islamaumaroc

دور الوقف فـي دعم الحركة العلمية بمدينة فاس خلال العصر المريني

  الحاج موسى عوني

العدد 404 صفر1434ه/ يناير 2013م

تقديم :

يعتبر الوقف من أعظم المؤسسات "المدنية" التي أسهمت بشكل كبير في تعمير البلاد الإسلامية، وتحسين ظروف عيش الناس وتنمية مستوياتهم العلمية ورعاية أحوالهم الصحية. وقد شكل أيضا وسيلة فعالة لإشاعة ثقافة الخير والقيام بأعمال البر والإحسان التي حث الدين الإسلامي عليها ورغب فيها باعتبارها من الصدقات الجارية التي يؤجر عليها صاحبها في حياته وبعد مماته. وقد سارع المسلمون إلى التنازل عن أملاكهم وتوقيفها على أبواب الخير المختلفة، رغبة منهم في تزكية النفس، والقيام بفروض الطاعة، وتوجيه الهمة للدار الآخرة وثوابها، وشكر المنعم المتفضل ونيل رضا ه سبحانه وتعالى .

ومن المعلوم أن الجهد الشعبي والرسمي أسهما في تعزيز مؤسسة الوقف بالتكثير من أصولها والرفع من مواردها مما كان له الأثر المباشر في تماسك مكونات المجتمع وتحقيق شبكة من العلاقات الاجتماعية تغطي دوائر مختلفة ومستويات متباينة بدءا من دائرة الأسرة من خلال الوقف المعقب ووصولا إلى دائرة الأمة من خلال الوقف الموجه لخدمة أبناء الأمة ككل. وتعكس هذه الأنواع من الأوقاف مدى أهمية الصدقات الجارية في تعزيز الأواصر بين الأفراد سواء على مستوى الحي أو الجهة أو البلد والأمة، ولهذا شكل الوقف قاعدة صلبة من قواعد بناء المجتمع ودعامة أساسية في تحصينه من آفات الفقر والخصاصة والجهل والمرض وغيرها.

لقد عرف المغاربة - كإخوانهم المشارقة - بجهودهم الحثيثة في تعزيز مؤسسة الوقف، والزيادة في رصيدها من الأملاك والعقارات المختلفة، ورعايتها وصيانة ممتلكاتها وتنميتها. ويبدو أن المذهب المالكي - الذي انتشر بالبلاد منذ القرون الأولى للهجرة - كان له دور كبير في إقبال المغاربة على الوقف بحكم أن المالكية لم تضيق في أمر الأموال القابلة للتحبيس وفي شروطها، ورغبت في المصالح المرسلة وهي فكرة قريبة مما يعرف اليوم "بالمصالح العامة للأمة" ، الشيء الذي دفع المغاربة إلى تسبيل أملاكهم على المنافع العامة من مساجد ومدارس وزوايا وأربطة ومستشفيات (مارستانات) وغيرها من المؤسسات والأوجه التي تعود بالنفع على أفراد المجتمع.

وإذا كانت المبادرات الأولى للوقف الإسلامي بالمغرب تعود إلى الفتوحات الإسلامية حيث شيدت المساجد ودور العبادة لنشر العقيدة وتثبيتها بين الناس، فإن مؤسسة الوقف شهدت تطورا مع توالي القرون وتعاقب الدول. وتكاد تجمع الأبحاث على أن المرينيين الذين وصلوا إلى الحكم منتصف القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي ساهموا بدور كبير في النهوض بهذه المؤسسة تدبيرا وتنظيما ومراقبة وتنمية وصيانة، فتعددت أصولها وانتشرت ممتلكاتها في كل الأصقاع والبقاع، ونمت مداخيلها وتنوعت مقاصدها وتضاعف أثرها داخل المجتمع. وكانت مدينة فاس باعتبارها عاصمة بني مرين، مدينة الوقف بامتياز بالنظر إلى حجم الأملاك التي حبست على وجوه البر المختلفة وكثرة أغراضها. فلا عجب أن تكون جل المنشآت والمرافق بالمدينة من دور وحمامات وأرحية وفنادق وأفرنة ودكاكين ودور الصناعة وأروية وبساتين تابعة جزئيا أو كليا للوقف، وهذا ما جعل ابن الخطيب يقول بأن أوقاف فاس كانت جارية . كما أن الوزان ذكر بأن معظم الحمامات بفاس كانت وقفا على المدارس والمساجد . ومما يدل على انتشار الأوقاف واتساع ثرواتها وممتلكاتها بفاس، ما نقلته الروايات الإخبارية عن تعرض الدفتر الذي تسجل فيه أوقاف القرويين للحريق عام 723ﻫ/1323م. وعقب تلك الفاجعة قامت السلطة بضم أملاك فاس كلها للقرويين إلا من أتى برسم ملكه لأن الناس كانوا يعلمون بأن رحاب فاس ودورها ومبانيها كانت تابعة للأحباس .

ومن هنا نسعى في هذا المقال إلى التعريف بجهود المغاربة حكاما ورعية في دعم رصيد مؤسسة الوقف بمدينة فاس خلال عهد بني مرين، متسائلين عن طبيعة الأملاك التي حبست على المؤسسات العلمية وأهميتها، والأوجه والأبواب التي صرفت فيها، والجهات التي كانت من ورائها، والدور الذي قامت به في دعم الحركة العلمية بالمدينة الادريسية.

1 - واقع الوقف زمن المرينيين :

إن دراسة موضوع الوقف العلمي خلال المرحلة المرينية يستوجب جمع المعطيات التاريخية من مختلف المصادر الإخبارية والدراسات المعاصرة ، والاطلاع على المعلومات الواردة في الكتابات الوقفية المنقوشة على المواد الصلبة والتي ما تزال تحتفظ بها عدد من المباني العلمية والدينية بفاس ، فضلا عن استثمار المعطيات الثمينة التي تقدمها الحوالات الحبسية التي دونت زمن المرينيين وخلال المراحل المتأخرة.

واستنادا إلى المصادر والأبحاث المنجزة يتبين أن موضوع الوقف وتأثيره على الحركة العلمية بفاس خلال عهد بني مرين لا يمكن تناوله والإحاطة بجوانبه المختلفة إلا من خلال رصد السياسة التعليمية لدولة بني مرين ومعرفة المكانة التي تبوأها أهل العلم خلال فترة حكمهم.

فمن المعلوم أن الدولة المرينية لم تعتمد بالضرورة على دعوة دينية للوصول إلى الحكم على خلاف مع الدول التي سبقتها. فإذا كانت جل الدول المغربية المتعاقبة استندت في تثبيت مشروعية حكمها على دعوة إصلاحية أو الانتماء إلى السلالة النبوية فإن بني مرين بادروا إلى القيام بمجموعة من التدابير والإجراءات لبناء قاعدة شعبية وكسب تأييد الناس لمشروعهم. وهكذا قربوا إليهم أهل الصلاح والتقوى، وساروا على نهجهم واكتسبوا منهم جملة من الصفات التي تحدثت عنها بإسهاب المصادر التاريخية، فقد قال صاحب الذخيرة : "كانت له (أي عبد الحق بن محيو جد المرينيين) بركة معروفة ودعاء مستجاب" ، وقال عنه ابن أبي زرع : "وكان (عبد الحق بن محيو) في بني مرين مشهورا بالتقى والفضل والدين والصلاح والبركة واليقين معروفا بالعفاف" . كما قاموا بمهمة الجهاد في الأندلس وسيروا عدة حملات لإيقاف الزحف المسيحي على المدن والقرى الأندلسية . وعلى مستوى آخر، أعاد بنو مرين تنظيم ركب الحجيج بعد توقفه لسنين عديدة من جراء الأحداث الأليمة التي واكبت اضمحلال دولة الموحدين . واشتهر بنو مرين أيضا بتعظيم العلماء والشرفاء وتوقيرهم، وتجلى ذلك في إعادة العمل بالمذهب المالكي والتمكين له بأرض المغرب، واتخاذه مذهبا رسميا للدولة الجديدة. فسخروا طاقاتهم لتوطيد أركانه باعتباره المذهب الذي اجتمع عليه أمر الناس عموما بالمغرب منذ القرون الأولى للهجرة. ومن مظاهر العناية بمذهب عالم المدينة المنورة، إدراج كتب المالكية ومصنفاتهم ضمن البرامج التعليمية وجعلها من المرتكزات الأساسية للتكوين في مجال العلوم الشرعية، فانخرط علماء المذهب في الحياة العلمية ونالوا المكانة التي تليق بهم سواء في ميدان التدريس والتأطير أو في مجال الوظائف المخزنية أو في مجال المشورة وإبداء الرأي.

