islamaumaroc

على هامش الكفاح الجزائري من أدبائنا

  دعوة الحق

40 العدد

إن الذي يريد أن يدرس الحقبة الأخيرة من حياة الجزائر، خلال ثلث قرن على الأقل، سيلاحظ – ولا شك –مدى التطور العميق الذي حظي به هذا القطر، في مجال الثقافة والأدب، أثناء هذه الفترة، بالإضافة إلى يقظته وتقدمه في المجالات القومية الأخرى. وقد يدرك الدارس حينئذ أهمية الدور الخطير الذي لعبه الأدب الجزائري الحديث، في بناء نهضة الجزائر الفتية، على اختلاف جوانبها وتعدد أهدافها.
لقد انبتت تربة الجزائر الخصبة في هذه الحقبة، عددا لا بأس به من الشعراء والكتاب الذين حملوا مشعل الثقافة العربية، ورفعوا منار العمل والأدب، وعملوا على صيانة تراث العروبة والإسلام في هذا القطر وساهموا بأوفر حظ في إحياء اللغة القومية وبعثها إلى الحياة من جديد، بعد ان تضافرت عوامل شتى على أضعافها وزحزحتها عن مركزها الطبيعي في حياة الأمة، وتركها – قرابة قرن من الزمن – تعيش في وضع ممتهن، لاحظ لها من الاعتبار، كلغة عريقة طالما أدت للحضارة الإنسانية خدمات جليلة. بل قد اعتبرت كلغة اجنبية في عقر دارها، وبين دوي قرباها وأرحامها، قصد الحيلولة بينهم وبينها، وأضعاف شأنها في نظر أبنائها.
ولكن بالرغم من الدعاية الاستعمارية الافكة، التي دأبت دوما في الماضي على أن يظهر المواطن الجزائري في مظهر الإنسان الذي تخلى بمحض إرادته واختياره عن لغته، وتنكر طوعا لقوميته وميراث أسلافه فإن ازدهار الأدب العربي في الجزائر حديثا، والمستوى الرفيع الذي رقي إليه في مختلف ضروبه، وشتى أغراضه ومراميه، لما يفند تلك الدعاية المغرضة...ويكشف عن زيفها...
إن ارض الجزائر فقد زخرت بنخبة كبيرة من أدباء العربية الموهوبين، الذين امتازت أساليبهم بالجودة والدقة والمتانة، وعمق الفكرة، وقد اهتم معظمهم بطرق الموضوعات الحيوية، التي تنبع من صميم حياة أبناء الشعب، وتتجاوب مع ما يفكر فيه  ويشعر به أفراد الأمة، ويمتزج بأحاسيسهم، ويعبر عما يكمن في أعماقهم من الأماني والآمال، أو عما يعانونه من الآلام، التي يشغل بالهم التفكير في وسائل التخلص منها، حتى ولو أدى بهم ذلك إلى ركوب الأهوال والأخطار، بغية أن يدرك وطنهم حياة العزة والكرامة..
وان أدباءنا – بهذا الوصف – ليعدون بحق – في طليعة أدباء العالم العربي المعاصر، الذين سايروا مواكب اليقظة والتحرر، في مختلف أنحاء المعمور، ولم يتوانوا قط عن خوض المعركة، التي تحقق لوطنهم السيادة والحرية، باذلين من أجل ذلك دمائهم.
وإذا كان من هؤلاء الأدباء وذوي الفكر، من استأثرت بهم المنية في الأعوام القريبة، ومنهم من حظي بالاستشهاد، في معركة الجهاد، التي تدور رحاها – منذ سنين – في البلاد، والذين أذكر منهم: الأديب احمد رضا حوحو، الذي أنجز عدة مؤلفات أدبية واجتماعية قيمة، قبل أن يستشهد، وهو في العقد الخامس من عمره، والشهيدين الشاعرين: عبد الكريم العكون والربيع بوشامة، اللذين ظلا يصدحان على الأفنان كبلبلين غريدين، يشحذان العزائم، ويستحثان الهمم، نحو تدعيم النضال التحريري في وطنهما، الى أن قضيا نحبهما على يد السفاحين، وكأنهما كانا يتمثلان بقول ثانيهما رحمهما الله:
