islamaumaroc

ظاهرة وقف الكتب فـي تاريخ الخزانة المغربية

  أحمد شوقي بنبين

العدد 404 صفر1434ه/ يناير 2013م

الحديث عن ظاهرة وقف الكتب في الخزانة المغربية يدعو بالضرورة إلى الحديث عن هذه الظاهرة في المشرق، لأن ظهورها كان هناك ولأن الخلاف بين الفقهاء في جوازها أو منعها قد تم في تلك الربوع، ثم إن الوقفيات المغربية لا تختلف كثير الاختلاف عن أخواتها في المشرق.

إن الباحث في هذا الموضوع يجب أن يكون فقيها متضلعا في الفقه، وقانونيا محيطا بمبادئ القانون، وإن كنت أفتقر إلى المؤهلات الفقهية والقانونية لمعالجته فإن شفيعي في ذلك هو اهتمامي بالكتب والمكتبات، وغايتي القصوى هي إثارة المشكلة ووضعها بين أيدي الباحثين الذين يملكون من المؤهلات ما يمكنهم من تناول هذا الموضوع وإعطائه ما يستحق من العناية وما يستوجب من البحث.

فباستثناء إشارات موجزة إلى هذه الظاهرة نجدها في كتب الفقه وباستثناء ما قاله عنها المرحوم يوسف العش في أطروحته .الجامعية[1] فإن الموضوع يبقى بحاجة إلى دراسة، وربما إلى دراسات لسد ثغرة من أهم الثغرات في دراسة تراثنا العربي

سأحاول إذاً في هذا البحث أن أتحدث بإيجاز عن بداية هذه الظاهرة في المشرق وفي المغرب، ثم أخلص إلى دراسة وثيقة وقف أنفذُ من خلالها إلى إلقاء بعض الضوء على بناء الوقفية المغربية، وأختم الحديث بالتساؤل عما يمكن أن تؤدي إليه دراسة هذه الوقفيات من خدمة لعلمٍ من أهم علوم المكتبات هو تاريخ الكتاب المخطوط (Histoire du livre Manuscrit).

1 - ظاهرة وقف الكتب في المشرق :

من القضايا التي أثارت جدلا كبيرا بين فقهاء المسلمين في العصور الإسلامية الأولى قضيةُ الوقف، والسببُ في ذلك يرجع إلى عدم ورودها في القرآن الكريم، وبالتالي إلى وجودها ظاهرةً مجردة في السنة النبوية، لأن الرسول عليه الصلاة والسلام اقتصر في تعريفه للوقف على ذكر حقيقته فقط وترك التفصيلات والتأويلات للفقهاء، فأدى ذلك إلى اختلافهم في مشروعية الوقف ؛ فمنهم من أجازه، ومنهم من لم يقل بجوازه، ومنهم من قبله في حالات ورفضه في أخرى. وكانت الكتبُ من بين أنواع الموقوفات التي احتدم حولها الصراع بين العلماء، لأن وقفها لم يثبت إلا بالعرف كما سنرى فيما بعد.

2 - اختلاف العلماء حول ظاهرة وقف المصاحف :

كان الفقهاء والعلماء حتى القرن الهجري الثاني ينسخون أو يستنسخون المصاحف ويضعونها في المساجد تقرباً إلى الله، اقتداءً بما صنعه الخليفة الراشدي عثمانُ رضي الله عنه حين نسخ أربعة مصاحف أو ستة ووزعها على الأمصار كما هو معروف. يروى في كتب التاريخ أن أبا عمرو الشيباني[2] نسخ ثمانين مصحفا، ووضعها في مساجد الكوفة، وروى السيوطي[3] أن المفضل الضبي كان عالما بالنحو والشعر والغريب وأيام الناس وكان يكتب المصاحف ويضعها في المساجد تكفيراً لما كتبه بيده من أهاجي الناس. فهذان العالمان الجليلان وغيرهما من الفقهاء وضعوا المصاحف في المساجد ابتغاء مرضاة الله دون التعبير عن عملهم هذا بالألفاظ الدالة على ظاهرة الوقف. فلما بدأت حركة التأليف في القرن نفسه وظهرت تآليف في التفسير والفقه والأدب واللغة وغيرها، وارتأى بعض العلماء وضع هذه الكتب في المساجد على غرار المصاحف ليستفيد منها الطلبة منعهم علماء آخرون، معتمدين في موقفهم المعارض هذا على عدم وجود هذه الظاهرة في الكتاب والسنة، بل أصبح وقفُ القرآن نفسه موضوع نقاش بين هؤلاء الفقهاء مما جعل بعضهم يرفضه كما صنع ابن همام الحنفي مثلا[4].

