islamaumaroc

قراءة في بعض الخصوصيات الثقافية لنظام البيعة بالمغرب، من خلال كتاب "البيعة ميثاق مستمر بين الملك والشعب" لمؤلفته الأستاذة بهيجة سيمو

  محمد حمام

العدد 404 صفر1434ه/ يناير 2013م

يشكل كتاب البيعة ميثاق مستمر بين الملك والشعب الذي صدر عن مديرية الوثائق الملكية بالرباط في سنة 2011 سابقة في بابه ونوعه، ليس في المغرب فحسب، وإنما في العالم الإسلامي بأسره ؛ ذلك لأنه لأول مرة في تاريخ نصوص التشريع الإسلامي نتوفر على متن جامع لنصوص البيعات في مجال محدد وطيلة حقبة مسترسلة لا انقطاع فيها ؛ إنه متن البيعات المغربية خلال الفترتين الحديثة والمعاصرة، أي فترة حكم الدولة العلوية الشريفة لما ينيف عن أربعة قرون. وهذه البيعات هي تجسيد لاستمرارية تاريخية متجذرة في المغرب منذ البيعة الأولى التي أعلنها الأمازيغ لمولاي إدريس بوليلي قرب جبل زرهون. وبعدها تتالت البيعات تلوى الأخرى في فترات انتقال الحكم من أسرة إلى أخرى، ولم يكن هناك بالتالي انقطاع فيها، وظلت متواصلة إلى يومنا هذا، وستبقى مستمرة ما دام المغاربة متمسكين بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها.

إن المتمعن في قراءة البيعات المتضمنة في هذا الكتاب، يكتشف بوضوح ما للبيعة في المغرب من خصوصيات ثقافية، هذا فضلا عما تكتنزه نصوصها من معلومات تاريخية واجتماعية وسياسية وقانونية عن المجتمع المغربي خلال الفترة العلوية.

وهذا العرض السريع حري به أن يقف عند بعض هذه الخصوصيات الثقافية المميزة للبيعة المغربية.

1 – العنوان :

يعد العنوان بمثابة المفتاح الذي منه ينفذ القارئ إلى الكتاب، ويبدو واضحا أن مؤلفة كتاب البيعة ميثاق مستمر بين الملك والشعب الأستاذة بهيجة سيمو قد صاغته صياغة محكمة حيث يثير الانتباه للوهلة الأولى وقرا وبصرا. فكلماته الست جاءت كلها منتهية بحروف جهورية مما أعطاها إيقاعا خارجيا متناسقا وخاليا من السجع الذي دأب عليه الأسلاف في أمثال هذا التأليف. وهذه التآليف معروفة ولا يتسع المقام لذكرها هنا.

وكما هو معروف فبقدر ما يكون العنوان واضحا، بقدر ما يكون معبرا عن محتوى الكتاب. وكلما توفق المؤلف في انتقاء العنوان، كلما انعكس ذلك إيجابا على نفسية القارئ وحفزه على الاطلاع على مضمونه. وليس من المبالغة في شيء القول إن الأستاذة بهيجة سيمو توفقت أيما توفيق في وضع عنوان الكتاب واختيار كلماته، ويتجلى ذلك يما يلي :

- نحويا، جاء العنوان على صيغة مبتدأ ثان لمبتدأ محذوف تقديره هذه اسم إشارة، علما بان من معاني اسم الإشارة التأكيد، والتأكيد هنا يفيذ التخصيص وليس التعميم، بمعنى آخر أن البيعة المقصودة هنا خصيصا، هي البيعة كما هي معروفة تاريخيا بالمغرب.

- ميثاق خبر مرفوع، والميثاق جمع مواثق، ومياثق، ومواثيق، ومياثيق : العهد جمع عهود، ومن ومعانيه الوفاء، والضمان، والأمان والذمة والمودة والوصية، والميثاق، واليمين إلخ ...

- مستمر : نعت الخبر تابع له في الرفع، وهو وصف له، وهو اسم فاعل لفعل استمر الذي يفيد الديمومة، والثبوت، والاطراد والمضي على طريقة أو حالة واحدة، وكل ذلك من طبيعة الحال في الزمان والمكان، وهو ما تبينه كلمة بين التي هي في آن واحد ظرف زمان ومكان (أي تاريخ المغرب ومجاله)، وهو مضاف،

- الملك مضاف إليه، والملك هو صاحب الإمامة العظمى، وولي الأمر، والسلطة على الأمة.

