islamaumaroc

حول ترجمة القرآن الكريم -1-

  دعوة الحق

38 العدد

«كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد» شريعة الله في أرضه وقانون السماء الحق، أنزله الله سبحانه وتعالى على خاتم الرسل ليبشر الذين آمنوا به أن لهم قدم صدق عند ربهم،  وينذر الذين كفروا به عذابا مقيما، هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، جمع بين دفتيه من شريف المعاني وحسن المقاصد ما كان مثلا عليا لجميع الأجيال في مختلف الأقطار.
(1)« حكى عن الأنبياء ما شاء الله أن يقص علينا من سيرهم، وما كان بينهم وبين أممهم وبراهم مما رماهم به أهل دينهم المعتقدون برسالتهم.
أخد العلماء من الملل المختلفة على ما أفسدوا من عقائدهم، وما خلطوا في أحكامهم وما حرفوا بالتأويل
العدل، وانتظم بها شمل الجماعة ما كانت عند حد ما قرره، ثم عظمت المضرة في إهمالها، والانحراف عنها، أو البعد بها عن الروح الذي أودعته. فضاقت بذلك كل الشرائع الوضعية كما يتبين للناظر في الشرائع الأمم.
ثم جاء بعد ذلك بحكم ومواعظ وآداب، تخشع لها القلوب وتهش لاستقبالها العقول وتنصرف وراءها الهمم انصرافها في سبيل الأمم».
وقد عرف له العرب عامة والمسلمون خاصة تلك الميزات، فاستضاءوا بنوره، واتخذوه نبع الحكمة، وموطن الرشاد، ونشروه في كل قطر وصلت إليه يد الإسلام، واتفقوا في سبيل نصره قصارى جهدهم، وبذلك سجل التاريخ صفحة بيضاء نورانية وسطر بقلم الوحي يدا لا تزال الإنسانية تعترف بعظمة مقصدها، وسمو غايتها، وفضاها على البشرية التي طمست معالم الحقيقة، واتخذت من التطاحن- في أفظع صوره-وسيلة للمطامع الشهوانية، فاصطبغت بصبغة المادة في مهامه صحراء الطغيان. هنالك أدركتهم العناية في ملكوتها، وشملتهم الرحمة من لدن بارئها، وكانت الرسالة المحمدية مشعل النور، ومصباح التحرر الفكري تحمل قرآنا عربيا غير ذي عوج، يهدي إلى الرشد، من وعاه فقد وعى، ومن استهداه فقد اهتدى.
لقد كانت طبيعة الرسالة المحمدية- بعد كونها خاتنة الرسالات- أن تكون عامة للبشرية وقد عمل الرسول على نشرها فأوفد الوفود، وبعث الرسل وأيدهم برسائل حددت مرامي الحنفية السمحة والدعوة إليها، ولحرص الرسول على تعاليم مولاه كان يكتب رسائله للأكاسرة والقياصرة متخذا لذلك كتابا حذقوا لغة الآخرين.
وإذا كان الرسول فعل هذا كياسة منه أفلا يجوز لنا أن نحدو حدوه، وأن نأخذ بتعاليم ما جاءنا به ؟«وما آتاكم الله فخذوه» وأن ندع ما لم يأت به مما يجافي الحقيقة مما نهى عنه «وما نهاكم عنه فانتهوا».
ألا يجوز لنا أن نعمل على توسيع رقعة الإسلام وأن ننشر لواءه بين الأمم المتحضرة أليس حقا علينا-ونحن بنوه- أن ندفع مفتريات القوم وأباطيلهم فنذيع صيحتنا القرآنية محور ارتكازنا؟.     
الحق أن ترجمة القرآن بحث حيوي قام بشأنه النقاش وسطرت فيه البحوث التي اختلفت باختلاف المشارب والمذاهب. فمن قائل بترجمة معانيه؛ خدمة للدين من ناحية وخدمة للبشرية من ناحية أخرى، ومن قائل بخلاف ذلك، يصاحبه الخوف من التحريف والتأويل، ولكل وجهة هو موليها، وقد يكون من الحمق أن ننصر فريقا على آخر أو ننحاز إلى أحدهما قبل أن نستعرض آراء الفريقين وأدلتهما، ثم نناقش أقوالهما على ضوء الواقع والحقيقة، ثم نعقب بكلمة نستخلص منها الرأي الخاص.

