islamaumaroc

أسس الاقتصاد بين الإسلام والنظم المعاصرة

  أبي الأعلى المودودي ترجمة محمد عاصم الحداد

8 العدد

إن النظم الاقتصادية المعروفة اليوم في المعمورة يمكن أن نقسمها، إذا غضضنا النظر عما بينها من اختلافات جزئية، إلى أقسام ثلاثة: نظام الرأسمالية، ونظام الشيوعية، ونظام الإسلام. وسنتصدى فيما يلي، لذكر المبادئ  الأساسية في كل من هذه النظم الثلاثة متوخين الإيجاز.                                          

نظام الرأسمالية:                                                                                           
إن النظرية التي يقوم عليها بناء النظام الرأسمالي هي، بكلمات صريحة موجزة، أن الفرد هو المالك الوحيد لما يكسب، ولا حق فيه لغيره، وله أن يتصرف فيه وفق ما يشاء ويرضى، ومن حقه أن يحتكر من وسائل الإنتاج كل ما تصل إليه يده، وله ألا يصرفها إلا في الوجوه التي تعود عليه بالمنفعة. فهذه النظرية تبتدئ من (الأثرة) التي أودعها الإنسان وجبل عليها كل فرد من أفراد البشر، وتنتهي إلى الحد الأقصى من الأثرة وحب الذات الذي يقضي على كل ما لا بد منه لسعادة النوع البشري وفلاحه، من صفات الإنسان وطبائعه الشريفة، وإننا إذ نظرنا من الوجهة الاقتصادية، دون الخلقية، فمما تستلزمه هذه النظرية أن يختل التوازن في توزيع الثراء بين الأفراد، وتتجمع وسائل إنتاجه عند طائفة تكون أكثر الطبقات تنعما أو دهاء، فينقسم المجتمع فعلا إلى طبقتين لا ثالثة لهما: طبقة المتمولين وطبقة الفقراء، فتضع طبقة المتمولين يدها على موارد الثراء كلها، وتتصرف فيها كما تشاء، ولا تستخدمها إلا في سبيل مصالحها الذاتية، وتضيع في سبيل إنماء ثرواتها مصلحة المجتمع العامة، أما طبقة الفقراء فيضيق في وجهها السبيل إلى نيل نصيبها من موارد الثروة، إلا إن حصل على أقل ما تقيم به أودها من مرافق العيش بأكبر خدمة يمكنها القيام بها لمصلحة المتمول. والظاهر أن مثل هذا النظام لا ينتج إلا المرابين وأصحاب المصانع وملاك الأراضي في جانب، والعمال والمزارعين في الجانب الآخر، والذي تقتضيه فطرة مثل هذا النظام أن ينعدم في المجتمع روح التعاطف والمواساة والتكافل، وأن يضطر كل فرد إلى التبلغ بوسائله الذاتية للمعيشة، وأن يقع التنازع في سبيل البقاء، بين أعضاء المجتمع، مكان التعاون والتناصر، وأن يجتهد كل فرد من أفراده أن يستأثر بأكثر ما تصل إليه يده من موارد الثراء: يحتكرها ولا يستخدمها إلا لإنماء ثروته واستثمارها، أما الذين يخفقون في حلبة الصراع أو لا يستطيعون النزول إليها، فلا يجود عليهم أحد بشيء، ولا يرثي لحالهم ولا يمد إليهم يد المعونة، فهم إما أن يتخلصوا من آلام الحياة بالانتحار، أو يضطروا إلى ملء بطونهم باقتراف الجرائم وركوب الدناءات.                                                

 ومن المحتوم في نظام الرأسمالية هذا أن يحث في الناس ميل شديد إلى جمع المال، وألا ينفقوه إلا في وجوه مثمرة مجدية: كان يقيموا شركات التأمين، ويؤلفوا جمعيات التعاون، ويؤسسوا شركات المساهمة وينشئوا المصارف، ويجمعوا المال الاحتياطي، وهذه المشروعات لا يسري فيها كلها إلا روح واحد بعينه هو (اقتناء المال بالمال)، سواء أكان ذلك من طريق التجارة المشروعة أم من طريق الربا، وليس هناك من فرق جوهري، من وجهة النظر الرأسمالية، بين البيع والربا فهما لا يختلطان في نظامها فحسب، بل إنهما بمنزلة اللحمة والسدى في أوضاعها التجارية، والتجارة والربا كل منهما يستلزم الآخر في هذا النظام ولا يترقى إلا به، فلولا الربا لتداعى النظام الرأسمالي.                                                                                                 
                                                                                            
