islamaumaroc

جهود السلطان مولاي إسماعيل فـي تأسيس الخزانات العلمية وازدهار الحياة الفكرية بالمغرب الحديث (1082- 1139 ﻫ/1672- 1727م)

  أحمد إيشرخان

العدد 404 صفر1434ه/ يناير 2013م

مدخل عام:

لعل ما تميز به العصر العلوي الأول هو وضع أسس قيام الدولة العلوية الشريفة وبناء دعائمها المبنية على توحيد الدولة المغربية بعد انصرام أيامها، وانفراط عقدها، عقب فترة حالكة من الفتن والثورات إثر الوفاة المفاجئة لأحمد المنصور الذهبي عام 1012 ﻫ/ 1603م، والصراع المرير الذي كان بين أبنائه على العرش، وهم : محمد الشيخ المأمون وأبو فارس وزيدان، وخاصة بعد تسليم العرائش للإسبان من طرف الشيخ المأمون، حيث دخل المغرب في سديمية مظلمة، فانمحت رسوم، وتحطمت معالم على الخصوص والعموم، وشمل الفتور كل الجوانب بما فيها الجانب العلمي المتعلق بتأسيس الخزانات، رغم ظهور زعامات محلية مهتمة بالحركة الفكرية بالمغرب الحديث، بمراكز ثقافية متوسطة حافظت على شعلتها الزوايا وفي مقدمتها الزاوية الدلائية بالأطلس المتوسط، وزاوية إيليغ بسوس، والزاوية الناصرية بدرعة، لكن المراكز الكبرى والصغرى، كخزانة القرويين بفاس وخزانة ابن يوسف بمراكش وخزانة المسجد الأعظم بتازة وخزانة المسجد الأعظم بتارودانت، عرفت نوعا من الانحسار الثقافي بسبب غياب نظام الدولة المغربية، وانتشار الفتن التي تنهب في ظلها مخطوطات الخزائن العامة وتتفرق نفائسها أيادي سبأ، ولن تستعيد عافيتها الفكرية والثقافية إلا بقيادة ملوك اشتهروا بكونهم : «ملوك العلماء، وعلماء الملوك»، وقد جعلوا نصب أعينهم الاهتمام بالجانب الثقافي والفكري للأمة المغربية بتشجيع العلم والعلماء وبناء المدارس ، وتأسيس الخزائن الملوكية، وفتح المكتبات العمومية، التي حبسوا عليها الأوقاف الحبسية، وأغنوها بنفائس المؤلفات بواسطة خطة النساخة التي أحدثوها في القصور الملكية، وفرقها المتنقلة معهم في الحركات السلطانية، وبواسطة اقتناء ما ظهر من المؤلفات في المغرب والمشرق واشتهر، مما نتج عنه ازدهار للحياة الفكرية بالمغرب الحديث، وسنتحدث في هذه الورقات الأولية عن الدولة الإسماعيلية، على أن نخصص اللاحق من المقالات لمن عقبها من ملوك الدولة العلوية.

1 - السلطان الأعظم مولاي إسماعيل :

تولى السلطان مولاي إسماعيل الحكم بإجماع أهل الحل والعقد، وضمنهم جملة من أعلام علماء الأمة المغربية، نذكر منهم : العلامة الولي الصالح سيدي عبد القادر الفاسي، والعلامة الولي الصالح أبو علي سيدي الحسن اليوسي، والعلامة سيدي محمد بن عبد القادر الفاسي، والعلامة أبو العباس سيدي أحمد المزگلدي، والعلامة أبو عبد الله سيدي محمد بن علي الفيلالي، والعلامة أبو زيد سيدي عبد الرحمن الفاسي، والقاضي العدل أبو عبد الله سيدي محمد بن الحسن المجاصي المكناسي، والقاضي أبو مدين المكناسي السوسي، وتمت له البيعة مباشرة بعد وفاة أخيه السلطان مولاي رشيد بمراكش في ليلة الأربعاء سادس عشر من ذي الحجة 1082 ﻫ/ 13 أبريل 1672م، واستمر حكمه لحوالي خمسة وخمسين سنة قضاها، حسب ما رواه هو بنفسه عن نفسه في رسالته الشهيرة إلى شيخ المالكية بالديار المصرية أبي عبد الله محمد الخرشي : في بناء الدولة ورسم حدودها، ووضع قواعدها وتحرير ثغورها المحتلة. فقد تمكن من تحرير المهدية، وكانت تعرف باسم المعمورة وثغر الحلق، من يد الإسبان سنة 1092 ﻫ/1681م، ثم حرر طنجة من يد إنجلترا سنة 1095ﻫ/1684، ثم حرر العرائش من الإسبان عام 1101ﻫ/ 1689م، ثم أصيلة سنة 1102ﻫ/1691م، وقام بمجهودات محمودة من أجل تحرير سبتة ومليلية، وباديس والحسيمة وجزر النكور.

