islamaumaroc

فن أبي تمام -2-

  دعوة الحق

38 العدد

على أن الخاصة الكبيرة البارزة في شعر أبي تمام اعتماده على تغاير الحدود والتضاد. التضاد يتبوأ مكانة كبيرة في هذا النوع من الفن الشعري. إنه تلوين بالأضداد إذا أردنا أن نعتمد التشبيه. وإنما يحصل الغرض الشعري هنا من تقاطع الفكر المتضادة واشتباكها. ويسمى علماء البديع ذلك طباقا إذا وقع بين لفظين ومقابلة إذا وقع بين جملتين. ولكن القضية هنا أعمق من ذلك بكثير. فتفكير أبي تمام قائم على مراعاة التضاد في أغلب الأمور. إن تفكيره يصح أن ننعته في العصر الحاضر بكونه جدليا.
فهو في الشعر يجمع غالبا بين الأضداد والعناصر المتنافرة المتغايرة.
لنستمع إلى هذه المقابلات ذات الإضاءات النسبية المتضادة إن صح هذا المجاز في القصيدة نفسها وهو يصف عمورية:
غادرت فيها بهيم الليل وهو ضحى
             يشله وسطها صـبح مـن اللهـب
حتى كان جـلابيب الـدجى رغبت
             عن لونها أو كـان الشمـس لم تغب
ضوء من النـار والظلمـاء عاكفـة
           وظلمة من دخـان في ضحى شحـب
فالشمس طالعـة من ذا وقد أفلـت
         والشمس واجبـة من ذا ولم تجـب
والقصيدة كلها تتجه هذا الاتجاه، وتسلك هذا النهج، وتعتمد في بلوغ غرضها الفني اشتباك المعاني العنيف، وتقاطع الدلالات المتضادة، وتقابل الصور والأفكار، و مراعاة نسبها الفنية، كما يعمد إلى ذلك بعض المهندسين أو المصورين.
أن أبا تمام أكبر مجدد قي الشعر وتركيبه أو عموده كما يقول النقاد القدماء الذين انتبهوا إلى هذا التجديد ووعوه تماما. فقد تناول أبو تمام الأغراض الفنية القديمة فوقف بالطلول وبكائها، وشبب ومدح ورثى ووصف واستعمل كثيرا من الألفاظ العربية الغربية، وبعض الباحثين الحديثين في الأدب العربي فلم يدركوا حركة التجديد إلى أبي نواس الذي أراد أن يعالج بعض الأفكار الجديدة الخارجة عن العرف والعادات، ولكنه كان اتباعيا كلاسيكيا في شعره بخلاف أبي تمام.
و الدليل هو أن النقاد القدماء كانوا راضين عن أبي نواس جملة، ما عدا إفحاشه في القول، وجرأته على العرف، وخروجه عن العادات الحميدة، إذ هو لم يتنكب عن عمود الشعر العربي. ولقد قال فيه الجاحظ «ما رأيت رجلا أعلم باللغة من أبي نواس ولا أفصح لهجة مع مجانية الاستكراه». وقال ابن السكيت معاصر أبي تمام : « اذا رويت من أشعار الجاهليين فلا امرئ القيس والأعشى، ومن الإسلاميين فلجرير والفرزدق، ومن المحدثين فلابي نواس فحسبك».
أما أبو تمام فالقدماء مجمعون على خروجه عن عمود الشعر العربي، هذا مع اطلاعه الواسع على اللغة وعلى أساليب العرب. يروي أن أعرابيا سمع قصيدته:
طلـل الجميـع لقـد عفـوت حميـدا
                     وكفـى على رزئــي بـذاك شهيـدا
وسئل كيف ترى هذا الشعر؟ فقال: « فيه ما استحسنه، وفيه ما لا أعرفه ولم أسمع بمثله. فأما أن يكون هذا الرجل اشعر الناس جميعا، وأما أم يكون جميع الناس أشعر منه».
ويروي أيضا أن اللغوي المشهور ابن الأعرابي سمع شعره فقال:« إن كان هذا شعرا فكلام العرب باطل».
هذا مع أخبار كثيرة تشير إلى تجديد أبي تمام وإلى تعقيد شعره، كتعقيد تلك الحضارة التي اتسع سلطانها إذ ذاك الاتساع كله.