نظام الشيوعية:
وهناك بإزاء النظام الرأسمالي، نظام اقتصادي آخر يسمى الشيوعية، ويقوم هذا النظام على النظرية القائلة بأن وسائل الإنتاج كلها مشتركة بين أفراد المجتمع، ولاحق للأفراد بصفتهم الفردية أن يملكوها ويتصرفوا فيها حسب رغباتهم ويتمتعوا بها وحدهم.                                                                          
                                                                      

والأفراد لا ينالون ما ينالون إلا مكافأة على ما يقومون به من الخدمات لمصالح المجتمع المشتركة... إن المجتمع يهيئ لهم مرافق الحياة، وهم يقومون بأعمالهم مقابلها، هذه النظرية تنظم الاقتصاد بأسلوب يختلف عن أسلوب النظام الرأسمالي اختلاقا أساسيا. وهذا النظام الاقتصادي لا وجود فيه للملكية الشخصية فضلا عن أن يكون لأحد متسع أن يجمع المال، ثم يوظفه بنفسه فيما شاء من وجوه الإنتاج والاستثمار. وهذا الاختلاف بين النظامين الرأسمالي والشيوعي في النظرية والمبادئ قد أحدث اختلافا في مناهجهما. فلا يمكن أن يستمر دولاب النظام الرأسمالي في عمله دون المصارف وشركات التأمين وشركات المساهمة وما إليها من الدوائر المالية ولا حاجة إليها، وعلى قدر ما يلائم الربا فطرة النظام الرأسمالي تشمئز منه طبيعة النظام الشيوعي، فإن الشيوعية تستأصل شأفة ذلك الشيء الذي يكون أساسا للمراباة، ولا تستسيغ مبادئها الربا في أي شكل من الأشكال، وبأي وجه من الوجوه. والذي يؤمن بهذه المبادئ لا يمكن أبدا أن يكون شيوعيا ويتعاطى الربا في الوقت نفسه .
-*-
فالرأسمالية والشيوعية على طرفي نقيض: إن الرأسمالية، وإن كانت تمنح الأفراد حريتهم الشخصية وحقوقهم الفطرية، ليس في مبادئها ونظرياتها شيء يبعث الأفراد على القيام بخدمة مصالح المجتمع المشتركة، ويجبرهم على ذلك عند الحاجة إجبارا، بل هي تنشئ فيهم عقلية تحبب إليهم ذواتهم وتحملهم على محاربة مصالح المجتمع في سبيل مصالحهم الشخصية، حتى يختل التوازن في توزيع الثراء بين الأفراد فترى في جانب أقلية ضئيلة ممن أسعدهم الحظ قد أصبحوا من أصحاب الملايين بوضع أيديهم على موارد ثروة الجماعة كلها، وهم لا يزالون يسعون في ضم ما تبقى من ثروتها إلى أنفسهم بفضل ما تمدهم به أموالهم الطائلة وثراوتهم المدخرة من قوة. وبالجانب الآخر ترى الجمهور وعامة أفراد المجتمع لا تنفك حالتهم الاقتصادية تضمحل يوما فيوما حتى لا يبقى لهم من نصيب في توزيع الثروة إلا قليلا. ولا ريب أن أموال المتمولين الوافرة كثيرا ما تحدث بمظاهرها الخلابة الفاتنة تألقا في مضمار التمدن والحضارة يعجب الأنظار ويأخذ بالألباب في بدء الأمر، ولكنه لا يكون من عاقبة توزيع الثروة غير المتزن إلا أن ينقطع الدم عن الدوران في جسم العالم الاقتصادي، فتموت بعض أعضائه لقلة الدم، ويفسد بعضها باجتماع الدم وكثرته فيها.

تريد الشيوعية أن تعالج هذه المفسدة، ولكنها تختار لغاية صحيحة طريقا ليس من الصحة في شيء. غايتها أن تقيم القسط والتوازن في توزيع الثروة - ولا ريب أن هذا غاية صحيحة- ولكنها تختار لهذا الغرض طريقا ليس في حقيقة الأمر إلا محاربة للفطرة الإنسانية، فحرمان الأفراد من الملكية الشخصية، وجعلهم خداما عاملين للمجتمع لا يتوقف ضرره عند القضاء على الاقتصاد فحسب، بل هو مبيد -على نطاق أوسع- لحياة الإنسان المدنية قاطبة، فإنه يزهق في شؤون الإنسان الاقتصادية وأوضاعه المدنية روحها وقوتها الحقيقية الباعثة على الجد والاجتهاد: وذلك أن الذي يبعث الفرد على استنفاد قوته في السعي والجد في مضمار التمدن والاقتصاد، إن هو في الحقيقة إلا مصلحته الشخصية . إن هذه أثروة فطرية أودعها الإنسان، وما في وسع فلسفة من الفلسفات أن تنزعها من سويداء قلبه وأعماق فكره.        

