islamaumaroc

من وحي الهجرة

  دعوة الحق

40 العدد

في يوم من أيام صفر من العام الذي سمي بعد«عام الهجرة» بثت الدعوة في عظماء قريش أن يجتمعوا في دار الندوة لأمر خطير، نعم لقد اجتمعوا في دار الندوة التي كانت عند أشراف قريش بمثابة برلمان الأمة، كانوا يجتمعون فيها كلما حزب بهم أمر، أو جد لهم حادث خطير، وكان مكان البرلمان هذا دارا لقصي بن كلاب، وكانوا لا يقضون أمرا إلا فيها«بنصوص دستورهم العرفي المستنبط من الأوضاع والتقاليد، اجل ، لقد تم جمع الأعضاء في الوقت المحدد وتمثل في جمعهم قبائل قريش برجالاتها وعظمائها، فقد حضر نواب عن أمية، ونواب عن عبد شمس، ونواب عن عبد مناف، ونواب عبد الدار، ونواب عن بني أسد، ونواب عن بني مخزوم إلى غير ذلك... وعندما التقت الجموع – تحت قبة البرلمان – ساد السكون، وظهر على وجوههم الجد من الأمر الذي دعو إليه...لقد عرفوه مجملا ويرغبون جميعا أن يعرفوه مفصلا حتى يتيح لهم جميعا أن يقولوا فيه كلمتهم، فنستمع إذن في هذه الجلسة التاريخية إلى العضو المحترم أبي اليختري بن هشام وهو يقول: يا حضرات الأعضاء كلكم تعرفون جيدا محمدا وأصحابه وتعرفون ايضا كيف بدأت دعوته أول أمرها، فاستخففنا بها وبه، وقلتم وقلنا في صاحبنا  أنه:(مجنون) أو شاعر نتربص به ريب المنون، وظننتم وظننا بادئ ذي بدء أن دعوته ستذهب مع الريح، فليدع ما يدعو فليس له سميع، وقد بدأ دعوته في رفق ولطف ويقول: « اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق ، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم» فتركناه وشأنه، ولكنه خطأ بعد ذلك خطوة أجرأ وأفظع، فكان يدعو سرا فدعا جهرا، وسب الهتنا، وسفه أحلامنا وضلل آباءنا فطلبنا من قومه أن يكفوه عنا، أو يخلو بينه وبيننا، فلم يكن هذا ولا ذاك،فاتجهنا اتجاها آخر وهو أن نتركه ونعذب من اتبعه حتى يكون في تعذيبهم نكال لهم وعظة لغيرهم فما أغنى كل ذلك شيئا، ثم رجعنا إلى محمد نرغبه في العدول عن دعوته وقلنا له: إن كنت جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وان كنت إنما تطلب به الشرف فينا فنحن نسودك علينا، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا، وان كان هذا الذي يأتيك رئيا طلبنا الطب لك حتى نبرئك منه: فقال: ما بي ما تقولون، ولكن الله بعثني إليكم رسولا وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا وداعيا إليه بإذنه وسراجا منيرا...
ثم زاد العضو قائلا والنواب يستمعون إليه، إن التعذيب والتنكيل والنفي لهذا الرجل ليست هذه الأمور بحاجزة عن دعوته في قبائل العرب في الحبشة وفي يثرب وفي بطون الأوس والخزرج وغير ذلك، فعما قريب سيتآخى كل من سلم من هؤلاء وأولئك، وسيكونون قوة عظيمة تحاربنا وتجادلنا، وها هو محمد اليوم بين أظهرنا وغدا يكون قوة في يد أعدائنا، ثم زاد قائلا: رأيي الخاص يا سادة هو: « حبسه في الحديد وغلق الباب عليه فيصيبه ما أصاب أشباهه من الشعراء قبله كزهير والنابغة ومن مضى منهم من هذا الموت».
