islamaumaroc

نظام وقف الكتب وآثاره فـي بعض مناحي الحياة الدينية والعلمية بالمغرب

  حبيبة أحادوش

العدد 404 صفر1434ه/ يناير 2013م

يعتبر نظام الوقف من أهم الركائز التي يُعتمد عليها لنشر قيم التضامن والتآزر والفضيلة في المجتمع، وقد كان لهذا النظام أثر فعال في ازدهار المجتمعات الإسلامية على مر العصور.

والوقف أو الحبس نوع من الصدقات التي شرعها الإسلام وندب إليها، بل هو من أعظم أعمال البر، لاستمرار فائدته وانعكاسه الإيجابي على الفرد والمجتمع ؛ ففي الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» ؛ والمقصود بالصدقة الجارية الوقف، لذلك فهو من أفضل أبواب القربات .

ومعنى الوقف في الاصطلاح الشرعي : حبس الأصل وتسبيل الثمرة ؛ أي منع الشيء الموقوف من أن يباع أو يوهب أو يورث، والتسبيل معناه جعل منفعته واستعماله والانتفاع بهم فوتا في سبيل الله لفائدة الذين حبس عليهم من طرف المحبس ؛ وهو المعنى الذي جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله عمر بن الخطاب بقوله : «إن المائة سهم التي بخيبر لم أصب مالا قط أعجب إلي منها، وقد أردت أن أتصدق بها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "احبس أصلها وسبل ثمرتها"» .

والأصل في جواز وقف أو حبس المنقول، ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : «من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا وتصديقا بوعده، كان شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة» . والحق أن الوقف يمكن أن يستوعب مجالات متعددة سواء كانت دينية، أو علمية، أو تربوية، غير أنه غالبا ما يتبادر إلى الأذهان أن الوقف باعتباره صدقة جارية مرتبط فقط بالنفع المادي الذي يسد حاجة الفقراء والمحتاجين والأيتام، ويتم إغفال مسألة وقف الكتب الذي لا يقل أهمية عن وقف المنقولات، فماذا نقصد بوقف الكتب ؟

المقصود بوقف الكتب حبسها على الخزانات أو المكتبات ليستفيد منها طلاب العلم، والمدرسون، والناس عامة، ابتغاء مرضاة الله، فهي لا تباع ولا تورث، وقد تقتنى أو تستعار مع إرجاعها إلى موضعها عند الانتهاء منها ليبقى أصلها، وتستمر الاستفادة منها، عملا بقوله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب حين استشاره في ما غنمه في خيبر : «احبس أصلها وسبل ثمرتها». وقد تعددت المؤسسات الدينية والعلمية - من مساجد وزوايا و خزانات ومدارس- التي تحوي الكتب الموقوفة .

1 - وقف الكتب على المساجد :

أول مؤسسة دينية شملها وقف الكتب والوثائق في الإسلام هي المسجد باعتباره النواة الأولى التي انبثقت منها النهضة العلمية منذ عهد النبوة، فقد احتضن المساجد منذ تأسيسها إلى اليوم معظم الأنشطة الدينية والعلمية فبداخلها كانت تقام حلق الدرس والمناظرات الفكرية.

وبفضل نظام وقف الكتب تحولت هذه المساجد إلى مراكز إشعاع علمي وحضاري، لتضطلع بأدوار متعددة تثقيفية وتربوية وتعليمية ... ويتخرج منها فقهاء ومحدثون، وعلماء في الطب والهندسة وغيرها. ومن أبرز الجوامع المغربية التي كانت قبلة لكل من أراد الارتشاف من ينابيع العلم الصافية جامع القرويين بفاس، الذي يضم العديد من الكراسي العلمية التي كانت توقف عليها كتب متنوعة ومتعددة، وقد بلغ عدد الكراسي العلمية المدعومة بالوقف في جامع القرويين خلال بعض الفترات التاريخية، ما يناهز ثمانية عشر كرسيا، تتنوع الكتب الموقوفة على هذه الكراسي العلمية حسب اعتبارات ؛ منها المادة المدروسة، وعدد الطلبة ... ومن أشهر الكتب الموقوفة على الكراسي العلمية بجامع القرويين مثلا :

• كتاب صحيح البخاري (ت 256 ﻫ). كتاب حلية الأولياء، لأبي نعيم الأصبهاني (ت430 ﻫ)، وكتاب التفسير للثعلبي (ت427 ﻫ)، وكتاب رياض الصالحين للنووي (ت 676 ﻫ) وكتاب إحياء علوم الدين، لأبي حامد الغزالي (ت505ﻫ)، وغيرها من الكتب المتعددة والمتنوعة، وهي كلها كتب كانت محبسة على كرسي "ظهر خصة العين" .
ولم تقتصر الأوقاف التي خصصت لهذه الكراسي العلمية على وقف الكتب فقط بل شملت أيضا تغطيت جميع النفقات التي يتطلبها سيره تدريسها واستمراره.