وللاتجاه الديالكتيكي الذي اتجهه أبو تمام استطاع أن يولد كثيرا من المعاني «كم ترك الأول للآخر» كما يقول. وقد عرض أبو العلاء المعري رأيه فيه في رسالة الغفران فقال « كان صاحب طريقة مبتدعة، ومعان كاللؤلؤ متتبعة، يستخرجها من غامض بحار، ويفض عنها المستغلق من المحار». ويذكر رأيه قي موضع آخر من الرسالة على لسان عنترة العبسي حين وقف ابن القادح في الجحيم فقال: « وإني إذا ذكرت قولك « هل غادر  الشعراء من متردم» لأقول إنما قيل ذلك وديوان الشعر قليل محفوظ. فأما الآن فقد كثرت على الصائد الضباب وغرقت مكان الجهد الرباب(1) ولو سمعت ما قيل بعد مبعث النبي(ص) لعتبت نفسك على ما قلت وعلمت أن الأمر كما قال حبيب بن أوس:
فلو كان يفنى الشعـر أفنـاه ما قـرت
                    حياضك منـه في العصور الذواهـب
 ولكنه صوب العقـول إذا انجـلت
                   سحائـب منه أعقبـت لسحائـب
فيقول و ما حبيبكم هذا؟ فيقول شاعر ظهر في الإسلام، وينشده شيئا من نظمه، فيقول: أما الأصل فعربي، وأما الفرع فنطق به غبي، وليس هذا المذهب على ما تعرف قبائل العرب، فيقول وهو ضاحك مستبشر: إنما ينكر عليه المستعار. وقد جاءت العاربة في أشعار كثيرة من المتقدمين، إلا أنها لا تجمع كاجتماعها فيما نظمه حبيب بن أوس».
هذا وقد التزم أبو تمام النهج الذي سلكه في جميع شعره، ولابد لنا من بيان ذلك في بعض الأغراض الشعرية ولو قليلا لأهميته فيما نقصد إليه. يقول حبيب:
 ولكننـي لم أحو وفـرا مجمـعا
                ففـزت بـه ألا يشمـل مبـدد
ولم تعطـني الأيـام نومـا مسكنـا
                ألـذ بـه ألا ينـوم مشــرد
وطول مقام المرء في الحي مخلق
               لديباجتيـه فاغتـرب تتجـدد
فاني رأيت الشمـس زيـدت محـبة
                إلى الناس أن ليسـت عليهـم بسرمد
فالوفر المجمع، والشمل المبدد، والنوم المسكن، والنوم المشرد، كل منها قرين الآخر. والإقامة والاغتراب والأخلاق والتجدد، كلها تجري مشتبكة متصلا بعضها ببعض. حتى الشمس ينبغي أن تغيب وان تشرق، وأن تظهر وأن تحجب، حتى تزيد محبتها، التضاد هنا أساس التفكير كما يقول الجدليون.
ويصف أبو تمام الربيع، فيجلب انتباهه أنه ختام الشتاء بما احتوى من أمطار هو الذي هيأ ثمرات الصيف. فالشتاء محمود برغم عوادي برده ووبله. إنما نجد في الربيع مطرا يشتمل على صحو، وصحوا يشبه في غضارته المطر. فالربيع إذن مطر في صحو وصحو في مطر. والغيث غيثان: غيث ظاهر وهو المطر، وغيث باطن مضمر وهو الصحو. إننا في نثرنا نظم أبي تمام بخيل ألينا كأنما نخلص كلام هيجل في الديالكتيك الذي صنعه، ولو عالج هذا الفيلسوف هذا الموضوع لما أتى بشيء أكثر:
نزلـت مقدمـة المصـيف حميـدة
                   ويد الشـتاء جديـدة لا تـكفر
لولا الذي غرس الشتـاء بكـفه
                  لاقي المصـيف هشائـما لا تثمـر
كم ليلة آسـى البلاد بنفسـه
                  فيها ويوم وبـله مثعنـجـر
مطر يذوب الصحو فيه وبعده
                 صحو يكاد من الغضارة يمطر
غيثـان فالأنـواء غيـث ظاهـر
               لك وجهه والصـحو غيـث مضـمـر
وهو يرى من خلال هذا التضاد أن الحركة هي الأصل في حسن الطبيعة وجمال الأرض، على خلاف الأشياء المصنوعة الثابتة:
أو لا ترى الأشيـاء إن هـي غيـرت
               سمـحت، وحسن الأرض حين تغيـر
أبو تمام في رأينا أبو الجدل الحديث المستند إلى التغيير وإلى الحركة. ولكنه إذا انتهج الجدل هذا في شعره. كان ذا مذهب شعري مبتكر، وأن مس هذا المذهب الشعري الفلسفة، كما أن هيغل بعده بأحقاب كان ذا مذهب فلسفي جديد، وإن كانت دعائمه تستند إلى بعض الاعتبارات الفنية.