ولما أجاز جمهور الفقهاء ظاهرة الوقف حددوها بالأشياء التي لها صفة الدوام كالأراضي والبنايات وما شابه ذلك، ولم يجيزوا وقف ما يفتقر إلى هذه الصفة كالكتب لأنها تبلى وتندثر. وبعد نقاش طويل أجازوا وقف المصاحف اقتداء بالخليفة الراشدي عثمان وبالمسلمين من بعده، ولم يرد هذا الجواز بالنص، بل إنه قد ورد بالعرف، والثابتُ بالعرف كالثابت بالنص، وهذا العرف يعززه قوله عليه الصلاة والسلام : "ما رآه المسلمون حسنا فهو حسن".

3 - اختلاف العلماء حول وقف الكتب :

وبعد عملية جواز وقف المصاحف انتقل النقاش إلى وقف باقي أنواع الكتب، فمنهم من رفض وقفها مطلقا كمحمد بن سلامة الحنفي، ومنهم من أجازه عموما استدلالا بالحديث الشريف الذي اعتمده الفقهاء في جواز ظاهرة الوقف : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له".

واعتمادا على هذا الحديث وتطبيقا لمبدأ العرف أجازت هذه الفئة من الفقهاء وقف الكتب، ولكن أي نوع من الكتب، يقول أحد فقهاء الأحناف نصير بن يحيى (ت 268ﻫ) : "يجري على الكتب ما يجري على المصاحف، لأنها تدعو إلى الدين، وتساعد على فهمه". ويستفاد من موقف هذا الفقيه الحنفي أن الكتب التي أجاز وقفها هي كتبُ الدين المرتبطة بالقرآن الكريم ككتب التفسير، وكتب الحديث، وكتب الفقه، وغيرها، أما كتب العلوم الأخرى كالفلسفة، والرياضيات، والفلك، أو كتب علوم الأوائل عموما، كما كان القدماء يقولون، فإنها مستثناة من الوقف، وقد عبر عن هذا الرأي صراحة عدد آخر من الفقهاء، بل أفتى بعضهم بإحراق هذه الكتب فضلا عن وقفها[5]. 
وبالإضافة إلى كتب الأوائل نص الفقهاء على أن كتب التوراة والأناجيل لا توقف، لأن وقفها يتنافى مع الغاية المثلى التي ترمي إليها هذه الظاهرة الدينية وبالتالي لأنها مبدلة ومنسوخة[6]. 
اِمتد الخلاف حول هذه الظاهرة نحو قرنين من الزمان قبل أن يقبل جمهور الفقهاء بوقف الكتب عموما، ومع ذلك لا يتوانى هؤلاء الفقهاء في أن يشيروا في كتبهم الفقهية إشارات قد توحي دائما بالاضطراب والتشكك وعدم الاطمئنان، فأحدُ المتأخرين من المالكية وهو الدسوقي المتوفَّى عام 1230ﻫ يقول في الجزء الرابع من حاشيته على الشرح الكبير للخرشي : "والكتب يصح وقفها على المذهب فهي مما فيه الخلاف، وذلك عندنا جارٍ في كل منقول، وإن كان المعتمد الصحة"[7].

4 - ظاهرة وقف الكتب في المغرب :

أما في المغرب فإن الخلاف بين الفقهاء لم يقم حول ظاهرة وقف الكتب لأنها أصبحت من المسلمات، بل كان الخلاف قائما حول وضعية الكتب الموقوفة نفسها، الشيء الذي أدى إلى صدور فتاوى متعلقة بهذه الظاهرة، وجمعها في كتب النوازل كالتي يضمها الجزء السابع من كتاب المعيار المعرب للونشريسي.

