islamaumaroc

قوة الدم –1- (تر.محمد أمين )

  دعوة الحق

40 العدد

ذات ليلة من ليالي الصيف الشديدة الحرارة، عاد من نزهة نهرية في طليطلة نبيل شيخ ومعه زوجته، وطفل صغير وابنة في السادسة عشرة من عمرها وخادمة، كانت الليلة مقمرة، والطريق خاليا، والساعة تشير إلى الحادية عشرة، وكانوا يسيرون على مهل فرارا مما يتطلبه المقام لدى النهر من نفقة وجهد يفرضها المستوى في طليطلة، ونظرا للأمن الذي تكفله العدالة الشاملة، وطيبة الناس في تلك المدينة، فقد رجع النبيل الطيب مع أسرته الشريفة أبعد ما يكونون عن التفكير في حادث ما يمكن أن يقع لهم، بيد أن الكثير من الحوادث التي تقع مما لا يجري به فكر، ولا سيما فكر ذلك النبيل، ومن ثم فقد أصيبوا بفاجعة بدلت سعادتهم شقاء، وتركتهم يبكون أعواما طوالا...
كان من بين وجهاء المدينة شاب في الثانية والعشرين من عمره تقريبا، من أولئك الذين توافر لديهم المال، والدم العريق، والانحراف المعوج، والحرية الزائدة عن الحد، والزملاء الأباحيون الذين يدفعونه إلى عمل أشياء، والاجتراء على أمور لا تلاءم نوعه، وقد أطلقوا عليه لقب« جريء» هذا الوجيه الذي نمسك عن ذكر اسمه الآن احتراما، ونطلق عليه اسم « رودولفو» كان هو وأربعة من أصدقائه – وكلهم شبان مستهترون يعوزهم الحياء – قد هبطوا من نفس المنحدر الذي صعده النبيل الشيخ، والتقى الفريقان، رب القطيع والذئاب، وفي غير شرف أو استحياء نظر«رودولفو» ورفقاؤه – وكانت وجوههم ملثمة – إلى الأم، وإلى الابنة، ثم إلى الخادمة. فصاح النبيل فيهم وزجرهم منكرا عليهم تطاولهم وجرأتهم...ولم تكن إجابتهم له إلا تغامزا وسخرية، ثم واصلوا سيرهم في غير اكتراث، بيد أن وجه الفتاة الساحر الذي رآه « رودولفو» والذي أطلق هو ورفقاؤه على صاحبته اسم « ليوكاديا »- وهي ابنة النبيل الشيخ – قد بدأ ينطبع في ذاكرته على نحو لم يستطع معه التحكم في إرادته، واستيقظت فيه رغبة الاستمتاع بها على الرغم مما عساه أن يصيبه في سبيل ذلك، وفي دقائق ابلغ زملاءه بما فكر فيه، وبعد قليل كان هؤلاء قد قرروا العودة لاختطافها إرضاء لرغبته..والأغنياء الذين يبذلون بسخاء يجدون دائما من يرضى عن شذوذهم ويصف عملهم السيئ بأنه حسن...وهكذا ولدت الفكرة الآثمة وابلاغها والموافقة عليها...وقرار اختطاف « ليوكاديا» ثم اختطافها فعلا.
وضع كل لثامه على وجهه، ورجعوا شاهرين خناجرهم، وعلى بعد خطوات قليلة أدركوا أولئك الذين لم يفرغوا بعد من شكر الله الذي خلعهم من أيدي أولئك الفاتكين، هاجم« رودولفو ليوكاديا» وحملها بين ذراعيه ثم ولى بها هاربا، ولم تكن لديها قوة كي تدافع عن نفسها، إذ أزال الخوف صوتها أن تستغيث، وأصيبت بالإغماء فلم تعد تحس، ولم تدر من حملها، ولا إلى أين تحمل.
صاح أبوها، واعولت أمها، وصرخ أخوها. وخمشت الخادمة وجهها، ولكن لم يسمع شيء من الصياح أو العويل، ولم ينفع من الحزن دمع، ولم يجد خمش الوجه جدوى، فقد اختنق كل ذلك في وحدة المكان، وهدوء الليل الصامت، ووحشية الأشقياء الجريئة، وفي النهاية اقلب هؤلاء مسرورين، وبقي أولئك محزونين.
