islamaumaroc

العدالة في إنجلترا -4-

  دعوة الحق

40 العدد

القانون المدني
من المعلوم أن القانون المدني يتناول القضايا المدنية كما يتناول القضايا الجنائية، وغالبا ما يكون سماع هذه القضايا- بنوعيها- بنفس المحاكم، ومن نفس القضاة، وعلى كل محام أن يزاول القانون المدني، كما يزاول القانون الجنائي، وحتى المجالس الصغرى التي يعقدها قضاة محليون جزئيون، وهم كما رأينا غير محامين بالكلية، فإنها تباشر قليلا من القضايا المدنية، ويسمع قاضي المحكمة العليا بالدائرة، كلا من القضايا المدنية والقضايا الجنائية، أما المحكمة العليا بلندن فإنها نادرا ما تباشر القضايا الجنائية. ولكن قضاة المحكمة العليا يعقدون جلساتهم في محكمة الاستئناف الجنائية، وكذلك يعقدونها في المحكمة الجنائية المركزية، المعروفة باسم(بيلي العتيقة Old Bailey) وهي المحكمة الدورية للندن.
وهناك فرعان من القانون المدنين يعرضان على قسم الأريكة بالمحكمة العليا، أو على المحكمة الإقليمية، إن كان المبلغ المتنازع فيه قليلا، كما يأتي مبينا.
وهذان الفرعان هما قضايا العقود وقضايا الضررTort. والعقد هو اتفاق على شيء، أو اتفاق على عمل، أو أي نوع آخر، مما يعد به طرف طرفا آخر، بأنه سيقوم بفعله مقابل مكافأة(قيمة سلمت أو وعد بها)
أما الضرر فهو عامل أسيء بارتكابه. وكلمةTort كلمة فرنسية معناها الخطأ، فهو غير عمل جنائي، قد ارتكبه شخص جانيا به على آخر.
وهناك عدة تصرفات من هذا النوع مثلا، سيارة تمر على شخص تحتها، وموظفا يطرد من وظيفته بدون موجب، وشخصا نشر شيئا مضرا بآخر، في صحيفة أو سطر ذلك في رسالة بعث بها إلى شخص ثالث، مما سميناه هجوا   libel، أو تكلم كلاما قبيحا مع شخص في حق طرف آخر، مما سميناه افتراء Slander.
وحينما يقع شيء من هذا القبيل، وهو واقع في كل زمان ومكان، فإن الشخص الذي قد أسيء اليه، قد يطلب من المحكمة أن تنصفه، وهناك عدة أنواع من الانصافات، والمعتاد منها غالبا هو التعويض بمبلغ من المال، على ما لحقه من أضرار. غير أن المحكمة أيضا قد تأمر جانبا من المتعاقدين بأن ينفذ ما حصل عليه الاتفاق (اجراء خاص)، أو تأمر المذنب الذي أساء بهجوه أو افترائه، بأن يقوم باعتذار مناسب، ويكون هذا الاعتذار على العموم علنيا. فإن لم يطع أمر المحكمة، فإن المحكمة المدنية تقضي بسجن هذا المذنب، لاستهانته بالمحكمة (For contempt of court)
ونفس الإجراء يقع حينما يطالب بأداء دين، فتقرر المحكمة القسط الذي يمكن أن يؤديه المدين في كل دفعة: كأن تأمره مثلا بدفع جنيهين في كل أسبوع. فإن تأخر عن أدائه، فإن المحكمة ترسله إلى السجن، استهانته بها، إلا أن يستطيع إقامة البرهان على أن عدم أدائه كان لعائق مقبول.