ولئن كنت أريد أن أتحدث عن بداية هذه الظاهرة في المغرب، فإنني لا أستطيع ذلك، لأن مصادر تراثنا المغربي لا تفصح عن ذلك كل الإفصاح. يقول الأنصاري في حديثه عن خزائن الكتب بمدينة سبتة : "وكان منها [الخزانات] في زمننا [القرن الثامن الهجري] سبع عشرة خزانة، تسعٌ بدور الفقهاء والصدور كبني القاضي الحضرمي، وبني أبي حجة، وأشباههم، وثمانٍ موقفةً على طلاب العلم، أقدمُها الخزانةُ الشهيرة ذات الأصول العتيقة والمؤلفات الغريبة : خزانة الشيخ أبي الحسن الشّاري المذكور التي بالمدرسة المنسوبة إليه التي ابتناها من ماله، وهي أول خزانة وقفت بالمغرب على أهل العلم نفعه الله بها"[8]. فمعنى الوقف في هذه الفقرة غير واضح لأنه يمكن أن يفهم منه أن هذه الخزائن الموقوفة على طلاب العلم هي خزائن يرتادها عامة الناس، وإن فرضنا أن الوقف هنا جاء بمعناه الفقهي فأقدمُ خزانة تكون قد وقفت حسب هذا النص، تعود إلى العهد الموحدي الذي هو عصر أبي الحسن الشّاري الغافقي (571-649 ﻫ). وهناك نص آخر في القرطاس لابن أبي زرع عن القرويين يمكن أن يستفاد منه أن هذه الظاهرة كانت معروفة في المغرب منذ العهد المرابطي[9].

5 - بداية ظهور هذه الظاهرة :

أما الكتب الموقوفة التي لا تزال مصونة بخزانتنا المغربية فإن أقدمها يرجع إلى العهد الموحدي، مثل كتاب الإنجاد لابن أصبغ وكتاب التمهيد لابن عبد البر اللذين وقفهما الخليفةُ الموحدي عمر المرتضى في القرن السابع الهجري على خزانة مدرسة القصبة بمراكش. والمخطوطان معا من محفوظات خزانة ابن يوسف بمراكش.

والمرجح عندنا أن وقف الكتب قديم في المغرب، فقد ثبت أن خلفاء بني أمية بالأندلس، وعلى الأخص منهم عبد الرحمن الناصر وابنه الحكم المستنصر صاحب الخزانة المشهورة كانوا يرسلون مجموعات من الكتب لإغناء خزانة القرويين ونشر العلم بحاضرة فاس، والطابعُ العام الذي كانت تتسم به هذه المكتبة يحملنا على الاعتقاد بأن الكتب المهداة من طرف الخليفتين كانت في إطار الوقف. ولهذا يحتمل أن يكون وقف الكتب في المغرب أقدم مما يظن[10].

6 - نماذج من الوقفيات المغربية :

بعد هذا المدخل التاريخي الوجيز عن ظهور هذه الظاهرة في المشرق، وبالتالي في المغرب، أنتقل إلى الحديث بشيء من التفصيل عن تطور وقف الكتب وبناء الوقفيات في الخزانات المغربية انطلاقا من وقفية مغربية تم اختيارها لأنها تمكننا من إبراز جميع جوانب هذه الظاهرة في المغرب. ووقفيتُنا المختارة هي وقفية ابن خلدون التي بثها في الجزء الخامس من كتاب العبر الذي حبسه على خزانة القرويين في نهاية القرن الهجري الثامن. ولم يبق من هذه النسخة الموقوفة إلا الجزآن الثالث والخامس الذي يحمل نص الوقفية. وقد بقيت النسخة كاملة بالخزانة المذكورة حتى القرن الحادي عشر الهجري حيث يذكرها أحمد المقري في نفح الطيب بقوله : "ورأيته بفاس وعليه خطه في ثماني مجلدات كبار جدا وقد عرف في آخره بنفسه وأطال"[11]. وربما بقي الكتاب كاملا بهذه الخزانة حتى القرن التاسع عشر الميلادي بحيث يستفاد من بحث العالم السويدي دي همصو (Di Hemso) الذي كان قنصلا لبلاده بطنجة في بدء القرن الماضي[12] أن هناك نسخة كاملة من كتاب العبر لابن خلدون عليها خطه[13]. ولما وضع العالمان ألفرد بيل (Alfred Bel) والشيخ عبد الحي الكتاني أول فهرست لخزانة القرويين عام 1918 لم يذكرا فيه إلا الجزأين الثالث والخامس، فيحتمل إذاً أن تكون الأجزاء الأخرى قد ضاعت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ونسخةُ العبر الموقوفة هذه على خزانة القرويين نسخها مصري يدعى عبد الله بن حسن ولد الفاخوري. وهذه النسبة معروفة في مصر حسب المستشرق ليفي بروفنسال[14].