معنى الترجمة
تطلق الترجمة عند العلماء لعدة اطلاقات، فبعضهم يرى أنها تطلق ويراد منها التعبير بلغة عن لغة أخرى، وقيل الترجمة  تفسير لسان بلسان آخر، وقد تطلق ويراد منها التبليغ المطلق وفقا لقول الشاعر:
إن الثمـانيـن-وبـلغــتها-
                  قد  أحوجت سمعي إلى ترجمان     
وأما في اللغة فتستعمل بمعنى التبيين مطلقا « اتحدت اللغة أم اختلفت» ونظرا لإطلاق الترجمة على مطلق البيان فقد استعملها شراح الحديث وغيرهم في عنوان الشيء وخلاصته المراد منه. فيقولون: وترجم لهذا الباب كذا أي عنوان له، ويقال ترجمة حياة فلان أي خلاصتها.
(2)« وقد تكون الترجمة بمعنى التصرف في الحرف. فقد روي أن القبائل كانت ترد على النبي صلى الله عليه وسلم وكان يترجم لكل أحد بحسب لغته فكان يمد قدر الألف والألفين والثلاثة لمن لغته كذلك، فقد عبر بالترجمة عن التصرف في الحرف بالمد والتفخيم والترقيق والأمالة» والخلاصة أن المعنى العام للترجمة هو البيان والتعبير مطلقا.

أنـواع الـدلالات
إن هناك دلالات تعبر عنها الألفاظ ويستطيع القارئ لهذه الألفاظ أن يتبين المراد منها فقط دون زيادة على المقصود الأصلي. وأن مثل هذه الدلالة الأصلية لا تختص بها لغة دون أخرى بل هي شائعة في مختلف اللغات. يدلل لذلك قول الشاطبي:« ومن هذه الجهة يمكن في لسان العرب الإخبار عن أقوال الأولين ممن ليسو من أهل اللغة العربية وحكاية كلامهم. ويتأتى في لسان العجم حكاية أقوال العرب والإخبار عنها وهذا لا إشكال فيه» كما أن هناك دلالات تابعة خادمة للمعنى الأصلي ولقد تمثلت هذه الدلالات في اعتبارات مختلفة مناسبة لمقتضى الحال من إيجاز إلى أطناب، ومن خفاء إلى إيضاح، ومن تحقير إلى تعظيم، ومن تصريح إلى كتابة، إلى غير ذلك من الاعتبارات البلاغية التي تختلف باختلاف الأقوال.« فمثل هذه التصرفات التي يختلف معنى الكلام الواحد بحسبها ليست المقصود الأصلي ولكنها من مكملاته ومتمماته».
وهذه الدلالات التابعة لتلك الدلالات الأصلية تنطبق تمتم الانطباق على ما ورد في القرآن الكريم من مختلف القصص. فالقصة الواحدة ترد في غير موضع مخالفة للموضع الآخر من حيث الشكل والعرض والأسلوب، وإن كانت القصة في مختلف مواطنها من القرآن الكريم يجمعها جوهر واحد. ومادام الاختلاف في العرض والأسلوب ليس سوى لطائف بلاغية اقتضاه الحال«وما كان ربك نسيا» وإذا عرفنا أن اللغات العالمية وخاصة العربية تحتوي على كثير من الدلالات التابعة التي اقتضاها الحال. كما أنه إذا علمنا لأن اللغة العربية غنية بالألفاظ المترادفة التي يجمعها معنى واحد ولكن اللفظ منها في مكانه لو بدل بغيره لصارت العبارة قلقة، ولما كان هناك إشعاع للفظ ولا ظل من الظلال، إذا عرفنا كان من العسير أن يترجم الكلام العربي بهذا الحال إلى غيره من لغات العالم، فضلا عن أن يترجم القرآن الكريم إلى لسان غير عربي. وقد نبه كثير من الأدباء والنقاد والمشتغلين بترجمة الآداب والقصص من مختلف اللغات على ذلك فأشاروا إلى أن القطعة الأدبية تفقد كثيرا من خصائصها ودلالاتها وخاصة ما يتعلق برونق العبارة وطلاوة الأسلوب». وكلما ارتفع العمل الأدبي من الناحية الفنية عزت ترجمته، وفقد كثيرا من قيمته بالنقل. والذين كانوا يقولون:( إن مقياس قيمة الأدب أن يستطاع نقله إلى أي لغة أخرى دون أن يفقد شيئا من قيمته كانوا يغالون ليتبنوا حجتهم في ملابسة معينة).