وقال قائل من النواب بعد ما سمع هذا التقرير قال: «لئن حبسناه ليخرجن أمره متن وراء الباب إلى أصحابه فلا وشكوا أن يثبوا عليكم فينزعوه من أيديكم، ما هذا برأي ؟ فوقف بعده النائب أبو الأسود ربيعة ابن عامر وقال: الرأي عندي نفيه من بلادنا، فإذ خرج عنا فو الله ما ندري أين ذهب ولا حيث وقع) فلم يقبل هذا الرأي أيضا، فقام عضو المجلس أبو الحكم بن هشام وقال: « أرى نأخذ من كل قبيلة فتى نسيبا ثم نعطي كل فتى منهم سيفا، ثم يعمدوا إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد فيقتلوه فنستريح  منه، فإنهم أن فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعا فلم يقدر بنو عبد مناف – رهط محمد- على قومهم جميعا، فرضوا منا بالعقل فعقلناه لهم) وإذا بالمجلس يتفق بالإجماع على هذا الرأي وتواصوا بعضهم بعضا بسريته حتى ينفذ، وبهذا الرأي ختمت الجلسة، وإذا بالوحي ينزل على محمد المصطفى من عالم الغيب وعالم ما في الصدور يخبر نبيه وصفيه بما يبيت له في الخفاء من مكر وسوء قائلا له وهو اصدق من قائل:(وإذ يمكر الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) وها هو الرسول الأعظم مع الصديق في جبل ثور على مسافة ساعة من مكة مختفيا في غار حراء بعد ما جهر بالدعوة ثلاث عشرة سنة داعيا ومبشرا ونذيرا، داعيا لله ومبشرا بدينه الحنيف، فما أشدها ساعة على الرسول وهو في الغار ثلاثة أيام ولا نصير له الا الله (ألا تنصروه فقد نصره الله).
وقاية الله أغنت عن مضاعفة
                    من الدروع وعن عال من الأطم
نعم فما أشدها من ساعة على الرسول: جوعا وعطشا ودما يتقطر من قدميه الشريفتين، وهو في الغار بعد ما فارق الأهل والقوم والوطن والكعبة، لقد خرج من ارض الوطن مكة المركمة أول ربيع الأول موافق(يونيه سنة 622م) حيث يشتد الحر وتتوهج الصحراء ولا ذنب له إلا أنه يقول ربي الله ويقول:(اللهم أغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) نعم، خرج عليه السلام من مكة مهاجرا وبخروجه منها انقطع ذكرها، وحل بالمدينة وبحلوله فيها ظهر شانها ورفع الله ذكرها، وأتم الله نوره فيها رغم كيد المشركين.
آخى يومئذ بين المهاجرين والأنصار، والأوس والخزرج، وطمأن يهود يثرب على حياتهم وأموالهم وأهليهم، وها هم أشرافها يتسابقون على نزوله عندهم...فهذا مسجده يقام، وها هو الأذان يشرع فيجلجل صوت بلال في المدينة (الله أكبر حي على الفلاح) وها هم أهل المدينة يدخلون في الإسلام أفواجا أفواجا، يحملون الهدى للأرواح الجائزة، والسلام للنفوس المحروبة، والألفة للقلوب المختلفة، فسارت الإنسانية في طريق الحياة على ضوئه تنعم بالإخاء في الدين، وتتمتع بالمساواة في الشريعة، فلا عصبية تزرع الأحقاد وتنشر الفرقة، ولا امتياز في الجنس أو في اللون أو في الثروة يوجب الاستعباد ويقتضي الظلم، وها هو الرسول الأعظم يتلوا قول الله الكريم:
(إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره انه كان توابا) وها هو يقف على باب الكعبة بالقرب من دار الندوة حيث تآمرت قريش على قتله منذ ثمان سنوات فيقول:( لا إلاه إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده يا أهل مكة ؟ ماذا ترون اني فاعل بكم ؟ قالوا " خيرا أخ كريم وابن أخ كريم، فيقول: اذهبوا فأنتم الطلقاء).