وإذا كان الأمن من أسس ازدهار العلوم وتطورها كما هو مقرر في قاعدة «لا علم بدون أمن»، فإنه لم يكن للمولى إسماعيل هاجس أكبر من حصول الأمن والأمان لرعيته، فقد تمكن من القضاء على سائر المناوئين لدولته من أمثال أحمد بن محرز والخضر غيلان وآل النقسيس وأحمد بن عبد الله الدلائي، ونزع السلاح من يد القبائل، وشدد العقوبات على اللصوص وقطاع الطرق، حتى صارت المرأة والذمي يخرجان من وجدة إلى وادي نون دون أن يعترضهما أحد، ولا يتجرأ على سؤالهما أحد من أين وإلى أين ؟ كما ذكر مؤرخو المرحلة، ومنهم الوفرني في روضة التعريف، والزرويلي في سنا المهتدي والريفي في زهر الأكم، ونفس الملاحظة نجدها عند الأجانب الذين زاروا المغرب في هذه الفترة، ومنهم جون وندوس في كتابه رحلة إلى مكناس، وقد صاحب انتشار الأمن كثرة الرخاء وازدهار التجارة والفلاحة في الدولة الإسماعيلية، فكتب ابن الحاج : «عم الرخاء في سائر الأقطار والبلدان، ولا قيمة للزرع ولا للماشية، وكثرت البركة في الحراثة والتجارة والأمن والسلامة والعافية، حتى بلغ السمن والعسل موزونة للرطلين، والزيت أربعة أرطال بالموزونة في الحاضرة، وقس على هذا ما أشبهه من الأمور الكثيرة» .

ومن خلال المصادر والوثائق المؤرخة لفترة حكم هذا السلطان العظيم يظهر أن السلطان مولاي إسماعيل لم يكن منشغلا بتوحيد الدولة المغربية وبناء أسسها القائمة على الأمن وحماية الحدود وتأسيس الجيش النظامي فقط، بل انصرفت جهوده، خصوصا بعد استتباب ملكه، إلى تأسيس كثير من المرافق العلمية والدينية، ومنها اهتمامه الكبير بفتح الكتاتيب القرآنية، وتجديد المدارس وإحياء الكراسي العلمية، وبناء المكتبات وإغنائها بالكتب والمصنفات الفكرية، وتحبيس الأوقاف عليها من أجل صيانتها وصرف المنح للقيمين على مرافقها.

2 - الخزانة الإسماعيلية بمكناس :

فمن ذلك مثلا تأسيسه لخزانة علمية كبرى بقصره بمكناس، وقد وصفت هذه الخزانة باحتوائها على مصنفات فاقت مصنفات كثير من أشهر الخزانات في العالم الإسلامي، بما فيها خزانة بغداد الشهيرة، وجعل الإشراف عليها بيد أبرز علماء عصره وكبير وزرائه العلامة الفقيه الأديب العلامة المؤلف الجامع أبي العباس أحمد بن الحسن اليحمدي ، وقد ضمت الخزانة الإسماعيلية النفائس والنوادر من الدواوين والكتب، قال عنها الشاعر الأديب علي مصباح الزرويلي ، وهو من روادها في العصر الإسماعيلي، في كتابه سنا المهتدي إن مدخراتها من عيون الدواوين وأنواع من الكتب والدفاتر، فقد «حوت من أنواع الدفاتر وأسماء التأليف ما لم تحوه خزانة بغداد، ولا علق بحفظ الداني والأستاذ» .