الواو : واو العطف

- الشعب معطوف على الملك في جره. وهو فعل شَعَبَ شَعْباً الشيء بمعنى جمعه.

بمعنى أن الشعب جامع للقبائل والشرائح الاجتماعية المكونة للمجتمع، والعطف هنا يفيد التواصل والتتابع والتبعية والتلازم بين الجانبين (أي بين الملك والشعب).

وهكذا، إذا اعتبرنا اسم الإشارة المقدرة هذه مفيدا للتخصيص، فإنه يبرز أيضا ما لكلمة البيعة من معاني تاريخية عميقة في تاريخ المغرب، فجاء رابطا بين الدال والمدلول (أي مضمون الكتاب)، ربطا أوتوماتكيا.

ولغويا – كما سبق الذكر – يتكون العنوان من ست كلمات ظاهرة مسبوقة بكلمة سابعة مقدرة. وهي كلها كلمات تتكامل في معانيها ودلالتها العميقة، وتبرز بالتالي التلاحم الوثيق الذي نسجته البيعة بين الأمة المغربية وملوكها عبر التاريخ دون تحديد لفترة بعينها. وعدم تحديد الفترة الزمنية في العنوان معناه تجذر البيعة وعراقتها التاريخية في المغرب، وأن البيعات الواردة في الكتاب هي بالتالي امتداد واستمرار لبيعات العصور السابقة للعهد العلوي. مما يعطي دليلا آخر على أن تاريخ المغرب متصلة حلقاته، ولم يشهد في فترة من الفترات قطيعة «Rupture» أو انكسارا كما هو الحال بالنسبة لتاريخ العديد من الدول.

2 - أهمية الكتاب :

للكتاب أبعاد متنوعة ؛ منها ما هو تاريخي، وقانوني، وفني، وتربوي، وثقافي. فالجانب التاريخي بارز أيما بروز بالنظر إلى المعلومات التاريخية الغميسة التي يختزنها والتي لا ترد إلا عرضا ونادرا في المصادر الأخرى. إلى جانب كون هذه البيعات وثائق تاريخية، فهي كذلك وثائق أدبية تعكس إلى حد ما المستوى الأدبي والتوثيقي الذي وصل إليه المغرب في مجال التوثيق سواء في المدن أو البوادي خلال الحقبة الحديثة والمعاصرة التي يغطيها الكتاب.

إن البيعة هي وثيقة شرعية وقانونية تجمع بين طرفين معينين هما الملك والشعب، تستمد شرعيتها من التقاليد الإسلامية المرعية. وجدير بالإشارة إلى أن البيعة لا تنتج عن إكراه أو ضغط ما، وإنما هي طوعية تنتج عن قناعة راسخة تأخذ بعين الاعتبار المصلحة العليا للبلاد. فلو توقفنا عند الكلمات والتعابير الواردة فيها، لوجدنا أنها معبرة عن هذا المنحى، إذ ترد فيها كلمات مثل الاتفاق، ووافق، والاجتماع، وعدم مخالفة الشريعة المطهرة، وبذل المجهود، إلخ ...

ومن الكلمات الدالة على نفس المعنى التي ترد فيها أيضا بيعة الرضى والرضوان، السمع والطاعة. وإذا وردت في بعضها كلمات مثل البيعة التامة الشروط فإنها لم تكن بيعة مطلقة، وإنما هي مقيدة بشروط كأن يرد فيها على سبيل المثال، قدر المستطاع وقدر الاستطاعة، كما تكون في أحايين أخرى مقيدة بشروط محددة ينبغي على السلطان المبايع الالتزام بها، وسأورد في هذا العرض بعضا منها. وكل هذه الشروط تنهض دليلا على أن الحكم في المغرب لم يكن حكما مطلقا، وأن الملك لا يتصرف كيفما يشاء، بل كان يضع نصب عينيه مطالب الرعية قصد تلبيتها ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

ولعل من بين الإفادات المهمة التي بإمكان الباحثين والمؤرخين استغلالها ما ورد في البيعات من معلومات تهم الزعامات المحلية السياسية منها والدينية والعسكرية والقبلية، حيث يمكن من خلالها تتبع قواد الأقاليم وشيوخ القبائل ونقباء الأشراف والزوايا بما يُتيح إمكانية رصد أدوار بعض العلماء والفقهاء في الحواضر والبوادي، وتمكن أيضا من وضع قوائم لقواد الجيش وخاصة منهم جيش الأوداية والﮕيش. وهي أيضا مهمة في معرفة أفخاذ بعض القبائل العربية منها والأمازيغية.