إن الشعر العربي في الحقيقة لم يخل في يوم من الأيام من هذه المقابلات المتضادة التي هي من خصائص الفكر. ولكن الفرق كبير بين أبرزها حين تشف عن حركة طبيعية دون أن يتجاوز التعبير هذه الحركة، وبين اعتماد التضاد وتصالب الأفكار وتقاطعها في أغلب الأحيان إن لم يكن في جميعها، للبلوغ إلى الغرض الفني.
إن الشجاع الحق، والمقدام الواعي، يلوح له الإحجام كما يلوح له الإقدام. ولكنه بعد التردد الطبيعي ولو كالبرق يرفض الإحجام، لان فيه الذل، ولأنه يليق بالحياة الكريمة الصحيحة. فالإنسان كل الإنسان يقدم ولا يفر ولو لاح له في الخيال إمكان الفرار. هذه هي جدلية الإقدام. وقد عبر عنها الشاعر العربي القديم الحصين بن الحمام أجمل تعبير وأوجزه حين قال:
تـأخرت استبـقي الحيـاة فلـم أجد
                 لنفسـي حياة مثـل أن أتقـدما
فرسم الشاعر العربي القديم هذه الحركة النفسية بعبارات دقيقة كاملة الدلالة متقنة الأداء، وبقي كلاسيكيا في تعبيره، لأنه كان رفيقا بهذه العاطفة النفسية ولم يصورها بعنف ولا باستعارات متعمدة. كما يصنع أبو تمام.
لقد أراد هذا الشاعر أن يمدح الخليفة المعتصم في قصيدته التي على اللام وأن يصفه بالشدة واللين معا، فهو يعتمد لفظي السهل والجبل مجازا فيقول:

شرست بل لنت بل قانيـت ذاك بـذا
              فأنت لاشـك فيك السـهل والجـبل
وهذا ما يختلف تماما عن تعبير أبي نواس الذي نظر إليه أبو تمام كما يقول المتقدمون:
كالدهر فيه شراسة وليان.
إن من صفات الديالكتيك طرح الفكرة ثم نقضها جمع الفكرة والنقيض معا فيما يدعى بالتركيب. ومع أن هذا البيت السالف لا يحبه علماء البلاغة لما فيه من تكلف،نجده يشف عن هذه المراحل الثلاث من الإثبات والنفي أو الفكرة وطباقها وتركيبها. ونجد مثل ذلك في هذا الاستهلال:
من سجـايا الطلـول ألا تجـيبا
            فصواب من مقلتـي أن تصـوبا
فاسألنـها واجعل بكـاك جوابـا
             تجـد الدمـع سائـلا ومجيبـا
وهكذا يتجلى الفكر الديالكتيكي بأبرز صوره عند أبي تمام في إطار فنه الذي رفع لواءه. وإذا كان الجمال الفني يحصل من مطابقة اللفظ للمعنى والمعنى للفظ، وكانت هذه المطابقة حاصلة في الشعر الجاهلي
وشعر صدر الإسلام، كان من اخص صفات هذا الشعر الاتباعي الكلاسيكي. ولكننا نجد هنا في شعر أبي تمام أن اللفظ أحيانا يتحمل أكثر من معناه المخصص له، ولذلك كان هذا الفن قريب الصلة بإيحاء شعور الروعة والسمو والفخامة والخطابة، وأشد شفوفا عن المأساة
لاصطراع العناصر التي يشتمل عليها. وهذا هو السبب الذي من أجله برز أبو تمام في المدائح والمراثي، لأن الأولى أقرب إلى جو الفخامة والروعة، ولان الثانية ملتصقة بالمآسي أشد الالتصاق. وقد ذكر القدماء قيمة مدائحه ومراثيه، ونوهوا بها دون أن يبينوا لنا سبب ذلك، ولا آصرته بفنه الذي رفع أركانه. فالمقابلة بين الأضداد والحدود المتغايرة من شأنها أن تظهر مشقة الجهد وبلوغ المدى البعيد هذه الحدود المتغايرة يؤثر بعضها في بعض.