«لا شيء أغلى من التحرير يكسبه
                     مجاهد بعد الآم وأخطار»
«فك البلاد وفادى مجد أمته
                     من عيشة الذل بين السيف والنار»
نعم، إذا كان بعض هؤلاء الأدباء الأمجاد قد غدا معدودا ضمن ميئات الآلاف الشهداء الموطنين، فإن الأكثرية منهم لا تزال رهن السجن والاعتقال، منذ بضعة أعوام، زيادة عمن يعيش منهم في ديار الهجرة.
وإنا لنرى أنه من الواجب المفروض علينا أن نعير إخواننا الأدباء هؤلاء، ما هم جديرون به من عناية واهتمام، سواء من غيبتهم عن أنظارنا المنون، أو من احتوتهم غيابات السجون، خدمة للأدب والفكر في أشخاصهم، وتنويها بآثارهم ومآثرهم، التي نحرص على أن تظل موضع القدوة والتوجيه الرشيد، للأجيال الناشئة في المستقبل.
ولعل هذا أقل يفرضه علينا الوفاء لأدبنا وأدبائنا، الذين مهدوا السبل، ودللوا الصعاب – بخوضهم للمعركة الأدبية في ظروف شاقة – أمام الأبطال الذين آلوا على أنفسهم أن يقودوا معركة الحرية، خدمة لقيم عليا، ومثل إنسانية سامية، وصونا لتراث أمة عريقة ماجدة من الضياع والاندثار.
وبعد هذه الكلمة التمهيدية أريد أن أتحدث اليوم في إيجاز عن أديب واحد، من الذين ما برح السجن يحتفظ بهم، منذ أول عام من قيام الثورة، مؤملا أن تتاح لي الفرصة الملائمة، لمتابعة الحديث عن أدباء آخرين، من الذين قضوا نحبهم، وذهبوا إلى ربهم، ومن الذين نأمل أن تمتد بهم أسباب الحياة، حتى ينجزوا أداء الرسالة الفكرية والثقافية المنوطة بعهدتهم نحو وطنهم ومواطنيهم..
كان أديبنا محمد العابد الجلالي في طليعة الكتاب الأوائل، الذين خاضوا معركة القلم بما تتطلبه من حكمة وصبر وتجرد، إنه كاتب عميق التفكير، بليغ التعبير، دبج يراعه كثيرا من الفصول الأدبية الممتعة، نشر معظمها في مجلة(الشهاب) التي كان يصدرها أستاذنا المرحوم الشيخ عبد الحميد ابن باديس بقسنطينة، تلك المجلة التي كانت منبرا حرا لأقلام عدد كبير من الكتاب والشعراء، الذين جددوا شباب اللغة العربية في الشمال الإفريقي..
ويمتاز أسلوب كاتبنا محمد العابد بالسلاسة والوضوح، ويغلب عليه الطابع القصصي، يعبر عن آرائه ومقاصده في صراحة وقوة، وتتجلى من بين كلماته وتعابيره روحه المتمردة على الطغيان والاستبداد الثائرة على الأوضاع السياسية والاجتماعية الفاسدة..
كانت له جولات موفقة في ميدان الصحافة العربية بالجزائر، يوجه في حكمة ويقترح عن خبرة، يشتد في النقد أحيانا بقصد البناء، ويعالج الأمراض الاجتماعية والخلقية، فيضيع الدواء في مكمن الداء، وفي كل ذلك يصدر عن باعث نبيل، وضمير حر، ويسير دوما في اتجاه الهدف الوطني المنشود.