وبخصوص الجانب التقني والفني فقد جاء المؤلَّف آية في الإخراج بالنظر إلى جودة ورقه وجمالية خطوطه، وألوانه الزاهية التي أعطته حلة باهرة، وهو في نفس الوقت تحفة ثمينة لما يتضمنه من خطوط مغربية رائعة خطتها أنامل ماهرة، ونفائس الأختام التي تبهر الناظرين. وتظل هذه المعطيات كلها في أمس الحاجة إلى دراستها دراسة عميقة لاستيعابها واستخراج خصائصها ومميزاتها العريقة والتعريف بها.

أما الجانب التربوي للكتاب فيكمن في كونه يتضمن أنواعا من الخطوط المغربية يمكن الاستئناس بها، وانتقاء بعض النماذج منها لتلقينها في المدارس والجامعات المغربية لتقريبها من الأجيال الصاعدة حفاظا عليها وعلى جماليتها.

وكما سبق الذكر فإن البيعة في المغرب لها عدة خصوصيات تتعلق بشروطها وطقوسها.

ولعل أول هذه الشروط أن يكون هناك شغور في السلطة، وضرورة انتقالها من ملك إلى آخر، إما بسبب الموت، أو العجز أو غير ذلك. وحينما تحصل إحدى الحالتين فإن من يسمون أهل الحل والعقد سواء من الحاشية المقربة من البلاط أو من عامة وخاصة الشعب المغربي، يبادرون إلى إعلان البيعة للسلطان الجديد الذي يحل محل السلطان المتوفى أو السلطان الذي تخلى عن الملك، وذلك وفق شروط منها أن يجتمع المبايعون ويعلنون، طواعية لا كرها، بيعتهم أمام شاهدين عدلين يقومان بتحريرها. ونظرا لحرمة المساجد فكثيرا ما تتم البيعة فيها بعد قراءة خبر السلطان المتوفى أو المتنحي على المنابر. وقد وردت في الكتاب بيعات تمت على هذا النحو. غير أنه في أحيان أخرى نجد أن البيعة بعد أن يتم الاتفاق عليها من طرف القبيلة وساستها وأعيانها وطلبتها وشرفائها وفقرائها كبيرهم وصغيرهم، يتم الإعلان عنها بواسطة البراح في الأسواق وفي أبواب القصور والمساجد. وعلى هذا الشكل تمت مبايعة السلطان مولاي الحسن في شعبان عام 1290ﻫ/24 شتنبر 1873م من طرف قبيلة صنهاجة (إزناكن) الواقعة جنوب الأطلس الكبير الأوسط في إيالة الخليفة محمد بن محمد المزواري الأكلاوي التلواتي. ونفس الأمر حصل قبل ذلك لما بايع أهل شفشاون والأخماس السلطان مولاي عبد الرحمن بن هشام يوم 13 ربيع الثاني وخطبوا بها في المنابر، وكذلك كان الأمر في بيعة أهل دكالة لمولاي يوسف في 2 رمضان 1330ﻫ/15 غشت 1912م، إذ تمت البيعة بالمناداة في الأسواق بأمر الباشا والحضور إلى المسجد الذي كان غاصا بالناس لتلاوة خبر تخلي السلطان مولاي عبد الحفيظ عن الملك.