لقد ذكر الفقيه القاضي محمد بن العياشي المكناسي ، وهو معاصر للسلطان مولاي إسماعيل، بعض أوصاف هذه الخزانة التي يوجد مقرها عند مدخل القصبة الإسماعيلية قبلة الجامع الأخضر، الشهير باسم جامع الأنوار ، وكانت تعرف بـ : «دويرية الكتب» مكونة من قاعتين فسيحتين تفصل بينهما ساحة فسيحة تحت سقف محمول على أساطين رخامية . ويظهر من خلال حديث القاضي محمد بن العياشي أن الخزانة كانت تحتوي على كثير من الكتب المخطوطة، وأنها كانت مفتوحة في وجه العلماء من سائر البلاد المغربية، حيث قال : «وبها من الكتب العلمية ألوف عديدة، فيها من كل فن ما تحصل به رغبة القاصدين من العلماء الأعلام، من جميع هذه الإيالة الشريفة» . وقد أشار مجموعة من المؤرخين إلى مجموع ما كان بها من الكتب، وقدروا عددها بحوالي عشرة آلاف كتاب في مختلف العلوم، محبسة لصالح الخواص والعموم.

كما اشتهر السلطان مولاي إسماعيل بجلب النساخين والوراقين المهرة من فاس إلى مكناس لنسخ الكتب العلمية وكتابتها بمختلف الخطوط المغربية، وفي مقدمتها المبسوط والمجوهر، وتزيينها بالألوان العديدة والذهب المحلول لتزويد خزانته بمكناس بنُسخ من نفائس المخطوطات الخزائنية والأميرية المتميزة بجمالية الزخرفة والخط والتسفير، بل لقد ذكر المؤرخ الشهير أحمد ابن الحاج في الدر المنتخب المستحسن أن السلطان مولاي إسماعيل أرسل لجلب نساخ مهرة من فاس إلى مكناس لنسخ مؤلفات البطولة والشجاعة كالأزلية والعنترية وتوزيعها على القلاع التي تقيم فيها الحاميات العسكرية، قصد تحميسهم، وبث روح البطولة والشجاعة والإقدام في نفوسهم، معتقدا أن أخبار الشجعان تعلم الشجاعة.

3 - مولاي إسماعيل ملك جماعة للكتب :

وصف السلطان مولاي إسماعيل بكونه ملك جماعة للكتب، ولقد أشار مؤرخ الدولتين السعدية والعلوية محمد الصغير الوفراني إلى ذلك حيث قال : «وأما آلات العلم وجمع الكتب ونفائس الذخائر، فله نصره الله في ذلك المهمة البالغة، والرغبة السابغة، وقد جمع من الدفاتر ما يحير العاقل» .

وكان السلطان ينمي محتويات خزانته عن طريق حصوله على هدايا من نفائس الكتب من المغرب والمشرق حسب ما يظهر من خلال ما كتبه الشيخ عبد الحي الكتاني في كتابه تاريخ المكتبات الإسلامية ، فمن ذلك مثلا حصوله على كتاب شرح صغرى السنوسي للخرشي، وقد ذكر تفاصيل ذلك مؤرخ الدولة العلوية العلامة أحمد ابن الحاج حيث قال : «وفي أول هذا العام [1102ﻫ/1690م] أرسل الشيخ العالم الناسك الزاهد الورع المتقشف، الخير الدين المتعفف، أبو عبد الله سيدي محمد بن عبد الله الخرشي ... إلى أمير المؤمنين مولانا إسماعيل، نسخة من شرحه على شرح صغرى السنوسي مع رسالة يهنيه فيها بفتح العرائش» ، وقد أجابه السلطان برسالة بديعة أثنى فيها على العلم والعلماء مذكرا بأهمية نشر العلوم، ومما جاء فيها : «منذ ولانا الله سبحانه أمور عباده، وأقامنا بمنه لحياطة دينه وكلاءة بلاده، ولم نزل نجهد في جمع الكلمة بحسب الإمكان، ونَجِدُّ في حسم مادة البغي بكل محل من هذه الآفاق المغربية ومكان، ونحتفل في طهارة أديم الأرض من وضر الشرك، ونبتهل في استئصال شأفة أهل الضلالة والجهالة والإفك، حتى أسعف الإسعاد بنيل ذلك المؤمل، ولم يكن إلا حسن الثقة بالله في نيل هاتيك المآرب المعول، فله الحمد سبحانه وتعالى على إعزاز الملة، ونصرة الإسلام، ثم إن في خلال ذلك نبحث عن علماء الأمةّ، ونغتبط بتعظيم أكابر الأئمة، ونبالغ في البحث عن أخبار خيارهم، ولا نألو مما نستطيع في الإقتداء بأبكار أفكارهم، وطوالع أنوارهم » .