وبصرف النظر عن الشذاذ نجد أنه لا يبذل، ولا يستطيع أن يبذل، رجل من عامة الرجال قواه القلبية والفكرية واليدوية كلها إلا في عمل يجد من نفسه ميلا إليه، ورغبة فيه لمصلحته الذاتية، أو يرى أنه سيعود على نفسه أو مصالحه بشيء من النفع، فإن فقد من نفسه هذه الرغبة وعلم أنه مهما استنفد من جهود، فلن يحصل على شيء فوق ما حدد له من المنافع والفوائد، اضمحلت قواه الفكرية والعملية، ولم يشتغل بعمله إلا كما يشتغل الأجير الذي لا تكون رغبته في العمل إلا بقدر ما يعين له من الجعالة.

هذه وجهة النظام الشيوعي النظرية، أما وجهته العملية فهي أن يضع السيف في الأفراد المتمولين، ويبرز إلى حيز الوجود متمولا هو (الحكومة الشيوعية). وهذا المتمول العظيم ليس لديه أقل من المشاعر الإنسانية الرقيقة مما يكون عند الأفراد المتمولين.                                                                           

فهو يستخدم الأفراد كالآلات الميكانيكية الصماء، ويوزع بينهم أسباب معيشة بغاية من القسر والاستبداد،  لا رأفة عنده ولا مساواة ولا تقدير: يستخدم الأفراد كما يستخدم الآلات ويسلبهم حريتهم في الفكر والرأي والعمل، فبدون هذا الاستبداد الجائر لا يمكن للنظام الشيوعي أن يقوم أو يظل قائما أبدا، فإن الأفراد تحثهم فطرتهم على الخروج على مثل هذا النظام، فلولا ما يرزحون تحته الآن من الإطار الحديدي الشديد الدائم لأتوا على النظام الشيوعي وقواعده بين عشية وضحاها، وهذا ما جعل الحكومة الشيوعية الروسية اليوم أكثر الحكومات في الأرض جورا واستبدادا، قد بطشت برعيتها بطشا شديدا لا يوجد له مثيل في حكومة شخصية أو جمهورية أخرى في الأرض، وما ذلك إلا لأن النظام الشيوعي، بفطرته، يستدعي ويتطلب دكتاتورا من أشد الدكتاتوريين وأكثرهم قهرا.  
-*-
    نظام الإسلام:
أما الإسلام فيقيم بين هذين النظامين الاقتصاديين نظاما معتدلا، أصل ما فيه من الأصول والمبادئ أن يعطى الشخص حقوقه الفطرية والشخصية -كلها- بطريق لا يختل به التوازن في توزيع الثروة، فهو في جانب يمنح الفرد حقه في الملكية الشخصية وحقه في التصرف في ماله، وفي الجانب الآخر يقيد كل حق من هذه الحقوق وكل تصرف من هذه التصرفات بقيود خلقية من داخله وقيود قانونية من خارجه، يقصد من ورائها ألا تجتمع موارد الثروة في موضع من المواضع بصورة هائلة، بل تبقى تتبادل وتتداول بين مختلف الأفراد والآحاد، بل حتى ينال كل واحد منهم نصيبه المشروع المناسب، فلهذا الغرض قد نظم الإسلام اقتصاده على أسلوب مبتكر يختلف عن أسلوبي النظامين الرأسمالي والشيوعي من حيث الروح والمبدأ ومنهاج العمل.

فنظرية الإسلام الاقتصادية، بكلمات مختصرة، هي أن الرابطة بين المصلحة الفردية والمصلحة الجماعية وثيقة من حيث فطرتهما، فمن الواجب أن تكون بينهما الموافقة والمعاونة، لا المزاحمة والمصارعة، فإن كان الفرد يجلب إلى نفسه ثروة الجماعة، غير آبه لما يخالف المصلحة العامة، ولا مراع عند ادخارها وإنفاقها إلا مصلحته الذاتية، فإن ضرره لا يقع على الجماعة فحسب، بل لا بد أن تعود مضاره ومغباته في آخر الأمر على نفسه أيضا. وكذلك إن كان نظام الجماعة مضيعا لمصلحة الأفراد في سبيل المصلحة العامة، فإن مضاره لا تقتصر على الأفراد وحدهم، بل تعود على الجماعة أيضا في آخر الأمر؛ ففي رفاهة الأفراد رفاهة الجماعة، وفي رفاهة الجماعة رفاهة الأفراد، ورفاهة الأفراد والجماعة معا هي أن يكون بين (أثرة) الأفراد و(إيثارهم) تناسب متزن سليم: يجتهد الفرد لمصلحته الذاتية من غير أن يضار غيره من جراء اجتهاده هذا، ويكسب كل ما يقدر على كسبه بشرط أن يكون فيما يكسب حق لغيره، وهو ينفع الآخرين وينتفع بهم، ولا يكفي للمحافظة على توزيع المنافع وتداول الثروة أن ينشأ في طباع الأفراد طائفة من الأوصاف الخلقية فقط، بل لا بد لذلك في الوقت نفسه أن يكون نظام الجماعة منظما طرق اكتساب المال واستهلاكه تنظيما صحيحا، لا يحل فيه أن يكسب الفرد ثروته بطرق تلحق الضرر بغيره، أو تبقي الثروة المكتسبة بالطرق المشروعة متجمعة في موضع من المواضع، بل لابد من تداولها بين مختلف الأفراد.                                                                 

