islamaumaroc

الضمانات التي يعطيها الإسلام للسلطة الإسلامية

  محمد الطنجي

8 العدد

 من القواعد المسلمة أن العمران لا يزدهر إلا في ظلال الأمن، وأن الأمن وليد العدل الذي هو أساس الملك، إذ بقدر انتشار العدل يأمن الناس من وقوع المظالم في أنفسهم وفي أموالهم ومكاسبهم ومجهوداتهم، ومن أهم ما يصون مصالح الناس ويحفظ الأمن في البلاد القوانين العادلة ونزاهة المكلفين بتطبيقها من جهة، وتطبيقها عمليا على سبيل المساواة من غير ميز ولا محاباة، ومن جهة أخرى أن تكون هذه القوانين لها احترام وتقديس في نفوس من يتحاكمون إليها أو تطبق عليهم، ومن هنا يظهر أن القوانين الصالحة هي التي تكون لها ميزة المحافظة على العدالة وتكون مشتقة من تقاليد الأمة المحكومة بها وأعرافها الطيبة، لأن ذلك ضمان لاستقرارها.                                                   

والمقصود من هذا أن يكون كل من يتحاكم إلى تلك القوانين ومؤمنا بأنها حق وعدل حتى يكون عليه رقيب من ضميره يؤنبه ويردعه إذا حاول الخروج عن مبادئها أو العبث بما تفرضه من أحكام خاصة عليه حتى يؤدي لكل ذي حق حقه.

وهذه القوانين التي يجب احترامها وطاعتها في النفوس قد يكون متعلقها حقوق الأفراد الخاصة، وقد يكون متعلقها الأمة العامة.                                    

وقد كان الرسول عليه السلام يحاول أن يغرس في قلوب أمته وأتباعه احترام الأحكام، وأن يجعلوا محكمة الضمير هي المحكمة العليا بحيث إذا كان ما في واقع الأمر مخالفا لظاهر الحكم فإن الحكم الظاهر لا يعفي المحكوم له من المسؤولية والعقاب الأخروي، وهذا ما يشير له الحديث الصحيح وهو قول النبي عليه السلام: (إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض -أي أفصح بها وأعرف- فأقضى له على نحو ما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار).         

 أما ما يتعلق في القوانين بحقوق الأمة العامة فهو في المغرب من القضايا التي تحتاج إلى تظافر الجهود لتسويتها تعود بالخير العميم على المغاربة جميعا. إذ لا يخفى أن احتكاك المغرب بالأجانب طيلة نصف قرن أوجد اتجاها خاصا نحو الغربيين وأنظمتهم، كما أوجد شبابا مقتنعين بصلاحية تلك الأنظمة سواء كانت تتعلق بالحقوق الفردية الخاصة أو بالحقوق المجموعة العامة، لأنهم درسوا في مدارس عصرية لها تلك الثقافة الخاصة وطابعها الخاص.                                                     

ولا يخفى أن المغرب كان فيه نظام إسلامي ساد قرونا وقرونا، ولازال يحمل عناصر الصلاحية والاستقرار التي حفظت المغرب من الاضطراب أحقابا كثيرة من الزمن، وللنظام الإسلامي علماؤه وثقافته ومميزاته الخاصة، ومن أهم المميزات التي ينفرد بها إلى جانب صلاحيته التامة طابع الاحترام والتقديس في نفوس المؤمنين.    

وعليه فتباين الثقافتين السالفتين يوجب من غير شك تباينا في الاتجاه يناسب ما بين النظام الإسلامي الشرقي والنظام الأوربي الغربي من تفاوت، ولكن بما أن العهد جديد وسعيد، والكل يسعى فيه لمصلحة الوطن ولازدهاره، ولاستقرار الأحوال فيه، فمن المفيد أن يقع تبادل الأفكار حول هذا لتتوحد الوجهة بقدر الإمكان، ومن المفيد أن يسمع الشباب المثقف ثقافة عصرية الصلات التي تربط بين الحاكم والمحكوم في نظر الإسلام، وأن يتمعن في الوصايا والأوامر الخاصة بالراعي ونوابه من جهة، والرعية من جهة أخرى، ويزن العلاقة المقدسة التي ربط بها الشارع الحكيم العهود التي بين الراعي ورعاياه وبينهما وبين الله، حيث اكتسبت بذلك كل هذه العلاقات مكانة وقوة مبنية على العقيدة والدين والعهود المتبادلة بين الجميع. ولا يمكن أن توجد هذه المكانة والقوة بين أي نظام من الأنظمة الوضعية غير السماوية.
                    