ونستنتج من خلال المراسلات التي تمت بين مولاي إسماعيل وعلماء عصره ، أن السلطان كان يعظم العلماء، ويحضر مجالسهم العلمية خصوصا مجالس الختم، فقد حضر مجلس ختم للعلامة أبو عبد الله سيدي محمد المشاط بالقرويين رغم معارضه لتكوين جيش العبيد، وهو الذي جعل لمجموعة من الفقهاء المدرسين مرتبا شهريا ، كما جعل لبعضهم، وخصوصا أصحاب الكراسي العلمية، انتفاعا من الأوقاف الخاصة بكل كرسي علمي ، وكان لا يتردد في السؤال عن كثير من المسائل العلمية لمن معه من الفقهاء الثِّقاة كسيدي محمد بن الحسن المجاصي وسيدي أحمد بن سعيد المگيلدي . وورد عند ابن الحاج أن السلطان مولاي إسماعيل كان يميز بين العلماء ويقسمهم حسب تقواهم وجرأتهم العلمية، وكان يقول: «علماء الوقت على أقسام أربعة : قسم لا يخاف إلا من الله ولا يخاف منا، ومنهم سيدي الحسن اليوسي، وقسم يخاف من الله ومنا، وقسم يخاف منا ولا يخاف من الله، وقسم لا يخاف من الله ولا منا» . وكان السلطان مولاي إسماعيل إذا سافر قدم نسخة من صحيح البخاري محمولة على دابة من أفره الدواب مقتديا في ذلك بأثر الموحدين في تقديم المصحف وكتب الصحاح أمامهم .

4 - مصير الخزانة الإسماعيلية وبعض مدخراتها :

بعد وفاة مؤسس الخزانة الإسماعيلية استمرت في مقرها «بدويرية الكتب» بالقصبة الإسماعيلية في مدينة مكناس، خلال أيام الملوك من أبناء المولى إسماعيل، ومن حسن الحظ أن فتنة الثلاثين سنة التي شهدها المغرب بعد وفاة السلطان الأعظم مولاي إسماعيل والتي خربت فيها كثير من معالم مكناس، بما فيها مدينة الرياض التي كانت تذكر بمعالم الأندلس، لم تطل هذه الخزانة بل بقيت محافظة على مدخراتها إلى أن تم توزيع كتبها على خزائن المغرب، وقد بادر إلى ذلك أولا السلطان مولاي عبد الله بن إسماعيل، حيث حبس كتبا منها على بعض الخزائن الوقفية العامة بالمغرب، ثم أمر السلطان العالم المؤلف سيدي محمد بن عبد الله بتحبيس كتبها على مساجد وخزائنه لتعم فائدتها ، ويذكر مؤرخو الفترة أن السلطان أهدى منها مصاحف شريفة للمسجد النبوي في المدينة المنورة، وكانت عادة هذا السلطان إرسال نفائس الهدايا إلى الأماكن المقدسة ببلاد الحجاز مع ركب الحاج المغربي، ومازلنا إلى اليوم نعثر على مجموعة من الكتب المخطوطة في كثير من المكتبات والخزانات العلمية التي أصلها من الخزانة الإسماعيلية، نذكر منها على سبيل المثال : نسخة فريدة من تفسير ابن عطية كانت في خزانة المسجد الأعظم بسلا، وقد عُثر عليها في حلة أنيقة تحمل الخاتم الإسماعيلي في خزانة هذا المسجد من طرف وزير الأوقاف السابق العلامة الدكتور أحمد رمزي، فأمر جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني بطبع هذه النسخة الفريدة وإخراجها إلى القراء من طرف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. وتشير حوالة الأحباس الكبرى لمدينة مكناس إلى مجموعة من الكتب الإسماعيلية المحبسة على خزانة المسجد الأعظم بمكناسة الزيتون وجلها في الفقه والحديث والتفسير، فمن نفائس الكتب المخطوطة نذكر :

- أبو الحسن الصغير على رسالة ابن أبي زيد في سفر.

- الأجهوري على الشيخ خليل في ستة أسفار.

- الأزهري على ابن هشام المحاذي في سفر واحد.

- الأول من ابن عرفة.

- الأول من فتح الجليل لشمس الدين محمد بن إبراهيم التتائي.

- الثاني من الجواهر الحسان على تفسير الثعالبي.

- الثاني من تحقيق المباني في سفر واحد.

- الثاني من حاشية السيوطي على تفسير البيضاوي.

