islamaumaroc

جهود السلاطين العلويين فـي توفير الكتب وتحبيسها على المؤسسات العلمية والدينية

  محمد العمراني

العدد 404 صفر1434ه/ يناير 2013م

عرفت الحياة الفكرية على عهد السلاطين العلويين الأوائل نشاطاً متميزاً في مختلف العلوم والفنون، وذلك لانتشار عدد مهم من الزوايا والمدارس والمساجد الشهيرة في العديد من المدن والقرى المغربية، والتي اضطلعت بوظيفة نشر المعرفة وتعميمها بين الناس، دون أن يعزب عن بالنا الجهود المعتبرة التي بذلها هؤلاء السلاطين في سبيل تشجيع الحركة العلمية وازدهارها، وذلك بشحذ عزائم الفقهاء والعلماء للاجتهاد الدؤوب في بث العلم ونشره، وتوفير الظروف المساعدة على النشاط العلمي، وإدخال إصلاحات على المناهج التعليمية المتبعة، ووقف الكتب وتحبيسها على المؤسسات الدينية والعلمية.

سوف لن نتناول في هذا البحث مختلف تجليات دعم العلويين الأوائل للحركة الفكرية في عصرهم، فهذا موضوع فسيح ينبغي أن تُفرد له مؤلَّفات خاصة، وإنما سنقتصر فيه على إبراز جانب مهم من هذا الدعم الفكري، ويتصل الأمر بجهودهم الحثيثة في توفير الكتب وتحبيسها على المدارس والمساجد والزوايا وخزانات الكتب بالمدن المغربية، والتي أسهمت بنصيب وافر في تأجيج جذوة الثقافة والفكر خلال العصر العلوي الحديث.

فمما تطالعنا به المصادر التاريخية في هذا المعنى أن السلطان مولاي الرشيد بن الشريف العلوي (ت.1082ﻫ/1672م) كانت له اليد البيضاء على العلم ورجاله، يحسن إلى العلماء ويقربهم منه، ويجري عليهم الإنفاق من بيت المال طول أيامه(1)، ويسهر على دعم الكراسي العلمية بمساجد الحواضر المغربية، وخصوصاً بمساجد حاضرة فاس، وذلك بوقف الأوقاف على تدريس العلم بها، وتخصيص المكافآت الخاصة للعلماء والمدرسين، زيادة على ما يأخذونه من مستفاد الأوقاف، رغبة منه في تنمية الحياة الفكرية وتنشيطها. كما يرجع له الفضل في إنشاء خزانات علمية، ووقف الكتب عليها، تيسيراً للطلاب في الحصول على كل المظان التي يحتاجون إليها في دراستهم. فقد أنشأ خزانة علمية بفاس الجديد عام 1079ﻫ/1668م، خدمة للعلم وأهله، وهي الخزانة المسماة «الدار البيضاء»، ووقَّف عليها كثيراً من نفائس الكتب الدينية، كأمهات كتب التفسير والحديث والسيرة النبوية(2).

ولم يقتصر عمل السلطان مولاي الرشيد في المجال الثقافي على المساهمة في إحياء الكراسي العلمية وفي إنشاء الخزانات العلمية وحسب، وإنما تجاوز ذلك إلى تأسيس بعض المؤسسات العلمية، عِلماً منه أن هذه المؤسسات هي منطلق العلوم ومبعث الفهوم. وهكذا نجده يؤسس مؤسستين علميتين هامتين، وهما مدرسة ابن صالح بمراكش ومدرسة الشراطين بفاس(3).

ففيما يتصل بالمدرسة الأولى، فقد أمر ببنائها بإزاء جامع الولي الصالح الشيخ أبي عبد الله ابن صالح، وقد كانت هذه المدرسة مأوى للطلبة الآفاقيين الذين يَؤُمُّون مراكش طلباً للعلوم التي كانت تدرس آنذاك بالجامعة اليوسفية، غير أن هذه المدرسة ليست هي المدرسة الوحيدة التي تأوي الطلبة الآفاقيين هناك، وإنما توجد إلى جانبها مدارس أخرى، لتكون مسكناً للطلبة الغرباء الذين يُقبِلون على هذه البلدة، لكونها تعتبر قبلة إشعاع فكري وثقافي في الجنوب، مثلما كانت فاس تعتبر قبلة إشعاع فكري وثقافي كذلك في الشمال. ومن بين هذه المدارس الموازية لها في مراكش نذكر : مدرسة ابن يوسف، مدرسة المواسين، مدرسة الزاوية العباسية، مدرسة باب دكالة، مدرسة القصبة، ومدرسة حم يحة.