ويشير الشاعر أحيانا إلى هذا التأثير المتبادل الذي يدعى في الفلسفة الحديثة بالفعل الجدلي وفي العلم الحديث بالفعل ورد الفعل (أو الارتكاس).
قال يصف جمله مبينا أنه نشأ من رعية الفيافي والغياض، ثم نحل وضعف من جوبه تلك القفار والرياض، فكأنما رعته بعدما رعى نبتها:
رعتـه الفيافـي بعدمـا كان حقبـة
               رعاها ومـاء الروض ينهـل ساكبـه
وكذلك يصف شعلة الشيب في المفارق. الهموم تستثيرها وهي في المقابل تستثير الهموم:
تسـتثـير الهمـوم ما اكتن منـها
           صعـدا وهي تسـتثير الهمـومـا
ولاشك أنه كان واعيا لفنه هذا المستند إلى الحدود المتغايرة المتقابلة إذ كان يجدها في الواقع حين يصفه. يذكر في مديح له لفظ نوافر الأضداد ليصف مجد الممدوحين الغريب في فن كان حقا غريبا في عصره:
قد بثثتم غـرس المـودة والشحـ
                       ـناء في قلـب كـل قار وبـاد
ابغضـوا عزكـم وودوا نداكـم
                    فقروكـم مـن بغضـة ووداد
لاعدمـتم غريـب مجد ريقتـم
                    فـي عـراه نوافـر الأضـداد
ونحب أخيرا أن نؤكد اعتماد أبي تمام للحدود المتناقضة حتى في أغلب الأحوال. فهو في موقف المديح مثلا بتصور الممدوح غريبا وهو بين عشيرته وأقربيه وكثرة المحيطين به، كما يتصوره أيضا وهو يفيض بالحياة ميتا. ولولا مهارة أبي تمام وحذقه لسمج ذلك سماجة كبيرة. ولكن فنه الذي نظن أنا جلونا أصوله يشفع بذلك كله:
غربتـه العلا عـلى كثـرة النـا
               س فأضـحى فـي الأقربـين جنيـبا
فـليـطل عـمره فـلو مات في مر
                ومـقيـما بها لـمـات غريـبا
ولا غرو أن يعتمد شاعر فيلسوف مثل الطائي هذا النهج الشعري الفكري القائم على صراع الحدود، في ذلك العصر الذي   اشتد فيه التمايز بين طبقات الشعب وفنائه، على خلاف ما كان الأمر عليه في فجر الإسلام وريقه من تضامن عميق بين الناس. فلقد تكونت في العصر العباسي طبقات اجتماعية مستندة إلى فروق اقتصادية بارزة، بعضها متمول مترف مجدود، وبعضها فقير مكدود مجهود. ولا ننس أننا هنا من زمن أبي تمام في عصر تبدأ فيه فتن وثورات متعددة.
كذلك تكونت طبقات عرقية كانت تتنافس ظاهرا وباطنا على الحكم. وأهمها الفرس الذين كانت تتألف منهم غالبية موظفي الإدارة والدواوين، وكانوا يدخلون على الدولة عاداتهم وأزياءهم القديمة التي ورثوها عن أجدادهم. وكانوا ينتحلون التشيع كأنما يريدونا أن يدلوا على الخلفاء العباسيين، ويشيروا من طرف خفي إلى اغتصابهم حق الخلافة، وينالوا لقاء سكوتهم درجات أعلى في الدولة.