بلغ « رودولفو» منزله دون أية صعوبة، بينما وصل والدا « ليوكاديا »إلى منزلهما فزعين، أعميين فقد فقدا « ليوكاديا » وقد كانت ضياء عيونهما، وحيدين وقد كانت بهجتهما ورفيقهما المؤنس، مضطربين لا يدريان إن كان من الملائم أن يخبرا العدالة بفجيعتهما، فزعين من أن يكونا هما الأداة الرئيسية لإعلان ما يمس شرفهما، إنهما كنبيلين بائسين وجدا أنفسهما في حاجة إلى مساعدة، فلم يدريا ممن يشكوان، اللهم إلا من مفاجأة قصيرة...
أما«رودولفو» فبكثير من خبثه ودهائه قد صارت«ليوكاديا» في جناحه الخاص من داره، ومع أنه كان قد أحس بالإغماء الذي أصابها عند ما حملها، إلا أنه غطى عينيها حتى لا ترى الطريق التي سلكها ولا المنزل الذي دخله، وبالرغم من أنه كان يعيش في دار والده، إلا أن أحدا لم يره، إذ كان له جناح خاص قائم بذاته، به كل ما يحتاجه، ولديه مفتاحه، وقبل أن تثوب « ليوكاديا»إلى رشدها كان «رودولفو» قد قضى منها وطره، وهكذا سلبت أعز ما تملك...في الظلام..وفي عمى البصيرة.
ولما كانت شهوات البدن الآثمة لها حدود تنتهي عندها، فقد ود «رودولفو»إذ ذاك أن يتخلص من«ليوكاديا» وفكر في أن يضعها في الطريق هكذا مغمى عليها كما كانت. ولكنه إذ هم بأن يضع فكرته موضع التنفيذ، أحس بأنه قد عاد إليها رشدها، وسمعها تقول وهي تحدث نفسها: أين أوجد أيتها التعسة ؟ أي ظلام هذا ؟ أي غموض يكتنفني،  هل أنا في منزل براءتي أم في جحيم خطاياي ؟ يا الاهي من يمسني ؟ أنا في فراش ؟ أنا معتدى علي ؟ أنصتي إلي يا أمي ؟ واستمع إلي يا أبي العزيز ؟...آه..إنه لتعاستي أن ألاحظ أن أبوي لا يستمعان إلي، وأن أعدائي قد فتكوا بي. كم أكون محظوظة لو أن الظلام كان أبديا، ولم تعد عيناي تريان ضوء العالم ثانية. وأن هذا المكان حيث أنا الآن – كائنا ما كان – يكون مقبرة لي، لأن التجرد من الشرف إذا كان مجهولا  أفضل من الشرف الذي يكون في متناول آراء الناس، إنني أتذكر – وسوف أتذكر ذلك أبدا – إنني منذ قليل كنت راجعة في مرافقة أبوي، وأتذكر أنني هوجمت..ما من شك في أنه ليس حسنا أن يراني الناسي هكذا.. أواه...يا أنت كائنا من تكون. إذا كانت نفسك تقبل نوعا ما من الرجاء، فإنني أرجوك وقد قضيت على شرفي أن تقضي كذلك على حياتي، انتزع مني هذه الحياة، فليس من المستحسن أن تكون لي حياة غير شريفة، وسوف تدرك أن ما استعملته معي من وحشية وتجرد من الشرف والآدمية عند الاعتداء علي سوف يتعادل مع الرحمة التي تستعملها إذا قتلتني، وهكذا يمكن أن تكون وحشيا ورحيما..