وقد استقبلت هذه المدارس آلافاً من الطلاب الوافدين على مراكش بغية الاغتراف من مناهل المعرفة الزاخرة بالجامعة اليوسفية، وقد كان يسمح لهم بالسكن فيها مجاناً، لأنها وقفت لهذا الغرض، كما أن الخبز كان يوزع عليهم مجاناً كل يوم، وكانت لهذه المدارس أوقاف عديدة تساهم في دعم الحركة الفكرية بها، ويبدو ذلك جليا مما تضمنته حوالة أحباس مراكش من معطيات مفيدة في هذا الباب، ساقها لنا الباحث السعيد بورگبة في مؤلَّفه القيم عن دور الوقف في الحياة الثقافية بالمغرب في عهد الدولة العلوية (4).

أما فيما يخص المدرسة الثانية، وهي مدرسة الشراطين بفاس، فتُعدُّ من أجلِّ ما تركه مولاي الرشيد في الميدان الفكري، فقد شيَّدها في أوائل شعبان عام 1081ﻫ/1671م، و«بالغ في إتقانها صنعاً، وبذل المجهود في إحسانها وضعاً»(5)، وجعلها في ثلاث طبقات، تشتمل على مائتين واثنين وثلاثين بيتاً، وقبة للصلاة، لكن أخاه السلطان مولاي إسماعيل هو الذي أكملها في عام 1089ﻫ/1678م، وجعل عليها أوقافاً عديدة تعرضت لذكرها الحوالات الحُبُسِية الفاسية والإسماعيلية والسليمانية(6).

وعموماً، فعلى الرغم من قِصَر مدة حكم السلطان مولاي الرشيد، فإن مآثره في مجال الأوقاف والأحباس ذات الصبغة العلمية كانت لها أهمية بالغة في انتعاش الحركة الفكرية في ذلك الوقت، بعدما كان المغرب قد «تداعت قواعده، وانهدَّت أركان الملك به، فاختل النظام وماج الناس»(7).

ومما يدل على فضله في ذلك الانتعاش الفكري الذي حصل في عهده، ما شهد به العلامة أبو علي الحسن بن مسعود اليوسي في «رسالته» الكبرى إلى السلطان مولاي إسماعيل حينما قال : «ثم جاء المولى الرشيد بن الشريف فأعلى مَنَارَه (أي العلم)، وأوضح نهاره، وأكرم العلماء إكراماً لم يُعهَد، وأعطاهم ما لا يُعَدُّ، ولا سيما بمدينة فاس، فَضَحَ مَن قبله، وأتعب مَن بعده، لو طالت مُدَّته لجاءته علماء كل بلدة»(8). ثم ما أورده القادري في نشر المثاني والتقاط الدرر عندما شهد في حقه قائلاً : «ومن مزاياه العظيمة، وعطاياه الفخيمة، وفطره السليمة، أنه كان حيثما دخل بلداً تعهَّد مساجدها ومدارسها، وسأل عن مجالس إقراء العلماء بها، وعمَّن يحضرها، وربما حضر مجلساً لبعض الكبراء، فرأينا في بعض التقاييد أنه حضر مجلس الشيخ اليوسي، وكان يدخل المساجد بنفسه، ودخل فاساً مرة على حين غفلة من أهلها، فدخل للقرويين، وتلك كانت عادته في دخولها، ثم دخل للمدرسة المصباحية، فتعرَّض له الإمام سيدي الحسن اليوسي مع فقيه آخر، فأعطى لكل منهما مائة مثقال، وما اجتمع مع علماء وقته إلا وحضَّ في مجلس اجتماعه معهم على نشر العلم وبثِّه وإتقانه وتحقيقه وتعظيم طلبته ... فأقبل الناس على التعلم والتعليم، وعمرت أسواق للعلم قد عفت منذ قديم»(9).

وأولى خلفه السلطان مولاي إسماعيل(ت.1139ﻫ/1727م) عناية كبيرة لإحياء العلم وتيسير أسباب انتشاره، حيث «أمر بتفقد أحوال الصبيان في المكتب، وأجرى عليهم جرايات، وبلغ كل معلم ولو كان بالبادية الأرب، وأسقط الكلف عن والد كل من ظهرت نجابته في البدو والحضر، وأظهر فضلهم لكل قاص ودان، فتنافس الناس في الأقطار المغربية في ظهور العلم حتى علا وانتشر، وعمرت المداريس، وكثر فيها وفي سائر المساجد التدريس»(10). وبفضل هذه العناية السلطانية الشاملة «حُيِيَ العلم في زمنه، وأزهرت رياضه، وتفجرت حياضه، وظهرت الفنون الغريبة، والفهوم العجيبة، وذلك بعد أن درست معالمها»(11).

