المنهجي، حتى تصبح الجمهورية العربية المتحدة- بمشيئة الله – نموذجا حيا لما يمكن أن تسفر عنه الحركات التقاربية بين الشعوب والمجتمعات الصغيرة من نتائج ايجابية مثمرة.
لقد انقضى الآن على ميلاد الجمهورية العربية المتحدة ما ينيف على ثلاث سنوات، وهي فترة جد تافهة بالقياس لأعمار الدول والشعوب، ولكنها- مع ذلك- تشكل مرحلة هامة من حياة الجمهورية في المحيط العالمي والدولي، وتوجد العربية المتحدة الآن وهي في وضع دولي مرموق سيفضي بها- كما نعتقد- إلى أن تصبح القوة السياسية الرئيسية في شرقي الأبيض المتوسط وغربي آسيا، وذلك بالطبع في إطار التعاون العربي العام. وترتكز أهمية الجمهورية المتحدة في هذا المقام على الاعتبارات الآتية:
1) وجودها كأداة عازلة لمختلف التأثيرات الدولية المتناقضة التي تزحف على منطقة الشرق الأوسط حيث يستهدف كل منها تلوينه بألوان اتجاهية معينة.(2) تفردها بزعامة معسكر الحياد الايجابي بالمنطقة.(3) ارتباط سياستها الخارجية بمبدأ القومية العربية.
وقد كان من نتائج هذا كله أن أتاح للجمهورية العربية المتحدة مكانة هامة في القطاع الدولي للحياد الإيجابي وفي عالم الكتلة الإفريقية الاسيوية بما يضمه من بلاد وشعوب باندونغ الكومونلث وغيرها. هذا إلى ما تنعم به من فرص التعاطي الحر الخير مع دول المعسكر الاشتراكي في شرق أوربا وآسيا وبعض الدول الأخرى الملتزمة وغير الملتزمة في الشرق والغرب .
وقد نشأ عن هذه الأحوال من الاستقرار والنمو والتطور والارتكاز- تلك التي تميز أكثر فأكثر حياة الجمهورية العربية المتحدة- أن أخذت ترتسم في بعض الآفاق بالعالم الرأسمالي ملامح اتجاه محدود يبدو أنه قد يرمي- في بعض الجوانب – إلى اصطناع علاقات معها أكثر ايجابية وواقعية وصراحة، وعلى الرغم من أن هذا الاتجاه لا يمكن أن يعبر – بالضرورة- عن امكانية الوصول إلى نهاية حاسمة للخلافات العربية الغربية- تلك الخلافات التي يتأصل اغلبها عن مأساة فلسطين والجزائر والمحميات وغيرها- فإنه – مع ذلك- يمكن- إذا ما استوفى شروطه أن يساعد على عهد من التفاهم المصلحي والتعاون الاقتصادي بين الغرب والعرب قد تبرز نتائجه في المراحل النهائية لسد اسوان أو غيره من مشاريع الإنماء الاقتصادي في العالم العربي.
إن الآفاق التي تفتح أمام الشعب العربي في ظل الجمهورية العربية المتحدة ليس من شأنها إلا أن توحي بمشاعر الثقة والإيمان بمستقبل هذا الكيان الخالد الذي يضم الأشقاء من أبناء بردي والنيل، ذلك أن قيام هذه الجمهورية لم يكن فقط أساس لوقوع تعديل جديد على وجه الخريطة السياسية لمنطقة الشرق الأوسط، لا ولم يكن مجرد تغيير عددي للوحدات الدولية التي تملأ حيز هذه المنطقة، إنه كان بدء انطلاقة عربية كبرى في السبيل الذي تختطه المجتمعات اليقظة لنفسها عندما تريد التحرر من أسار القيود الفكرية والعقد النفسية التي تحول بينها وبين التطور، لقد كان انطلاقة هائلة في سبيل التحرر والتقدم والتجديد، وخطوة أساسية في طريق التغلب على التحديات الداخلية والخارجية التي تواجه البعث العربي الحديث، وكان بالنتيجة لذلك إسهاما ايجابيا في صقل انسانية الفرد العربي وتأصيل وجوده، وتفجير نشاطه وملكاته، وتنمية كوامن ايجابيته وابداعه وقيادته إلى سبيل الثورة الخلاقة البناءة من أجل الحياة ومن أجل القوة ومن أجل النمو والتطور.

(1) استوعب مشروع الإصلاح المالي بادرة ضخمة ومسرحية تم بموجبها تأميم وتعريب 19 مصرفا أجنبيا تبلغ استغلالات الواحد منها 100مليون ليرة سورية.

 

 

 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here