لقد تركت كلمات «ليوكاديا» رودولفو حاسرا لم يدر ما يقول أو يفعل، وهو شاب قليل التجربة، حتى لقد عجبت لصمته وحاولت بيديها أن تكشف الأمر وان تعرف الذي كان معها هل هو خيال أم ظل، ولكنها لمست جسما فذكرها بالعنف الذي اتخذ في اختطافها عندما كانت راجعة مع أبويها، فوقعت على حقيقة قصة فاجعتها، وإزاء هذا استأنفت قائلة: أيها المجتريء الشاب: إن عملك هذا لكفيل بأن تحاكم من أجله ولو كنت في سن طرية، اغتفر لك فعلتك إذا أكدت لي وأقسمت أنك كما أخفيت ذلك في الظلام، تخفيه بصمت ابدي فلا تنبس به إلى احد، يجب أن تعلم أنني لم أر أبدا وجهك، ولا أحب أن أراه، لأنني أتذكر الاعتداء علي، ولا أحب أن أتذكر المعتدي، ولا أن احتفظ في ذاكرتي بصورته، بيني وبين السماء ستصاعد شكاياتي، ولا أحب أن يستمع إليها العالم، لأن العالم لا يحكم على الأشياء بحسب الحوادث، ولكن طبقا له هو تجري التقديرات، انك قد اعتديت علي في حادثة من غير أن يكون هناك مجال للنطق، وسأعتبر كما لو كنت لم أولد في العالم، أو ولدت لأصير تعسة، ضعني بعد في الطريق، أو على الأقل إلى جوار الكنيسة الكبيرة، لأنني من هنالك سأعلم جيدا أن ارجع إلى منزلي، ولكن يجب أن تقسم لي أنك لن تتبعني لتعرف منزلي، ولن تسألني عن اسمي ولا عن أسماء أبوي ولا أقاربي الذين هم نبلاء وعلى جانب كبير من الثراء حتى لا يصيروا تعساء بي، وإذا كنت تخشى أن أتعرف عليك من كلامك.
فلتعلم أنني ما تحدثت في حياتي إلى رجل قط غير والدي، وغير قس الاعتراف، وقد تحدثت إلى القليلين مرات كثيرة على نحو يجعلني أميزهم من أصوات حديثهم، فلم يكن جواب « رودولفو» على تلك الحقائق الجلية التي ألقت بها « ليوكاديا» التعسة شيئا آخر غير أن احتضنها مبرهنا على أنه يريد العودة ليؤكد شغفه بها وبأنها غير شريفة، رأت "ليوكاديا" ذلك فدافعت عن نفسها بقوى أكثر مما تسمح بها سنها الفتية..برجليها وبيديها وبأسنانها ثم بلسانها قائلة: لتعلم أيها الخائن، أيها الرجل الفاقد الإحساس كائنا من كنت، أن ما سألتني إياه هو ما استطعت أن تناله من جذع أو من سارية لا تحس، والانتصار والفوز في مثل هذا يجب أن يكون في مقابل تجردك من شرفك وضعة قدرك، وكلن ما تحاوله الآن لن يكون إلا بموتى، لقد نلت مني وحطمتني اذ كنت مغمى علي، أما الآن فلدي قوة أكثر، تستطيع أن تقتلني قبل أن تنتصر علي، ولعل نزعتك الشريرة قد أقنعتك بأنك لن تلقى مني مقاومة وأنا مستيقظة، ولعله قد خيل إليك أن إغمائي كان مصطنعا عندما جرؤت على أن تفعل ما فعلت، وأخيرا قاومت «ليوكاديا» بشجاعة وعناد فانهارت قوى «رودولفو» ورغائبه وبقي جامدا منهك القوى، ومن غير أن ينبس ببنت شفة ترك "ليوكاديا" في فراشها وفي داره وأغلق عليها جناحه الخاص، وذهب ليبحث عن زملاءه للتشاور معهم فيما يجب علمه، وقد أحسست «ليوكاديا»بأنها وحدها حبيسة فنهضت من الفراش وجعلت تطوف المكان متحسسة الجدران بيديها لترى باب تذهب منه أو نافذة تلقى بنفسها منها،، فوجدت باب ولكنه كان محكم الإغلاق، وعثرت على نافذة استطاعت أن تفتحها حيث تسلل ضوء القمر ساطعا فاستطاعت أن تميز ألوان السجف التي تزين الجناح، ورأت أن الفراش مذهب معد بترف، وهو أشبه أن يكون فراش أمير من أن يكون فراشا لدى وجيه عادي، وأحصت المقاعد والمكاتب ولاحظت الجزء الذي يقع فيه الباب من الحجرة، ومع أنها رأت بعض اللوحات معلقة على الجدران إلا أنها لم تستطع أن تتبين ماعليها من رسم، كانت النافذة كبيرة مزينة ومحاطة من الخارج بسياج حديدي قوي، والنظرة منها تقع على حديقة محاطة بجدران عالية، فكان من الصعوبة بمكان التفكير في إلقاء نفسها من النافذة لتصل بعد ذلك الى الطريق، كل ما رأته ولاحظته في ذلك الجناح يدل على أن صاحبه شخص رئيسي بارز، ولقد رأت