لا يحمل عليه السلام حقدا ولا ضغينة ولا يريد انتقاما، إنما يريد أن تكون كلمة الله هي العليا، وان تكون كلمة الذين كفروا هي السفلى، وقد كان كل ذلك، فلا غضب ولا انتقام، وتدوي جزيرة العرب كلها بلا اله إلا الله محمد رسول الله.
ثم ذهبت أيام وجاءت أيام، وتولى عمر بن الخطاب، ومضى على خلافته سنوات والعرب تؤرخ بالأحداث العظام، فيقولون: حدث ذلك عام الفيل، وولد فلان بعد عام الفجار بسنه فيجمع عمر بعض الصحابة يستشيرهم: أي الأحداث أولى أن يكون مبدأ التاريخ الإسلامي؟ أولادة النبي عليه السلام ؟ أم وفاته ؟ أم نزول الوحي عليه في غار حراء؟ ويقترح علي أن يكون الهجرة فهي مبدأ نجاح الدعوة، وانتشار الإسلام، ومحق الشرك، فكان كما قال، وكانت الهجرة في الربيع الأول، وكان هذا التشاور في السنة السابعة عشرة، فأضافوا الأشهر السابقة على ربيع حتى يبدأوا بما اعتادوا به بدء السنة وهو المحرم، وجرى الأمر على ذلك، ثم حمل خلفاء الرسول رضوان الله عليهم أجمعين منذ ذلك مصباح الهداية وزمام القيادة من بعده، ثم استاروا بسيرته، واستنوا بسنته فأورثهم الله تلك الأرض وملكهم قيادة العالم، فقادوه على بصيرة وساسوه على دراية، فكان كتاب الله هو الدستور، وحكمه هو القاضي، وسنة نبيه هي الخطة فلما ابتعد المسلمون عن مشرق النور واعرضوا عن الذكر، غشيتهم الغواشي، فضلوا وجهة أمرهم وجهلوا غاية قصدهم، وتفرقوا شيعا في الضلال، وأصبح كلام الله على ألسنتهم ألفاظا لا معنى لها ولا رجع منها، فافلت من أيديهم زمام الأمر، وسلب الله من أعدائهم الرعب منهم، فتقهقروا إلى مؤخرة الركب، ثم تتابعت السنون وتتابع هلال الحرم على المسلمين بالسعود مرة وبالنحس أخرى وبالنعيم أحيانا وبالبؤس أحيانا، ورآهم في عزهم ورآهم في ذلهم ورآهم سادة، ورآهم عبيدا، ورآهم يستيقظون وينامون ولكن لا يموتون وتتوالى عليهم الكوارث التي تبلي الحديد ولكن لا يبلون وتتعاقب عليهم سنو الضعف حتى يشفوا على الموت ثم لا يشفون وحتى يندمج فيهم من عاداهم، وينصرهم من ناوأهم ، ويدخل في دينهم من حاربهم لدينهم، وييأس من تنصيرهم من حاول تنصيرهم ومن تجريدهم من عزتهم من حاول أن يسلبهم عزتهم.
أما بعد: فان اية الهجرة التي ظهر بها الإسلام وعلا فيها الحق هي: الإخلاص للعقيدة والتضحية للمبدأ والمصابرة على الجهاد والمؤاخاة في الله.
فيا أيها الإخوان والأخوات الكرام إذا أردتم وإرادتكم من إرادة الله – أقول : إذا أردتم المحافظة على عظمة الإسلام فلابد من أن تستجيبوا  لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم، وأيضا لا تخونوا  الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون).
اسأل الله للمسلمين عامة وللمغرب خاصة هديا وسدادا وعونا وإسعادا وألفة واتحادا إنه واسع الفظل عظيم الطول، سميع الدعاء آمين.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here