سير المرافعة في القضايا المدنية
تباشر جميع القضايا المدنية بنفس الطريقة، فالشخص المساء اليه يذهب إلى اقرب محكمة إقليمية، ليقابل أمين السجل Registrar أو يذهب إلى المحكمة العليا بلندن في الأهم من القضايا، ويطلب أمرا قضائيا Writ ضد الطرف الآخر(الخصم) وهذا الأمر يرسم الشكوى باختصار جدا، ثم يستدعي المشكو للحضور بالمحكمة باسم الملكة(أو الملك)، ليجيب عن التهمة التي وجهت إليه، وهذا الإعلام يجب أن يسلمه ضابط المحكمة إلى المشكو نفسه، فإن تعسر العثور عليه بواسطة الضابط المذكور، فيرسل إليه هذا الإعلام بواسطة البريد، وعلى هذا المشكو أن يحضر إلى المحكمة، بقصد الإجابة عن الشكوى التي ادعيت عليه، وذلك داخل وقت معين، عادة ما يكون ثمانية أيام، فيذهب بنفسه، أو يطلب من وكيلهsolicitor  أن يذهب نيابة عنه، أو يكتب رسالة إلى المحكمة، يعلمها فيها بالمكان الذي به، وأنه مستعد للحضور، كما يعين اسم وكيله، إن كان.
فان لم يجب، داخل الأجل المذكور، فان القضاء يكون ضده، إلا أن يكون قد عاقه من الحضور عائق ليس في استطاعته التغلب عليه، من نحو مرض، أو غياب عن البلاد..
وحينما يحضر كلا الخصمين إلى المحكمة ، فان القضية تسمع منهما أولا بطريقة سرية، وذلك بواسطة أمين السجل بالمحكمة الإقليمية، أو بواسطة الرئيس«Master»الذي هو من نوع القضاة الصغار، بالمحكمة العليا، ويقع هذا السماع في محل يسميه الانجليز باسم الغرفchambers  وهي عبارة عن حجرة في قصور القانونthe law courts  ، وليست في المحكمة نفسها، وفي معظم القضايا يسوى النزاع عمليا في هذه الغرف، بمحضر الرئيس أو أمام أمين السجل، فلا يسمع أحد شيئا عن القضية...
ولكن إذا لم يستطع الرئيس بالغرف بالمحكمة العليا أو أمين السجل بالمحكمة الإقليمية، أن يسويا النزاع بين الطرفين، فانه يصدر ما يدعى «أمرا بالحضور إلى الإدارة»summons for directios»  وحينئذ يشرع في تحضير المحضر المطول والمفصل، عن الدعوى، وهذا نادرا ما يقع ، فان معظم الناس يتوقون إلى تجنب ما يزعجهم، ويعلن عن قضاياهم. ويرضيهم جدا أن تسوى نزاعاتهم بواسطة الرئيس أو أمين السجل، فان ذلك لا يكون له من الأهمية  بحيث ينشر على العموم...
والواقع أن قليلا من الناس في المملكة المتحدة، باستثناء المحامين، والأشخاص الذين اتصلوا بقضية من هذا النوع، يعلمون شيئا عن مراحل هذا الإجراء، بل ربما لا يكون لغيرهم علم حتى بوجوده، وهو لا يثير فينا كثيرا من العجب، ولكنه مهم إلى أقصى حد.
ويمكن الرئيس أو أمين السجل المدعي، الذي يدعى الآن بصفة رسمية باسم المشتكي plaintiff من مدة، بحيث يمكنه فيها أن يرسل تقريرا كتابيا عن القضية، التي على المدعي عليه، الذي يدعي الآن رسميا باسم المدافع défendant، أن يستعد للإجابة عنه، وهذا (المقال) يدعى باسم «تقرير الشكوى »   statement of claimهو ينص على تفاصيل الإساءة التي ارتكبت، وفي نفس الوقت ينص كذلك على التعويض الذي يطالب به المشتكي. وقد يتخذ في الموضوع أكثر من هذا، فانه من الجائز أن يقيم«المدافع » قضية يشكو فيها «المشتكي» وبهذا يكون الطرفان معا يمثلان جانبين في الخصام: كلاهما مدع ومدعى عليه.
 فالشخص الذي صدمته سيارة، ربما كان آنذاك يتخطى الشارع في عدم انتباه، والسائق وهو يوقف سيارته بسرعة، على هذا الحادث، ربما يكون قد أصيب برضوض أو تهميش، من جراء هذا الاصطدام، والموظف الذي طرد بدون موجب، ربما يكون في الواقع قد وضع ملفا له أهمية كبرى في غير محله، والرجل الذي قد هجي أو افتري عليه، ربما يكون قد كتب أو فاه بشيء يسيء إلى من قدم به شكايته ...
 ولهذا فانه حينما يجري الدفاع، فان المدافع قد يضيف إلى ذلك دعوى فرعية counterelaim  بالأضرار التي لحقته...
 وكلا الطرفين في النزاع يطلع على تقرير الشكوى والدفاع، مع دعوى الدفاع الجزئية أن كانت.
 وقد تستمر" مساجلة الخصام" وقتا طويلا، فالمشتكي قد يجيب الدفاع بالرد عليه rejoinder مبينا كيف أخطأ الدفاع في سيره، من حيث الزمان والمكان، وحينئذ فان المدافع قد يجيب بالحجة الدامغة rebuttal ، ولكن هذا نادر الوقوع، ذلك أن تقريري الشكوى والدفاع عادة ما يقتصر على تبادلهما بين الطرفين، ومع هذا فان كلا الطرفين قد يبحث عن أعظم التفاصيل في القضية (أحسن الخصائص وأفضلها) أو يطالب بالاطلاع على الرسوم اللازمة ( فحص الوثائق  discovery of documents).
وكل هذه الأوراق المستعملة في القضية، والتي تتقدم سماعها في المحكمة علانية، يتولى ضبطها " الرئيس" بالغرف، ان كانت من قضايا المحكمة العليا، أو يتولى ذلك أمين السجل، ان كانت من قضايا المحكمة الإقليمية.
وحرب الأقلام قد تشن بين المحامين barristers في أغلب القضايا، ولكن لكل شخص الحق أن يسير قضيته بنفسه، ويمكن أن يسوى النزاع، في أية مرحلة من مراحل (حرب الأقلام)، أما ان كانت القضية ستعرض على المحكمة، فان الوكيل(1) solicitor  لكلا الطرفين، يتلقى تفاصيل القضية عن الشهود، ثُم يأتي بها إلى المحامي barrister  ، وهذا يعلم، قبل ذهابه إلى المحكمة، ماذا سيقول بالضبط الطرف الذي ينوب عنه.
وحينما تتم جميع هذه الإجراءات، فان القضية حينئذ تعرض على السماع set down for hearing ويعني هذا أنها قد أخذت محلها في لائحة القضايا لسماعها، لا انها ستستمع في يوم بعينه، فهذا ما لا يعلمه أحد، لان اليوم الذي تسمع فيه القضية، رهن بطول المدة التي ستستغرقها القضايا الأخرى السابقة عليها..

