islamaumaroc

النظام الجديد للتعليم والتربية -3-

  دعوة الحق

40 العدد

ولنأخذ بالبحث الآن منهاج التعليم في المدارس الثانوية. فاول ما اراه مهما في هذه المرحلة للتعليم هو أن يجعل اللغة العربية في هذه المدارس إلزاميا، لأن المصادر الأولى للشريعة الإسلامية كلها باللغة العربية، فالقرآن باللغة العربية والحديث باللغة العربية وكل ما قام الفقهاء والعلماء في القرون الأولى باستنباطه وجمعه وترتيبه من مسائل الشريعة هو باللغة العربية، كما أن المعىصادر الأولى للسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي هي أيضا باللغة العربية. ولهذا فإن من المحال قطعا أن يكون المرء على إلمام بروح الإسلام أو يكون الإسلام لحمة فكرة وسداه ما دام هو لا يقرأ القرآن والحديث والفقه والسيرة والتاريخ بلغتها مباشرة. إن التراجم وحدها لا تسمن ولا تغني من جوع في هذا الشأن. ونحن وإن كنا نريد أن تنتشر التراجم أيضا حتىيتمكن العامة عن طريقها من معرفة أحكام الشريعة، ولكن من الواجب بالنسبة لكل من يعد مثقفا عندنا أن يكون يعرف اللغة العربية، ولهذا فإننا نحب أن لا يتخرج أي طالب في مدارسنا الثانوية إلا ويكون له من الإلمام باللغة العربية ما يؤهله لقراءة وفهم العبارات العربية البسيطة على الأقل.
والمادة الثانية التي لابد من دراستها في مدارسنا الثانوية هي القرآن. إن اقل ما يجب بالنسبة لكل طالب متخرج في هذه المدارس أن يكون قد قرأ جزئين من القرآن الكريم مع فهمها فهما صحيحا. ومن الممكن ضنا بالوقت أن يكون تدريس اللغة العربية في الصفوف الأخيرة لهذه المدارس عن طريق تعليم القرآن الكريم.
والمادة الثالثة اللازمة التي يجب أن لا يخلو من دراستها التعليم في مدارسنا الثانوي هي العقائد الإسلامية، ففي هذه المادة لا يعرف الطالب بتفصيل الإيمان فحسبن بل يجب أن يعرف كذلك بما عندنا من البراهين على صحة هذه العقائد ولماذا يحتاج إليها الإنسان ومالها من العلاقة بحياته العلمية وماذا يترتب على الحياة الإنسانية العامة من الآثار للاعتراف أو عدم لاعتراف بها، وما هي مقتضيات الإيمان بها في الأخلاق والأعمال فكل هذه أمور يجب إرساخها في ذهن الطالب بصدد تدريسه هذه المادة، حتى لا يتقبل العقائد الإسلامية على اعتبار أنها عقائد قد ورثها عن آبائه بل على اعتبار أنها الحق وأنها من رأيه هو نفسه. وجنبا إلى جنب تعليم العقائد الإسلامية يجب أن يكون تعليم الأخلاق الإسلامية في مدارسنا الثانوية بشرح وتفصيل أكثر منه في المدارس الابتدائية حتى يتعرف الطالب في هذه المرحلة من تعليمه بكل ما يتعلق بحياته الشخصية أو العائلية أو الاجتماعية أو معاملاته المالية من أحكام الإسلام، على أن ليس من اللازم أن يكون يعرف هذه المسائل بجملة تفاصيلها وأدلتها كما يعرفها المفتي والعالم ولكن من اللازم أن تكون معلوماته عنها كافية حيث يستطيع أن يقضي بها حياته كما يأمر به الإسلام لا كما يقضيها أكثر شبابنا اليوم جاهلين كل الجهل بأحكام الإسلام في النكاح والطلاق والرضاعة والوراثة و...فيقعون لجهلهم هذا في أخطاء فاحشة كثيرة تسبب لهم أعصب ما يكون من المشكلات القانونية.