ولأديبنا – فوق ما ذكرت – ناحية ايجابية في حياته الثقافية كان يمعن في الاهتمام بها، ويحرص أشد الحرص على أداء متطلباتها، ويخضعها بالمزيد من نشاطه وجهوده. تلك هي ناحية التربية والتعليم، فقد كان معدودا في هذا الحقل من أكرم المربين، ومن المعلمين المقتدرين الذين أنفقوا جل عمرهم في خدمة التربية والتعليم، والنهوض لأعبائهما، وفق أساليب التربية الحديثة، والمناهج المستمدة من نظريات وآراء أئمة هذا الفن في عصرنا الحاضر. وقد تخرجت على يده أفواج من الشباب الذي يتسم بالخلق المهذب، والوعي الرزين، والإدراك العميق لمسؤولياته الوطنية. كما تلقاها من أستاذه، الذي نراه يحدد الهدف الأسمى من تعليم المدرسة في فقرات من تقرير له، قدمه في إحدى مؤتمرات جمعية العلماء منذ ربع قرن، إذ يقول:
-إن الغرض من التعليم المدرسي هو تعليم الأطفال بالمدارس اللغة العربية.
- وهي اللغة التي تحقق الصلة بينهم وبين أسلافهم.
- وهي الكنز الذي حفظ لهم تراث أولئك الأسلاف.
- وهي اللغة التي كتبت لأسلافهم بها شهادة الخلود.
- لأنها لسان الثقافة الإسلامية.
- ولسان القرآن الكريم، والسنة النبوية، اللذين هما أصل تلك الثقافة، ومنبع وجودها.
- فحاجة النشء الإسلامي الجزائري إلى لغته، هي حاجة الخلف لما يدعم صلته بسلفه.
- وهي حاجة الوارث لما يثبت استحقاقه لميراث أسلافه.
- وبعابرة أشمل، وهي ضرورة من ضرورات الحياة الحقة، بالنسبة للمسلم الجزائري، عليها يتوقف إدراك المطمح الأسمى الذي يرمي إليه كل إنسان في الحياة...
- فإذا عرفنا التعليم العربي بهذه المثابة هانت علينا كل تضحية في سبيله..
ولما انتفض الشعب انتفاضته التاريخية الكبرى، أبى الرجل إلا أن يكون من أول جنود النضال المسلح، كما كان من أول جنود الكفاح، في ميدان الأدب والثقافة والفكر. وكأنه أراد أن يشعرنا – رغم خدماته المعنوية والروحية لوطنه – إنه مع الشاعر أبي تمام على خط مستقيم، عندما قال:
«السيف أصدق أنباء من الكتب
                        في حده الحد بين الجد واللعب»
وهكذا بادر إلى الانضواء تحت لواء جيش التحرير معتصما بجبال – أوراس – الشامخة، دون أن يثنيه تقدم السن به، اذ كان يدق باب الدخول في العقد السادس من عمره. ولكنه كان يحتفظ بإرادة قوية، وعزم ثابت، ويتوفر على رصيد في الإيمان، لا يقل رسوخا في أعماقه عن رسوخ الجبال التي آوى إلى معاقلها. فما كاد يرى مواكب الجهاد المقدس تزحف نحو ميادين القتال، حتى اندفع لأخذ مكانه من بين الصفوف، وحقق بذلك أمنية عزيزة على نفسه، ظل يترقبها بشوق وحنين، منذ عديد من السنين.
 لقد التحق من اليوم الأول بطلائع المجاهدين، فكان من السابقين الأولين، حين كان الناس بين مصدق ومكذب...
وما لبث غير قليل، حتى آلت به الأقدار إلى السجن، ذلك المآل الذي آل إليه أمر عديد غير قليل من المفكرين والأدباء وعشاق الحرية. واستسلم لهذه الأقدار، ولسان حاله ينشد قول الشاعر العربي الأبي:
« عش عزيزا أو مت وأنت كريم
                         بين طعن القنا وخفق البنود»
حفظ الله أخانا الأديب وإخوانه الذين يقاسمونه بأساء الأسر، وعناء السجن، حتى يروا أمتهم ترفل في حلل السؤدد والعز، وتنعم بالحرية التي جادت في سبيلها بالأرواح الغالية والدماء الزكية.

 

 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here