وارتباطا بتكريم العلماء وتوقيرهم وتشجيع الطلبة على الدرس والتحصيل، شيد بنو مرين مشاريع ضخمة خدمة للعلم وأهله وفي مقدمتها المدارس العلمية، معتمدين في ذلك على التنسيق الوثيق مع مؤسسة الوقف سواء على مستوى التمويل أو التدبير أو الصيانة.

2 - مؤسسة الوقف ودعم المعاهد والمدارس العلمية :

اتخذ المغاربة من الوقف مصدرا شبه دائم لتمويل المؤسسات التعليمية واستمرارها في أداء رسالتها، وهذا أضفى على التعليم طابعا أصيلا وجعل منه، إلى حد كبير، قطاعا مستقلا عن الأجهزة الرسمية. وقد شهدت الحركة العلمية بفاس أيام بني مرين نقلة كبرى همت بالخصوص بناء المدارس العلمية وإقامة الخزانات وشحنها بالكتب والمصنفات، وتزايد الإقبال على طلب العلم سواء على مستوى عدد الطلبة وتنوع مشاربهم أو على مستوى العلماء الذين شكلوا طائفة كبيرة ومؤثرة بحكم زادهم المعرفي الأصيل وأدائهم العلمي الرفيع وقدرتهم على التأليف الرصين.

2-1- بناء المدارس العلمية :

برز بنو مرين في المجال العلمي بفعل إنجازهم لمشروع متكامل يقوم أساسا على إنشاء مدارس علمية بمدينة فاس، عاصمة الدولة، وبجل الحواضر التابعة لنفوذهم. وإذا كانت مؤسسة المدرسة أمرا معروفا قبل بني مرين على أساس أن المصادر تشير إلى وجود مراكز مماثلة كمدرسة الصابرين بفاس ومدرسة أبي الحسن الشاري بمدينة سبتة ومدارس الموحدين بمراكش ، إلا أن المدرسة المرينية فاقت سابقاتها ذكرا وقدرة على الصمود ضد عوادي الزمن، واستأثرت بعدد من الموارد الوقفية، وسمت بعمارتها وفنونها، وكانت أكثرها أثرا في بناء الحضارة المغربية. وغني عن القول، إن الكثير من المدارس المرينية ما تزال قائمة، وتعد مكونا أساسيا من التراث المعماري والفني المغربي، سواء بمدينة فاس أو مكناس أو سلا أو مراكش أو تازة ... وللإشارة فإن المدرسة المرينية تتميز بخاصيتين أساسيتين، فهي مؤسسة رسمية ووقفية في آن واحد .

تتجلى الخاصية الأولى في أن بناة المدارس المرينية هم السلاطين، فالمصادر التاريخية والكتابات المنقوشة على جدران المدارس تكاد تجمع على أنها بنيت بأمر من السلطان الحاكم. فعلى سبيل المثال فإن مدرسة الصفارين بفاس - أم المدارس المرينية - شيدها السلطان يعقوب المريني عام 672ﻫ ، بينما أسست المدرسة البوعنانية (المتوكلية) التي تمثل خاتمة عقد المدارس خلال المرحلة المدروسة - من قبل السلطان أبي عنان عام 756 ﻫ . وهكذا فإن بناء المدارس المرينية ظل حكرا على السلاطين ولم تسجل المصادر أي حضور أو إسهام للمحسنين والعلماء وغيرهم في إقامة هذا النوع من المنشآت على خلاف مع ما كان الأمر عليه في جهات أخرى من العالم الإسلامي .

أما الخاصية الثانية للمدرسة المرينية فهي أنها مؤسسة وقفية، سبلت على أهل العلم كما تنص على ذلك شهادة المحبسين. فقد جاء في الكتابة الوقفية لمدرسة الصهريج والسباعيين بفاس أن السلطان أبا الحسن المريني حبسهما على طلبة العلم الشريف وتدريسه . إلى جانب ذلك فقد حبست على كل مدرسة مرينية مجموعة كبيرة من الأملاك لتصرف غلاتها في الإنفاق عليها مما ضمن لها استقلاليتها المالية وديمومتها، كما جاء في عبارات صريحة عند ابن مرزوق مؤرخ السلطان المريني أبي الحسن "وكلها (المدارس) قد اشتمل على المباني العجيبة ... مع ما ينضم إلى ذلك من الأحباس التي تقام بها ويحفظ بها الوضع، مما يصلح به ويبنى ويجري في المرتبات على الطلبة والعونة والقيم والبواب والمؤذن والإمام والناظر والشهود والخدام ويوفر من ذلك" . لقد شكلت إذن المدرسة منشأة سلطانية في إنشائها وتمويلها، إلا أنها تلحق بعد ذلك بمؤسسة الوقف لتتكفل بتدبير شؤونها المالية والتربوية، وهذا يكشف عن العلاقة الوثيقة والتكامل الواعي بين السلطة السياسية ومؤسسة الوقف في تدبير الشأن التعليمي خلال عهد بني مرين.

2-2- الأملاك المحبسة على المدارس المرينية :

لاشك أن رصيد الأوقاف من الممتلكات والرباع قد تضاعف خلال عهد بني مرين بفضل ما تم تحبيسه على مختلف المؤسسات الاجتماعية والصحية والثقافية التي تم تشييدها، وفي مقدمتها المدارس العلمية. لقد نما عدد المدارس المرينية بشكل لافت وعمت مختلف الجهات وخاصة الحواضر، إذ بلغ عددها بمدينة فاس فقط إحدى عشرة مدرسة حسب الوزان . وقد حظيت كل واحدة منها بقائمة طويلة من الأملاك التي حبسها عليها السلطان المؤسس لها كما مر بنا سابقا. والجدير بالذكر أننا تمكنا من معرفة أسماء جل تلك الأملاك الوقفية بفضل حسن التوثيق الذي تميز به المرينيون وحرصهم على رعايتها، ذلك أنهم سجلوا الكثير من المعطيات المتعلقة بالأوقاف على حاملين اثنين هما :

- حامل مادي صلب : ونقصد بها لوحات الرخام التي نقش عليها النص الكامل لوثيقة التحبيس، وقد كتب بخط جميل مما يساعد على تفكيكه وقراءته. ثبتت اللوحة بأحد جدران القاعة المخصصة للصلاة داخل كل مدرسة لمزيد من الاحتياط على سلامتها ولإضفاء مزيد من الهالة والاحترام عليها، هذا إضافة إلى الترويج لما جاء فيها من معلومات ونشر مضامينها بين الناس وخاصة المرتادون للمدرسة من أهل العلم. وما تزال الكثير من الكتابات الوقفية في أماكنها إلى يومنا هذا حيث تشكل وثائق أصلية وأصيلة لمعرفة ظروف بناء المدرسة واسم بانيها وألقابه ولائحة الأملاك. ولأخذ فكرة عن هذا النوع الفريد من الكتابات الوقفية سواء على مستوى المحتوى أو الشكل، نقدم في ملحق هذا المقال النص الكامل للكتابة المنقوشة بمدرسة العطارين وصورتها .