أما بالنسبة لمادة التاريخ، فإننا نرى من اللازم أن يدرس الطلاب في مدارسنا الثانوية تاريخ الإسلام مع تاريخ وطنهم، بدلا من تاريخ بلاد الانكليز، الذي لا يزال المساكين يدرسونه حتى اليوم. يجب أن يكونوا على معرفة بتاريخ الأنبياء حتى يعرفوا أن الإسلام حركة قائمة في الدنيا منذ خلق فيها الإنسان وما  هو بحركة إنما قامت في القرن السابع للميلاد، كما أنه من الضروري أن يكونوا على معرفة بسيرة الرسول صلوات الله عليه وسلامه وسيرة الخلفاء الراشدين حتى يتعرفوا بهذه الشخصيات المثالية التي هي بالنسبة للمسلمين على أعلى درجة من الإنسانية، كما يجب – مع هذا – أن يقفوا على صورة مجملة لتاريخ الإسلام والمسلمين منذ عهد الخلافة الراشدة إلى هذا اليوم حتى يعرفوا المراحل التي اجتازتها الأمة الإسلامية قبل أن تدخل في الدور الحاضر. إن هذه المعلومات عن تاريخ الإسلام والمسلمين في غاية من اللزوم بالنسبة للطلاب في مدارسنا لثانوية لأن أي أمة إذا كان شبانها لا يعرفون ماضيهم، فمن المحال أن يوجد فيهم نوع من الاحترام لحضارتهم الاجتماعية.
ومع هذا التعليم، فإننا نريد أن يعطي الاهتمام في مدارسنا الثانوية لتربية الطلاب تربية عملية، فلا يكون في مدارسنا – مثلا – طالب غير محافظ على الصلاة. ومن الواجب أن نكون يبن الطلاب في مدارسنا رأيا عاما يجعلهم لا يحتملون فيهم طالبا غير محافظ على الصلاة، كما أن علينا أن لا نحتمل وجوده في المدرسة بموجب الضابطة والقانون أيضا. وذلك أن الصلاة هي الأساس الذي تقوم عليه الحياة الإسلامية، فإذا أنهار هذا الأساس، لا تقوم للحياة الإسلامية قائمة أبدا. وأن لكم أن تفكروا في هذه القضية من ناحية أخرى هي أنكم تبينون للطالب في جانب أن الصلاة فريضة من الله تعالى على عباده ولكنكم من ناحية أخرى تلقون في روعه بسلوككم العملي أن لا بأس إذا لم يؤديها على رغم علمه وإيمانه بكونها فريضة من الله على عباده. فمعنى هذا – بكلمات أخرى- إنكم تدربونه كل يوم على النفاق الفرار من القيام بالواجب. فهل ترجون منه بعد ما يتخرج من المدرسة: وقد تلقى منكم هذه التربية، أن يكون عاملا نافعا للمجتمع ومواطنا صالحا للدولة ؟ إنه ما دام قد تمرن على السرقة من أكبر واجباته وافرض فرائضه – الصلاة – لا يصعب عليه أبدا أن يسرق من كل واجب آخر سواء أكان يتعلق بالمجتمع أو الدولة أو الإنسانية، وما لكم – عندئذ – أن تلوموه بل عليكم أن تلوموا ذلك النظام للتعليم والتربية الذي احتضنه منذ أول يومه وعلمه أن الواجب، مهما كان جسيما، يمكن تركه والفرار عنه رغم علم الإنسان بكونه واجبا. إنه ليس لكم بعد أن قد ربيتموه على المكيدة والغش والغدر والتزوير، أن ترجوا منه الوفاء والإخلاص والنصح لأمته أو دولته وغيرها. وأي فائدة من إبداء القول وإعادته في بيان الأفكار العالية والأوصاف المثالية أثناء منهاج الدراسة إذا لم تحاولوا فعلا أن تقيموا سيرة الطلاب وتهذبوا أخلاقهم وتشذبوا عاداتهم حسب هذه الأفكار والأوصاف المثالية ؟ إنه مما لا  مجال فيه للريب أن المرء إذا كان يضمر في نفسه آراء عالية ولكنه يعمل بخلافها في حياته العملية، فلابد أن يزحزح ذلك أصول سيرته من قبله، ومن الظاهر- كذلك – أن من كان ضعيفا في سيرته نخرا في أخلاقه، فإنه لا يقدر أبدا من يقوم بخدمة للإنسانية أو الدولة تذكر بمجرد الاعتماد على كفاءته العلمية والفكرية. فالواجب أن نعمل في المرحلة الثانوية للتعليم – في تلك المرحلة من الحياة، التي يدخل فيها الإنسان من الطفولة إلى حدود الشباب- جاهدين على تنشئة كل طالب على الأخلاق الإسلامية القوية وتعلميه أن يجعل عمله موافقا لعلمه ويتبع كل ما يراه حقا ويؤدي كل ما يراه واجبا ويميل إلى كل ما يراه خيرا ويجتنب كل ما يراه شرا.
أما عامة مواد الدراسة في المدارس الثانوية، فلا بأس أن تبقى جارية في مجراها المألوف، ولكن لابد أن تؤلف لها الكتب من جديد على ضوء الفكرة الإسلامية مع إيضاح ما وراء كل مادة منها من السياق التاريخي.