ولعبت جهوده في توفير المؤلفات وتعميمها بين طلبة العلم للتفقه في الأمور الدينية والمعرفية، ثم تسبيلها على وجه التحبيس المخلد، والوقف المؤبَّد، دوراً مهما في بلوغ هذه النهضة الفكرية التي سارت بأخبارها الركبان، ودلَّت عليها آثار العلماء والأدباء الأعيان، فمن الإشارات الواضحة عن تلكم الجهود العلمية الحميدة ما ذكره الإفراني في روضة التعريف حينما قال : «وأما آلات العلم وجمع الكتب ونفائس الذخائر فله في ذلك نصره الله الهمة البالغة والرغبة السابغة، عملاً بقول القائل :

خِزَانَةُ الـدَّارِ أَكْثِرْ مِـنْ ذَخَائِرِهَــا     فَــإِنَّ أُبَّهــَةَ السُّلْطَـانِ ذُخْــرَاهُ

وقد جمع من الدفاتر ما يُحيِّر العاقل»(12).

وذكر غيره أنه عندما طلب منه الإسبان عام 1101ﻫ/1690م تسريح مائة من أسراهم، اشترط عليهم إطلاق سراح خمسمائة أسير مسلم وتسليم خمسة آلاف كتاب من كتب الإسلام الصحيحة المختارة المحتجزة بخزائنهم بإشبيلية وقرطبة وغرناطة، يختارها رئيس الوفد المغربي القائد علي بن عبد الله الريفي(13). وربط الاتصال مع الفرنسيين لاسترجاع جزء من المخطوطات القابعة في مكتبات فرنسا، فأوفد سفيره عبد الله ابن عائشة إلى باريس لمحاورة الملك الفرنسي لويس الرابع عشر في هذا الشأن(14). وضمَّت خزانة الكتب التي كانت له بدويرة الكتب الشهيرة بمكناس - والتي كانت رهن إشارة العلماء والطلبة - ما يقدر باثني عشر ألف مجلد، حتى قيل إنها «حَوَتْ ... من التصانيف، وجمعت من أنواع الدفاتر وأسماء التآليف، ما لم تَحْوِه خزانة بغداد، ولا علق بذهن الداني الأستاذ»(15).

واهتم السلطان مولاي إسماعيل بوضع الفهارس للكتب بخزائن الحواضر الكبرى خدمةً لرواد القراءة وطلبة العلم والمؤلفين. وقد كانت هذه الفهارس مصنفة حسب العلوم والفنون، فمنها ما هو خاص بالمصاحف، ومنها ما هو خاص بالتفسير، أو القراءات، أو كتب الحديث، أو التصوف، أو الفقه، أو التاريخ، أو علم الكلام، أو المنطق، أو الأصول، أو التوقيت، أو الحساب، أو الطب، وغير ذلك من العلوم(16).

واعتنى أيضاً بعملية نسخ المؤلفات الأدبية والفقهية النفيسة، وجعلها في متناول طلبة العلم. ففي عام 1099ﻫ/1688م «بعث السلطان بإزعاج الناسخين من فاس، فأُشخصوا إلى مكناسة - وهم نحو أربعين - بقصد نسخ أربعة وعشرين سفراً من العنترية والفداوية والأزلية وما يتصل بها من أخبار الشجعان ...، وفتاوى المعيار وغيره ...، وطلب الكُتَّاب بما يكون، كالتورية موجهاً، وأعدُّوا الكاغيط، والألوان العديدة، والذهب المحلول، وما يخص كل كاتب، ومَن لم يكتب المبسوط يملي ويصلح الأقلام والمداد وغير ذلك، فاستنسخ ذلك في أيام قلائل»(17).

وقد أسهبت الدراسات المعاصرة في الحديث عن جهود هذا السلطان في خدمة العلم وأهله، وذلك بإجراء الأوقاف على الكراسي العلمية، وتأسيس الكتاتيب القرآنية مع الوقف عليها وعلى المدارس العلمية، والوقف كذلك على القراء ومعلمي الصبيان، وتحبيس الكتب على الخزانات العلمية بكل من فاس ومكناس(18).

