islamaumaroc

الفكرة الإسلامية وجائزة نوبل

  دعوة الحق

38 العدد

نشرت الجرائد خبرا مفاده أن النوادي الثقافية قد رشحت الفيلسوف المسلم الجزائري «مالك بن نبي» لجائزة نوبل بعد أن درست مؤلفاته درسا دقيقا فوجدت أفكاره تدعو للسلام ولانقاذ البشرية، واعتراف هذه النوادي بفلسفة مالك وبدعوتها للسلام شهادة قيمة على حاجة الإنسانية لحل مشاكلها على ضوء أفكار مالك بن نبي، وما أفكار هذا الفيلسوف المسلم إلا الفيض الإسلامي وتعاليمه التي امتزجت بلحمه ودمه وأعصابه، وأصبحت الموجهة لضميره بعد أن آمن بها عن علم ودرس.
ولم يكن في الخبر غرابة بالنسبة لما يستحقه مالك، فلقد رشح لتلك الجائزة بل أخذها من هم أقل منه دعوة إلى السلام وأكثر الناس انحرافا عن الغايات الإنسانية المثلى، ولكن الغرابة أن يرشح من بلد أجنبي في حين يكفر به قومه أو بمعنى أصح يجهله قومه جهلا يكاد يكون عاما مع أن الأستاذ مالك نسيج وحده في فلسفته وفي تاريخ أمته الإسلامية، ولقد تحدثنا عن بعض سمات فلسفته في بعض أعداد هذه المجلة، ونريد اليوم أن نعطي نظرة أخرى عن طبيعة فلسفته ومنبعها، ففلسفة مالك تمتاز بمواجهة المشاكل مواجهة اجتماعية علمية واقعية تعنى بتحديد الأمراض الاجتماعية تحديدا علميا وتعطي بعد ذلك الدواء الشافي بعد دراسة طويلة نالت من أعصابه ودمه ورزقه وأهله. ولم تقف فلسفة مالك أمام عوارض الأمراض التي ضللت كثيرا من المصلحين وألهمتهم عن حقيقة الدواء بل اقتحمت فلسفته تلك المظاهر إلى حقيقة المشكلة التي تتولد عنها جميع المشاكل الأخرى، فهناك التفرقة والفقر والحسد والخيانة والكسل والجهل والمرض والانحطاط إلى آخر قائمة الأمراض الاجتماعية والخلقية التي ما تزال تنخر عظام كياننا رغم مجهودات شتى في سبيل مقاومتها تلك المقاومة التي كانت غافلة عن حقيقة المشكل ومكمن الداء.
ومالك ما وقف موقف أولئك من تلك القائمة وإنما صرح بأن تلك القائمة تحتوي على أعراض فحسب كارتفاع درجة الحرارة نتيجة الحمى واصفرار العين لاضطراب في الكبد، ولهذا يجب أن يبتر المرض من جذوره وأن لا يكتفي بتضييع الوقت في تناول العلاج بالنسبة للأعراض لأن هذا قد يفيد في تغطية أعراض المرض، ولكن لا يفيد في القضاء عليه وإن كان يتيح للمرض أن يتعمق في كيان الأمة ويستفحل خطره مما يؤدي إلى زيادة الضعف والاضطراب .
ولقد توصل مالك في كتابيه «شروط النهضة» و «فكرة الإفريقية الأسيوية» إلى تحديد المرض على نحو منهجي لا يدع مجالا للاعتراف به، وقد اشتق له اسما من طبيعته فأطلق عليه «القابلية للاستعمار» التي ينتج عنها جميع الأمراض الاجتماعية ومنها الاستعمار الذي هو النتيجة الحتمية لتلك القابلية، ولهذا لا يمكن القضاء على الاستعمار وعلى تلك الأعراض الأخرى إلى بالقضاء على القابلية للاستعمار ولا دواء لها إلى الحضارة.
وهذه الفلسفة التي تعمق فيها مالك وأولاها عناية وبحثا مستقاة من تعاليم الإسلام، ولهذا اتخذ مالك قوله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم). رمزا لكثير من أفكاره، فالإسلام يرى أن التقدم والحضارة والفلسفة كل ذلك أساسه العقيدة المتينة التي تطهر النفوس وتسمو بها وتمدها بعناصر .