التعليم العالي :
ولنأخذ بالبحث الآن التعليم العالي. وعندي أن هذه المرحلة يجب أن يكون فيها للتعليم الإسلامي منهاجان: منهاج عام يدرسه كل طالب أو طالبة في أي شعبة من شعب العلم كان، ومنهاج خاص يدرسه كل طالب أو طالبة على حسب ما يتفق مع شعبته الخاصة.
أما المنهاج العام، فيكون شاملا للمواد الثلاث الآتية:
1-القرآن: يدرسه كل طالب أو طالبة بطريق يعرفه من جانب بتعاليم القرآن ويرقى فيه من جانب آخر معرفته باللغة العربية حتى يتمكن بذلك من قراءة القرآن الحكيم بدون الترجمة.
2-مجموعة مختصرة للحديث: يجمع فيها من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ما يوضح مبادئ الإسلام الأساسية وتعاليمه الخلقية والنواحي المهمة من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم. وينبغي أن تدرس هذه المجموعة أيضا بدون الترجمة حتى تترقى بها معرفة الطالب باللغة العربية مع دراسته لأحكام الدين.
3-صورة إجمالية لنظام الحياة في الإسلام: يكون فيها بيان واضح لما في الإسلام من الأسس للعقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات المالية والاجتماعية والسياسية والصلح والسلم والحرب وما إليها، حتى يكون شباننا المثقفون يعرفون دينهم معرفة جيدة ولا يعملوا في شعبة من شعب  الحياة ينخرطون بها بعد فراغهم من التعليم إلا محافظين على روح الإسلام ومبادئه وأحكامه.
أما المنهاج الخاص الذي يدرسه طلبة كل مادة من المواد الدراسة على ضوء التصورات الإسلامية مع مالها من ورائها من السياق التاريخي، فيكون خاصا بطلبة تلك المادة، فالطلبة الذين يدرسون الفلسفة مثلا، فإنهم يدرسون الفلسفة الإسلامية مع النظم الفلسفية الأخرى، ولكن مما يجب ملاحظته بصفة خاصة في هذا الصدد، أن ليس المراد بالفلسفة الإسلامية تلك الفلسفة التي أخذها الفلاسفة المسلمون من أرسطو وأفلاطون وفلاطينوس ومن لف لفهم من الفلاسفة اليونان ثم على ترقيتهم على نفس ما كان لها من الخطوط، كما أن ليس المراد بها علم الكلام الذي رتبها المتكلمون المسلمون على تأثر منهم بمنطق اليونان وفلسفتهم لغرض أن يبنوا الحقائق الإسلامية بلغة المنطق على ضوء الأفكار والنظريات الفلسفية السائدة في زمانهم. لاشك أن كل من هاتين المادتين – الفلسفة وعلم الكلام اللتين عنى بهما الفلاسفة والمتكلمون المسلمون في الماضي – قيمتها وقدرها من الناحية التاريخية، ولا باس بتدريسها اليوم، ولكن على اعتبار أنها باب من أهم أبواب الفلسفة ما زال الكتاب في الغرب يقطعون عنها النظر عامة ليوهموا الطلاب أن كل ما تم من العمل في حقل العلوم العقلية منذ الفلاسفة اليونان القدماء إلى يومنا هذا، إنما تم على أيدي أهل أوربا، ولكن ما كان عمل الفلاسفة والمتكلمين المسلمين هذا « بفلسفة إسلامية» ولا ينبغي أن ندرسها لطلبة اليوم في كلياتنا بهذا الاسم، وإلا فإن ذلك سيسبب أغلوطة فاحشة بل ضلالة مبينة في أذهان الطلبة.
أما الفلسفة الإسلامية، فهي في حقيقة الأمر غير موجودة اليوم على صورة مرتبة، والحاجة ماسة إلى أن نعني بترتيبها من جديد باقتباس أسسها من القرآن الكريم. فالقرآن يبين لنا في جانب ما للعمل والعقل الإنساني من حدود، وفي الجانب الآخر يرشدنا إلى الطريق الصحيح للبحث عن الحقيقة المستترة وراء المحسوسات، وفي الجانب الثالث يوضح لنا طريقا  للاستدلال غير معقد موافقا للعقل الإنساني العام تاركا طريق المنطق الناقص للاستدلال، ومع كل هذا فإنه يقدم لنا