وبعد وفاة مولاي إسماعيل بذل ولده السلطان مولاي عبد الله جهوده للنهوض بالمجال الثقافي في أيامه، فمن إنجازاته العلمية تجديده مجموعة الكتب التي كان مولاي إسماعيل قد كلف وزيره أحمد بن الحسن اليحمدي بجمعها، وتشتمل على عشرة أجزاء في مختلف العلوم، لكل منها مقدمة في ترجمة أحد العشرة المبشرين بالجنة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووقفه مئات الكتب النفيسة على خزانة مسجد القرويين وعلى غيرها من خزانات المعاهد العلمية، فضلاً عن دعمه للكراسي العلمية، وتأسيسه لبعض المدارس بفاس(19).

وبتولي ولده السلطان سيدي محمد بن عبد الله مقاليد الحكم، عرفت الحياة العلمية ازدهاراً ملحوظاً في شتى أصناف العلوم، وخصوصاً علوم الشريعة. وقد أثنى الكثيرون على مجهوداته في الرقي بالشؤون العلمية والتعليمية، وعدَّدوا مناقبه في تكريم العلماء ورعاية أحوالهم، والسهر على توفير الكتب وإشاعتها بين العلماء والطلبة وعموم القراء، والاعتناء بوقفها على المساجد والمدارس والزوايا بمختلف جهات المغرب.

ولا غرو في ذلك، لكونه كان معروفاً برسوخ القدم في علوم الفقه والأدب والدين، فقد أُعجِب المؤرخ أبو القاسم الزياني كثيراً بمنزلته الفكرية الرفيعة، فذكر أنه «كان نسَّابة إخباريًّا حافظاً لأيام العرب ووقائعها، حافظاً للسيرة والحديث لا يجارى ولا يبارى ...، وكان له وَلَعٌ بسرد كتب التاريخ والحديث، وكاد أن يحفظ ما في كتاب الأغاني من كلام العرب وأشعارها ونوادرها وأشعار المولدين وشعراء الإسلام»(20)، بل إنه «كان يفتي في النوازل العظام، بحضرة جلة أعلام، ويأتي بما يبهر العقول، من المعقول والمنقول»(21)، وهذا ما جعله يُنعت بـ«سلطان العلماء وعالم السلاطين»(22)، وبـ«عالِم الشرفاء وشريف العلماء والخلفاء بعد الأربعة الراشدين»(23).

ومما يؤيد براعة السلطان سيدي محمد بن عبد الله في العلوم والفنون، ما دوَّنه من التصانيف القيمة في الحديث والفقه والأدب والتصوف والمناهج التعليمية والتربوية(24). ولم يكتف رحمه الله بالتأليف وحسب، وإنما شجع على التأليف بإصداره الأوامر لكبار علماء مجالسه العلمية بتحرير كتب معينة، وحفَّزهم على ذلك بالجوائز السنية، وبإذكاء روح المنافسة بينهم في ذلك بشتى الوسائل الترغيبية المادية والمعنوية، حتى ألفت كتبٌ عديدة في مختلف أصناف العلوم(25).

كما اهتم بصيانة وترميم مئات المخطوطات بالخزائن العلمية، وبتكرير نسخها، لتكون في متناول الطلبة، وحرص على الحفاظ على الفن المغربي في الكتابة، وذلك بتكليف الخبراء في هذا المجال بتعليم الصبيان فن الكتابة والتزويق والتجدويل، وأمر ناظر الأحباس بدفع أجرةٍ خاصةٍ له على ذلك، وذلك بمقتضى ظهير شريف أصدره سنة 1202ﻫ/1788م، جانبٌ منه يهم خزانة القرويين، وخاصة ما يتعلق بالنظر في حالة هذه الخزانة، وإعادة نسخ ما تمزق أو تلاشى من محتوياتها، وإعداد فهرسٍ خاص يحصر ما بها من كتب ورَفْعه إلى السلطان، جاء فيه : «نأمر الناسخ الزواق الفقيه السيد علي الفلاوي أن يحضر كل يوم إلى بيت مال المسلمين - دار عديل- ويقعد مع الصبيان يعلمهم الكتابة والتزويق والتجدويل، وأذنا للسيد محمد الشامي ناظر الأحباس أن يدفع له كل شهر خمسة عشر مثقالاً من مال الأحباس، ولا يغفل عنهم في التعليم ...، ومما نأمرك به أن تقف مع الأمناء والنظار في أمر الخزانة، وتزمم كتبها، وتنظر في الكتب التي تمزقت من غيرها، وتجتهد في تفريقها على الطلبة لكي ينسخوها، وتجعل ذلك كله في كناش وتبعثه لنا»(26).

