islamaumaroc

مكانة اللغة العربية بين اللغات الأخرى

  عبد الوهاب عزام

8 العدد

في الرياض قابل السيد المكي بادو مدير هذه المجلة، الدكتور عبد الوهاب عزام مدير جامعة الملك سعود بالرياض، ودار الحديث حول مجلة"دعوة الحق"، فأبدى الدكتور عبد الوهاب عزام استعدادا طيبا للمساهمة في تحريرها بكتابة أبحاث ومقالات لها، وتفضل فسلم للسيد المكي بادو هذا المقال الممتع، ونحن إذ نشكر الدكتور باسم قراء هذه المجلة، نرجو من سيادته -باسمهم أيضا- أن يتحفنا في كل مرة بشيء نقدمه لهم من إنتاجه المفيد والممتع.

لا أذهب في هذه القول مذهب العصبية للغتي، ولا أنحو منحى الغلو في أمتي، ولكني أقصد إلى التعريف بحقائق، وأنبه دارسي اللغة العربية من العرب وغيرهم إلى مكانة هذه اللغة وأدبها في العصور الخالية وهذه العصور، وإلى الصلة بينها وبين لغات آخر لاسيما لغات الأمم الإسلامية.                                      

لغتنا فيما نعرف من تاريخها موغلة في القدم، وأدبنا الذي أدركته الرواية يمتد أكثر من خمسة عشر قرنا. لبثت لغتنا هذه العصور كما لم تتغير ألفاظها ولا مقاييسها  ولا نحوها وصرفها. لا تختلف لغتنا التي نكتب اليوم شعرا ونثرا، عن لغة امرئ القيس وعنترة وزهير وسائر شعراء الجاهلية الذين انتهت إلينا أشعارهم. ربما يختلف ما ننظم اليوم وما نظموا قبل خمسة عشر قرنا في الموضوع والعلم وطرائق التفكير، ولكن اللغة في جملتها ومفرداتها وقواعدها لم تغير. وربما يحفظ الطالب في مدارسنا شعرا لعنترة وشعرا للمتنبي وشعرا لشوقي ولا يجد فرقا في الألفاظ والأساليب إلا بمقدار ما تختلف طرائق المنشئين في اللغة الواحدة باختلاف الأزمنة والأمكنة، ورب خلاف بين شاعرين معاصرين في موطنين متباعدين كالخلاف بين شعراء عصرنا وشعراء الجاهلية.       وإذا نظرنا في اللغات المحيطة بنا، لغات الأمم ذات الآداب المزدهرة، نجدها تخالف ما كانت عليه قبل عشرة قرون بل خمسة، ونجد قواعدها قد تغيرت قليلا أو كثيرا بل إذا رجعنا إلى الآداب الأوروبية قيل ستة قرون، ألفينا في اللغة اللاتينية لا في هذه اللغات التي نعرف اليوم. وكذلك نقول في الفرق بين لغات الهند الأدبية كما تستعمل اليوم وكما كانت تستعمل في عصورها قبل ألف سنة، ومن لغاتها ما هو حديث النشأة كاللغة الأردية وهذه مسألة لا يسمع المقام لتفصيلها وبيان أسبابها.                                                             
                                                        
مواطن الأدب العربي:
ثم الأدب العربي الذي نشأته جزيرة العرب في عصورها التي نعرفها، قد انتشر في مواطن كثيرة ما بين حدود الصين شرقا إلى بحر الظلمات غربا، وما بين أروبا شمالا إلى خط الاستواء جنوبا، مضت القرون الأولى من تاريخ المسلمين وليس في تلك الأقطار الشاسعة لغة علم وأدب بجانب لغة القرآن .                        

كان العالم أو الأديب في بخاري، وسمر قند، ومرو، وبلخ، يكتب في العلوم والآداب كما يكتب إخوانه في بطليوس وشنتبر غربي الأندلس وشماليها وفاس تلمسان من بلاد المغرب.                                    

ولبثت لغة القرآن قرونا مستأثرة بالعلم والأدب، ثم نشأت الأمم الأعجمية لغات إسلامية شاركت العربية في الشعر ثم في النثر، وبقيت العربية لغة العلوم الدينية والعقلية قرونا كثيرة بعد نشوء تلك اللغات، واستأثرت بأمهات كتب العلم والأدب إلى قرون بعد غارات التتار التي دمرت العالم الإسلامي الشرقي في القرن السابع الهجري. قد تحققت الأخوة الإسلامية في اجتماع المسلمين على لغة القرآن تلك العصور، ولا تزال للغة العربية                                                                                                
مكانتها، ويهتم بها المسلمون غير العرب في كل بلد. ولا يزال في الأمم المسلمة غير العربية علماء وأدباء يجيدون العربية. ونهم من يؤلف فيها. ولا يزال فيهم من يهتم بنشر الكتب العربية القديمة  حتى اللغة ودواوين قدماء الشعراء. لا تزال العربية معروفة مدروسة بين المسلمين ولا تزال آثارها واضحة في لغاتهم وآدابهم.             
إن اللغات الأعجمية الإسلامية، أعني اللغات التي ترعرعت في هذه الأمم بعد دخولها في أخوة الإسلام الجامعة، نشأت في حضانة العربية، وشبت تستمد منها ألفاظا ومعاني وتحتذيها في أساليبها، وتشاركها في موضوعات علومها وآدابها. وهاكم بيانا موجزا في صلات اللغة العربية باللغات الإسلامية الأخرى.          

