islamaumaroc

دواء الشاكين وقامع المشككين -14-

  دعوة الحق

40 العدد

« الفصل العاشر في وحدات الوراثة»
قال المصنف..في كل خلية، ذكرا كانت أو أنثى توجد كرزوموزونات وجنات. فالكروموزونات تشكل النويات القاتمة اللون التي تحتوي على الجنات. والجنات هي العامل الرئيسي الحاسم فيما يكون عليه كل كائن حي أو إنسان. والسيتوبلازم هي المركبات الكيماوية العجيبة التي تحيط بهما معا. وهذه الجنات(وحدات الوراثة) هي المسؤولة عن جميع المخلوقات البشرية على وجه الأرض اليوم، من حيث خصائصها الفردية والنفسية وألوانها وأجناسها. وقد بلغت هذه الجنات في الدقة بحيث لو جمعت ووضعت في مكان واحد لكانت أقل حجما من الكستبان. وهو ما يضعه الخياط في أصبعه الوسطى ليدفع به الإبرة حتى لا تخرق أصبعه. وهذه الجنات المكرسكوبية البالغة الغاية في الدقة هي المفاتيح المطلقة لخصائص جميع البشر والحيوان والنبات. والكستبان الذي يسع الخصائص الفردية لبليونين من المخلوقات البشرية، هو دون ريب موضع صغير جدا كما لا يخفى، ومع ذلك فهذه الجنات والستوبلازمات، تحبس كل الخصائص العادية الموروثة لهذا الجمع الكبير من الأسلاف، وتحفظ الخصائص النفسية لكل فرد منهم في مثل هذه المساحة الصغيرة ؟ فما هو المحبوس هناك يا ترى ؟ هو كتاب تعليمات ؟ أم مجموعة من الذرات ؟ أم كل شيء ترك للحظ والمصادفة ؟ إن الجنين وهو يخلص في تطوره التدريجي من المنطقة (البروتوبلازم) إلى الشبه الجنسي، إنما يقص تاريخا مسجلا، قد حفظ وعبر عنه بالتنظيم الذري في الجنات والسيتوبلازم. حتى الأم التي غدت الجنين منذ أن حملت به ليس لها إلا تأثير قليل، لأن الجنات هي التي تقرر مشابهة الطفل لأمه ولأبيه. وليس هناك دليل على أن الشبه تقرره البيئة السابقة للولادة. والتطور يتطلب مددا طويلة من الزمان لأجل أن يستقر أي تغيير يحدث. إنه عمل يقصد به بقاء الجنس وتشابهه. ولا يصل إلى درجة الكمال إلا بحلول الروح. وقد قدر ذلك ونظمه الخالق الأعلى وهو لا يغير سنته الكونية في هذا العمل ولا يتعجل فيه من أجل أن الإنسان لا يفهمه أو من أجل أن الإنسان حلق عجولا. والتطورات الجديدة تتوقف على الخصائص الموجودة والبيئة المناسبة. فالمصادفة ليس لها نصيب في التطور إلا من حيث الاختلافات التي بين الوالدين المحدودة بالفوارق التي تورث في تلك الحال. وأنت إذا بدأت بفراشة، تحصل على يسروع، واليسروع يأكل بنهمة، وينمو إلى أن يتكامل نموه. ثم يلف نفسه براحة في رداء بعضه من الحرير، ثم يصير شرنقة، ومعظم أنسجة الجسم تنحل إلى خلايا وتصير مزيجا. ولم يكتشف أي باحث محلل أن جزءا منها يختلف عن الآخر، ولا قدر أحد أن يفرق بين هذا المزيج. وفي الوقت المناسب تبحث كل خلية عن الجزء المناسب في الشرنقة لتتصل به، ثم تتحول الشرنقة إلى مخلوق جديد متصف بالحياة، له كل الأعضاء الطبيعية اللازمة للوجود، وله القدرة على أن ينتج من جديد نصف الطبيعة المعقدة ليعسوب جديد. وإذا حان الوقت تنتفخ الشرنقة ويخرج إلى الدنيا مخلوق بديع يسمى (الفراشة) وأجنحتها اللطيفة مصنوعة من أنابين تصب فيها دمها. وينتفخ الجناح ويصير أداة للطيران، وإذا طارت الفراشة في الهواء بألوانها اللامعة الجملية. ترى تحت المكرسكوب أن أجنحتها مغطاة بمادة تشبه الريش، وأن كل بقعة حمراء أو سمراء أو خضراء أو صفراء هي في المكان نفسه الذي كانت فيه الفراشة الأصلية. وأشكالها وعلاماتها مشابهة تمام المشابهة لأبويها من جميع الوجوه، تقريبا إلى حد مكرسكوبي. فما هي قوة التوجيه هذه التي في الجنات، انها تضبط الخلايا، والخلايا تطيعها مثل طاعة الجنود لرؤسائهم. والنتيجة تجئ صحيحة من حيث التفصيل العام كحل مشكلة حسابية. واللون يقال إنه ناشئ عن حقيقة، هي أن مواد معينة تتشرب جميع