أما نص الوقفية فقد كتبه العدلان المذكور اسمهما في آخره من إملاء ابن خلدون نفسه. وفي أسفل الورقة شهادة ابن خلدون وتصحيحه للوقف بخط يمينه. وكتب في أعلى الورقة عبارة الشيخ عبد الحي الكتاني التالية : "طالع فيه مستعيره محمد عبد الحي الكتاني عافاه مولاه". وقد تم اختيارنا لهذه الوقفية لأنها من أقدم الوقفيات المغربية ومن أكثرها استيفاء لأركان وشروط الوقف.

7 - نص وقفية ابن خلدون :

"بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلامه.

وَقَفَ وحَبَّسَ وسَبَّلَ وأَبَّدَ وحَرَّمَ وتَصَدَّقَ سيدنا ومولانا العبدُ الفقير إلى الله تعالى الشيخُ الإمامُ العالم العلامة الحافظُ المحقق أوحدُ عصره وفريدُ دهره قاضي القضاة ولي الدين أبو زيد عبد الرحمن بن الشيخ الإمام أبي عبد الله محمد بن خلدون الحضرمي المالكي، أمتع الله المسلمين بحياته، ونفعهم بعلومه وبركاته، وهو مؤلفُ هذا الكتاب، جميعَ هذا الكتاب المسمّى بكتاب العبر في أخبار العرب والعجم والبربر المشتملِ على سبعةِ أسفار هذا أحدُها وقفاً مرعياً وحُبُساً مَرْضِياً على طلبةِ العلم الشريف بمدينةِ فاس المحروسةِ قاعدةِ بلادِ المغرب الأقصى، ينتفعون بذلك قراءةً ومطالعةً ونَسْخًا، وجعل مقرَّه بخزانةِ الكتب التي بجامع القرويين من فاس المحروسةِ بحيث لا يخرج حَرَمَها إلا لثقةٍ أمين، بِرَهْنٍ وثيق لحِفظِ صحته، وأن لا يمكثَ عند مستعِيره أكثَر من شهرين وهي المدة التي تتسع لنسخِ الكتابِ المستعارِ أو مطالعتِه ثم يُعاد إلى مَوضِعِه، وجعلَ النظَر في ذلك لمن له النظرُ على خزانةِ الكتبِ المذكورة. وقف لله على الوجه المذكور لوجه الله الكريم وطلب لثوابه الجسيم يوم يَجزي الله المتصدقين، ولا يُضيع أجر المحسنين، وأشهدَ عليه بذلك في اليوم المبارك الحادي والعشرين لشهرِ صفر المبارك عام تسعة وتسعين وسبعمائة. حسبنا الله ونعم الوكيل.

أشهدنـي سيدنـا ومـولانا العبـد أشهـدني سيدنـا ومـولانـا العبـد

الفقير إلى الله تعـالى قاضي القضـاء الفقير إلى الله تعــالى الشيـخ الإمام

ولي الدين الواقـف المسمى فيه أمامه العالم العامل العــلامة قاضي القضاة

لله تعـالى على نيتـه الكـريمــة بما نسب إليه أعــلاه، أمـتـع الله

بما نسـب إليـه فيــه وتشهدت تعالى به وتشهدت عليه بذلك، وكتبه

عليه به في تاريخــه، وكتب محمد بن محمـد بن أحمد بن أبي القاسم

بن علـي بن إسـماعيـل المالكي

الحمد لله، المنسوب إليَّ صحيح".