ونحن نرى أن كتب التفاسير قد اختلفت في التفسير قصرا وطولا. وليس التفسير في سوى ألفاظ وعبارات تبين معاني القرآن وتوضح أهدافه ومراميه. ولا فرق بين المفسر والمترجم إلا أن هذا يضع في بيان معنى اللفظ لفظا عربيا وذاك يضع لفظا أعجميا. وقد يتاح للغة المترجم إليها أن يقوم بأداء بعض الخصائص التي انفردت بها لغة العرب ولكن من الجور في الحق أن نحكم بأدائها لجميع الخصائص، فقد يكون اللفظ العربي بعد الدلالة الأصلية دلالة على حادثة خاصة، كما أن هناك من الاستعارات والتشبيهات والأمثال ما له علاقة خاصة بالحياة العربية وأحوالها،وليس لتلك الأحوال شبيه عند غير العرب من الأمم والعكس صحيح، وليست اللغة العربية بقادرة توفي في الترجمة خصائص اللغات الأخرى والدلالات التالية، وخاصة في اللغات الحية والراقية.
ونتيجة لذلك نرى أن الترجمة تزداد عسرا كلما كان هناك اعتبارات أكثر، وكلما كانت الألفاظ المحملة بدلالات تابعة أكثر«وهكذا(3)حتى يصل الأمر في بعض الأحايين إلى حد الاستحالة المطلقة في نقل الآيات المعجزة من القرآن الكريم، فإن نقل الخصائص التي بها كان الإعجاز يقتضي أن الترجمة تحمل خصائص الإعجاز يقتضي أن الترجمة تحمل خصائص الإعجاز أيضا في اللغة المنقول إليها، والإعجاز في أي اللغة من اللغات ليس في استطاعة البشر».
وعلى هذا فالحق إنه يمكن ترجمة القرآن من ناحية الدلالات الأصلية يستحيل أو يكاد ترجمته من ناحية الدلالات التابعة، فبطل القول أنه لا يجوز ترجمته لأنه معجز.

أهم شبه المانعين من الترجمة والتعقيب عليها
نستطيع أن نقسم تلك الشبه التي أمسك بها مانعو الترجمة إلى قسمين:
1) قسم يلحق الكتاب من ناحية المحافظة عليه والإبقاء على سلامته من عبث التراجم وما تجره عليه وعلى الإسلام –كما يقولون- من عواقب غير محمودة.
2) قسم يتعلق بأساليب القرآن والتصوير الفني فيه ونواحي الإعجاز..
وسنعرض لبيان القسمين وأهم ما يتعلق بكل قسم ثم نعقب على كل شبهة من شبه القسمين بكل ما نراه مزيلا للبس.

فأما أهم  ما يتعلق بالقسم الأول فنخلصه في الشبهتين التاليتين:
الشبهة الأولى: أنزل الله سبحانه وتعالى التوراة والإنجيل باللغة العبرية فتناولها أهلها بالترجمة وجدنا أنهم أضافوا إلى الأصل كما أنهم أتوا على الأصل فأنقصوه أشياء، دعت إليها ظروف الترجمة وملابساتها، وإذا علمنا أنه لم تكن وقتئذ طباعة ورقابة بالشكل المعهود الآن أدركنا مدى الزيادات التي زيدت على الأصل الكتابين القديمين من التواريخ والأحكام وما تفرع على ذلك من تعدد الأناجيل، وعلى هذا فهم المانعون أن الأمر يصل بالقرآن الكريم في التحريف والتغيير والتبديل إلى ما وصل به الأمر بالإنجيل من التعدد، وفي ذلك ضرر بالغ بالكتاب وتضييع له.