ملاحظة: سيتابع الكاتب في العدد القادم نشر مقاله المتسلسل عن منهاج محمد عبده في الإصلاح القوة والمناعة والحصانة ضد الأمراض النفسية والفكرية، وأن النعم دائما ناتجة عن الإيمان بالمنعم وإلا فإن تلك النعم تستحيل إلى نقم: وما كان الله مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. ولقد أوصى عمر جيش سعد بأن يكون حذرا من ذنوبه أكثر من حذره جيش العدو وأن تكون الخشية من النفس قبل كل شيء، فهي سبب البلايا والهزائم، وأن الإيمان والتقوى والخوف من الله كل ذلك كفيل بتحقيق النصر على العدو مع قلة عدد المسلمين وعددهم أما إذا تجرد الجيش المسلم من ذلك فقد فقد سر تفوقه وأصبح ضعيفا أمام عدوه، وفي هذا المعنى يمثل الإمام الشهيد حسن البنا: «اخرجوا الاستعمار من قلوبكم يخرج من أرضكم».
من لهم القدرة على التضليل بحسن نية أو سوءها أكثر من لهم القدرة على القيادة الرشيدة التي تعتمد على رسالة واضحة المناهج، مشعة الجوانب شريفة الأهداف،( فالرجل الذي تهمه قيادة الحياة العامة لا يتصور الأشياء لكي يقوم بتحقيقها بل ليقولها) وينشد فيها قصائد عصماء ويتخذها مادة للكتابة والحديث والخطابة في المناسبات دون أن يكون لتلك الأشياء أي مدلول اجتماعي في ذهنه، ولقد كنا نتحدث مع بعض القادة العرب في مشاكل اجتماعية كان يجب أن تأخذ نصيبها من الدرس والعناية في العالم الإسلامي فرأيناه يتبرم من الحديث ويفر- أخيرا – من مشاركتنا، وقال في النهاية:« استبدلوا هذا الحديث بما هو خير».. وما هو خير يا سيدي؟ إنها الجدل الفارغ والقدرة على العبث بالمثل، وإنشاء وهم المبادئ تبعا للمصالح والأغراض.. إنها في رأي مالك أخطر مؤامرة على الشعوب الإسلامية لتضليلها عن الحقائق، وإمعان السير بها نحو الإغراق في القابلية للاستعمار، لأن السياسة تستفيد من انحطاط الأفراد لانعدام المقاييس عندهم مما يسهل على المضللين، والمهرجين التلاعب بعقول الضعاف وقلب الحقائق تبعا لحقيقة الانحراف الخلقي الكامن في السياسة أو ما يعبر عنه العوام بلفظة «بوليتيك».
وعالمنا الإسلامي مزيج من عناصر ثقافية متنافرة، فهناك رواسب قديمة فيها الغث والسمين، ولكن الملاحظ أن هذا« الخلط » في التركيب أنتج الخلط في المقاييس والسلوك، فليس ثمة انسجام لأنه ليس ثمة في الأساس اتصال طبيعي بين هذه العناصر إلى غربلتها غربله دقيقة ونقدها باستمرار لتعيين الظروف التي تعين على ملاءتها للمجتمع الذي يستعيرها وكل هذا من أجل تكوين حضارة جديدة في العالم الإسلامي تنقد الإنسانية جميعها، فالإنسانية تعيش أزمات خطيرة في عالمنا الحاضر، هذه الأزمات التي تولدت من اعتماد العالم التحضر على مبدأ القوة وتوجيه كل الإمكانيات للتسلح والتقدم في اختراع المدمرات  مما جعل الحياة لا تطاق لما يحيطها من رعب واضطراب، وما ذلك إلا من انفصال الضمير عن العلم، وابتعاد الضمير عن التوجيه والقيادة، وتجريد العلم من الضمير دفع العلم إلى السير في طريق غامض يؤدي في النهاية إلى الأخطار إذ أن الغاية المثلى لم تعد هدفا للجميع