وقد بدأت تتوطد في زمن المعتصم طبقة الترك التي كانت تؤلف أغلبية الجيش وقواده، أما العرب فكان منهم بيت الخلفاء والأمراء والعلماء والقسم الأكبر الأعم من الشعب. وأصبح الخليفة القوي بعد ذلك من يستطيع أم يجد من نفوذ الفرس المهيمنين على جهاز الإدارة ومن سيطرة الترك الذي كانوا يملكون زمام الجيش.
ولم يكن بد لهذا العصر المعقد من أن تلوح صور عناصره المتشادة المتضادة المشتبكة في فن شاعر صناع ملهم، عاش حياة عصره واشترك في إحداثها ما أمكن له الاشتراك. ولقد أدرك  أبو تمام رسالة الشعر في ذلك المجتمع المعقد، وفهم غايته السامية النبيلة.
فالشعر ليس مجرد فن كملت عناصره وأتقنت أداته، وبلغ الأوج في الإبداع والصناعة الفنية، وإنما هو وسيلة للحفز على المعالي، وحث على تحقيق القيم الرفيعة، وسعى لتأليف عناصر الدولة وإشادة بأبطالها الذين يخدمون القضايا العربية. إنه شعلة توضح سبل المكارم وطرق التقدم. وهذا يتجلى في بيت أبي تمام المشهور:
ولولا خلال سنهـا الشـعر مـا درى
                بغـاة العـلا من أيـن تؤتـي المـكارم
وإذا لجأ شاعر كبير مثل أبي تمام إلى المديح وإلى الرثاء، فإنما مثله مثل النحات أو المصور، يمثل الخصال الحميدة، والمآثر الكريمة، ويصور الشمائل الإنسانية العالية والمناقب الرفيعة، لتكون قدوة تحتذى، وأسوة يؤتسى بها، وسبلا تسلك. أما الأعطيات فكانت مثوبة للشعراء وتقديرا لفنهم ونوعا الرعاية لهم والرغبة في تفرغهم وانصرافهم إلى تجويد فنهم. كان الفن بالنسبة إليهم صنو المجد والبطولة.
فكما أن المجد والبطولات تخترع المعالي اختراعا، وتأتي بالأمور الباهرة العظيمة الغريبة، كذلك ينبي أن يخترع الشاعر معانيه وصناعته اختراعا، ويبدع فيها إبداعا، لأنه لا فن إلا بالطريف المبكر.
يقول أبو تمام في ممدوحه:
غـربت خلائقـه فأغرب شاعـر
            فيـه فأبـدع معـرب في معـرب
إن الشعراء العرب كانوا متصلين بالواقع متقيدين به، لا يتصورون في الغالب قيمة من القيم إلا وهي متمثلة في إنسان، ولذلك كانوا ينوهون بتلك القيم العالية في ممدوحهم ومرثيهم. كانت هذه طريقتهم في الماضي ولا نستطيع أن نفهم فنهم بدون ذلك.
ولقد كانت المشاعر العربية تملأ  قلب أبي تمام، وهو الشاعر الطائي لا كما يدعي خصومه وبله المستشرقين، فكانت تلك المشاعر تتلألأ كالنور من خلال مصوغ شعره الحالي، ومؤثل بيانه العالي.