التعقيب: ونحن نرى أن النصارى يعتقدون اعتقادا راسخا بأن الإنجيل أنزله الله تعالى على رسوله عيسى عليه السلام بلغة إلهية، اجتمع لترجمته سبعون حبرا، ولكنهم يقولون بوجود عدة أناجيل كتبها جماعة من كبار أتباع المسيح لنشر تاريخ حياته وجمع تعاليمه ووصاياه، وللتدليل على هذا ما جاء في المجموعة الصغرى للعلامة «لاروس» قوله:«الإنجيل بل الأناجيل هي الكتاب المقدس المؤلف من أربع روايات وصفها القديس متى والقديس مرقس والقديس لوقا والقديس يوحنا وقد ضمنوها حياة المسيح ومذهبه».ومع هذا لا يرى المسيحيون بأسا من تعدد الأناجيل، لأنها جميعها تربطها حدة، هي حياة المسيح وتعاليمه، ولكنهم أجمعوا أمرهم واعتمدوا أربعة منهم، وقد كتبت بوحي من الله لواضيعها القديسين متى ومرقص ويوحنا ولوقا.
ثم إنه يمكن وقاية القرآن من نعدد تراجمه، وذلك باعتماد ترجمة من التراجم في كل لغة من اللغات، ويراعى في الترجمة المعتمدة أن تكون وافية بأحكام الإسلام، شاملة لمبادئه، كافية للرد على من نصبوا أنفسهم للدعاية المسيئة ضد الإسلام والمسلمين، وبذلك نقطع خط الرجعة على صرر تعدد التراجم، وبالتالي لن بكون هناك مجال للطعن في الأصل.
الشبهة الثانية: يلخصها لنا الأستاذ فريد وجدي في قوله(4)« إذا ترجم معنى القرآن إلى الإنجليزية ثم ترجمت هذه الترجمة إلى الفرنسية، فما الرأي إذا تغير المعنى الأصلي في الترجمة الثانية؟ وماذا يكون الحال إذا تنازع قارآن مسامان أحدهما معتمد على الترجمة الإنجليزية والآخر على الفرنسية، فادعى أحدهما أن هذا المعنى أو ذاك غير موجود في القرآن، وادعى الآخر العكس، أفلا يعتبر واحد منهما كافرا لا محالة؟ كذلك يقال إذا كان في الترجمة الإنجليزية  خطأ وأعيد طبعها وتكرر ذلك الخطأ».
التعقيب: ونحن نرى أن المسلم أعقل من أن يتمسك بترجمة مأخوذة مباشرة للقرآن، ثم أنه لماذا ينقل المترجم الفرنسي مثلا ترجمة الإنجليزي للغته إذا أراد معاني القرآن؟ ولم لا يرجع للقرآن ليترجمه للفرنسية رأسا؟إن في الترجمة من القرآن الكريم مباشرة  مسايرة للروح العلمية التي من خصائصها الدقة في الترجمة والأمانة في النقل، ثم إن لتقدم العلوم والفنون في هذه الآونة أثرا كبيرا في دقة التفكير الإنساني والرقي به إلى درجة لا يتصور معها تلك الحالة التي نعبر عنها بالكسل العقلي، والذي يدعو مترجما فرنسيا مثلا أن ينقل معاني القرآن من الإنجليزية لا من العربية مباشرة، وبهذا ينهار افتراض صاحب الشبهة، ولا يقف عقبة أمام ترجمة معاني القرآن الكريم.

وأما أهم ما يتعلق بالقسم الثاني من الشبه فنلخصه في هاتين النقطتين:
1) أسلوب القرآن وبلاغته ونواحي التصوير الفني فيه.
2) نواحي الإعجاز فيه.
الشبهة الأولى: إنه معجز فلا يمكن أن يترجم، وأن فيه كلمات لا مقابل لها في اللغة الأجنبية، فيضطر المترجم أن يضع مكانها كلمات أخرى تدل عليها، وفي ذلك تغيير وتحريف، وأن كلمات الكتب السماوية تستخرج منها إشارات وأحكام بطريق الحساب، وتستخرج منها المتصوفة معارف ولطائف،كما يستخرج منه العلماء علوم الطبيعة والرياضة، والترجمة تضيع على الناس هذا كله.