- وعاء مادي ورقي : ونعني به الحوالات الحبسية، وهي دفاتر دونت فيها الأملاك الحبسية ومستفاداتها وصوائرها إضافة إلى نصوص عدلية تثبت ملكية المحبسين لما سبلوه وما إلى ذلك من الوثائق المرتبطة بالأوقاف. ومع أن الكثير من الحوالات قد ضاعت بفعل التقادم وعوادي الزمن المختلفة، فإن ما بقي منها يؤكد استخدامها منذ العهد المريني. وتعد حوالة أحباس مدينة تازة من أقدم الشواهد التي وصلتنا لأنها ترجع إلى العقود الأولى من القرن الثامن الهجري . وارتباطا بأوقاف المدارس، نجد حوالة خاصة بأحباس المدارس القديمة بفاس مما يبين أهمية وحجم الأملاك الموقوفة عليها .

وموازاة مع الحوالات الحبسية والكتابات الوقفية، استوجب تعدد المؤسسات العلمية الوقفية بفاس خلال العهد المريني العناية بتدبير شؤونها، حيث أسندت كل مؤسسة إلى موظف يعرف بالناظر. فهو الذي تعهد إليه أمور تعمير المؤسسة، وتسيير غلاتها ورباعها، واستخلاص محاصيلها، وصرفها بطريقة دقيقة ومضبوطة تبعا للأغراض والأبواب المحددة من قبل المحبس. ولم يكن اختيار الناظر اعتباطا بل يخضع لجملة من المعايير، يأتي في مقدمتها الاستقامة والنزاهة والكفاية وأصالة الرأي، وهي صفات تسمح للناظر بالقيام بمسؤولياته بكل تفان وإخلاص، مما تكون له آثار إيجابية على رعاية المؤسسات وخدمة المستفيدين منها. وكانت هيئة النظار تدير شؤون الوقف تحت رقابة القاضي . ولم يغفل بنو مرين، في عزة قوتهم، عن القيام بمراقبة أموال الوقف وملاحقة النظار الذين يخلون بواجباتهم .

شكلت تلك الإجراءات التنظيمية والتوثيقية شاهدا حيا على مدى حرص المرينيين على ضبط الوقف وتقنينه، وعلى اهتمامهم بمصالح المستفيدين والمنتفعين منه. كما تعد الحوالات الحبسية والكتابات الوقفية وثائق تاريخية وقانونية بين يدي الأجيال المتعاقبة تساعد على معرفة أملاك الوقف وتحديد مواقعها وانتشارها في المجالات الحضرية والقروية، وأهداف المحبسين ورغباتهم وشروطهم. فهي إذن من الأدوات التي تضمن صيانة التراث الوقفي ورعايته واحترام مقاصد المحبسين.

- طبيعة الأملاك المحبسة ونوعها :

من خلال وثائق الوقف المشار إليها أعلاه، ندرك مدى تنوع الأملاك المحبسة على مدارس فاس كما ونوعا، فهي تتكون من مختلف العقارات والأملاك التي توجد داخل أسوار مدينة فاس وخارجها. فإلى جانب الدكاكين والمنازل والمصريات والحمامات والأفرنة والفنادق والأروية ودور عمل (محلات الصناع التقليديين) المنتشرة بمختلف أحياء المدينة، كانت للمدارس أوقاف في المناطق القروية، حيث حبست عليها الأجنة والبساتين والمداشر، مما يدل على الصلة الوثيقة بين فاس وباديتها.

وتؤكد الوثائق الحبسية التي اطلعنا عليها أن السلطان هو المصدر الوحيد للأملاك التي حبست على المدرسة ، إذ بعد بنائه للمؤسسة التعليمية، يقوم عادة بشراء مجموعة من الأملاك ثم يجعلها وقفا دائما ومؤبدا عليها، وقد أشار إلى ذلك ابن أبي زرع في معرض حديثه عن مدرسة العطارين فقال : "وشرع (السلطان أبو سعيد) في بنائها ... واشترى الأملاك ووقفها عليها احتسابا لله تعالى ورجاء ثوابه" .

- أبواب صرف مداخيل أوقاف المدارس :

بناء على ما جاء في الوثائق الحبسية والنصوص التاريخية، فإن أوجه الإنفاق متعددة إلا أن لها صلة مباشرة بالمدرسة والعاملين بها، ويأتي على رأس المستفيدين طلبة العلم والمقرئين للقرآن الكريم كما تنص على ذلك وثيقة تحبيس مدرسة فاس الجديد . كما توظف المداخيل في صرف مستحقات الجهاز الإداري الساهر على تدبير أمور المدرسة من ناظر وعدول وإمام ومؤذن وقيم وحارس ومنظف . ولم يغفل المحبسون التأكيد على تخصيص جزء من مداخيل الوقف لتمويل أعمال الإصلاح والصيانة للمدرسة، وهو أمر من الأهمية بمكان لأنه يضمن لها استمراريتها كبناية سليمة مما يجعلها في منأى عن التوقف من أداء رسالتها باعتبارها سكنا للطلبة ومعهداً للتدريس والتربية والتكوين.

- صيغة الوقف وأركانه :

تشهد وثائق التحبيس على الجهود التي بذلها بنو مرين من أجل تنظيم أمور الوقف وتقنينه وضبط أركانه وشروطه، وهكذا تضمنت الكتابات الوقفية كل العناصر الواجبة في عقد الوقف الشرعي وهي :

- الواقف :

وهو معلوم الصفة، إذ تذكر الكتابات الحبسية على سبيل المثال اسم السلطان كاملا مع كنيته وألقابه السلطانية والشرفية، وعادة ما يذكر أيضا اسم أبيه وأجداده وألقابهم.

- الموقوف :

يتم التنصيص على الأملاك المحبسة بكل وضوح ودقة وذلك بذكر اسمها وتحديد مكان وجودها وذكر الأملاك المجاورة لها مما يسهل معرفتها وضبط مكانها بعيدا عن أي لبس أو غموض.

- الموقوف عليهم :

لم تقتصر الكتابات الوقفية على ذكر الجهة المستفيدة من الأملاك المحبسة (وهي المدرسة) وإنما بينت الجهات والأفراد الذين لهم الحق في الانتفاع من مستفادات أحباسها. هذا على الرغم من أنها لم تذكر بدقة كافية طريقة توزيع تلك المداخيل والقدر المخصص لكل طرف منها .

- التصريح بالوقف :

وردت العبارات الدالة على الوقف بصيغ مختلفة لكنها صريحة وواضحة وتنص على ما أراده المحبس كعبارة : "تحبيسا تاما ثابت الحكم لا تبديل لوجهه إن شاء الله"، أو عبارة " حبس ذلك كله وخلده تحبيسا دائما وتخليدا مؤبدا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين" .

إن استقراء ظاهرة المدارس المرينية باعتبارها مشاريع سلطانية في تصورها وإنجازها وتمويل بنائها وتحبيس الأملاك عليها للقيام برسالتها من جهة، ومؤسسات وقفية في تدبيرها ورعايتها وصيانتها من جهة ثانية، يؤكد لنا حقيقة كبرى تتجلى في التكامل المتميز بين السلطة المرينية ومؤسسة الوقف. لقد تضافرت جهودهما لتعزيز المباني والمرافق الدينية والتعليمية والاجتماعية والتكثير منها والتعاون على استمرار عملها وتواصله عبر الحقب التاريخية. فهناك نوع من تقاسم الأدوار وتكامل الوظائف بينهما، ذلك أن السلطة المرينية تقوم بوضع المشاريع بما فيها المؤسسات العلمية وفق تصورات وضوابط محددة، ثم تشرع في البناء والإنجاز بدءا من وضع الحجر الأساس إلى حين نهاية الورش، وتتكفل بالتمويل والمتابعة والمراقبة عبر موظفيها (قد يكون إطارا تابعا للوقف كالناظر). وبعد إتمام عملية بناء المدرسة - التي تكون غالبا في أبهى صورة وأجمل حلة - يتم شراء عدة أملاك وعقارات مختلفة ومتنوعة وتحبس عليها لتشكل مداخيلها ميزانية التسيير الدائمة للمؤسسة، وهنا يبدأ الدور المباشر لمؤسسة الوقف لأنها تتولى مسؤولية تسيير المدرسة الوقفية وتدبير شؤونها وحماية مصالحها والسهر على صيانتها، بمعنى تنتقل المدرسة من إطار مؤسسة سلطانية إلى مؤسسة وقفية خالصة لأن إدارة الوقف تصبح الراعية الرسمية والمباشرة للمدرسة، فهي تتكفل بالأملاك المحبسة على المدرسة وصيانتها وتنميتها واستخلاص مستفاداتها وصرفها في الوجوه والأغراض المحددة من قبل المحبس، كما تسهر على السير العادي للمدرسة ومتابعة الجهاز الإداري المشرف عليها، وتقوم بتجهيزها بما تحتاج إليه من مستلزمات (حصير، زيت الوقود ...)، وتعتني أيضا بإصلاح ما تلاشى منها وترميمه.