وهكذا نُسخت بأمره مجموعة من الكتب الحديثية والفقهية النفيسة، مثل البيان والتحصيل لابن رشد الجد في ثمانية عشر جزءاً، وشرح الحسن بن رحال على مختصر خليل في أربعة عشر جزءاً، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني في عدة أجزاء، وغيرها من الكتب، وكان ينفق في ذلك الأموال الكثيرة(27). كما كان يبعث إلى المراكز العلمية مستفسراً عن وجود الكتب التي يأمر بقراءتها لأجل إرسالها للنسخ عنها، أو إرسال نسخ منها، مثلما جاء في مرسوم إصلاح التعليم بجامع القرويين، الذي أصدره عام 1203ﻫ/1789م، عند قوله لعلماء فاس : «و(شرح) الشيخ علي الأجهوري و(شرح) الخرشي الكبير (على مختصر خليل) إن لم يكونا عندكم بفاس، فأعلمونا بهما لنوجههما لكم تنسخون منهما، وأنتم أعلمونا هل عندكم أم لا»(28).

وعمل على جلب كتب نفيسة من البلاد المشرقية لم تكن موجودة بالمغرب، مثل مسند الإمام أحمد بن حنبل، ومسند الإمام أبي حنيفة النعمان، ومسند الإمام الشافعي، والطريقة المحمدية المختصرة من الإحياء، وغيرها من كتب الحديث(29).

وواصل جهود جده مولاي إسماعيل في استخلاص كثير من الكتب المحتجزة بالخزائن الإسبانية، حيث يحدثنا السفير أحمد بن المهدي الغزال في رحلته نتيجة الاجتهاد عن جهود السلطان سيدي محمد بن عبد الله في استرداد مئات الكتب الإسلامية من الخزائن المذكورة بالموازاة مع افتكاكه الأسرى المسلمين من قبضة الإسبان، قائلاً : «بعد أن قدمنا الثلاثمائة إلا عشرة من الأسرى المسرحين على يد سيدنا الكريمة رجالاً ونساءً، جعلنا على رأس كل واحد من الأسارى المسرحين كتاباً من كتب الإسلام التي أنقذها الله من بلاد الكفار ببركة مولانا المنصور بالله، المتخلفة عن عمار العدوة من المسلمين فيما سلف، مصاحف وكتب الحديث والفقه وغير ذلك ...، وسرنا على هذه الحالة الحسنة، وكل من شاهد أسارى المسلمين وعلى رؤوسهم كتب الإسلام بادرته العبرة من شدة الفرح»(30).

وجرياً على عادة أسلافه في تحبيس الكتب ووقفها على المراكز الدينية والعلمية، عمد السلطان سيدي محمد بن عبد الله عام 1175ﻫ/1761م إلى تحبيس خزانة كتب جده السلطان مولاي إسماعيل السالفة الذكر على المساجد الكبرى بالمغرب، «رجاء نفع عموم الناس، وسعياً وراء نشر العلم وتحصيله»(31)، وإلى تحبيس مئات المؤلفات المدونة في الحديث والفقه والتفسير والسيرة والأدب على مكتبات أسسها أو جدد بناءها في بعض المدن المغربية، مثل مراكش، وآسفي، والصويرة، وفاس، ومكناس، والرباط، وسلا، وتطوان وطنجة، فضلاً عن مكتبة الزاوية الناصرية بتامگروت، التي حبَّس عليها بعض الكتب الحديثية والفقهية(32)، وطلبة العلم بالزاوية الريسونية بتازروت، الذين أوقف عليهم جملة من الكتب المعتبرة(33).

وخلاصة القول، إن السلاطين العلويين الأوائل كان لهم فضل واسع في توفير الكتب ووقفها وتحبيسها على المؤسسات العلمية والدينية، وهو فضل أكبر من أن يُحاط به في هذا العرض المحدود، فما قدَّمنا فيها من معطيات متصلة بهذا الموضوع لا يعدو أن يكون غيضاً من فيض مآثرهم الجليلة الشاملة، في دعم المجال الفكري والنهوض به، وإغنائه وإثرائه، ومَنْحه المكانة الأساسية من بين المجالات الحيوية الأخرى التي نهضوا بها خلال عصرهم. ومما لا ريب فيه، أن جهودهم المبذولة في هذا الصدد كان لها الأثر الواضح والملموس في خدمة الثقافة وتكريسها، وإذكاء فتيلها، فانتفعت بفضل جهودهم المذكورة أجيال من العلماء وطلبة العلم بمختلف أرجاء البلاد، منذ نشأة دولتهم الشريفة خلال أواسط القرن الحادي عشر الهجري/ السابع عشر الميلادي إلى زمننا الراهن.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here