(1) اخترنا أن نسمي هذا النوع من الوكلاء باسم ( الوكيل) وأن نجمعه على (وكلان) كما تقدم... أما أن يكون مسمى باسم الوكيل، فذلك خير مما سمي عندنا باسم "المدافع"، فالوكيل بمدلوله هذا معروف لدى الخاصة والعامة عندنا وعند الأجيال السابقة علينا، من المغاربة الذين وضعت لهم القوانين ومصطلحاتها، وأسماء رجالها. وأما المدافع، فلا هو في مدلوله عندنا معروف، لهؤلاء الخاصة والعامة كالوكيل، ولا هو مستعمل فيما استعمله هؤلاء الذين قلدناهم أو قلدنا من قلدوهم...
 واخترنا أن نجمع هذا الوكيل على (وكلان) لنقره على خصوصيته التي جعلت له قضاء وقدرا، أو جعلت له لملاحظة ما نلاحظه فيه، من أن هذا الوصف ينزل فيه- لهذه الخصوصية-منزلة الاسم فنستشهد له بقوله:
وفعلا اسما وفعيلا وفعــــــــــل         غير معل العين فعلان شمـــل
 وتناسي الوصفية هذه، هو ما حصل بالضبط، في مثل، صليب، وكثيب، وقضيب، ورغيف, وخليج، وغيرها مما جمع على فعلان. ومع أن الذاكرة العربية قوية أو وفية، في " لمح الأصل" في الإعلام، واعتباره أساسا في " الممنوع من الصرف" أو المصروف، إلا أنها قد تخون، كما يخون الناس، في بعض الأحيان مثل ما حصل منها في ( اجدل وأخيل وأفعى) وهو ما يجب أن يحصل منها، كما حصل منا، في وكيلنا، فتجمعه على ( وكلان) إنقاذا له من أعواد الصلبان...

 

 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here