 
الميثاق الذي بين المؤمنين وربهم:
المؤمنون يعتقدون أن شريعة الإسلام من الله أوحاها إلى رسوله فبلغها الرسول إلى المؤمنين وأن طاعة الرسول في جميع أوامرها من بذل النفس في سبيلها فما دونه هي طاعة الله سبحانه، لأن الله قال (مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ) [النساء: 80]، ولذلك ارتضى الله مبايعة المؤمنين للرسول تحت الشجرة على الموت دونه وعلى عدم الفرار وقت نشوب القتال، ورضي عن أهل هذه المبايعة فكانت لها النتائج الطيبة. قال الله تعالى (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا‏ وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)[الفتح: 18-19].                                        

وقال في آية أخرى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) [الفتح: 10]. وقد بين الزمخشري معنى قوله تعالى "يد الله فوق أيديهم" حيث قال: يريد أن يد رسول الله التي تعلو أيدي المبايعين هي يد الله، والله منزه عن الجوارح وعن صفات الأجسام، وإنما المعنى تقريرا أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله من غير تفاوت بينهما، كقوله تعالى: ?مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ?، والمراد بيعة الرضوان؛ وهذا ميثاق خطير وعظيم بين المؤمنين وربهم، يرى المؤمنون الوفاء به من ألزم اللوازم، ونكثه وخيانته من أفظع الجرائم، ولذلك وفي به جميع الصحابة وساروا بمسير الرسول، إلا أحد المنافقين المشهورين بالنفاق، قال جابر بن عبد الله: بايعنا رسول الله تحت الشجرة على الموت وعلى أن لا نفر، فما نكث أحد منا البيعة إلا جد بن قيس، وكان منافقا اختبأ تحت إبط بعيره ولم يسر مع القوم.

نفس قداسة هذا الميثاق تكون بين الإمام ورعيته بنص كلام الرسول:                
أخرج الإمامان البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني"، وروى الإمامان أحمد والنسائي عن ابن عباس في قوله تعالى (أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) [النساء: 59]، قال: نزلت في عبد الله ابن حذافة بن قيس بن عدي، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية. قال العلامة المحدث الشوكاني: هذا الحديث فيه دليل على أن طاعة من كان أميرا إطاعة له صلى الله عليه وسلم، وطاعته طاعة لله وعصيانه عصيان له، وعصيانه عصيان لله، وقد قدمنا من الأداة الدالة على وجوب طاعة الأئمة والأمراء في باب الصبر على جور الأئمة من آخر كتاب الحدود ما فيه كفاية فليرجع إليه، وقد نص القرآن على ذلك فقال: (أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ)، وهي نازلة في طاعة الأمراء كما في رواية ابن عباس المذكورة، وقد قيل إن أولي الأمر هم العلماء، كما في الكشاف وغيره من كتب التفسير.

وقد بان واتضح من هذه النصوص أن الميثاق والعهود المبرمة بين المؤمنين وإمامهم الذي له نواب مسلمون في كل ناحية، تعتبر في واقع الأمر بينهم وبين ربهم، لأن طاعة الأمير طاعة للرسول وطاعة الرسول طاعة لله؛ فلطاعة الأمير ونوابه المخلصين المسلمين نفس التقديس والاحترام، وعليها يرجو المؤمنون الثواب والجزاء من الله في الآخرة، وهذه ضمانة كبرى دينية ببعث كل المؤمنين على العمل لاستقرار الأحوال بالطاعة والامتثال.                                                   

ولابد هنا من تذكير القارئ بأني أتكلم عن الضمانات التي يعطيها الإسلام للسلطات الإسلامية في البلاد، وهي تشمل الإمام ونوابه بصفة كونهم مسلمين فقط، أما اعتماد غير المسلمين، أو العمل بإشارتهم، فإني أعلم أن ذلك حال اضطرارية مؤقتة حسب وجهة النظر الرسمية، لها حكم خاص لا أريد الخوض فيه.        
 