نظرية متكاملة للكون والإنسان فيها جواب عن كل ما يتولد في الذهن الإنساني من الأسئلة حول الكون ومنزلة الإنسان فيه. من الممكن أن أرتب على هذه الأسس الموجودة في القرآن فنا جديدا للاستدلال وطريقا جديدا للتفلسف وفلسفة جديدة لما بعد الطبيعة، وفلسفة جديدة للأخلاق وطريقا جديا لعلم النفس. فالحاجة شديدة إلى أن ترتب الفلسفة الإسلامية الخالصة على هذه الأسس حتى لا يبقى طلبة الفلسفة عندنا تائهين في معامي الفلسفة القديمة والجديدة، بل يجدوا سبيلا إلى الخروج منها ويتأهلوا لان يقدموا للدنيا نورا جديدا يرشدهم إلى طريق الأمن والطمأنينة والنجاة والسلام.
وعلى غرار هذا فإن الطلبة الذين يدرسون التاريخ، سوف يدرسون تاريخ الإسلام مع دراستهم لتاريخ مختلف بلاد العالم، ويعرفون بما للإسلام من الفلسفة للتاريخ مع دراستهم للنظريات الأخرى لفلسفة التاريخ. وهاتان المادتان – التاريخ الإسلامي وفلسفة الإسلام للتاريخ -  أيضا تحتاجان إلى الشرح والبيان، وإلا فإني أخاف أن لا يتضح لكم ما أقصده بهما لما يوجد اليوم حولهما من الأغلوطات والمفاهيم الخاطئة. أما التاريخ الإسلامي، فيعبر به عامة من تاريخ ملوك المسلمين أو شعوبهم المختلفة أو عن تاريخ حضارتهم وعلومهم وآدابهم، كما أن الطالب لا يكاد يسمع بفلسفة الإسلام للتاريخ إلا ويلتفت بذهنه إلى فلسفة ابن خلدون للتاريخ. واني لا أنكر ما لهذا التاريخ وهذه الفلسفة للتاريخ من أهمية بالغة بوجهة نظر علم التاريخ ولا أدعو إلى إلغاء تدريسها، وإنما الذي أريد بيانه هنا أن ليس « تاريخ الإسلام» و« تاريخ المسلمين» بشيء واحد، وأنه لا علاقة لفلسفة ابن خلدون بفلسفة الإسلام للتاريخ. وفي الحقيقة أن « التاريخ الإسلامي» إنما هو عبارة عن أن يستعرض لأثرات الإسلام التي ترتبت خلال التاريخ على الأمم الداخلة في الإسلام وعلومها وآدابها وأخلاقها وحضارتها وسياستها وبالجملة على كل شأن من شؤون حياتها، وان ينظر – مع هذا – كيف ظلت تمتزج بهذه الأثرات الإسلامية الأثرات الأخرى غير الإسلامية وما ظهر فيها من النتائج بهذا الامتزاج. وكذلك إنما المراد بفلسفة الإسلام للتاريخ في حقيقة الأمر هو فلسفة القرآن للتاريخ، التي يزودنا القرآن فيها بوجهة خاصة للنظر في التاريخ الإنساني ويرشدنا فيها إلى أسلوب خاص لاستخراج النتائج من الوقائع التاريخية، ويفصل لنا فيها الأسباب لصلاح الامم وفسادها. ومن دواعي الأسف أنه كما لم يؤلف حتى اليوم كتاب في الفلسفة الإسلامية كذلك لم يؤلف حتى اليوم كتاب في التاريخ الإسلامي وفلسفة الإسلام للتاريخ يمكن أن يقرر للتدريس في الكليات فالحاجة شديدة إلى أن نسرع إلى تأليف الكتب في هذين الموضوعين حتى نسد بها ذلك الفراغ الذي يوجد اليوم في دراسة التاريخ بدونهما أما بشأن العلوم العمرانية، فإن للإسلام في كل واحد منها وجهة خاصة للنظر ومبادئ مستقلة، فمن الواجب أن يعرف الطلاب – مع دراستهم لهذه العلوم – بما للإسلام من التعاليم والتوجيهات في كل علم من هذه العلوم، كمبادئه في الاقتصاد مع دراستهم للاقتصاد ونظريته ونظامه للسياسة مع دراستهم للعلوم السياسية، وهكذا. وأما العلوم الفنية كالهندسة والطب والشعب المختلفة للعلوم التجريبية، فلا يتعرض لها الإسلام، فلا حاجة لنا فيها إلى هذا المنهاج الخاص، وإنما يكفي ذلك المنهاج العام أو التربية الخلقية العامة التي قد ذكرناها آنفا.

 

 


 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here