الأشعة من أطوال موجة معينة، تاركة الباقي لينعكس، وأن هذه الأشعة تنعكس بلون أحمر وازرق واصفر، أو بمزيج من هذه الألوان الرئيسية. فالكأس الحمراء لا تترك لونا ينفذ فيها إلا الأحمر وهكذا الألوان الأخرى. والموجات الحمراء يمكن أن تجلب التغييرات الكيماوية العادية إلى الأفلام الفوتوغرافية، ومن ثم يجيء الضوء الياقوتي للكامرة المظلمة. وموجات الضوء نسبيا كبيرة جدا، فإنهما تجري من ثلاثة وثلاثين ألفا إلى ستة وستين ألفا عن البوصة الواحدة، على حين تجري الموجات الأخرى أو الأشعة من أميال للراديو إلى عشرة ملايين في البوصة الواحدة أو أكثر للأشعة فوق البنفسجية. ونحن لا نعلم ما سنكتشفه بعد. وماذا يصنع كل هذا مع الفراش والجنات ؟ سننظر. هناك نوع من الفراش في البلدان الحارة له أجنحة مغطاة بقشرة مصنوع بعضها من غشاء شفاف في غاية الرقة. في طبقات في منتهى الدقة. وينفذ الضوء وينعكس بلون جميل أزرق كما تراه أحيانا بين ألوان عين الهرة. ولو حدث تغير بمقدار جزء من عشرة آلاف جزء من البوصة، في غلظ غشاء الفراشة، لتغير ذلك اللون أو تلاشى تماما. إن الجنات تنظم الأمور إلى حد أنه لا يحدث أي تغير لمدة عشرة آلاف جيل. وإذا نظرت إلى الزيت على الماء ترى أيضا ألوانا كثيرة مختلفة في الغلظ المكروسكوبي. تلك هي العلامات والبقع التي نتجت في الفراشة. والآن حاول أن تضع شيئا من الزيت على الماء وراقبه ترى ذلك بعينك. ويمكن أن يغير الإنسان(الجنات) باستعمال الراديو والأشعة الأخرى، فيأتي ذلك بذباب ليست له أجنحة ونبات مشوه، وشواذ مدهشة عديدة، ويكمن أن يأتي يوم يستطيع العلماء فيه أن يعملوا على تحسين الطبيعة. وإلى أن يأتي ذلك اليوم يكتسب العلماء معرفة قيمة، تؤدي إلى تقدم علم الأحياء والطب والطبيعيات. وقد علم الآن أن الحياة كلها تأتي من خلية واحدة، وأنه لا يوجد دليل يثبت أي نتيجة أخرى وقد لوحظ أن جميع أصناف الكائنات الحية منفصل بعضها عن بعض بهوات بعيدة الغور لا يمكن اجتيازها. وكثير من الأجناس بعد انفصالها تفقد القدرة بسرعة على الاختلاط بالجنس الذي انفصلت منه. خذ مثلا ما تناسل من بين الحمار والحجر وهي الفرس الأنثى، يكون بغلا، ولا يمكن أن يكون للبغال جنس مستقل.
ثم أطال المؤلف الكلام في هذا المعنى، وحاصله أن الحياة في بدايتها كانت نقطة صغيرة ثم أخذت تتسع وتنفصل إلى أجناس وألوان يختلف بعضها عن بعض اختلافا بينا، ولا يمكن لأحد من تلك الأجناس أن يرجع مرة أخرى إلى الوراء ليتصل من حيث انفصل.
ثم قال:
والإنسان حيوان في الطليعة، وهو في تكوينه الجسمي يشبه القردة. وليست مشابهته للقردة في الجسم بدليل على أن الإنسان متطور عن القرد، لا ولا أن تلك القردة ذرية منحطة من نسل الإنسان. ولا يستطيع أحد أن يدعي أن نوع السمك المعروف بالكد قد تطور من نوع السمك المعروف بالهدك. وإن كان كلا النوعين في ماء واحد، ويتغذيان بغذاء واحد، وعظامهما تقريبا مماثلة. وإنما يدل ذلك على أنهما في بداية الخلق والتكييف كانت هناك ضرورة متوازية لتكييف كل منهما. إن العلم يشير إلى أن إبهام الإنسان وقدرته على قبض الآلات والأسلحة وإمساكها بيده، وهو مصدر تقدمه، ولكن إبهام القرد العاطلة التي لا نفع لها دليل قاطع، على أن إبهام الإنسان لا يمكن أن تكون قد جاءت من إبهام القرد الذي يعيش متسلقا للأشجار، لأن الطبيعة لا تعيد أبدا تسييرا قد فقد. والفرس التي تجري الآن على حافر قد خصص غاية التخصيص للركض( وإن كان فيما مضى أصابع) لا يستطيع أبدا أن تستعيد تلك الأصابع المفقودة. على أنه لا حاجة بنا إلى أن نشغل أنفسنا أكثر مما ينبغي، بما وقع لأسلافنا منذ مليونين من الأجيال السالفة على الأقل. ومع ذلك يبدو لنا أن البحث عن الحلقة المفقودة سوف يتضح أنه من العبث.