مما سبق يتبين أن سلاطين بني مرين أسهموا في جعل المدرسة مؤسسة ذات استقلالية مالية، لتحيق ذلك استندوا إلى الحضور الفاعل لمؤسسة الوقف التي توفرت على الإمكانيات والمؤهلات الإدارية القادرة على حسن تدبير ثروات وممتلكات مختلف المؤسسات الوقفية. وكان من ثمار التعاون بين السلطة الحاكمة ومؤسسة الوقف، في تدبير الشأن العام، أن التعليم لم يبق رهينا في تسييره وتمويله للسلطة الحاكمة وإداراتها المختلفة، وإنما كان الإنفاق عليه والنظر في شؤونه من اختصاص مؤسسة الوقف. وهذا لا يعني أن السلطة انسحبت تماما من الإشراف على التعليم بل ظلت تراقب - عن بعد في الغالب – محتواه ومضامينه، وتوجه مساره وتطوره.

لم تكن المدارس خلال عهد بني مرين إلا ركنا من الأركان التي قامت عليها الحركة العلمية بمدينة فاس، بل إن بروز دورها الوظيفي وتألقها راجع في جزء منه إلى وجود مؤسسة علمية كبرى بمدينة فاس كان لها إشعاع وتأثير على الحركة العلمية ليس بالمغرب فحسب، بل في جهات واسعة من العالم الإسلامي وأوربا، إنها جامعة القرويين منارة العلم والقلعة المتقدمة لنشر الثقافة الإسلامية واللغة العربية. فكيف أسهمت الأوقاف في تعزيز مكانة جامعة القرويين والنهوض بها ؟

3 - جامعة القرويين وفروعها :

غني عن القول إن القرويين كجامع وجامعة هي المؤسسة الأم التي يرجع إليها معظم أوقاف فاس ، وبقدر ارتباط القرويين بوظيفتها الأصلية كمسجد لأداء الصلاة بقدر قيامها بالوظيفة التعليمية كمؤسسة حاضنة لأهل العلم ومؤثرة في مجال التربية والتأطير والإنتاج العلمي.

يعتبر جامع القرويين الذي بنته المرأة الفاضلة فاطمة الفهرية أم البنين - ذات الأصول الإفريقية - مؤسسة وقفية خالصة، حيث أسهم المحسنون والمحبسون، رجالا ونساء، حكاما ورعية، في توسعته وصيانته وإصلاحه وتزيينه وتجهيزه بكل الأدوات والمستلزمات، وكذا تعميره بحلقات الذكر وقراءة القرآن ومجالس العلم . وإذا كنا لا نملك وثائق تتعلق بتحديد تاريخ وأسماء الأوقاف الأولى التي حبست على هذه المؤسسة الدينية والتعليمية، فإننا على يقين بأنها بلغت شأنا كبيرا كما ونوعا خلال حكم المرابطين (القرن الخامس والسادس للهجرة / الحادي عشر الميلادي)، لأن المداخيل التي جمعت من غلات أملاكه - التي أصابها الإهمال وقتئذ - كانت كافية لوحدها لتغطية كل النفقات المتعلقة بالزيادة فيه وإصلاحه في عهد أمير المسلمين علي بن يوسف. ولم تكن عملية التدخل تلك ضخمة فحسب، وإنما كانت فنية بامتياز كما يدل على ذلك المحراب والقباب والأقواس ذات الزخارف البديعة والتشكيلات الرائعة والمتناسقة ، إلى جانب ذلك استخدمت أموال أحباسه في صناعة المنبر المرابطي الذي يعد آية في الحسن والإبداع .

وموازاة مع الزيادة في المسجد وإصلاحه وتنميقه من مال الوقف غالبا ، صرفت من ذات المصدر أموال للإنفاق على طلبة العلم وتشجيهم على التحصيل والتزود من معين العلماء، فتعددت الحلقات العلمية داخل الجامع والتي استقطبت أعدادا مهمة من الطلبة وكبار العلماء بالمغرب والأندلس.

ومع المرينيين، زاد جامع القرويين غنى وثراءً بفضل الأملاك والعقارات الجديدة التي حبست عليه ، وشهد حركة علمية غير مسبوقة بفعل التنظيم والتوجيه والعناية التي حظي بها من قبل السلطة المرينية والعلماء وعامة الناس.

إذا كانت القرويين قد احتضنت الدروس العلمية منذ تأسيسها، فإن أداء الجامعة لم يكتمل إلا مع بني مرين الذين وفروا لها المرافق والتجهيزات والبنيات التحتية الضرورية من خزانة الكتب وتأمين السكن للطلبة الآفاقيين في المدارس العلمية المشيدة بكثرة في فاس، وكذا تنظيم الدروس ووضع البرامج التعليمية التي تعتمد أساسا على كتب المذهب المالكي، وتعيين إدارة تسهر على الإشراف العام على المؤسسة الجامعية .

أضحت جامعة القرويين مقصد الطلاب ومحج ذوي العقول والأفهام ومنزل أهل الذوق والسلوك. فقد احتضنت مجالس العلم المنتظمة وفق برامج محددة وخاضعة لجدولة زمنية مسطرة سلفا، هذا فضلا عن الدروس الموجهة لتوعية عموم الناس. فغصت جنباتها بطلبة فاس وأولئك الوافدين من مختلف البقاع والأصقاع والذين وجدوا في مؤسسة الوقف خير سند ومعين بما توفره من سكن وتقدمه من مرتبات تحفيزية، الشيء الذي دفعهم إلى الإقبال على العلم والتفرغ لطلبه، وكانت أعداد الطلبة في تزايد مستمر. ومع أننا لا نتوفر على إحصاءات دقيقة عن أعدادهم، فإنهم كانوا كثرا وتجاوزوا الآلاف حسب الجزنائي .

وإلى جانب الدروس المنتظمة برحاب القرويين، كانت المجالس العلمية تعقد في المساجد التابعة لجامعة القرويين في سياق ما عرف بنظام الكراسي العلمية التي شكلت إحدى مرتكزات المنظومة التعليمية بفاس، وأحد القنوات الفعالة في تدريس العلم وذيوعه.

3-1- الكراسي العلمية بالقرويين :

يقصد بها وجود كرسي مصنوع عادة من الخشب، يصعد فوقه العالم ليتمكن من إلقاء درسه وخاصة في الحلقات التي كان عدد الحضور فيها غفيرا. ولم تكن ولاية الكرسي العلمي أمرا عاديا، بل هي من المراتب السامية التي يستلزم الوصول إليها التوفر على شروط ومؤهلات علمية وأخلاقية لا تقل أهمية عن منصب القضاء والفتوى .

إذا كان تاريخ بداية إحداث الكراسي العلمية من المواضيع التي لم يحسم في شأنها، فإن المعطيات التاريخية التي بين أيدينا تؤكد على أنها أضحت سارية المفعول في زمن المرينيين، حيث انتشرت الكراسي العلمية بجامعة القرويين والمدارس العلمية والمساجد التابعة للجامعة. ويعد وصف الوزان خلال بداية القرن العاشر الهجري / السادس عشر الميلادي من أدق النصوص التاريخية التي تحدثت عن الكراسي العلمية بالقرويين وأماكنها وترتيبها : "وفي داخل الجامع، على طول الجدران يشاهد المرء كراسي مختلفة الأشكال يدرس عليها العديد من العلماء والأساتذة حيث يلقون على الشعب دروسا تتعلق بأمور دينه وشريعته" .