التعقيب: لا يشك مسلم مفكر بل عاقل في أن القرآن الكريم تحدى العرب قاطبة بما فيه من آيات بينات ودلائل واضحات قد اشتملت على شرف المعنى وسمو الغاية، فعجزوا عن الإتيان بمثله- استغفر الله- بل عجزوا عن الإتيان بصورة من مثله في البلاغ وشرف المعنى، والعرب هم أهل اللغة العربية، وأصحاب اللدد في الخصومة، واللسن المقاول، ولقد جاءهم الكتاب في أرقى عصور البلاغة عندهم، لهذا كان معجزا.
فإذا عرفنا أن بعض العلماء يرى أن الإعجاز أنما كان لإخبار القرآن بالمغيبات، وطرحنا هذا القول جانبا فلن نلقى عالما مما يوثق بعلمهم يقول بأن الإعجاز من لوازم معنى القرآن، وإما تراهم يقولون أنه معجز لاشتماله عللا النظم الغريب المخالف لنظم العرب ونثرهم في مطالعه ومقاطعه وفواصله، أو لمجيئه عل تلك الدرجة العالية من البلاغة، واشتماله على جميع ضروبها، أو أنه معجز لهذا وذاك»
  أما أن كان إعجازه في النظم فلا يستطيع المترجم مهما أوتي من السعة في العلم أن ينقله إلى اللغة الأخرى بحيث تقوم الترجمة بالمعنى والإعجاز، ولكن عدم استطاعته نقل دليل الإعجاز لا يستلزم عدم إمكان نقل المعنى نفسه.
على أن الأعاجم نفسهم لو أمكنهم تلاوة القرآن بالعربية لما أمكنهم تلمس نواحي الإعجاز فيه ولا فهمه، بل أن الأمة العربية ظلت ردحا من الزمن تحاول الوقوف على أسرار إعجازه، فتعثرت كثيرا، ووقف على يسير منه البعض، وقليل ما هم، وأين نحن من الذين أدركوا إعجازه عن طريق الذوق فآمنوا به لهذا الإدراك؟
أما إذا كان الإعجاز عن طريق الإخبار بالمغيبات فلا شك أن الترجمة ستحمل معها هذا الدليل، لأن ذلك مرتبط بالمعنى لا باللفظ.
وأما اعتراضهم بأنه يوجد في القرآن الكريم ألفاظ لا مقابل لها في اللغات الأجنبية.... الخ فتقول: حقا أنه يوجد في القرآن الكريم ألفاظ يندر أن نجد في اللغات الأخرى ما يضاهيها في إفادة المعنى الذي يفيده اللفظ العربي، كما أن فيه ألفاظا يصعب تحديد معناها في العربية، ولا شك في أن نقل مثل هذا إلى اللغات الأجنبية يكاد يكون ضربا من المستحيل، وهذه ناحية انفرد بها القرآن الكريم من بين الكتب السماوية، ولكننا لا نجمد أمام ذلك، بل سنفسح المجال أمام الشاطبي، للرد على هذه النقطة بالذات، إذ يقول: (5)فأما على الوجه الأول فهم ممكن، ومن جهته صح تفسير القرآن، وبيان معناه للعامة، ومن ليس لهم فهم يقوى على تحصيل معانيه، وذلك جائز بالاتفاق أهل الإسلام، فصار هذا الاتفاق حجة في صحة الترجمة على المعنى الأصلي».
وعلى هذا فما نخافه من الترجمة مما سبق بيانه نلحظه في كتب التفاسير باللفظ العربي نفسه، وقد أجمت الأمة على عدم التحاشي عن هذه المحذورات، فيجب ألا يتحاشى عنها في ترجمة أيضا، إذ لا يوج فرق في التعبير عن آيات القرآن بلفظ عربي أو لفظ أعجمي، متى كان المعبر والمفسر مستكملا للشروط التي تؤهله لان يتعرض للتفسير والترجمة.