وهو لم يترك موقعة خاضها العرب إذ ذاك إلا وخاضها بلسانه، وأبدع فيها ما شاء له الإبداع، وحباها صفة الخلود الفني. لم يكن قابعا في بيته، ولا منزويا في برجه، وإنما كان يطوف في البلاد العربية بالغا إلى الثغور البعيدة والخطوط الأمامية، متحسسا رحي الميدان، متسمعا إلهام الواقع متلمسا أصيل البيان. بقي شعره في عمورية أخلد من عمورية نفسها على أهمية هذه المعركة القومية التي كما جاء في قوله عن الروم:
أبقـت بني الأصفر المصـفر كاسمـهم
          صفـر الوجـوه وجلـت أوجـه العرب
ولقد مدح الأفشين القائد الكبير التركي النسب، الفارسي اللقب، حين خدم الدولة والعرب. ولما ظهرت خيانته وقتله الخليفة واحرقه، نهد أبو تمام فدعم اتجاه الخليفة وأحرقه الأفشين بنار شعره وأدخله نار الجحيم  قبل يوم الجحيم:
صلى لـها حـيا وعـذب ميـتا
           فيهـا ويدخـلـها مع الفجـار
ونجد من ثنايا أشعاره كلها تلك العاطفة العربية العريقة العميقة التي تنوه دائما بجمع قبائل العرب، وتنبههم على مكايد الأقوام الأخرى ممن لم يبلغ الإيمان إلى قلوبهم. فهو يندح حفص بن عمر الازدي الذي كان وجيها من وجهاء العرب في بعض الثغور المتطرفة ويذكر ما لحفص هذا من فضل في جمع القحطانيين والعدنانيين وتوكيد وحدتهم:
وأنـت وقد مجـت خراسـان داءها
          وقد نغـلت أطرافها نغـل الجلـد
وأوباشـها خـزر إلى العـرب الأولـى
        لكيما يكـون الخـر من خـول العبـد
ليالـي بات الـعز في غيـر أهلـه
              وعـظم وغد القـوم في زمـن الوغـد
وما قصـدوا إذ يسبحـون على المنـى
             برودهــم إلا إلـى وارث البـرد
ورامـوا دم الإسـلام لا من جـهالة
          ولا خطـا بل حاولـوه علـى عمـد
فمحـوا به سمـا وصـابا ولو نـأت
           سيوفك عنهـم كان أحلـى من الشهد
ضمـمت إلى قحطـان عدنـان كـلها
         ولم يجـدوا إذ ذاك مـن ذاك مـن بـد
فأضـحت بك الأحيـاء أجمـع ألفـة
           كما أحكمـت في النظـم واسطـة العقـد
وكذلك كانت الغابة من الرثاء التنويه بالمجد والبطولة والقيم الرفيعة. وقد برز ألو تمام في مناوحه كما برز في مدائحه. وحسبنا أم نشير ولو قليلا إلى مرثيته في محمد بن حميد الطوسي.
فلقد أرسل الخليفة هذا القائد العربي لمحاربة بابك الخرمي الذي ثار في الجبال على الدولة العربية في حدود جمهورية أذربيجان الحالية. فلما بلغ منطقة بابك الجبلية عربيا من« هشتادسر» وزع قسما من جنوده للقتال وتقدم بهم.
 ولكن العدو علم بأمرهم فكان بابك يشرف عليهم من الجبل وقد كمن الرجال تحت كل صخرة. فلما صعد أصحاب القائد العربي في الجبل مقدار ثلاثة فراسخ لاجتياح معاقل العصاة، خرج عليهم الكمناء، وانحدر بابك إ ليهم فيمن معه، وانهزم الناس، فأمرهم محمد بن حميد بالصبر فلم يفعلوا ومروا على وجوههم والقتل يأخذهم.
 ويذكر التاريخ أن القائد العربي صبر مكانه، وفر من كان معه غير رجل واحد، ورأى جماعة وقتالا فقصدهم، فرأى الخرمية يقاتلون طائفة من أصحابه، فحين رآه الخرمية قصدوه لما رأوا من حسن هيئته فقاتلهم وقاتلوه، وضربوا فرسه بمزراق فسقط إلى الأرض، واكبوا على محمد بم حميد فقتلوه. ولما وصل خبر هذه الهزيمة إلى بغداد وإلى المأمون عظم ذلك عنده جدا.