لقد كانت الكراسي العلمية مخصصة لتدريس العلوم الدينية والفقهية والأدبية اعتمادا على أمهات الكتب، حيث يقوم العالم بشرح الكتاب المحدد في الوصية الحبسية ذات الصلة بالكرسي العلمي، ذلك أن الكثير من الكراسي أنشئت بموجب عقد حبسي يبين الكتاب أو الكتب العلمية الواجب دراستها من جهة، والأملاك الحبسية التي رصدت لها من جهة ثانية. وقد تضاف كتب جديدة وأيضا أوقاف جديدة للكرسي في مراحل موالية. وفي هذا السياق نشير إلى إقبال الناس من مختلف الشرائح الاجتماعية وتنافسهم على تحبيس الأملاك على هذا الكرسي أو ذاك مما أسهم في دعم القائمين عليها وتشجيعهم على العطاء العلمي.

لقد اشتهرت الكثير من الكراسي العلمية بفاس بالنظر لقدمها أو لمكانة العلماء الذين تعاقبوا عليها أو لغنى ما حبس عليها من أملاك. ونكتفي هنا بالإشارة إلى نماذج منها لبيان أهمية الوقف في تدعيم أنشطة العلماء.

فمن أقدم الكراسي العلمية بالقرويين وأهمها كرسي المحراب الذي يعود تاريخه إلى بداية الدولة المرينية، وكان مخصصا لتدريس كتاب تفسير القرآن للثعالبي (ت.427ﻫ) وكتاب حلية الأولياء لأبي النعيم (ت. 430ﻫ)، ثم أضيف إليه لاحقا كتاب الإحياء لأبي حامد الغزالي وكتاب الشفا للقاضي عياض . وقد تصدى للتدريس بهذا الكرسي كوكبة متميزة من العلماء سواء خلال عهد بني مرين أو المراحل اللاحقة. وموازاة مع أهمية الكرسي فقد نمت مداخيله بفعل كثرة أملاكه الوقفية التي تضافرت جهود سلاطين بني مرين وأفراد المجتمع في تعزيزها، إذ بلغ عددها نحو واحد وعشرين عقارا .

ومن الكراسي العلمية التي لا تقل رفعة وذكرا عن كرسي المحراب كرسي العلامة الورياغلي، فهو يحمل اسم أحد كبار علماء القرويين الذين كان لهم أثر بارز في الحياة السياسية بالمدينة . كان كرسي الورياغلي منتصبا في الركن الجنوبي الغربي لقاعة الصلاة، وذلك على يسار الداخل إلى القرويين من باب الرواح الأعلى المجاور لباب الخلفاء. وتبرز أهمية كرسي الورياغلي على ثلاث مستويات :

- غنى مواده العلمية : فقد كان مخصصا لدراسة ثلة من الكتب المتنوعة والمرتبة حسب جدول زمني محدد. وبناء على الوثائق التاريخية، فإن هذا الكرسي عرف بدراسة كتب التفسير صباحا، وصحيحي البخاري ومسلم بين العشاءين، ورسالة ابن أبي زيد القيرواني مع مختصر ابن الحاجب بعد صلاة الظهر، وكتاب المنذري والعمدة للعيني بعد العصر . ومن هنا فإن الدراسة كانت شبه متواصلة على الكرسي، فلا يكاد ينفض مجلس حتى يقام مجلس بعده، مما يعني أن الأساتذة كانوا يتناوبون الصعود عليه، وأفواج الطلبة تفد باستمرار خلال ساعات النهار للاستماع إليهم.

- مكانة علمائه : حظي بشرف التدريس على هذا الكرسي طائفة من العلماء الذين تركوا بصمات واضحة في الفكر والثقافة المغربية سواء على عهد المرينيين أو خلفائهم السعديين والعلويين، نذكر منهم على سبيل المثال الورياغلي الذي تسمى الكرسي باسمه وابن غازي المكناسي (ت 919 ﻫ) والعلامة المنجور أستاذ السلطان أحمد المنصور السعدي (ت 995 ﻫ) والقاضي المعروف عبد الواحد الحميدي (ت. 1003 ﻫ) إلخ ...

- وفرة أوقاف الكرسي وتنوعها : لقد كانت أوقافه كثيرة، إلا أن طريقة صرف مداخيلها أخذت بعين الاعتبار ترتيب وتوزيع الدروس على الكرسي خلال ساعات النهار، وهكذا حبس إثنا عشر عقارا على من يدرس في الصباح، ونحو سبعة عقارات مع بعض الأرحية على من يدرس في الظهر، وست بقاع على من يتولى التدريس في العصر والمساء .

وتدل هذه النماذج على مدى إسهام الوقف في تقوية دور الكراسي العلمية وحث العلماء على القيام بنشر الوعي وتأطير المجتمع. 

3-2- الكراسي العلمية في فروع جامعة القرويين :

وموازاة مع الكراسي العلمية التي تعقد في فضاء القرويين، انتشرت كراسي أخرى بالمساجد والمراكز التابعة للجامعة. وقد استقطبت زمن المرينيين جمهورا غفيرا من المستمعين، لعل من أبرزها :

- كرسي الونشريسي : الذي يعقد بجامع الأندلس، وهو يوجد بجانب عنزة المسجد (أي المحراب الصيفي)، وكان محبسا لدراسة رسالة الشيخ ابن أبي زيد القيرواني، وله عدة أملاك وقفية منها ثلاث بقاع .

- كرسي التهذيب : أنشأه السلطان أبو عنان المريني بمدرسته البوعنانية بفاس، وقد عين للتدريس فيه الفقيه الحافظ أبو الحسن علي الصرصري .

لقد كانت الكراسي العلمية بالقرويين كثيرة العدد إذ أحصى العلامة التازي نحو مائة وأربعين كرسياً موزعة على الجامعة الأم وعلى المدارس العلمية والجوامع ومساجد الأحياء. وكان لكل كرسي أوقافه الخاصة التي حبسها عليه الأمراء والمحسنون على حد سواء، وبقدر تنامي أعداد الكراسي بقدر تنامي أملاك الوقف لكونها تؤمن للكرسي استمراريته وديمومته، وهذا يؤكد ما أشرنا إليه سالفا بأن الوقف أسهم كثيرا في ترسيخ فضاء الحرية والاستقلالية على أهل العلم.

ومما ينبغي التنبيه إليه أيضا، أن العناية انصرفت إلى نشر التعليم بين صفوف الحرفيين وأهل الصنائع، ولهذا الغرض نظمت المجالس العلمية داخل المساجد التابعة للوحدات الحرفية والمساجد الموجودة داخل الفنادق التي يشتغلون فيها. وقد قام على سبيل المثال كرسي مسجد دار الدبغ بفاس بدور كبير في توعية أرباب الحرف من معلمين ومتعلمين وأمناء. ولم تكن أوقاف هذا الكرسي أقل أهمية من غيره .

وانتفعت أيضا نساء المدينة من الحركة العلمية، فقد أقيم أحد كراسي مسجد الأندلس بالقرب من المستودع الذي يوجد بدوره قرب مسجد النساء الشيء الذي مكنهن من الإنصات إلى ما يلقى من دروس علمية والاستفادة منها .