8 - شرح عناصر الوقفية :

- وقف وحبس وسبل وأبد وحرم وتصدق :

استخدم ابن خلدون ستة أفعال مترادفة كلها تدل على معنى الوقف، وأعتقدُ أن السبب في هذا التعدد هو الخلاف بين الفقهاء في صيغة الوقف. فالجمهور يرى أن الوقف يتحقق بلفظ "وقف"، واختلفوا في صحته بالألفاظ الأخرى كحبس وسبل وغيرهما، منهم من أجازه ومنهم من منعه. ويعتقد بعض المحدثين أن الوقف يتم بكل لفظ يدل عليه حتى باللغة الأجنبية، لأن الألفاظ وسيلة للتعبير، وليست غاية في نفسها[15]. ولهذا بدأ ابن خلدون وقفيته باستعمال فعل الوقف الثلاثي الذي قبله جمهور الفقهاء للتعبير عن صيغته الوقف. ولم يستعمل "أوقف" الرباعي لأنه لغة رديئة باتفاق معاجم العربية[16]. كما أنه لم يستعمل "وقف" بالتشديد لأنه غير وارد في الاستعمال المجازي لهذا الفعل[17].

ثم قال : "وحبّس" بتشديد الباء وهو الصحيح عند علماء اللغة ولم يستعمل "أحبس" مع أنه صحيح كذلك، غير أن استعماله نادر كما أنه لم يستخدم "حبس" الثلاثي، لأن استعماله رديء حسب علماء اللغة، يقول الزبيدي في تاج العروس : "الفصيح أحبس وحبَّس، وحبسه مخففا لغة رديئة"[18].

والسبب في استعمال ابن خلدون للفظ التحبيس يرجع في رأيي إلى أن الكلمة حديثية : قال عليه الصلاة والسلام لابن الخطاب رضي الله عنه لما سأله عما يصنع بالأرض التي أخذها بعد خيبر: "حبس الأصل وسبل الثمرة". ومصطلح التحبيس هو المستعمل في كتب الفقه المالكي، وابن خلدون مالكي المذهب، وأعتقد أن السبب في استعمال كلمة التحبيس عند المالكية يرجع إلى أن علماء هذا المذهب يقولون بالوقف الموقت بمعنى أن الشيء الموقوف محبوس صاحبه عن التمتع به لمدة معينة مع احتفاظه بملكية الشيء الموقوف فهو تحبيس فقط، أما إذا كان الموقوف مؤبدا فتخرج الملكية عن الواقف، ويسمى وقفا وليس تحبيسا، ولهذا نلاحظ أن كلمة التحبيس هي المستعملة في الدول الإسلامية التي ساد فيها المذهب المالكي كالغرب الإسلامي وإفريقية.

كما نلاحظ كذلك أن الكلمة دخلت اللغة الفرنسية[19] وأخذت مكانها في المعاجم[20] والسبب في اعتقادي يرجع إلى أن الفرنسيين لما تمت لهم السيادة على الدول العربية في شمال إفريقية، وجدوهم يستعملون كلمة التحبيس فاستعملوها في مؤلفاتهم[21].

ثم قال : "وسبل". والتسبيل هو التصدق في سبيل الله، ولقد حرص ابن خلدون على استعمالها مرادفاً آخر للوقف، لأنها كلمة قرآنية اعتمدها بعض الفقهاء في جواز الوقف عموما، وحديثية لقوله عليه الصلاة والسلام : "حبس الأصل وسبل الثمرة".