هنا تأتي رسالة الشعر لبعث الهمم من جديد، لقد هز مقتل ذلك البطل العربي نفس أبي تمام هزا عنيفا، فها هو ذا يغمس طرف ردائه في مداد، ثم يضرب به كتفيه وصدره إلزاما لنفسه تألبن الشهيد وتخليد اسمه أخرى الدهر، ولكي يرى الناس أن الأبطال إذا استشهدوا في المواقع، فهم إحياء عند الله مخلدون في الفن. وهاهو ذا ينشد مرثية من أجمل مراثي قرطبة:
كذا فليجـل الخطـب وليفـدح الأمـر
           وليس لعيـن لم يـفض ماؤها عـذر
يقول فيها:
فتـى كلـما فاضـت عيون قبيلـة
         دما ضحكت عنـه الأحاديـث والذكـر
فتـى دهـره شطـران فيما ينوبه
       ففي بأسـه شطر وفي جـوده شطـر
فتى مات بيـن الطعن والضرب ميــتة
         تقوم مقـام النصر إن فاتـه النصـر
وما مات حتى مات مضــرب سيفـه
        من الضـرب واعتـلت علـيه القنا السمر
وقد كان فـوت الموت سهـلا فرده
        الية الحفـاظ المر والخـلق الوعـر
ونفـس تعـاف العار حتـى كأنما
      هو الكفـر يـوم الروع أو دونه الكفـر
فأثبـت في مستـنقع المـوت رجلـه
     وقال لها من تحـت أخمصـك الحشـر
يصف الشاعر بإشارات خاطفة ومجازات معبرة كيف استشهد المرثي، سرعان ما يبدل ببراعته الفنية ثيابه الملطخة بالدم الأحمر ويكسوه حللا سنية من السندس الأخضر:
 تـردي ثيـاب المـوت حمـرا فمـا دجـا
                     لها الليل إلا وهي من سنـدس خضـر
هذه القصيدة كان لها وقع ضخم بين الأمراء والقواد. ويؤثر القائد العربي أبو دلف العجلي هذه على الحياة نفسها فيقول لأبي تمام: « وددت والله إنها لك في »فيقول أبو تمام: « بل أفدي الأمير بنفسي وأهلي وأكون المقدم قبله » فيقول أبو دلف:« لم يمت من رثي بهذا الشعر».
ولم يلبث الأمراء والقواد بعد أمد أن أعادوا الكرة  على بابك، وكان من أبرز هؤلاء القواد الأميران العربيان، أبو دلف العجلي وأبو سعيد الثغري، الذي اشترك في المعركة السابقة والافشين التركي قبل خيانته. وكان النجاح الضخم في القضاء على بابك يرجع إلى الخطة التي اقترحها القائد العربي أبو دلف كما أن الذي أسر بابك إذ هرب بعد اجتياح قلاعه أصحاب أبي سعيد الثغري. وقد ذكر أبو تمام ذلك كله في شعره.
كان أبو تمام أذن على حد تعبيرنا اليوم شاعرا ملتزما خدم المجتمع والدولة. ولكن هذا الشاعر الكبير يتجاوز الناحية الأدبية الشخصية، فيرى من جهة ثانية أن الشعراء والأدباء يمتون جميعا إلى أسرة واحدة، هي أسرة الأدب والفن والفكر، يفرح أحدهم بالآخر فرحا جعله الشاعر مثلا سائرا « وفرحة الأديب بالأديب».
الأدب أبوهم والآثار الفنية أبناؤهم. وهو القائل في علي بن الجهم الشاعر المشهور:
أن يكـن مطـرف الإخاء فانـنـا
         نغـدو ونسـري في إخـاء تالـد
أو يختلـف ماء الوصـال فماؤنـا
        عذب تحـدر من غمـام واحد
أو يفترق نسـب يؤلـف بيـننا
          أدب أقمـنـاه مقـام الوالـد
كل هذا ليس إلا جانبا من شخصية أبي تمام الأدبية الإنسانية العالية الممتازة. يقول علي بن إسماعيل النوبختي: والله يا أبا الحسن لو رأيت أبا تمام لرأيت أكمل الناس عقلا وأدبا، وعلمت أن أقل شيء فيه شعره».
أما الذين لا يفهمون أبا تمام ولا يفهمون الأدب العربي، ويتحدثون عن الآداب الأجنبية دون أن يفهموها أيضا، فمثلهم عندنا في الحمق والغباوة والجهل كمثل تلك المرأة التي يذكر المؤرخون أنها خرجت تستقي ومعها أختها. وكان أبو تمام قد رجع إلى ربوع بلده وضرب خياما وأظهر نعمة وأثاثا فصادفته المرأة وتأملته زمانا، ثم التفتت إلى صاحبتها وقالت أتدرين الرجل؟ قالت: لا والله! قالت : بلى والله أنا أعرفه. قالت: ومن هو؟ قالت: إنه والله اقيرع جاسم!


(1)أثبتناه. وإنما أوحي لإلى أبي العلاء بهذه الصورة بيتا أبي تمام الآتيان الجهل الرياب» ولم يظهر معنى هذه الجملة المحققة وربما كانت عما الشاطئ: « وعرفت مكان  في   الطبعة التي حققتها 
 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here