وأما قولهم: «(6) أن في الكتب السماوية إشارات وأحكاما تستخرج بطريق الحساب، ومعارف يستخرها  أهل التصوف بالذوق، وعلوما طبيعية ورياضية، وأن ذلك يضيع بالترجمة» فليس كتاب الله سوى نور يهدي به من يشاء من عباده، أنزله ليكون نبراسا يضيء لمن تاهوا في صحراء الكفر، مرشدا لأنفع الطرق وأقومها، ولم ينزله تعالى لاستخراج الطبيعيات والرياضيات، وما الذي يشين لو أن مثل ذلك فات في الترجمة؟ أليس النص العربي يحوي هذا وهي باقية فيه ؟
ونحب في هذا المكان أن نشير إلى ما سبق أن قررناه، وهو أن القرآن الكريم غير مرتبط بالعلوم والفنون أيا كان نوعها ووجهها، فالعلم دائم التغير لا يثبت على حالة واحدة، ومن الواجب علينا –كمحافظين على كتابنا- أن نصونه عما هو قابل للتغيرات، وهذا لا ينفي أنه صادق في كل زمان، وحجة على ممر الأجيال، فتلك خصوصية من خصوصياته التي ينفرد بها من بين كتبه تعالى، ومزية لا تعادل مزية، فسبحان من ضمن له ذلك « لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد».
ولكن هب أن التراجم تغيرت وحدث فيها تحريف فماذا يكون الموقف؟ والجواب أن النص الأصلي لا يزال بحمد الله قائما، يرجع إليه حين يختصم القوم، أو يقوم النزاع في إحدى النواحي، فهو(7)« الحاكم لكل ترجمة توجد، وهو الميزان العدل لكل شيء يقال، والتراجم لا يصح أن تسمى قرآنا، ولكن سلب هذه التسمية لا يستلزم سلب جواز استخراج الأحكام تستفاد من المعاني التي هي مدلولات الألفاظ العربية، والمعاني يصح نقلها إلى اللغات الأخرى».
الشبهة الثانية: ينفرد القرآن بنظمه الموسيقى، وطلاوة عباراته، وما لألفاظه من إيقاع وظلال، يضاف لهذا تأثيره في النفوس، وهذا ما لا يمكن الحصول عليه حرمان للنفس الإنسانية من ذلك الينبوع الصافي للمعارف الإلهية.
  التعقيب: في الواقع أننا نشهد وكل مشتغل بالآداب العربية لا ينكر أن الصور الفنية التي لا جاء بها القرآن فاقت كل الصور الأدبية الأخرى، وما ذلك إلا لأن العمل الأدبي في القرآن قد ارتفع من الناحية الفنية إلى غاية لا يسمو إليها أي عمل أدبي، وحيث أن الأمر كذلك فإن الترجمة تعز في هذه الحالة، وتفقد كثيرا من القيمة بالنقل« (8) والذين كانوا يقولون أن المقياس لقيمة الأدب أن يستطاع نقله إلى لغة أخرى دون أن يفقد شيئا من قيمته كانوا يغالون ليثبتوا حجتهم في ملابسة معينة»
فنحن ننظر مثلا في القرآن أجمل كتاب أدبي في المكتبة العربية بغض النظر عن القداسة الدينية حتى تنقل بعض آياته فنيا إلى لغة أخرى، حين تتخلف عن الترجمة صوره وظلاله وإيقاعه- أنه يفقد جماله الفني وإن بقيت قيمته المعنوية.
ويستحيل عندئذ تقدير قيمته من هذه الوجهة. أما نقل صوره وظلاله وإيقاعه فهو عمل أراه أعسر من العسر، لدقة هذه الخصائص وتسامي آفاقها.