ثم قال : وأبد. والتأبيد هو التخليد[22] والدوام والاستمرار، واتفق جمهور الفقهاء على اشتراطه في صيغة الوقف، إلا المالكية فإنهم أجازوا أن يكون الوقف مؤبدا وموقتا[23]. يقول الخرشي : "ولا يشترط في صحة الوقف التأبيد"، وأعتقد أن استعمال ابن خلدون لفعل التأبيد هو تأكيد لتخليد هذا الوقف ودوامه وألا تراجع فيه كما هو جائز في المذهب الحنفي.

أما التحريم فإنه يمنع الواقف من التمتع بالشيء الموقوف كما يمنع الشيء الموقوف من البيع والهبة والإِرث وغيرها. واستعمال فعل "التحريم" في وقفيات الكتب نادر جدا، ويحرص ابن خلدون على استعماله زيادة في تأكيد عدم التراجع عن الشيء الموقوف.

وختم ابن خلدون هذه السلسلة من أفعال الوقف بالتصدق لأن الوقف قبل كل شيء هو نوع من أنواع الصدقات حث الشارع على فعلها تقرباً إلى الله سبحانه.

وابن خلدون يعلم أكثر من غيره ما جاء في مغازي الواقدي عن الحوار الذي دار بين المهاجرين والأنصار حول أول صدقة موقوفة في الإسلام، فقال المهاجرون : صدقة ابن الخطاب رضي الله عنه، وقال الأنصار : صدقة النبي r[24]. والمقصود بالصدقة الوقف استدلالاً بقوله عليه الصلاة والسلام من الحديث الشريف الذي رواه الإمام مسلم : "صدقة جارية".

يبدو أن استعمال هذه المترادفات للتعبير عن الوقف من طرف ابن خلدون يدل على تأكيده على استمرارية ودوام ما وقفه من جهة، وعلى حرصه على إرضاء جميع الاتجاهات الفقهية من جهة أخرى[25]. وتكاد تنفرد وقفية ابن خلدون باستعمال هذا العدد من المترادفات في ما اطلعنا عليه، وأغلبُ الوقفيات سواء في المغرب أو في المشرق لا تستعمل أكثر من فعلي الوقف والتحبيس للتعبير عن صيغة الوقف.

وبعد ذكر الصيغة التي هي الركن الأساسي في الوقف[26]، انتقل ابن خلدون إلى ذكر الركن الثاني وهو اسم الواقف، ولا يصح الوقف دون ذكره، وذلك بقوله "سيّدنا ومولانا العبدُ الفقير إلى الله تعالى الشيخ الإمام العالم العلامة، الحافظ المحقق، أوحد عصره، وفريد دهره، قاضي القضاة ولي الدين أبو زيد عبد الرحمن ابن خلدون ... وبركاته". ثم قال : "وهو مؤلف هذا الكتاب المسمى بكتاب العبر في أخبار العرب والعجم والبربر المشتمل على سبعة أسفار هذا أحدها وقفا مرعيا وحبسا مرضيا".

بهذه الجملة يذكر ابن خلدون الركن الثالث من أركان الوقف وهو ذكر الشيء الموقوف، والشيء الموقوف هنا هو كتاب العبر في التاريخ.

أما الركن الرابع وهو الجهة الموقوف عليها فجاء في قوله : "وجعل مقره بخزانة الكتب التي بجامع القرويين من فاس المحروسة".

فهذه الأركان الأربعة ضرورية في كل وقف وتكفي وحدها لجواز وقف الكتب كما ينص على ذلك الخرشي في شرح مختصر خليل والدسوقي في حاشيته على هذا الشرح[27]، وكل الوقفيات المغربية التي وقفت عليها تشتمل على الصيغة والواقف والكتاب أو الكتب الموقوفة وأخيرا الجهة الموقوف عليها.

9 - أنواع من الوقفيات في التاريخ المغربي :

ففيما يخص هذا الركن الأخير استخلصتُ من استقرائي لعدد من الوقفيات ولرصيد من كتب التراث العربي بالمغرب أن المغاربة ملوكا وعامة قد دأبوا على وقف الكتب على المؤسسات ذات الصبغة العمومية كالمساجد، والزوايا، والمدارس العتيقة، وخزانات المساجد الجامعة وغيرها. وأقتصر على الأمثلة القليلة التالية :

- نسخ الخليفةُ الموحدي عمرُ المرتضي مصحفا في عشرة أجزاء ووقفه على خزانة مسجد ابن يوسف بمراكش[28].