تقييد طاعة الأئمة بأن تكون في المعروف                     
تقييد الطاعة التي أمر بها الله للأئمة بأن تكون منحصرة فيما يعتبر طاعة لله، وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر، واضحة بينة معروفة مادام الأمير مسلما مقيدا بشريعة الحق وناصحا لدينه وأمته، ولكن الشريعة الإسلامية التي اعتبرت العهود بين الله وبين عباده بتلك المكانة من التقديس والاحترام أوضحت المقاصد وأزالت كل لبس ليتبين بكل وضوح مرماها ومقصدها، قال الرسول الكريم: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها، وهي مسؤولة عن رعيتها، والعبد راع في مال سيده، وهو مسؤول عن رعيته، ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول".        
وقد تحددت هذه المسؤولية في النصيحة جهد المستطاع والعمل في الرعايا فيما يخص إمارة المؤمنين بكتاب الله وسنة رسوله، ومن هنا نشأت الخلافة الإسلامية أو إمارة المؤمنين ودرج عليها المسلمون في المشرق والمغرب منذ وفاة الرسول عليه السلام إلى الآن.                                
وإن من يطالع سجلات البيعات لأمراء المؤمنين سواء في المشرق والمغرب، يجد في جميعها المبايعة على أساس العمل بكتاب الله وسنة رسوله، فزيادة على نصوص المسؤولية وتحديدها، وقع تسجيل ذلك في المبايعات، فدل ذلك دلالة قاطعة لكل شبهة على أنه ليس في الإسلام ملكية مطلقة كما يسطر هذا بعض من لا اطلاع له على التشريع الإسلامي في هذا الموضوع، ولا على وثائق وسجلات المبايعات لأمراء المؤمنين، نعم يمكن أن يقال إن في ملوك المسلمين من نكث العهد وصار مستبدا ظالما يحكم هواه، أما أن يقال إن الإسلام فيه الملكية المطلقة المستبدة التي لا تستند إلى قانون في أصل وضعها، فذلك كذب على الإسلام والتاريخ، وعلى الملوك الصالحين أيضا، روى البخاري من حديث أنس، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عبد حبشي رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله تعالى)، وأخرج الشيخان وغيرهما من حديث ابن عمر: على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة.                                 

ووردت أحاديث كثيرة في الحض على لزوم الجماعة، منها ما رواه الإمامان أحمد ومسلم عن عوف ابن مالك الأشجعي قال: سمعت رسول الله صلى اله عليه وسلم يقول: خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم، قال: قلنا يا رسول الله: أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة إلا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدا من طاعة.

فأنت ترى أيها القارئ الكريم أن هذه العهود والمواثيق بين المؤمنين وإمامهم وبينهم وبين ربهم تجعل جماعة المؤمنين كتلة واحدة، تتعاون فيما بينها على تنفيذ تلك العهود، وتعتبر نفسها مطيعة لله ولرسوله بالقيام بتلك الالتزامات جميعها، وهذا ما يجعل الإمامة الإسلامية راسخة الدعائم بقدرة قوة الإيمان في النفوس، وقد اعتنى الأسلاف رضي الله عنهم فجعلوا للإمامة شروطها وأدخلوها في مباحث علم العقائد والتوحيد لما يترتب عليها من المقاصد الجليلة.

فإذا دعا علماء الدين المخلصون إلى التمسك بالإسلام، وتطبيق شرائعه وحدوده، والمحافظة على عهوده، فما ذاك إلا أنهم يرون في كل ذلك: أن الرباط المقدس المتين الذي يربط بين الأئمة ونوابهم من جهة، وبين عامة الرعايا من جهة أخرى في شرع الإسلام، هو أضمن رباط لاستقرار الأحوال وضمان الاستقلال، لأن حصانة الاعتقاد لا تترك فيه ثغرة للاضطراب، أو منفذا لتيار الأهواء وأعاصير الفتن التي تتعرض لها العلاقات التي لا تقوم على هذا الاعتقاد المتين، وهذا ما نعلم منقذ المغرب مولانا الإمام محمد الخامس مجدا في تحصيله لأمته وعاملا على تنفيذه فيها، ترضية لنفسه المتفانية في حب الإسلام وإحياء لشريعة جده عليه السلام وإسعافا لرغبة رعاياه المسلمين الذين يرون سعادة المغرب منذ كان في الإسلام، به ابتداء مجد المغرب وبه يعود، وقد بلغ من حرصه على تنفيذ هذه الأمنية أن ترأس لجنة وضع القانون الإسلامي بنفسه. وفق الله مولانا الإمام وحكومته الموقرة لما فيه خير البلاد والإسلام.
                                               إجازة
الحسن بن علي المعروف بابن العلاف قال: بت ليلة في دار المعتضد مع جماعة من ندمائه، فأتانا خادم ليلا فقال: أمير المؤمنين يقول أرقت الليلة بعد انصرافكم، فقلت هذا البيت من الشعر:
ولما انتبهنا للخيال الذي سرى      إذا الدار قفر والمزار بعيد
وقد استعصى علي تمامه فمن أجازه بما يوافقه في غرضه أمرت له بجائزة.
قال فارتج على الجماعة كلهم، وكلهم شاعر وفاضل، فابتدرت وقلت:
فقلت لعيني عاودي النوم واهجعي     لعل خيالا طارقا سيعود
فرجع الخادم ثم عاد فقال: أمير المؤمنين يقول قد أحسنت وأمر لك بجائزة.

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here