وسأعرض هنا للون من آيات الكتاب الحكيم نلحظ فيه موسيقى وتصويرا للجو العام، كل هذا من تناسب واقتضاء للحال. «والضحى والليل إذا سجى، ما ودعك ربك وما قلى، وللآخرة خير لك من الأولى، ولسوف يعطيك ربك فترضى» ثم « ألم يجدك يتيما فآوى، ووجدك ضالا فهدى، ووجدك عائلا فأغنى»؟ ذلك الحنان وتلك الرحمة، وذلك الرضى، وهذا الشجى تتسرب كلها من خلال النظم اللطيف العبارة الرقيق اللفظ، ومن هذه الموسيقى السارية التعبير، الموسيقى الرتيبة الحركات، الوئيدة الخطوات، الرقيقة الأصداء، الشجية الإيقاع... فلماذا أراد إطارا لهذا الحنان اللطيف، ولهذه الرحمة الوديعة، ولهذا الرضى الشامل، ولهذا الشجى الشفيف، جعل الإطار من الضحى الرائق ومن الليل السجي، أسفي أنين من آونة الليل والنهار، وأشف أنين ترى فيهما التأملات، وساقهما في اللفظ المناسب، فالليل هو « الليل إذا سجى» لا الليل  على إطلاقه بوحشته وظلامه، الليل الساجي الذي يرق ويصفو وتغشاه سحابة رقيقة من الشجي الشفيف، كجو اليتيم والعلية، ثم ينكشف ويجلو ويعقبه الضحى الرائق مع « ما ودعك ربك وما قلى، وللآخرة خير لك من الأولى، ولسوف يعطيك ربك فترضى» فتلتئم ألوان الصورة مع ألوان الإطار، ويتم التناسق والانسجام. ولكن ماذا نفعل الآن بصدد تلك الصورة الفنية، والتعبيرات المتسامية الأفاق البعيدة الغور، والتي تهيئ الجو الملائم لكل حالة؟ أتمهل في الترجمة إهمالا تاما فنخسر الناحية الفنية في القرآن؟ أم أن هناك في اللغات الأجنبية ما يعوضنا ولو بعض شيء عن مثل هذا؟ الحق أننا لا نأسى كثيرا على تلك النواحي الفنية في القرآن عندما نترجم، وذلك لعوامل نذكرها فيما يلي:
1- أن المقصود الأول بالترجمة تعريف الأجانب بمبادئ ديننا القويم، وبيان أحكام الإسلام، وما شرعه المولى للبشرية من قوانين سماوية، تطاولت إليها الأعناق، فصاغتها في قالب آخر، وعبرت عنها بأنها من عند أنفسها، والقرآن هو صاحبها منذ القرون الأولى، كما أن نبغي من الترجمة دحض شبه المفترين على الدين، وتفنيد أباطيلهم ودعاويهم، حتى تتهاوى واحدة بعد الأخرى.
فلن نأسف عن ناحية الإيقاع والظلال والإشعاع، إذا ما فاتت في النقل، فيحسبنا أن نحقق الرسالة الأولى من مبادئ الإسلام. 
2- يستطيع المستشرقون والذين يرغبون في أن ينهلوا من منابع العربية من الأجانب أن يتذوقوا تلك التعابير الفنية في القرآن، وأن يحكموا على مدى الدلالات الخفية للمعاني الأصلية، فيعرفوا ما للقرآن من انفراد بتلك الخصوصيات للتعبير، ولسنا نغلو في القول إذا قلنا أن أهالي جاؤه وسوماطره والباكستان وما إليها من الأقطار الإسلامية قد لا تقف على كل الصور الفنية في القرآن، والتي أتينا منها بنموذج مصغر،تبينا من خلاله كيف أحاط القرآن في كلماته المتتابعة بتصوير المواقف تصويرا تنوع بتنوع الحال واختلف باختلاف المجال. 
3- هذا ولا يحق لنا أن نسلب ناحية التصوير الفني في اللغات الأخرى وإلا كان جور في اللغات الأخرى وإلا كان جور في القول وحيف في الحكم، وإنما الذي نريد لأن نقرره في هذا المقام هو أن اللغات الأخرى لا تفي المقام التصويري في القرآن حقه، بحيث يكون صورة ناطقة بالأصل معبرة عنه أصدق تعبير، ولكن يستطيع المترجم حاذق أن ينشر حول الألفاظ جوا مناسبا لمختلف الأحوال، فيعوض ما فاته من فنية التعبير الأدبي في القرآن، ما استطاع إلى ذلك سبيلا .
4- وعليه فلا يصح لنا القول بأن حرمان الترجمة- إن حرمت أصلا- من موسيقى الألفاظ وطلاوة العبارات أن تحرم قارئها من ينبوع المعارف الإلهية، فليس يخفى على عاقل أن ينبوع المعارف الإلهية هي معاني القرآن المدلول عليها بالنظم العربي، وإذا ذهبنا إلى أن المعارف الإلهية مرتبطة بالألفاظ فذلك لغو من القول وزور، لمجافاته أبسط القواعد الأدبية العالمية.