- وبنى أبو الحسن المريني عددا من المدارس في مختلف بلاد المغرب وحبس عليها كتبا، ينص على ذلك ابن مرزوق في كتاب المسند الصحيح : "هذا ما حبس في جُلِّها (المدارس) من أعلاق الكتب النفيسة والمصنفات المفيدة فلا جرم إن كثر بسبب ذلك العلم وعدد أهله وثواب المعلم والمتعلم في ميزان حسناته بلغه الله بذلك[29].

- وحبس أبو عنان المريني مجموعة من الكتب اختارها من خزانته الخاصة على المدرسة التي بناها بفاس ولا تزال الوقفية التي زخرفت على باب هذه المؤسسة ماثلة إلى اليوم.

- أما ما وقفه الملوك السعديون والعلويون ووزراؤهم وعلماؤهم من كتب على مختلف الخزانات المغربية فكثير، وأكبر عملية وقفية في هذا الإطار تلكم التي قام بها السلطان سيدي محمد بن عبد الله العلوي حينما وزع خزانة جده المولى إسماعيل التي كانت تضم اثني عشر ألف كتاب على خزانات المغرب. ولا يزال بعض كتبها مصونا بخزانة جامع القرويين.

ولم يقتصر المغاربة على اختلاف طبقاتهم، في اختيار الجهات الموقوف عليها، على المؤسسات المغربية بل امتد تحبيسهم الكتب في سبيل الله إلى جهة الشرق. يقول المقري في نفح الطيب : "كان السلطان أبو الحسن المريني كتب ثلاثة مصاحف شريفة بخطه، وأرسلها إلى المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال وأوقف عليها أوقافا جليلة (...) وقد رأيت أحد المصاحف المذكورة وهو الذي ببيت المقدس وربعته في غاية الصنعة"[30]. وقد أورد ابن الوردي الوقفية بكاملها في الجزء الثاني من تاريخه[31].

ويرى الشيخ محمد عبد الحي الكتاني في كتابه المخطوط المكتبات الإسلامية[32]، أن السلطان العلوي المولى عبد الله بن إسماعيل وقف ثلاثة وعشرين مصحفاً على المسجد النبوي بالمدينة المنورة، يوجد من بينها المصحفُ الذي نسخه عقبة بن نافع من مصحف عثمان بن عفان رضي الله عنهما[33].

وبالإضافة إلى المؤسسات العلمية سواء في المغرب أو في المشرق فإن المغاربة قد حبّسوا الكتب على الأسر والعلماء. بعد وفاة العالم الكبير محمد بن عبد السلام الفاسي عام 1214 ﻫ، اشترى السلطان المولى سليمان العلوي خزانته وحبسها على أولاده. وجاء في الوقفية المثبتة على الورقة الأولى من كتاب تفسير الجلالين بتصحيح السلطان أن الخزانة تنتقل إلى أحباس خزانة القرويين بعد انقراض جميع أفراد أسرة هذا العالم. وهذا اللون من الوقف يطلق عليه الفقهاء الوقف المعقب[34].

10 - شروط الواقف من خلال وقفية ابن خلدون :

بعد استيفاء الأركان الأربعة في الوقفية انتقل ابن خلدون إلى وضع الشروط التي يشترطها الواقف، والتي يجب أن تطبق تطبيقا كاملا، ولا يجوز مخالفتها إلا لضرورة، أو لحاجة لأنها ترجمان إرادته وقصده. يقول الفقهاء : "شرط الواقف كنص الشارع"[35] بمعنى أن ألفاظ الواقف كألفاظ الشارع في وجوب الاتباع دون تغيير ولا تأويل. يقول ابن خلدون : "وقفا مرعيا وحبسا مرضيا على طلبة العلم الشريف بمدينة فاس المحروسة".