ويتضح من خلال الإشارات التاريخية المتوفرة، أن يوم إعلان البيعة لم يكن يوما عاديا كباقي الأيام عند المغاربة، لأنه يؤرخ لفترة جديدة، وكانوا يعتبرونه يوما تاريخيا في حياتهم، فيجعلون منه يوم احتفال وحبور ويوما مشهودا. وهو ما حصل عقب بيعة أهل العدوتين الرباط وسلا للسلطان مولاي يوسف يوم عاشر شعبان 1330 ﻫ /25 يوليوز 1912م. حيث قام سكان المدينتين بالاحتفال باعتلائه عرش البلاد وتوليه أمرها. وحينما قام أهل الحوز ببيعة نفس السلطان في 2 رمضان 1330ﻫ/15 غشت 1912، في المسجد وأعلن عنها بالنداء في إيالة الحوز، أخرج القائد أحمد بن عيسى المدافع، وأقيمت الأفراح بإظهار الزينة في الأسواق والحوانيت وصارت بأخبارها الركبان من المتسوقة وغيرهم. هذا ومن الإشارات القوية للاحتفال بالسلطان المبايع أن الناس يستبشرون به خيرا ويتبركون به ويقبلونه كما فعل الوداية وأهل فاس إثر بيعة السلطان سيدي محمد بن عبد الله بمراكش ومجيئه إلى فاس مرورا بمكناس. ومما ورد عند الناصري في الاستقصا بهذا الخصوص، أن نفس السلطان "لما قضى أربه من مكناسة ارتحل إلى فاس، ولما نزل في عساكره بالصفصافة خرج لملاقاته الوداية وأهل فاس، فهش (ابتسم) للناس وألان جانبه لهم واختلط بهم، فكانوا يطوفون به ويقبلون أطرافه، ولا يمنعهم أحد ... ولما حضرت الجمعة جاء من المحلة في ترتيب حسن، وزي عجيب، فخرج أهل البلدين لرؤيته وامتلأت الأرض من العساكر والنظارة، ودخل فاسا الجديد فصلى به الجمعة، ثم جلس الفقهاء وسأل عنهم واحدا واحدا حتى عرفهم ..." .

وإذا كانت البيعة ذات طابع ديني واحتفالي، فإنها أولا وقبل كل شيء وثيقة قانونية ودستورية تعد الرابط الأسمى بين الملك والشعب. ومن ثمة فهي شريعة بين الجانبين تحدد التزاماتهما بشكل واضح، مما يبين أن البيعة في المغرب لم تكن بيعة مطلقة، بل هي بيعة مشروطة، إذ يلتزم بها الناس طواعية ودون إكراه، وقدر المستطاع، فإن العديد منها تضع شروطا إن لم نقل مطالب ينبغي على السلطان المبايع احترامها، كما يتعهد الطرف المبايع بالكف عن بعض الأعمال المضرة كقطع السبل والسرقة وغير ذلك من الأعمال المشينة. وكان الناس ينتهزون فرصة إعلان البيعة الجديدة للتذكير بالشروط القديمة التي كانت بينهم وبين السلطان المتوفى. وهذا ما نجده واردا في بيعة الشرفاء الأدارسة وأهل مكناس لمولاي عبد الرحمان بن هشام في يوم 14 ربيع 1238 ﻫ/29-12-1822م إذ بايعوه وفق ما كانوا قد بايعوا عليه سلفه السلطان مولاي سليمان "بأن لا يرحلهم من حضرة مكناسة ولا يلزمهم بالحركة في فصل الحرث، وأيام المصيف، ويحركون في الربيع والخريف، وأن لا يبيع الحنطة للنصارى، وأن يكثر عددهم بجمع ما تفرق من إخوانهم، وأن يمدهم بالخيل والسلاح كما وعدهم، ولا يهمل أمرهم وأن يحسن لمحسنهم، ويعفو عن مسيئهم ولا يواخذهم بما اقترفوه". ومن الشروط الواردة في بيعة حوز مراكش والرحامنة ومسفيوة وزمران لمولاي عبد الرحمان بن هشام في 20 ربيع الثاني سنة 1238/ الموافق 4 يناير 1823 م "أن لا يمكن السلطان النصارى من الزرع والصوف والزيت سرا وعلانية، وأن يرد أهل الذمة (اليهود) إلى الصواب ...". هذا، وحينما يتفاقم الوضع الداخلي وتحدق الأخطار الخارجية بالبلاد فإن شروط البيعة تأتي على شكل خارطة طريق ينبغي على السلطان المبايع الأخذ بها والعمل بها لتجاوز تلك الظروف الصعبة. وإلى هذا الأمر تشير بيعة أهل فاس للسلطان مولاي عبد الحفيظ في فاتح ذي الحجة عام 1325 ﻫ/ الموافق ليوم 5 يناير 1908م.