بل أصبحت القوة تخدم نفسها وأصبح الإنسان الذي ظن أنه يسيطر على المادة خاضعا لهذه المادة عابدا لها تسخره حيث شاءت فنسي سعادته بل فقد الزمام لقيادة نفسه ليرضي هذه القوة الجبارة التي انطلقت من عقالها كمارد جبار تتحكم في مصير العالم. وأن ما تعيش فيه الإنسانية من شقاء ومن لهاث في الدروب الحياة الناشئ عن النضوب في الضمير الأوربي الذي يتزعم الإنسانية ويقودها، لأن قيادته ما تزال متأثرة بفكرة الإمبراطورية الرومانية المتشبعة بالروح الاستعمارية- فالعالم غير الغربي مترجم هناك بالأرقام والمواد الخام ووسائل استيراد الرفاهية لرجل الغرب، ولكن ضمير هذا الغربي متعفن في علاقته مع الشعوب المغلوبة على أمرها بل أن هذا التعفن أثر في علاقة الذئاب مع بعضها مما جعل خط واشنطن- موسكو يعتمد على «القوة» في حل مشاكله في حين يحتاج العالم اليوم لحل أزماته ومشاكله إلى قاعدة أخلاقية تحل محل قاعدة القوة التي دفعت بالإنسانية نحو خطر يهددها في كل لحظة مما جهلها تقترب من الفناء المحقق في لحظة خاطفة...انقادا وسعادة. وقديما وقف رسول الله(ص) ذلك الموقف الرائع تجاه أعدائه: كفار قريش عندما اقتحم عليهم بلدهم وانتصر عليهم فلم ينتقم ولم يثار لأن أهداف الإسلام أسمى من هذه النوازع البشرية: فلقد قال(ص):«اذهبوا فأنتم طلقاء» وقيل ذلك قال:«اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»..
وهذه الفكرة التي يدعو إليها مالك بكل ما حباه الله من عبقرية وجهود- واستجابة مالك لهذه المحاولة الفلسفية العلمية  كانت استجابة عميقة تخطت الغريزة والقانون إلى أعماق الأحاسيس الإنسانية، إلى جوهر الروح المتشبع بجوهر الدين، فهو لم يستهدف في محاولته الحضارية هذه عدوانا ولا انتقاما شرعيا للضحايا التي تتساقط من أنته في الجزائر وغيرها، على يد جلادي الحضارة الغربية في صورة وحشية مثيرة، وإنما يستهدف انقاد الإنسانية، بما فيها الغرب المتحضر، على يد الإنسان البسيط إنسان إفريقيا – آسيا بما لديه من رصيد أخلاقي وروحي يؤهله للقيام بهذه الرسالة الثانية التي نرى الإنسانية اليوم أحوج إليها من أي وقت مضى، لما يهددها  من أخطار الفناء، ولذلك لا نرى أي مبرر لتخوفات بعضهم من قيام حضارة افريقية  أسيوية لأن قيامها لا يعني هدم الحضارة الغربية، وإنما يعني تطهيرها من أسباب الفشل.
فهدف هذه الحضارة الجديدة المنتظرة إنساني بحث، يهدف إلى تكوين المواطن العالمي الذي يتمتع بكافة الحقوق الإنسانية، كما أن عليه واجبات العمل على المحافظة على هذه الحضارة وتنميتها بكل ما هو إنساني ونبيل(1).
ولهذا كان مالك يستحق جائزة عالمية بل أكثر من ذلك، وان كان أستاذنا أبعد الناس عن الشهرة وأزهدهم في بهرجة الحياة ولا يريد بفكرته وجهاده إلا وجه الله.
وأعظم جائزة يقدمها الأوربيون والمسلمين على السواء لمالك هي أن يتبعوا طريق الله التي تهدف إلى الحق والخير والجمال.      

        

 

 

 

  
       

 

      

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here