وعلى مستوى آخر، تقدم الكتابة الوقفية لجامع للا غريبة بفاس الجديد معطيات مهمة حول الارتباط الوثيق بين مؤسسة الوقف ومراكز العبادة والعلم. فقد أشارت الكتابة - التي ترجع إلى عام 810 ﻫ أي الفترة المتأخرة من حكم بني مرين - إلى أن القائد المسمى الطريفي هو الذي أمر ببناء جامع للا غريبة وقام بتحبيس الأملاك عليه. كما تشير بتفصيل ووضوح إلى وجوه صرف عائدات المسجد من الأحباس والقدر المخصص لكل مستفيد بعد بيان مهامه ووظيفته داخل المسجد كما هو واضح في هذا المقتطف : "... ويخرج من غلة ذلك اثنى عشر دينارا للإمام على الإمامة بها وتفريق الكتب التي بخزانتها ما بين صلاة الظهر والعصر في كل يوم والقيام بها، وستة دنانير لقارئ كتاب الشفا بها بعد صلاة الصبح من كل يوم، وعشر دنانير للمؤذن على الأذان بها والوقد بها وبدار الوضوء، وديناران اثنان لغاسل دار الوضوء والسقاية الكبرى في كل يوم، وديناران اثنان ونصف دينار للزيت ونار الوقد، وأربع دنانير للناظر بالمسجد المذكور، وكلها من الدنانير العشرية الفضية، وذلك مرتب كل شهر، وما فضل عن ذلك يكون وقفا بيد الناظر لما يحتاج إليه المسجد من حصر وبناء وغير ذلك من الضروريات، وذلك بعد إخراج ما يستدام به نفعه ويستصحب بقاؤه ..." .

ندرك من خلال هذا النص أن مسجد للا غريبة - الذي يصنف ضمن المساجد الصغرى بفاس - كان فضاء للدراسة حيث يعقد به مجلس علمي لقراءة كتاب الشفا بعد صلاة الصبح. وقد عين المحبس للأستاذ القائم على هذا الدرس ستة دراهم من مداخيل أوقافه. وهذا يدل على مدى تعدد المراكز العلمية بفاس إذ لم تقتصر على الجامعة الأم والمساجد الكبرى والمدارس، بل انتشرت أيضا بمساجد الأحياء الموزعة داخل الأزقة الضيقة.

ويقف هذا النص على مسألة أخرى تتعلق بمدى ارتباط العلم بإقامة الخزانات وتعميرها والسهر على تدبير رصيدها، وهي النقطة التي سنقف عندها في الفقرة الموالية.

4 - الخزانات الوقفية :

يندرج إنشاء المكتبات الوقفية في سياق توفير آليات الاشتغال وأدوات العمل الضرورية بالنسبة للعلماء والطلبة على حد سواء. فتحفيز أهل العلم على الدراسة والتعلم والبحث العلمي يقوم على توفير الخزانات التي تسمح لهم بالاطلاع على الكتب والمصنفات والاستفادة منها في المطالعة والنسخ والمقابلة والبحث. وقد ترسخت تقاليد وقف الكتب بالمغرب منذ العهود القديمة ، فإلى جانب المكتبات الخاصة للعلماء وأهل اليسار، نجد الخزانات العمومية داخل المساجد والربط والزوايا، فضلا عن الخزانات الملكية التي تزين قصور السلاطين. ومما تجدر الإشارة إليه أن مدينة سبتة المغربية اشتملت على حوالي سبع عشرة خزانة خلال العهد المريني، ثمانية منها محبسة على أهل العلم، كان من أشهرها وأقدمها خزانة العالم الجليل أبي الحسن الشاري التي يقول عنها الأنصاري : "... أقدمها الخزانة الشهيرة ذات الأصول العتيقة والمؤلفات الغريبة خزانة الشيخ علي الشاري المذكور التي بالمدرسة المنسوبة إليه التي ابتناها من ماله، وهي أول خزانة وقفت بالمغرب على أهل العلم، نفعه الله به" .

وأنشأ الموحدون بمراكش - عاصمة ملكهم - واحدة من أقدم وأضخم الخزانات بالمغرب بالنظر لما احتوت عليه من مصنفات وكتب ومؤلفات جيء بها من أقطار المغرب والمشرق والأندلس، فسميت بأم الخزانات .

وخلال العهد المريني زاد عدد الخزانات وذاع صيتها، ففضلا عن الخزانات الخاصة التي كانت تزين دور الكبائر والفقهاء كخزانة بني الملجوم بفاس وخزانة بني القاضي الحضرمي بسبتة، برز نجم الخزانات العمومية الملحقة بالمساجد والمدارس العلمية. وتعد خزانة مدرسة الحلفاويين من أقدم الخزانات المرينية بفاس. ومما ساعد على إغناء رصيد تلك الخزانة، أنها استفادت من اثني عشر حملا من الكتب التي حصل عليها السلطان أبو يوسف يعقوب المريني في اتفاقيته مع سانشو ملك قشتالة عام 684ﻫ/1285م .

ومن أعظم الخزانات الوقفية بالمغرب وأغناها رصيدا وأوسعها فضاء إلى يومنا هذا خزانة جامع القرويين التي يرجع تاريخ تأسيسها إلى بداية حكم السلطان المريني أبي عنان (750 ﻫ /1350م) كما هو مسجل في الكتابة المنقوشة التي توجد بأعلى مدخلها الأصلي الكائن فوق المستودع بالشمال الشرقي للقرويين. وإذا كانت الكتابة المنقوشة تؤكد على الطابع الوقفي للخزانة، فإنها تكشف أيضا عن رؤية المرينيين لتنظيم شؤون المكتبة وترتيب آليات الاشتغال بها والانتفاع من كتبها، ونلاحظ أيضا الحرص الشديد على تسهيل الاستفادة من رصيدها وتشجيع الطلبة على تعميرها وارتيادها قصد القراءة والنسخ، مع التنبيه على صيانة محتوياتها والمحافظة عليها وتأمين سلامتها، ومما جاء فيها : "أنشأ هذه الخزانة السعيدة الجامعة للعلوم الحميدة المشتملة على الكتب التي أنعم بها من مقامه الكريم المحتوية على أنواع من العلوم الواجب بها التعظيم والتكريم جعل ذلك نصره الله وقفا مؤبدا على جميع المسلمين ... حضا منه أيده الله على طلب العلم وإظهاره وارتقائه واشتهاره، وتسهيلا لمن أراد القراءة والنسخ منها والمطالعة والمقابلة، وليس لأحد أن يخرجها من أعلى المودع التي هي فيه ولا يغفل المحافظة عليه والتنويه ..." .

لا شك أن الخزانة استفادت من رعاية السلطان أبي عنان - المعروف بحبه للعلماء وشغفه بالعلم - الذي شحنها بالكتب وزودها برصيد كبير من المصنفات والمدونات المشرقية والمغربية، وللإشارة فما تزال المكتبة تحتفظ إلى يومنا هذا بعينات من الكتب التي حبسها هذا السلطان حيث نجد عليها خط يده وتوقيعه.

وأسهم العلماء والمحسنون بدورهم في تعزيز رصيد خزانة القرويين. ومن العلماء الذين حبسوا عليها نذكر العلامة ابن خلدون الذي أهدى إليها كتابه الضخم العبر وجعله وقفا مؤبدا على طلبة العلم بها .

وتقدم فهارس خزانة القرويين الورقية منها والإلكترونية فكرة مفصلة عن مدى إسهام المحبسين في إثراء رصيد الخزانة عبر المراحل التاريخية المختلفة، فالكثير من المخطوطات تحتوي على وثائق التمليك ووثائق التحبيس التي تمكن من معرفة أسماء المالكين لها والمحبسين وتاريخ التحبيس والغاية منه .

وتجدر الإشارة أيضا إلى أن السلطان أبا عنان شيد خزانة ثانية بالقرويين متخصصة في المصاحف الشريفة، وقد بناها في جدار القبلة على يسار الواقف أمام المحراب، يقول عنها الجزنائي : "... وسهل بها على الناس تلاوة القرآن في كل وقت من الأزمان وأعد فيها جملة كثيرة من المصاحف الحسنة الخطوط البهية الجليلة السنية وأباحها لمن أراد التلاوة فيها ..." .

وقد مر بنا أثناء الحديث عن جامع للا غريبة اشتماله على خزانة للكتب، نالت أيضا العناية من قبل المحبس، حيث اشترط على إمام المسجد القيام بأمرها والسهر على تدبير رصيدها والمحافظة عليه. ووجود مثل هذه الخزانة في مسجد ذي حجم صغير يدل على مدى انتشار ظاهرة الخزانات الوقفية بفاس، وإن كان أكثرها قد اختفى واندثر بفعل التقلبات السياسية والقلاقل التي عرفتها المدينة عبر المراحل التاريخية.