2 - وقف الكتب على الزوايا :

كان للزوايا باعتبارها مؤسسات دينية وتربوية وتعليمية فضل كبير في نشر العلم والمعرفة بالمغرب، فقد كانت مقصدا لكثير من طلاب العلم، وملجأ للمريدين الذين يسعون إلى الاستزادة من العلوم والمعارف.

ومن أشهر خزائن الزوايا التي تزخر بالنفائس المخطوطات بالمغرب :

أ – خزانة الزاوية الناصرية بتمكروت : التي تأسست في القرن العاشر الهجري. وعمل الشيخ محمد بن الناصر الدرعي على تطويرها وتنمية أرصدتها من المخطوطات الوثائق. ومعظم محتوياتها من الكتب والوثائق هي عبارة عن هدايا الملوك ووصايا الشيوخ وأوقاف المحسنين من العلماء والأعيان. وقد بلغت أرصدتها من المخطوطات خلال سنتي 1904م و1905م حوالي عشرة آلاف مجلد ، وتحتوي الخزانة على نفائس من مخطوطات في مختلف العلوم.

ب - خزانة الزواية الحمزية بالرشيدية : والتي تعرف أيضا بخزانة الزاوية العياشية نسبة إلى أبي سالم العياشي، الشيخ الصوفي الشهير الذي يرجع له الفضل في تنمية وتطوير محتويات هذه الخزانة من المخطوطات والوثائق، وتوجد بالخزانة بعض المخطوطات التي حبسها الشيخ بنفسه على الخزانة ومنها كتاب تقرير التهذيب لابن حجر العسقلاني الذي كتب على المجلد الثاني منه وقفية يقول فيها : «... ينتفع بهذا الكتاب من فيه أهلية من سكان زاوية سيدي محمد بن بكر العياشي ...»

3 - وقف الكتب على الخزانات العلمية :

بالإضافة إلى اتجاه الأوقاف إلى مرافق المساجد، وإحداث الكراسي العلمية، وتوقيف الأموال لتسيرها وتوفير مستلزماتها من كتب وغيرها، اتجهت اهتمامات أصاحب الوقف الغيورين على العلم والمقدرين للعلماء، إلى إنشاء الخزانات والمكتبات ؛ ففي عهد الدولة الموحدية ظهرت بعض الخزانات الحبسية العمومية، أشهرها الخزانة التي حبسها الشيخ أبو الحسن الشاري (ت 649ﻫ) وألحقها بمدرسته بسبتة. أما في العهد المريني فتجمع جل المصادر التاريخية التي أرخت للحركة العلمية والثقافية بمدينة فاس، على أن الإرهاصات الأولى لنشوء خزانة جامع القرويين تعود إلى سنة 750 ﻫ/ 1349م فترة حكم السلطان أبي عنان المريني الذي اعتنى بالخزانة ووضع لها قانونا للقراءة والمطالعة والنَسخ، وزودها بكتب نفيسة في مختلف العلوم والفنون، وقد وصفها علي الجزئاني بقوله : «وأما خزانة الكتب التي يدخل إليها من أعلى المودع الذي بالجامع، فإنه لما كان من شيم مولانا المتوكل أبي عنان رحمه الله، حب العلم وإيثاره، والتهمم به والرغبة في انتشاره، والاعتناء بأهله ومتحمليه، والتودد لقرائه ومنتحليه، انتدب لأن صنع هذه الخزانة، وأوسع طلبة العلم بأن أخرج لها من الكتب المحتوية على أنواع من علوم الأديان والأبدان والأذهان واللسان، وغير ذلك من العلوم على اختلافها، وشتى ضروبها وأجناسها، وقفها ابتغاء الزلفى، ورجاء ثواب الله الأوفى وعين لها قيما لضبطها ومناولة ما فيها» .

إلى جانب خزانة القرويين قام السلطان المريني بإنشاء مكتبة خاصة بالمصاحف القرآنية أوقف عددا منها بنفسه، وكتب عليها ما يفيد ذلك بخط يده، وخصص لها قيما على إخراجها وإبرازها، وصيانتها يقول المؤرخ علي الجزنائي : «وأما خزانة المصاحف التي جعلها مولانا المتوكل أبو عنان رحمه الله في قبلة صدر هذا الجامع، فإنه صنعها لما سهله على الناس من تلاوة القرآن في الوقت المتخير من الأزمان، بأن أعد فيها جملة كثيرة من المصاحف الحسنة الخطوط، البهية الجميلة السنية، وأباحها لمن أراد القراءة فيها بعد أن كتب على كل جزء منها بخط يده بتوقيفها مدى الأعوام والليالي والأيام» .