فوق مكتب كان بجوار النافذة تمثالا فضيا صغيرا للمسيح فأخذته وأخفته في كمها، ولم يكن ذلك بقصد السرقة، أو كان ذلك منها غيرة دينية، وإنما كانت مدفوعة بفكرة عاقلة فعلت ذلك ثم أغلقت النافذة كما كانت من قبل، ورجعت إلى الفراش تنتظر النهاية التي ستختم بها فاجعتها، ولم يكن قد مضى نصف ساعة في تقديرها عندما أحست بأن الجناح يفتح ويصل عندها شخص، ومن غير أن يفوه بكلمة غطى عينها بمنديل، وأخذها من يدها وقادها إلى خارج الدار، وقد أحسن بأنه رجع ليغلق الباب، كان ذلك الشخص هو«رودولفو» ومع أنه كان قد خرج للبحث عن زملائه، إلا أنه لم يرد أن يتحدث معهم، إذ بدا له أنه ليس من المستحسن أن يجعل منهم شهودا على ما وقع له مع الفتاة، بالرغم من أنه كان قرر سلفا أن ينبئهم بما ارتكب  بيد أن دموعها حركته فترك هذه الفكرة في منتصف الطريق، وإزاء هذا عاد مسرعا لكي يضع«ليوكاديا»إلى جانب الكنيسة الكبيرة كما طلبت هي إليه ذلك من قبل، وقبل أن يطلع النهار فيتعذر معه إخراجها، ويضطر إلى إبقائها في جناحه حتى الليلة المقبلة، وهو لا يريد أن يتيح الفرصة لكي يعرف، من أجل ذلك حملها إلى ذلك الميدان المعروف باسم«ميدان المجلس البلدي» وهنالك في صوت متغير، وفي لغة هي خليط من الاسبانية والبرتغالية قال لها: بالتأكيد تستطيعين أن تذهبي إلى دارك لأنه سوف لا يلاحقك أحد، وقبل أن تتمكن من إزالة المنديل المربوط على عينيها كان هو قد وصل على مكان حيث لا يمكن أن يرى، فبقيت « ليوكاديا» وحدها وأزالت رباط عينيها، وتعرفت على المكان الذي تركت فيه، ونظرت في كل اتجاه فلم تر أحدا، لكنها تصورت أنها ملاحقة من بعيد فسارت نحو منزلها الذي لم يكن بعيدا، وكانت تتوقف في سيرها، ولكي تضلل من عساه أن يكون قد تابعها، رأت دارا مفتوحة فدخلتها، وبعد قليل ذهبت إلى دارها.
لقيها أبواها ذاهلين لم يخلعا عنهما بعد ملابسهما، أو يفكر في أخذ قسط من الراحة، وعندما رأياها أسرعا نحوها بأذرع مفتوحة فاحتضناها ودموعها تجري، طلبت إليهما « ليوكاديا»في صوت أشبه بالتصايح، والخوف يملأها أن تخلو بهما ففعلا، وهنالك أفضت إليهما بحادثها المفجع وبكل ملابساته، وبأنها لا تعلم شيئا عن ذلك القاتل الذي سرق شرفها، قالت لهما ما شاهدته على خشبة المسرح حيث مثلت مأساتها...النافذة..والحديقة..والحديد القوي الذي يسد النافذة...والمكاتب..والفراش..والستائر الحريرية، وفي النهاية أرتهما تمثال المسيح الفضي الصغير الذي جاءت به معها، وأمام تصويرها هذا تجددت دموع أبويها، وطلبا الأخذ بالثار، ورغبا في أن يلحقا بالآثم عقابا لا مثيل له..قالت « ليوكاديا» لأبويها كذلك: بالرغم من أنها لم تود أن تتعرف على المعتدي عليها، إلا أنهما إذا كانا يريان من المستحسن معرفته، فبواسطة ذلك التمثال الفضي الصغير يستطيعان أن يتصلا بمساعدي الكهنة كي يعلن هؤلاء من منابر الكنائس في المدينة أن من ضاع له تمثال «كذا» فسيجده لدى رجل الدين " فلان" الذي يعينانه هما، وهكذا يعرف صاحب التمثال..ثم تعرف الدار..ثم الشخص المعتدي، فاعترض الأب عن هذا قائلا: إن ما قلته يا بنيتي حسن لو أن خبث البشر لا يتعارض معه، فمن الجلي أن فقد التمثال من الجناح الذي وصفت سيكون له اليوم أهمية صغيرة، وسيعرف صاحبه على وجه التحقيق أن من كانت معه هي التي أخذته، وعندما يعرف أنه لدى أحد رجال الدين، سيحاول أولا أن يعرف من الذي دفع به إليه من غير تصريح باسم صاحبه الذي فقده، وشيء آخر فربما يعطي صاحب التمثال صفات تمثاله لشخص آخر، ثم يتقدم ذلك الشخص إلى رجل الدين ليأخذ التمثال، وإزاء هذا فمن الأفضل أن نبقى قبل غامضين لا نعلن شيئا، ولو أنه يمكننا أن نستخدم نفس الحيلة التي نفترضها وهي أن ندفع بالتمثال إلى رجل الدين بواسطة شخص آخر كذلك...