- الجامع الكبير مشتمل على أربعة أسفار.

- المعيار للونشريسي في خمسة أسفار.

- المغني في سفر واحد.

- المكودي على الألفية.

- النصف الثاني من التتائي على شرح خليل في سفر واحد.

- بهرام الصغير في سفر واحد.

- بهرام الكبير في أربعة أسفار.

- تفسير ابن عادل في ثمانية أسفار.

- حاشية الأبار على خليلي في سفر.

- سفر من الحلية لأبي النعيم.

- سفر من الكشاف في التفسير، لجار الله أحمد الزمخشري.

- سفر واحد من الصفاقسي. (إبراهيم بن محمد الصفاقسي، ت 742ﻫ)

- سفر واحد من الموارد.

- سفر واحد من تفسير ابن عطية.

- شرح التحفة لابن الناظم في سفر واحد.

- شرح الجوهرة للقاني في أربعة أسفار.

- شرح القواعد لعياض في سفر واحد.

- صحيح مسلم في أربعة أسفار.

- فتح الباري لابن حجر في ثمانية أسفار.

- مجموع يضم شرح القواعد وغيره.

5 - محاولات السلطان مولاي إسماعيل استرجاع كتب الخزانة الزيدانية :

لقد تجلت أسمى مظاهر العناية بالكتب والمكتبات من طرف السلطان مولاي إسماعيل في محاولته التاريخية لاسترجاع مجموعة من كتب الخزانة الزيدانية السعدية التي حوت نفائس المخطوطات التي جمعها السلطان أحمد المنصور الذهبي، وقد استولى عليها القراصنة الإسبان في قصة تاريخية مثيرة ووضعوها في خزانة دير الإسكوريال، فقد جعل قضية فك الأسرى الذين وقعوا في الأسر إثر استرجاع العرائش مقابل الكتب، وأرسل من أجل ذلك سفيره الشهير ابن عبد الوهاب الغساني، يقول الأستاذ الدكتور أحمد شوقي بنبين مدير الخزانة الحسنية، وقد تتبع بشغف كبير التفاصيل الدقيقة لهذا الموضوع، عند حديثه عن جهود المغرب التاريخية لاسترجاع الخزانة السعدية : «ولم تنته المحاولات في سبيل استرجاع هذه الخزانة مع نهاية أسرة السعديين، بل استمر المغاربة يلحون على إعادة تراثهم الإسلامي في العهود التالية ... فلا يتم لقاء دبلوماسي ولا ترسل سفارة ولا توقع معاهدة، إلا ويطالب المغرب فيها، ليس بكتبه في الإسكوريال فقط، بل بكل ما تبقى من نسف معاول الجهالة والحقد والتعصب من تراث العرب بالأندلس، وأول محاولة جديرة بالذكر تمت بعد ذهاب السعديين، تلكم التي قام بها السلطان العلوي المولى إسماعيل حيث كتب إلى كارلوس الثالث ملك إسبانيا في قضية الأسرى الإسبانيين بمدينة العرائش، يقول : «وذلك أن تعطونا في الخمسين نصرانيا من هذه المائة خمسة آلاف كتاب، مائة كتاب عن كل نصراني من كتب الإسلام الصحيحة المختارة»، وكان صاحب هذه المهمة الوزير ابن عبد الوهاب الغساني الفاسي ... وعلى الرغم مما قاله المؤرخون عن فشل هذه المحاولة، فإن "دوكستري" قد أثبت أن السلطان المغربي قد حصل بالفعل على بعض المخطوطات العربية من الدولة الإسبانية» .

6 - ازدهار الحياة الفكرية دليل على انتشار الكتب والمكتبات في العصر الإسماعيلي :