تعليقات:
1) إن كلام المؤلف في الجنات وما إليها وبسطه الكلام في تكوين الفراشة وما يشمل عليه من أسرار ونظام دقيق عجيب، يضطر كل عاقل يدين بالإنصاف ويدع اللجاج جانبا أن يؤمن بالخالق العلي القدير، ويتحير لبه في عظمته وإتقان خلقه وأحكام صنعه فينطلق لسانه بتسبيحه وتمجيده، ويخشع قبله ويلين جلده ويطمئن بذكر الله، ألا بذكر  الله تطمئن القلوب. ولا يخلو كلام المصنف من تعقيد يجعل إدراك معناه عسيرا. ولذلك سببان أحدهما أنه يخوض في علوم وبحوث دقيقة تحتاج إلى دراسة واختصاص ولا يبلغ مداها ويعرف كنهها بالمطالعة وحدها(والثاني) وحقه أن يكون الأول ضيق اللغة العربية في هذا الزمان بسبب عجز أهلها وتقاعسهم عن النهوض بها إلى أن تبلغ مستوى اللغات المتقدمة في العصر الحاضر، فقد توقف نموها بتوقف تقدم أهلها منذ ست مائة عام. وأنت إذا قرأت مثل هذه المباحث بلغة اوربية يسهل عليك فهمها إلى حد بعيد وإن لم تكن من أهل الاختصاص، بخلاف ما إذا قرأتها بالعربية العصرية. فإذا انضم إلى ذلك قصور المترجم في إحدى اللغتين أو كلتيهما فهنالك الطامة الكبرى. ومع ذلك فما لا يدرك كله لا يترك كله( فإن لم يصبها وابل فطل).
إذا ما لم تكن إبل فمعزي
                     كأن قرون جلتها العصي
فتملأ بيتنا أقطا وسمنا
                     وحسبك من غنى شبع وري
2)قوله: والإنسان في تكوينه الجسمي جاء في الطليعة الح.. يقضي على ما بناه فراريج الأوربيين أعني مقلديهم من الأسيويين والإفريقيين الذين يتلقفون كل رأي يظهر من آرائهم بالتقديس والإجلال، ويسمونه علما وإن كان من النظريات التي لا يقصد بها قائلوها إلا التمهيد لحل المشكلات واستخراج المجهولات ولا يجزمون بها، فيأتى مقلدوهم على العمياء ويتخذونها قضايا مسلمة ويقولون في تبجح وتعاظم أو (عظموت) كما يسمي ذلك الأمير شكيب ارسلان رحمه الله. اثبت العلم كذا وكذا واكتشف العلماء كذا وكذا. فقد طالما تغنوا بأن الإنسان متطور عن القرد بلا شك ولا ريب، وأن العلماء في أمريكا وجدوا الحلقة المفقودة.. وهذا رئيس المجمع العلمي الأمريكي يصرح في ثقة واطمئنان، عن البحث عن الحلقة المفقودة أصبح من العبث، وان مشابهة القرد للإنسان في تكوينه الجسمي لا تقتضي أبدا أن الإنسان متطور عن القرد أو بالعكس. ولو كانوا يعقلون لعلموا أن امتياز الإنسان وفضله وشرفه على القردة وسائر الحيوان لم يجيء من تشابه الأجسام أو تباينها. وإنما جاء من العقل الذي خص الله به البشر والنطق الذي ميزهم به. وقد شاهدت أنواع القردة في الهند، فمنها ما يزيد جسمه على جسم كثير من الرجال في الضخامة والقوة، ومنها صغار الأجسام، ومنها سود الوجوه كأنها الغربان، وكلها تخاف من الكلاب. وفي مدينة لكناو جسر عنده صنم تجتمع عنده القردة ليلا ونهارا لتنال من الصدقات والنذور التي تقدم لذلك الصنم، فإذا رأت خادما يحمل إناء مما يسمى« بالمطبقيات» وبالفارسية(سفرطاس) (أي طاسة السفر) وهي أوان متصل بعضها ببعض لها علاقة يحمل فيها الطعام، تهجم القردة على ذلك الخادم وتنتزع منه ما في يده، فإذا كان متسلحا بعصا لا تتجرأ عليه وإن كانت تعد بالعشرات، مع أن واحدا منها أقوى جسما من ذلك الخادم لو كان عنده عقل يعرف به كيف يستغل قوته. ولقد صدق الله العظيم في قوله «ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا».
 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here