وهكذا تأرجحت تلك المطالب بين ما هو سياسي – ديبلوماسي وما هو ديني – اجتماعي ؛ وجاء في مقدمة تلك المطالب أن يسعى السلطان الجديد إلى إبطال ورفع الشروط المحجفة التي فرضتها اتفاقية الخزيرات على المغرب سنة 1906، وأن يعمل جاهدا لاستعادة المغرب لسيادته على حدوده، وأراضيه المغتصبة من قبل الدولتين الاستعماريتين : فرنسا وإسبانيا، وتخليص المغاربة من الحمايات القنصلية، وإن اقتضى الأمر التحالف مع الأتراك ومع الأمم الإسلامية الأخرى لمواجهة المد الاستعماري الأوروبي، واتخاذ ما يلزم من إجراءات وقرارات للدفاع عن البلاد والعباد، وإزالة ضرر المكس (أي الترتيب)، والاهتمام بنشر العلم وتقويم الوظائف والمساجد، وتنظيم الأحباس، وتبوأ أهل الصلاح والمروءة والورع للمناصب الدينية، وثني العمال عن التدخل في الخطط الشرعية (أي فصل السلط الإدارية عن السلط القضائية)، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بمنع استبداد كبراء القوم، والعناية بالشرفاء والعلماء، وغير ذلك من الإجراءات القمينة بأن ترفع الأذى والمضرة عن المغرب. ومقابل تلك الشروط يتعهد المبايعون للسلطان بالطاعة، وإجماع كلمة الإسلام والجماعة، وإقامة الشريعة على السمع والطاعة، والكف عن الإيذاء والسرقة، وخيانة الطريق، والبغي، وخذلان الرفيق، هذا مثلا ما تعهد به عرب الحياينة للسلطان مولاي عبد العزيز في بيعتهم له يوم 17 ذي الحجة عام 1311 ﻫ / الموافق ليوم 21 يونيو سنة 1894 م.

أما بيعة أهل تازة (شرفاء وعلماء ومرابطون وعوام وخواص) للسلطان مولاي عبد الحفيظ في 12 شعبان 1327 ﻫ / الموافق ليوم 29 غشت سنة 1909، فيمكن اعتبارها بمثابة تبرئة الذمة بانخراطهم في سلك الجماعة، وإنكارهم ولاية الفتان بوحمارة عليهم، وعدم الاعتراف بسلطته عليهم.

وأخيرا لا بد من الإشارة إلى أن البيعة، يمكن أن تثير قضية حيوية وبالغة الأهمية بالنسبة لمنطقة من المناطق، أو قبيلة من القبائل. ويبدو هذا الأمر واضحا فيما ورد في بيعة قبائل بني مكيلد وزيان لمولاي عبد الرحمان بن هشام المؤرخة في 11 جمادى الأولى عام 1238ﻫ/ الموافق ليوم 24 يناير 1823م ومما جاء فيها أنهم : "بايعوه على العهد والصدق، وعدم قطع السبل في الأماكن التي تجاورهم حسبما كانوا عليه من الحزم والضبط في ذلك، وافترقوا عليه مع عمه السلطان مولاي سليمان تغمده الله برحمته ...". إن ما يثيره هذا النص – على قصره – هو الأهمية الاستراتيجية التي كانت لمجال انتشار بني مكَيلد في الأطلس المتوسط، بالنظر إلى أن الطريق السلطاني الرابط بين العاصمتين التقليديتين للمغرب : فاس ومراكش، كان يخترق جانبا مهما من ذلك المجال. ويذكر هذا النص أن مراقبة الطريق في هذه الأماكن والمناطق المجاورة كانت موضوع خلاف بين هذه القبائل والسلطان المتوفى، وأن أمر ضبطها وحراستها كان قد آل إليها حسبما هو مفهوم من النص. غير أن اللافت للانتباه في بيعة بني مكَيلد وزيان هذه، تحديد أسماء الضامنين لها "حيث إن تفاقم أمر في فريق، أو وقع نهب وقطع في الطريق، فهم الموخودون بذلك والمطالبون به. كما اتفقوا أن يكونوا يدا واحدة ..." وتأكيدا على هذه البيعة، فقد ترك بنو مكَيلد ثلاثة سلاهيم بضريح مولاي إدريس، وترك آيت سكوكو من زيان سلهاما واحدا بنفس الضريح.