إن النظام الاقتصادي الذي أقيم بناؤه على هذه النظرية، ليس من غايته أن يتمول بعض أفراد المجتمع تمولا فاحشا ويبقى أكثرهم مفتقرين، ولا أن [لا] يتمول منهم أحد ويستوي الجميع قسرا وقهرا على رغم  ما فطروا عليه من التفاوت، بل غايته بين هذا الإفراط وذاك التفريط أن يستوفي الحاجات الاقتصادية لأفراد الجماعة أجمعين. والحق أنه إذ اقتنع كل فرد باكتساب المال في ضمن حدوده الفطرية، وبدون أن يلحق بغيره شيئا من الضرر، ثم راعى الاقتصاد والتكافل في إنفاقه، لا يمكن أن يتفشى في المجتمع ذلك الاختلال الاقتصادي الذي يوجد اليوم في نظام الرأسمالية.، وذلك أن هذا النظام، وإن كان لا يمنع أحدا أن يتومل ويكون من أصحاب الملايين، ولكن من المستحيل فيه أن تكون ثروة رجل متمول من أصحاب الملايين نتيجة لعوز ألوف من أبناء جنسه وجوعهم، وبالجانب الآخر، وإن كان يريد هذا النظام أن ينال كل فرد من أفراد المجتمع نصيبه مما خلق الله في أرضه من موارد العيش، لكن لا يستطيع أن يفرض عليه قيودا متصنعة تحول دون سعيه لاكتساب المال حسب ما أوتي من القوة والكفاءة.    
                                                   -*-
وبعد هذا الاستعراض الوجيز الجامع للنظم الاقتصادية الثلاثة المذكورة، نتكلم عن الأسباب التي أوجدت النظريات الاجتماعية والاقتصادية التي توجد اليوم في الغرب، والتي أعجب بها ويتطلع إلى الاقتباس منها كثير من رجالنا المتفرنجين، وكذلك نريد بعد ما نذكر ارتقاء هذه النظريات التاريخي ونتائجها التي انتهت إليها أخيرا أن نفصل القول في نظام الإسلام الاقتصادي، ليعلم القارئ ويقضي في نفسه، على بينة، أي نظام من هذه النظم الثلاثة يضمن للنوع البشري سعادته. 
        
1-  إنما تناولتها بالبحث، في هذا المقام، نظرية الشيوعية الخالصة، ولم نتعرض لما قد حدث فيها، في العمل، من تغيرات عظيمة. ولا يخفي على من له نظرة في النظام الشيوعي أنه لا يزال- بعد ما رجع بخيبته في إسباغ كسوة العمل والتنفيذ على نظريتهم المتطرفة- يعود إلى كثير من طرق النظام الرأسمالي ومناهجه، فقد أصبح الآن من الممكن في روسيا للذين ينالون رواتب تزيد عن حد كفايتهم، أن يجمعوا من دخلهم ما زاد عن حاجاتهم فيضعوه في المصارف وينالوا عليه الربا.

 2  -كانت الشيوعية، في بدء أمرها تجهل هذه الحقيقة مبدئيا، بل قال بعض فلاسفتها المتطرفين: إن الإنسان ليس فيه شيء يسمى بالاتجاه الفطري، وكل ما فيه هو وليد البيئة والمجتمع، ففي وسعنا اليوم أن ننشئ في الأفراد - بفضل التعليم والتربية- عقلية اجتماعية خالية من المآرب والميول القائمة على الأثرة وحب الذات، إلا أن التجارب قد نزعت من قلوب الشيوعيين هذه الأغلوطة أخيرا، فأصبحوا يأتون في روسيا بتدابير متجددة لإنعاش ما كمن في قلوب العمال من حب لذواتهم ومصالحهم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here