ومن بين الخزانات الوقفية بفاس خزانة جامع الأندلس، وهي من بناء السلطان المريني أبي سعيد الثالث، وذلك في عام 816 ﻫ /1414م .

بناء على ما سبق، يتضح أن مؤسسة الوقف قامت بدور كبير في انتشار وتشجيع الخزانات ليس في المساجد الكبرى فحسب، وإنما في مساجد الأحياء والمدارس العلمية، حيث قامت بتدبير شؤونها والسهر على رعايتها والمحافظة على رصيدها من كيد الكائدين. ومما يلاحظ أيضا في هذا الباب تعدد الجهات التي أسهمت في عملية إنشاء الخزانات وشحنها بالكتب، فإن كان لسلاطين بني مرين الدور الكبير في هذا المقام إلا أن المبادرة الشعبية وهمة أهل العلم والمحسنين أسهمت بدورها في تعزيز رصيد المكتبات الشيء الذي عبد الطريق أمام طلبة العلم للاعتكاف والتفرغ للدراسة والبحث العلمي. ومع أن أغلب الخزانات التابعة للمساجد والمدارس المرينية بفاس قد اندثرت، فإن خزانة القرويين - المرينية التأسيس - قد استطاعت أن تجمع ما تفرق في غيرها من كتب ومؤلفات، فهي تزخر بإرث غني من المخطوطات المدونة على مختلف الحوامل من رق وورق، ومدونة بأجمل الخطوط المشرقية والمغربية .

5 - من ملامح الحركة العلمية بفاس :

كانت مؤسسة الوقف تدير التعليم وتموله في استقلالية - ولو نسبية - عن أجهزة الدولة، ولا شك أن استشعار العلماء والطلبة بهذه الأجواء من الحرية حفزتهم على أداء مهمتهم أحسن قيام. فقد كفلت مداخيل الوقف للأساتذة والعلماء العيش الكريم، وضمنت لهم الاستقرار وراحة الضمير، مما دفعهم إلى توجيه همتهم للتفرغ للعلم والعمل المتواصل. كما انخرطوا بحماس في الأنشطة التعليمية والدعوية وقاموا بها بكل حرية وجرأة، فلم يتأخروا عن تقديم النصيحة والجهر بالحق، بعيدا عن مواطن الذل والتبعية والخضوع لأي سلطة أو جهة. لقد وفر الوقف لأهل العلم الحصانة والملاذ والقدرة على العطاء والتجديد في ظل الاستقرار الذي نعمت به الدولة المرينية خلال حكم سلاطينها الأقوياء، وحفز الوقف أيضا الطلبة على ارتياد مجالس العلم والسفر بعيدا قصد طلبه مما وثق الصلات بين جهات البلاد وقوى قنوات التواصل بين البوادي والمدن وأسهم في انتشار الفكر والثقافة الإسلامية في البوادي والمناطق القاصية. وقد كانت فاس - على مدى عقود طويلة - كعبة كل قاصد للعلم لأنها أولا عاصمة الدولة المرينية، وثانيا تزخر بجامعة كبرى وعدد من المدارس والمراكز العلمية والخزانات العمومية، وثالثا تتميز بتقديم خدمات متنوعة للطلبة من سكن وأكل وملبس ومرتبات. ولهذا جاء هؤلاء بأعداد كثيرة، وفي قوافل لا تكاد تتوقف نحو الحاضرة الإدريسية.

لقد نالت العلوم الدينية والفقهية حظوة خاصة ضمن البرامج التعليمية بجامعة فاس وفروعها المختلفة، وتضاعف الإقبال على كتب المذهب المالكي تدريسا ونسخا وتأليفا، فكانت مدونات المالكية ومصنفاتها مادة الدراسة المفضلة في المجالس العلمية كمدونة سحنون (ت 256 ﻫ/871م) ورسالة ابن أبي زيد القيرواني (ت 386ﻫ/996م)، وتهذيب المدونة لأبي سعيد البراذعي
(ت 400 ﻫ /1009م). كما كانت المجالس والكراسي العلمية الخاصة بدراسة اللغة والآداب والتاريخ والسير كثيرة ولها جمهور عريض من الطلبة. وحظيت أيضا الحقول العلمية بنصيب وافر في معاهد فاس كعلم الحساب والتوقيت والطب والتنجيم.

ونتيجة لذلك اشتهر علماء مبرزون في مختلف الحقول العلمية كالفلكي العددي ابن البناء
(ت723ﻫ/1323م) وابن أجروم مؤلف كتاب الأجرومية المشهور (ت 723ﻫ/1323م) والفقيه المفتي أبو الضياء مصباح اليالصوتي (ت 750ﻫ/1350م) والعلامة المبرز الآبلي (ت 757ﻫ/1356م). وشهدت أيضا مجالس العلم بفاس حضور وجوه بارزة من العلماء الأفذاذ كابن الخطيب وابن خلدون وابن بطوطة وابن مرزوق، وهي أسماء مشهورة وصل إشعاعها إلى بلاد الشرق والغرب على حد سواء، وتركت بصمات كبيرة في تاريخ الفكر والثقافة الإسلامية بفضل المؤلفات والكتب التي ألفتها، وهي إلى يومنا هذا بمثابة مصادر رئيسية لا مندوحة للباحثين في تاريخ الغرب الإسلامي الوسيط وحضارته من الرجوع إليها.

ومن المفيد أيضا التنبيه إلى التطور الذي عرفته العلوم التطبيقية خلال عصر بني مرين والتي كان من نتائجها إنجاز ابتكارات هامة وإنجازات وصفت بالغريبة في عصرها، نذكر منها المنجانة المائية التي ما تزال شواهد منها قائمة أمام المدرسة البوعنانية والناعورة الضخمة (الدولاب) التي كانت ترفع الماء من وادي فاس - في نقطة عبوره لفاس الجديد - إلى قنوات معلقة لسقي حديقة المصارة الملكية التي تحدثت عن جمالها وروعتها المصادر المرينية .

وكان أيضا من ثمار الحركة العلمية النشيطة والمدعمة من قبل مؤسسة الوقف أن تخرجت فئات ونخب من الفقهاء والعلماء شكلت قاعدة عريضة لتمتين تجذر المذهب المالكي الذي أصبحت له السيادة ببلاد المغرب. كما أن النخب المكونة في معاهد فاس وغيرها من الحواضر المغربية، مثلت موارد بشرية رفيعة المستوى كانت مؤهلة للانخراط بكثافة في تسيير دواليب السلطة والوظائف المخزنية من قضاء وحسبة وعدول ونظار، إلخ ... كما أسهمت تلك الأفواج المؤطرة في نشر التعليم والوعي بين الناس في مختلف الجهات والمناطق المغربية، وكانوا أداة لتعميم الثقافة الإسلامية واللغة العربية على نطاق واسع في جبال المغرب وسهوله وواحاته الفسيحة.

6 - الوقف على المراكز العلمية أواخر الدولة المرينية : من الانتشار والتمدد إلى الانكماش والتبدد :

منذ بداية القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، نبه الوزان في كتابه وصف أفريقيا على العلاقة الوثيقة بين الوقف والحركة العلمية، إذ لاحظ أن التلاعب والسطو على أملاك الوقف وتراجع مداخيلها أثر بشكل كبير على سير المؤسسات العلمية بفاس فسجل ذلك في عبارات صريحة ودقيقة : "... وكان كل طالب من طلبة هذه المدرسة (البوعنانية) في الزمن الماضي معفى من مصاريفه ولباسه مدة سبع سنوات، أما الآن فلم يبق له غير السكن إذ خرب عدد من الأملاك والبساتين التي كانت محصولاتها مخصصة لهذا الغرض أثناء حروب سعيد، ولم يبق اليوم سوى دخل بسيط ... ولعل هذا أحد الأسباب التي أدت إلى انخفاض القيمة الفكرية ليس في فاس وحدها ولكن في جميع مدن أفريقيا" .