ولكن الذي يجب أن تفعليه يا بنيتي هو أن تحفظي التمثال وأن تثقي فيه، فهو شهيد على مأساتك، وأن توقني بأن هناك قاضيا سينصفك، كما ينبغي أن تعلمي بأن زنة درهم من شرف مخدوش ينشر بين الناس لهو أثقل من زنة قنطار من شرف مخدوش لا يعرفه أحد، ومن ثم فأنت تستطيعين أن تحيى حياة شريفة فيما بينك وبين الله، ولا يحزنك انك غير شريفة بالنسبة لحكم المجتمع، التجرد الحقيقي من الشرف هو في الإثم رغبة أو قولا أو عملا، والشرف الحقيقي هو في الفضيلة نزوعا أو قولا أو عملا، وأنت لم تأثمي لا تفكيرا ولا قولا ولا عملا، فلتعلمي أنك شريفة، وأنني لن انظر إليك إلا كأب حقيقي لك يعرف ظاهر أمرك وباطنه.
بهذه العبارات المتعقلة واساها أبوها، واحتضنتها أمها مخففة عنها، فانخرطت هي في البكاء ثانية، ثم أخذت شيئا غطت به رأسها وبدأت تعيش منطوية على نفسها تحت رعاية أبويها مرتدية ملابس متواضعة كأنها فقيرة.
رجع «رودولفو»إلى منزله وقد لاحظ أن تمثال المسيح الفضي غير موجود في مكانه، ففكر فيمن قد استطاع أن يأخذه، ولكنه كغني لم يحفل به، ولم يعط كبير اهتمام، وبعد أيام ثلاثة سافر إلى ايطاليا إذ كان والده هناك وكان من قبل قد أقنعه بالسفر قائلا له: ليس الوجهاء وجهاء فقط في أوطانهم، بل يجب أن يكونوا في الخارج وجهاء كذلك، فبهذا المنطق وبغيره هيئت عزيمة «رودولفو» للسفر، فسافر ومعه اثنان من رفقائه، شغوفا بما كان قد سمعه من بعض الجنود من انتشار الفنادق في ايطاليا وفي فرنسا وعن الحرية التي يتمتع بها الاسبانيون في هذه الفنادق الشهيرة مثل " لي لووني لولا ستري" و« بيتيولي» و« بريسونتو» و« سالثيثي» وكثير غيرها من نفس النوع الذي يتذكره الجنود الاسبان عندما كانوا هناك، ذهب «رودولفو» إلى ايطاليا وذاكرته تحمل القليل مما وقع له مع «ليوكاديا» كما لو أن شيئا لم يحدث وكانت هي في ذلك الحين تعيش في منزل أبويها بكل ما يمكنها من انطواء على نفسها، دون أن تدع أحدا يراها، فزعة من أن تقرأ كارثتها على جبينها ولكن بعد بضعة أشهر لم يكن بد من أن تعرف كارهة على أية درجة بلغت بها تعاستها فبالغت في إخفاء نفسها عن أعين الناس، لأن حدثا أعاد على مآقيها الدمع الذي نسيته، وبدأت أحزانها من جديد تجرح مشاعرها، ولم يجد هذه المرة في مواساتها عطف أمها الطيبة وتعلقها معها.

 


 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here