نشأت اللغة الفارسية الحديثة، أي اللغة الفارسية الإسلامية في أواخر القرن الثالث الهجري. فكتبت بالخط العربي واشتملت على كلمات عربية كثيرة وحاكت العربية في موضوعاتها، وأخذت عنها اصطلاحات العلوم والآداب كلها، وموازين الشعر وقوافيه.                                                                      

ولبثت العربية في إيران وما يجاورها مستأثرة بالعلوم الشرعية وغيرها إلى ما بعد غارات التتار على العالم الإسلامي في القرن السابع الهجري، والذي يقيس ما كتب في العلوم باللغة الفارسية في تلك البلاد إلى ما كتب منها في بلاد فارس نفسها باللغة العربية، يجد العربية هي لغة العلم في تلك القرون، ولا نشاركها الفارسية إلا قي قليل ضئيل من الكتب والموضوعات. اتسع مجال الفارسية في الشعر منذ نشأت ، ثم في كتب التاريخ ونحوها مما هو أقرب إلى لغة الخطاب لا يختص باصطلاحات علمية أو أدبية ثم شاركت في العلوم من بعد.

والألفاظ العربية في الشعر الفارسي لا تقل عن ربع ألفاظه، وتزيد أحيانا. وهي في النثر تبلغ النصف أحيانا وتزيد عليه أحيانا. ثم أوزان الشعر الفارسي وقوافيه وكل الاصطلاحات العروض والقوافي مأخوذة عن العربية، وكذلك السجع في النثر وفنون البلاغة واصطلاحاتها واصطلاحات العلوم- وكان التقارب بين اللغتين ظاهرا في كل مل كتب. وكثيرا ما نظم الشعراء أبياتا عربية وأشطارا أثناء القصائد الفارسية وسموا هذا الضرب من الشعر، الشعر الملمع، ولا يتسع المقام للإفاضة في هذا الصدد.                                               

وكذلكم كان تأثير اللغة العربية على اللغة التركية حين صارت لغة كتابة وأداة لتسجيل العلم والآداب منذ القرن الثامن الهجري. أثرت العربية في التركية تأثيرا مباشرا وتأثيرا بواسطة اللغة الفارسية إذ كانت الفارسية بعد العربية لغة الأدب والعلم في تركستان. لما نشأت التركية الشرقية في تركستان والتركية الغربية أعني العثمانية أخذتا من ألفاظ العربية والفارسية كثيرا.                                                        

وكان كل شاعر من كبار شعراء الفرس له مقلدوه في تركيا. وقد بلغ من تأثير الفارسية وما فيها من العربية على لغة الترك أن قاريء الشعر التركي يمر بأبيات فارسية خالصة أو أبيات ألفاظها فارسي وعربي، وليس فيها من التركية إلا علامات الأفعال أو روابط المبتدأ والخبر. والقول في استئثار العربية بأمهات كتب العلم في البلاد التي تتكلم التركية كالقول في لاستئثار العربية بالعلم في إيران إلا تركية لم تصر لغة علم وأدب إلا بعد الفارسية بخمسة قرون.                                                                                 

وإذا نظرنا إلى اللغة الأردية فهي أحدث اللغات الإسلامية نشأة، ورابعتها قيمة وخطرا بعد العربية والفارسية والتركية، كتبت بالخط العربي كالفارسية والتركية، واشتملت على كثير من الألفاظ العربية والفارسية وسايرت الأدب العربي والفارسي. ولا يزال أدباء المسلمين في باكستان والهند كذلك يعرفون الفارسية، ومنهم من ينظم بها، وقد نظم محمد إقبال شاعر المسلمين الأكبر في باكستان، أكثر دواوينه باللغة الفارسية وأقلها باللغة الأردية. وقد قرأت مع جماعة من أولي العلم في باكستان دواوين محمد إقبال الأردية، فلما جئنا إلى الدواوين الفارسية، وجدت كل جماعة تعرف الفارسية ومنهم من يجيدها ويقرؤها كما يقرأ الأردية واستمر الذين استمعوا دواوينه الأردية يستمعون دواوينه الفارسية. ولا تزال اللغة الأردية تستمد لغة القرآن وتأخذ من ألفاظها ويؤثر علماؤها الألفاظ العربية فيما يحتاجون إليه من المعاني والنظم المستحدثة.      

ولا يزال علماء المسلمين في تلك الأصقاع يتخذون العربية لغة علم وأدب، وتعلم العربية في مئات المدارس الدينية في باكستان والهند. بل كل طفل مسلم بتعلم قراءة العربية ليقرأ القرآن.                      

ويدعو مسلمو باكستان إلى اتخاذ العربية لغة الدولة ولغة التعليم في الجامعات، وهم أبعد المسلمين عن العصبيات القومية التي دعت أمما إسلامية أخرى إلى إيثار لغاتهم على اللغة العربية. والله يجزيهم عن لغة القرآن خيرا. واللغات الأوربية أخذت فيما أخذت من علوم العرب ألفاظا عربية لا تزال معروفة فيها.                 

 وكان لنا زميل في جامعة القاهرة إنكليزي جمع من معاجم اللغة الإنكليزية زهاء ألف كلمة عربية- واللغة الإسبانية أكثر لغات أروبا نصيبا من كلمات العرب وقد قال لي أحد الإسبان أن في لغتنا من الألفاظ العربية سبعة عشر في المائة.                                                                                             

هذا قول وجيز لم أقصد فيه إلى الاستيعاب، فإنما أردت تنبيه العرب خاصة ومتعلمي اللغة العربية عامة إلى سعة اللغة العربية وآدابها موطنا وتاريخا وإلى أثرها في لغات العالم وصلتها بلغات الأمم الإسلامية خاصة.          

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here