وفي الختام لابد من التذكير بأن البحث في تاريخ المكتبات في العهد الإسماعيلي يحتاج إلى مزيد من التنقيب والعناية بقراءة الحوالات الحبسية الإسماعيلية، للوقوف على التفاصيل الدقيقة لازدهار الخزانات العامة والخاصة وانتشارها، لأن الحياة الفكرية في هذا العهد تدل دلالة قاطعة على ازدهار صناعة الكتب وتداولها بين العلماء، وليس من باب التذكير أن العصر الإسماعيلي كان عصر نهضة فكرية من خلال ظهور ثلة من العلماء الذين ساهموا في نشاط الحركة الفكرية من خلال تأليف العديد من الكتب وظهور قضايا فكرية متداولة بين العلماء، ومنها قضية دخول الشاي إلى المغرب وانتشار شرب القهوة وتدخين الدخان ولباس الملف، ثم قضية جيش العبيد التي أسالت كثير من المداد، فألف فيها كثير من علماء العصر بين مؤيد ومعارض، نذكر منهم على سبيل المثال : العلامة الفقيه القاضي سيدي العربي بردلة والعلامة أبو العباس أحمد بن محمد ابن ناجي الفيلالي السجلماسي، والعلامة أبو علي اليوسي، والشيخ عبد السلام جسوس، بل إن أحد أبناء السلطان مولاي إسماعيل وهو محمد العالم نبغ في مختلف العلوم وقيل في حقه : إنه بلغ درجة الاجتهاد، وإن أعلاما من العلماء ظهروا في صفوف جيش البخاري، وإن العالم أبو القاسم بن درى الشاوي المكناسي من موالي السلطان ، ولعل ما يثير الانتباه في سيرة هذا السلطان هو وصفه بكونه حجة في تحصيـل العلوم حسب ما ذكر ابن الحاج في الجزء السادس من الدر المنتخب حيث قال : «وأما العلم فقد كان آية في تحصيل غالب فنون العلوم، وحجةً في تحصيل الإدراك والفهوم، وأخذ أوفر نصيب من فنونها، ولا يَنْقِر المسائل إلا في إنسان عيونـها، وكانت لـه اليـد الطولى في الحديث والتاريخ والسير» .

ومما يدل على عنايته السلطان مولاي إسماعيل بتنشيط الحالة الثقافية بالمغرب الحديث، أنه كان يناظر كتابه في فنون الأدب، قال ابن الحاج : «وكان له مع كُتَّابه من المبالغة والمحاضرات، في فنون الأدب ما يُخْجِل زهر الرياضات، وتتعطر منه العرآئس المخَدَّرات، ويشتاق لجواهر يواقيته بليغ المقامات، ويشغل نسيمُه عن اللذات» فمن كتابه وشعرائه الذين خلدوا كتابات في هذا المجال نذكر الشاعر أبو محمد عبد الحق السحيمي والأديب الكاتب أبوحفـص عمـر الحراق الشفشاوني، وقد ذكر الأستاذ محمد الفاسي جوانب من اهتمام هذا السلطان بالتأليف والتاريخ الذي أغنى الخزانات المغربية ، ومن محاسن السلطان مولاي إسماعيل بعد أخيه المولى الرشيد نذكر محافظته على خزانة كتب الزاوية الدلائية التي كان بها حوالي مائة ألف كتاب مخطوط، فقد نقل المولى الرشيد مجموعة من كتبها إلى مكناس حيث حبس مجموعة من كتبها المخطوطة على مسجدها الأعظم، وذكر الكتاني نقلا عن العلامة المؤرخ عبد السلام بن الخياط القادري أن فيها عشر آلاف سفر .

ونختم هذا الموضوع بشهادة معاصرة تؤكد عناية السلطان مولاي إسماعيل بالمظاهر العلمية مما أدى إلى ازدهار الحياة الفكرية بالمغرب الحديث والشهادة للأديب الشاعر المفوه علي مصباح الزرويلي في كتابه سنا المهتدي حيث كتب واصفا : «وأحيى الله به العلم في سائر البلاد، بعد أن كانت سوقه لعبت بها أيدي الكساد، ونودي فيها على جماعة العلماء : موتوا فما لكم من معاد، وضرب الجهل فوق الآفاق سرادقا وأطنابا، وغلَّق دون التعلم والتعليم كُوّىً وأبوابا، فأصبح العلم اليوم بحمد الله كأنه بحر فاض على الدنيا فترك فيها الجداول والأنـهار، أو أنجم السماء تساقطت على الأرض فأصابت جميع الأقطار، فَاعْتَز العلم وحَمَلَتُه، وذل الجهل وشوكته»، بل لقد سجل الزرويلي ازدهار العلوم بسبب الأمن وطول مدة حكم هذا السلطان حيث كثر العلماء وحفاظ القرآن في أيامه، فقال : «فحمدت الناس أيامه، وتمنت على الله بقاءه ودوامه، وكثرت العلماء وحفاظ القرآن في أيامه السعيدة، فكم من رجل ولد وقرأ وصار عالما من علماء المسلمين، وولد له من صار عالما، كل ذلك في أيامه المباركة» .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here