إن هذا الطقس له دلالات رمزية عميقة، ذلك أنه أولا تجسيد لمدى قوة بيعة هذه القبائل، وتقديرها للسلطان المبايع ولشخصه، ثانيا : المكانة الهامة التي يحظى لديها ولدى المغاربة ضريح مولاي إدريس كأول وأكبر الأضرحة قداسة بالمغرب، ثالثا : ما يمثله السلهام لدى المغاربة عموما ولدى هذه القبائل خصوصا كرداء يغطي الجسم كله ويحفظه، فضلا عن كونه لباسا للزينة والوقار. فترك قبائل بني مكَيلد وآيت سكوكو لبعض سلاهيمها بضريح مولاي إدريس، هو عربون لوفائها والتزامها بالبيعة التي في أعناقها. ومن جهة أخرى، فهذا التصرف يعبر في حد ذاته كما لو أن نفس القبائل تخلت عن جزء غالي من أجسامها، لإعطاء مصداقية أكبر، وقوة أشد لبيعتها هذه، علما أن لا أحد يستطيع الاستغناء عن جسمه أو عن أي عضو من أعضائه.

ومهما يكن من أمر، فقد دأب سلاطين وملوك المغرب منذ العهد الموحدي، على اتخاذ العديد من الإجراءات والمبادرات ذات الطابع السياسي والاجتماعي، مباشرة بعد توليتهم للإعلان عن بداية ممارسة للحكم. من ذلك على سبيل المثال، تسريح المساجين، وتفريق الأموال على الضعفاء والفقهاء ورد المظالم، وإزالة بعض المكوس كليا أو جزئيا، وعزل القواد الذين أصبحوا جبابرة في مناطقهم ومما قام به – في هذا الصدد – السلطان سيدي محمد بن عبد الله عقب بيعته بمراكش ودخوله إلى فاس مرورا بمكناس - أنه قام في هذه المدينة بتفريق الأموال والكسوة والسلاح في الودايا وأهل فاس. وحينما دخل نفس السلطان إلى مدينة تطوان بعد بيعته من طرف أهلها فرق الأموال على الفقهاء والأشراف وطلبة العلم، وأهل المدارس، والمكتبين والمؤذنين، والفقراء والمساكين، وأراح الجميع، ولم يحرم أحدا ..." وقام أيضا بعزل قائد المدينة أبي عبد الله محمد بن عمر الوقاش وعوضه بالفقيه أبي محمد عبد الحكيم بن زاكور أحد كتابه، ويضيف الناصري أنه كان حضريا مثل أهل تطاوين .

وإجمالا يمكن القول إن العديد من المعطيات التاريخية التي تختزنها نصوص البيعات التي تعود إلى الفترة الحديثة والمعاصرة، تبين بجلاء ما للبيعة بالمغرب من ضوابط شرعية وقانونية كأسمى وثيقة دستورية تجمع الحاكم بالمحكومين، وتنظم العلاقة بينهم في إطار تعاقدي متبادل، يضمن استمرارية وديمومة الدولة المغربية وفق ثوابتها الشرعية، ويحفظ للشعب المغربي كرامته ووحدته وسيادته على أراضيه بقيادة سلاطين وملوك الدولة العلوية الشريفة.

وإلى جانب ذلك كله، أبانت نفس النصوص، ما للبيعة بالمغرب من خصوصيات ثقافية حافظ المغاربة عليها وتشبثوا بها معتبرين أن البيعة هي في الواقع تاج فوق رؤوسهم لا يمكن التخلي عنه أو خلعه مهما كانت الظروف. هذا، ولاستجلاء المزيد من هذه الخصوصيات الثقافية وإغناء البحث العلمي في شأنها علينا – إسوة بما قامت به الأستاذة بهيجة سيمو – القيام بالتنقيب عن نصوص البيعات الأخرى التي ما تزال مغمورة أو في حوزة بعض الزوايا أو الأشخاص والجماعات للكشف عنها وعما تكتنزه من معلومات تاريخية وثقافية عن المجتمع المغرب في مختلف مراحله التاريخية.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here