شبهة من نوع آخر« المتشابهات »
لقد وقع في القرآن الكريم بعض آيات توهم ظاهرا خلاف المراد، ونحن نعلم أن السلف الصالح كانوا يفوضون الأمر فيها لعلم الله وحده، ويحذرون من الوقوع في تأويلها؛ خشية من عند أنفسهم، لئلا يفتحوا بابا للجدل والمناقشة، قد يؤدي بالعقول إلى مهاوي الضلال، ولكن الخلف أبو أن يتركوها بدون تأويل، فسلطوا عليها ما أمكن من التأويلات التي أدت إلى المعنى المقصود والقبول عقلا.
والسؤال الذي نحب أن نورده هنا هو: ماذا سيفعل المترجم إزاء ذلك؟ في أي صورة سيبرزها حتى يكون القارئ على بينة من الأمر لا يخالجه شك أو خبرة؟
والجواب :  أنه لا مناص قبل كل شيء من التعرض لهذه المتشابهات عند الترجمة وإلا كانت الترجمة لبعض القرآن دون بعض، ويعوزنا الأمر في ضرب مثل، قال تعالى:« ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نقسك» وقال تعالى : «قل كل من عند الله» لقد وقع الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة، فقال المعتزلة: الآية الأولى محكمة والأخرى متشابهة، وقال أهل السنة: بأن الأولى هي المتشابهة .
وليس يعنينا في هذا الخلاف الأخذ بأحدهما بقدر ما يعنينا أمر المترجم حيال أمثال هذا.
فواجب المترجم حينئذ أن ينقل الصورة لكل منهما إلى اللغة الأجنبية بدون إجراء أي تعديل؛ إذ كلا الآيتين- كما لا يخفي- لها معنى يستقل بالفهم، وتأويل ذلك المعنى لا يعني المترجم في شيء، وسيفهم منها الأجانب وخاصة المفكرون منهم ما يتفق والحقيقة، وما يتناسب ومعنى الالوهية.
وهناك نوع أخر يقارب هذه المتشابهات وهوا لآيات المؤولة، من مثل« يد الله فوق أيديهم» وهذه أمرها يسير، ففي ألفاظ اللغات الأجنبية ما يؤدي المعنى المؤول، والمقصود في هذا المقام.
أما أننا نكلف أنفسنا حيال تلك الألفاظ الموهمة خلاف المراد بأن « تؤول بدليل العقلي الذي قام على استحالة بقائها على ظاهرها، وهذا التأويل يسلط على التراجم نفسها إذا أمكن المترجم أن يضع بدل اللفظ العربي مرادفا له من لغة أخرى، ويسلط على اللفظ العربي نفسه قبل أن ينقل معناه إلى لغة أخرى إذا لم يوجد في اللغة الأخرى مرادف ومقابل لذلك اللفظ العربي» فذلك وصول للغاية من طريق أطول، وتكليف من دون مبرر، فإننا بدل أن نبحث لفظ يقوم بالمعنى المراد في اللغة الأجنبية، وفي اللغات متسع لا مثال هذا.
ويخيل إلى أننا لا نصير إلى مثل هذا العلاج الذي جاء ينص الأستاذ الأكبر المراغي إلا إذا أعوزتنا الحاجة وأعيانا الوصول إلى لفظ يقوم بالمعنى المقصود من الآية، وأحسب أن ذل افتراض نادر الحصول؛ لما عرفنا من ثراء اللغات بالألفاظ المرادة والمطلوبة في مثل هذه المواقف.      

 
1)  رسالة التوحيد للامام محمد عبده ص144، ص145.
(2)ص239 ج6 تفسير ابن كثير والبغوي.
(3) ص6 من بحث الإمام المراغي في ترجمة القرآن
(4) ص23من –الأدلة العلمية- فريد وجدي
(5)الواصفات للشاطبي، من بحث المراغي ص 11
(6) ص 11 من بحث المراغي
(7) ص 12  من بحث المراغي
(8)  الديوان للأستاذين العقاد والمازني

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here