عمت فاس عقب وفاة السلطان أبي عنان المريني عام 760ﻫ/1358م فوضى عارمة بفعل الصراع على الحكم وضعف شخصية السلاطين وتزايد نفوذ الوزراء وتنامي النزعة الانفصالية عن الحكم المركزي بفاس وبروز الخطر المسيحي. وقد نجم عن تلك الأوضاع تراجع إشعاع الدولة المرينية وبداية تفكك أنظمتها السياسية والاجتماعية والثقافية بما فيها نظام الوقف. ومن مظاهر التردي والاضمحلال التعدي على أملاك الوقف، فلم يتورع بعض السلاطين وفي مقدمتهم أبو سعيد الثالث (حكم من 800 إلى 823 ﻫ/1398-1420م) عن بيع أصولها للإنفاق على حملاته العسكرية بدعوى أنه سيعيد شراءها لما تستقر أحوال البلاد. ومنهم من اقترض مبالغ ضخمة من الأوقاف ولم يردها إطلاقا. وموازاة مع ذلك تم الترامي على أملاك الوقف التي أصابها الإهمال تحت أسماء مستعارة كالجلسة والمفتاح والجزاء .

ومن الطبيعي أن نهب رباع الوقف وخراب أصوله وانخفاض مداخيله أدى إلى اضطراب في تمويل المؤسسات الخيرية والتعليمية وتسييرها، بل إنها أضحت فقيرة ومحرومة من أهم وسائل العمل. ولهذا انكمشت الحركة العلمية بفاس وبغيرها من الحواضر، وخف دبيب الوافدين على المجالس العلمية، فتفرق جمعها وقل روادها وعز طلابها. ويمكن القول إن مدينة فاس - عاصمة بني مرين - لم تعد قادرة حينذاك على صيانة أملاك الوقف، ورعايتها كما لم تكن قادرة على حماية أمن أهلها وسلامة روادها.

إن المرحلة المتأخرة من حكم بني مرين تؤكد مدى التداخل بين الوقف والحركة العلمية من ناحية، وتفاعلهما مع الأوضاع العامة بالبلاد من ناحية ثانية. فحينما عمت حالة الفوضى والفساد السياسي والانكماش الاقتصادي تراجع الاهتمام بأملاك الوقف وزادت ظاهرة النهب والسطو عليها، وموازاة مع ذلك تفككت بنية المؤسسات التعليمية وضعف الإقبال عليها، ولهذا لاغرو أن تتحول بعض الخزانات العلمية العامرة إلى أقفاص للطيور، وهو عنوان على خرابها ودلالة على تبدل الأحوال وتغير الأفهام والأفعال .

خاتمـة :

شكلت المرحلة المرينية نموذجا تاريخيا معبرا وتجربة غنية تعكس مدى تأثير الوقف في الحركة العلمية، ذلك أن نمو موارد الوقف وتوسعها وانتشارها وحسن تدبيرها شكل دعامة أساسية لتطور الأنشطة التعليمية كما وكيفا، ومن ثم كثرت المؤسسات الوقفية العلمية من مدارس ومساجد، وتنامى إشعاع جامعة القرويين، وتعددت الكراسي العلمية، وتضاعف عدد الخزانات العمومية مما جعل فاس قبلة الطلبة وملتقى العلماء والفقهاء.

وموازاة مع التفاعل بين الوقف والحركة العلمية، رصدنا تكامل الأدوار وتداخل الخدمات بين مؤسسة الوقف وجهاز الدولة المرينية. فقد سطرت هذه الأخيرة - زمن قوتها واستقرارها السياسي - مشاريع معمارية ضخمة ذات صبغة علمية وحبست عليها الكتب والأملاك المختلفة قصد تأمين مداخيل قارة للإنفاق عليها، لكنها ما تلبث أن تضع المعاهد العلمية بين يدي مؤسسة الوقف وتجعل منها مرافق تابعة لها كلية.

إن تغلغل مؤسسة الوقف في الميدان التعليمي وقيامها بمهام كبرى في هذا المجال وغيره من المجالات الاجتماعية والصحية والدينية أسهم بدون شك في تخفيف العبء عن الدولة المرينية التي انصب اهتمامها على مجالات وقضايا أخرى مثل الجهاد وتطوير الأنشطة الاقتصادية وتأمين الطرق التجارية وتمتين العلاقات مع القوى الخارجية .

وعلى مستوى آخر، شكلت مؤسسة الوقف هيئة خيرية يسهم فيها الشعب والحكام على حد سواء، مما سمح لها بأن تكون أداة ربط بين الرعية والسلطة وقناة لتوثيق الصلات بينهما.

الحاصل إذن أن الحركة العلمية بفاس مدينة، في جزء منها، إلى نظام الوقف الذي وفر لها الإمكانيات المالية واللوجستية الضرورية والأجواء المناسبة التي جعلتها تنطلق نحو فضاءات أرحب وتبلغ أعلى المقامات.

إن نظام الوقف الذي يستمد مشروعيته من القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة وسيرة السلف الصالح قام بأدوار فاعلة في تسيير مرافق المجتمع وتلبية حاجات الناس المتعددة والمتنوعة، ولذلك من الضروري أن يعاد له الاعتبار في واقعنا الحالي، وذلك بإغناء رصيده وحسن تدبيره ومراقبته وحمايته وتنميته وتأهيله ليستعيد أهميته ويستأنف دوره كقاطرة لتعزيز التكافل الاجتماعي، وأداة لتشجيع الحركة العلمية سعيا لتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية والإقلاع العلمي والثقافي في بلاد الإسلام.

ملحق : النص الكامل للكتابة الوقفية لمدرسة العطارين بفاس

"الحمد لله رب العالمين رافع درجات العالمين ومجزل ثواب العاملين حمدا يكون كفاء لآلائه وأداء لواجب شكر نعمائه متصلا إلى يوم الدين والصلاة على سيدنا ومولانا محمد وبعد، فهذا ما حبس وأمر بتخطيطه وإنشائه مولانا الإمام أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين واسطة سلك ملوك بني مرين أبو سعيد ابن مولانا الإمام أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين أبي يوسف يعقوب ابن عبد الحق جعلهم الله من أئمة المتقين برسم المدرسة التي أتم بناءها في عام خمسة وعشرين وسبعمائة وهي المقابلة لسماط العطارين من فاس القرويين فمن ذلك ثلاثة عشر حانوتا متصلة بباب الفرج ومن ذلك دار الصابون مع الحوانيت الثلاثة المخرجة منها بالشراطين والدار والمصرية وأربع حوانيت بالجوطية وأربع حوانيت بعين علون وهي التي أعلاها مستأجر للحبس المذكور وأربع حوانيت مع الطراز المحمل عليهم بعين الصليتن وثلاث حوانيت مع المصرية المحملة عليهم بالصفارين القدما وسبعة أثمان فندق الحدودي مع الأربع حوانيت المخرجة منه بالدرب الطويل وتربيعة ابن خنتة بالبليدة والحانوت الرابعة بالعطارين عن يمين المار من المدرسة والحانوت الثانية عن يمين الخارج من القطانين للعشابين والحانوت الثالثة بالقيسرية وعن يسار الداخل من الخرازين والحانوت بالسبطريين وهي الأولى عن يسار الخارج من فندق الزيت والحانوت الثالثة عن يسار الخارج من الجزارين وبيت أرحى مصالة بشيبوية والحجر الثاني مع القاعة المتصلة به ونصف شايع بقاعة الزرع بالبيت الموالي لحمام الزيات والفرن بجرنز ودار تلاصق فرن الكوشة ودار علو بالصباغين ودار علو بجزاء ابن زكون ودار ببرزخ دار أمن الله ومصرية بعين الخيل محملة على الصابة وحصة بفندق الرصاع".

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here