وقد حرص سلاطين المغرب على تزويد هذه الخزانة بالعديد من المخطوطات النفيسة والمصنفات الجديدة. وتذكر المصادر أن «أحمد المنصور السعدي الذي زاد في خزانة القرويين ما عرف في تاريخها بالقبة السعدية، بأنه كان حريصا على إغنائها بالمفيد الصالح، فكان يوقف عليها ما يراه مناسبا، ويكتب ذلك بخط يده، وحرصا منه على تزويدها بالنوادر، كان يبعث بسفرائه المتخصصين من العلماء إلى البلاد المشرقية، ليقتنوا ما يزودون به الخزائن المغربية، وفي مقدمتها خزانة القرويين، بما كان ينقصها من الكتب التي تعالج سائر العلوم والفنون» .

ولم يكتف ملوك المغرب بتزويد هذه الخزانة بما يحصلون عليه من الكتب، بل إن عددا من سلاطين الدولة العلوية قد صنفوا مصنفات عديدة وأوقفوا نسخا منها على خزانة القرويين، ومن ذلك كتاب الفتوحات الإلهية للسلطان سيدي محمد بن عبد الله.
أما خزانة جامع ابن يوسف بمراكش التي أسسها السلطان السعدي عبد الله الغالب بإزاء الجامع، فقد كانت من أشهر مكتبات الجنوب المغربي بفضل إمدادات الملوك والأعيان والعلماء لها بالكتب.

كما لا يجب أن ننسى الخزانة الصبحية بسلا التي وقفها الحاج محمد الصبيحي، باشا سلا سابقا، لتكون وقفا على العلماء وطلاب العلم وعامة القراء. وقد قام الحاج عبد الله الصبيحي ببناء مقر جديد للخزانة سنة 1396م/1976م، كما قام العلامة محمد حجي – رحمه الله – بوضع فهرس لمخطوطاتها تضمن 1337 مخطوط تقريبا، وتحتوي الخزانة على العديد من المخطوطات المحبسة.

4 - وقف الكتب على المدارس العلمية :

من أبرز المدارس العلمية المغربية التي دعمت بالوقف ؛ نذكر مدرسة الحلفاويين، وتسمى أيضا مدرسة الصفارين، والتي بناها السلطان يعقوب بن عبد الحق، ووقف عليها العديد من المصنفات العلمية. ويحكي الناصري في الاستقصا «أن أبناءه أيضا قد اقتفوا أثره من بعده فاستكثروا من بناء المدارس العلمية ووقفوا عليها الأوقاف المغلة، وأجروا على الطلبة بها الجرايات الكافية، فأمسكوا بسبب ذلك من رمق العلم وأحيوا مراسمه» .

ومن المدرسة التي حظيت بوقف الكتب أيضا ؛ مدرسة الصهريج، ومدرسة السباعيين، والعطارين، والمصباحية، والبوعنانية، وهي كلها من من أوقاف السلاطين المرينيين. وأما مدرسة الشراطين، فقد أنشأها السلطان المولى الرشيد العلوي في أوائل شعبان عام 1081ﻫ، وأكملها أخوه السلطان المولى إسماعيل.

ومجمل القول، فإن عملية وقف الكتب قد أسهمت خلال تاريخ المغرب في نشر وترسيخ العديد من القيم الدينية والمعرفية التي أثرت بشكل إيجابي على العديد من مناحي الحياة الدينية والعلمية بالمغرب، وهذا ما يدفع إلى ضرورة إحياء هذا النظام في وقتنا الرهن، ولن يتأتي ذلك إلا بتكاتف الجهود واتخاذ مجموعة من التدابير التي من شأنها التحسيس بأهمية وقف الكتب في الحياة المعاصرة ومن هذه التدابير :

1 – عقد ندوات علمية للتعريف بجهود المغاربة في توقيف الكتب وتحبيسها.
2 – تشجيع أصحاب الخزانات العلمية الخاصة على توقيف خزاناتهم وإخراجها ليستفيد منها طلاب العلم والباحثون.
3 – تخصيص أجنحة داخل الخزانات العلمية العامة ببلادنا تحمل أسماء المغاربة الذين اشتهروا بوقف الكتب، سواء كانوا ملوكا أو علماء أو من عامة الناس ... لما في ذلك من تشجيع وتحفيز الموطنين على وقف الكتب.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here