يستفاد من هذه العبارة أن الواقف فسح المجال لكل الطلبة الموجودين بفاس لا لطلبة جامع القرويين فقط لأنه يعلم أن للفقهاء آراء متباينة في هذه القضية، فلو خص بتحبيسه طلبة القرويين لما أمكن غيرهم من طلاب المؤسسات العلمية الأخرى بفاس القراءةُ والاستفادة من الكتاب المحبس، يقول ابن عابدين : "إذا وقف مصحف على مسجد معين، لا جامع، فلا يقرأ فيه إلا سكان الحي، وإذا وقفت كتب على مدرسة لا يقرأ فيها إلا طلبة المدرسة"[36]. فإن كان ابن خلدون قد وقف كتاب العبر على مؤسسة معينة هي خزانة القرويين فإنه تلافيا لتأويلات الفقهاء، قد سمح لكل طلبة فاس بل حتى الطلبة الذين يفدون على فاس قاعدة بلاد المغرب الأقصى كما يقول أن ينتفعوا به. وتخصيصُ ابن خلدون طلبةَ العِلْمِ بتحبيسه قد يستفاد منه منع المتفقهين ودعاة العلم من الاستفادة من الكتاب. وقد يكون لفظ "طلبة العلم" شاملا لكل القراء، وذلك ما يرجحه ما ذكره بشأن الإعارة. وهذه الظاهرة معروفة في الوقفيات الشرقية، فلو قال : وقفا مؤبدا على جميع المسلمين كما يصنع بعض الواقفين، دفعاً لكل التباس وتأويل، لأمكن لكل الناس قراءة الكتاب بما في ذلك المتفقهون ودعاة العلم. والملاحظ أن مثل هذه العبارة التي تخص جميع المسلمين تكون غالبا في المصاحف الموقوفة. أما عبارة طلبة العلم فتخص في الغالب الأعم خزانات المدارس أو الزوايا أو المساجد الجامعة كالقرويين بفاس، وابن يوسف بمراكش.

ثم قال  : "ينتفعون بذلك قراءةً ومطالعةً ونسخا".

يسمح ابن خلدون بقراءة الكتاب ومطالعته ونسخه، فلو قال ينتفعون بذلك قراءة ومطالعة، وسكت عن النسخ لما وجب أن ينسخ الكتاب. جاء في المعيار للونشريسي أن الفقيه أحمد القباب سئل عن وقفية اشترط فيها الواقف أن يقرأ كتابه ويطالع فقط ولم يذكر النسخ فهل يجوز نسخه. 
قال : "إذا لم تذكر الوقفية النسخ فلا ينسخ الكتاب"، ثم أضاف : "إن القاضي ابن رشد الجد ألقي عليه نفس السؤال فكان الجواب ما قلت"[37].

وعلى الرغم من موقف العالمين المالكيين الجليلين فإن جمهور الفقهاء يرى إمكانية نسخ المخطوطات الموقوفة[38].

ويستمر ابن خلدون في وضع شروطه قائلا : "... ولا يخرج حرمها إلا لثقة أمين، برهنٍ وثيق يحفظ صحته، وألا يمكث عند مستعيره أكثر من شهرين وهي المدة التي تتسع لنسخ الكتاب المستعار أو مطالعته ثم يعاد إلى موضعه".

العادة في الكتب الموقوفة أنها لا تخرج من الجهة الموقوف عليها ولا تعار، وعدد كبير من الوقفيات تشتمل ضمن شروطها على عبارة منع الخروج والإعارة، زيادة في التأكيد[39]، وذلك من أجل الحفاظ عليها ليستفيد الناس منها عوض استغلالها من طرف إنسان واحد وهو ما يسمى بغلول الكتب (bibliotaphie)، وكم عانت المكتبة العربية عموما من هذه الآفة التي بددت الكثير من مصادر تراثنا، فالقدماء كانوا دائما يتمثلون بقول الشاعر:

لا تعيـرنَّ ما حييتَ كتابــاً                     واجعل الصمت إن سئلت جوابا

كم صديق أعرته من كتاب                    أفسد الود إن طلبت الكتــابــــا

وعلى الرغم من العواقب التي تتسبب فيها هذه الآفة فإن بعض الواقفين من العلماء، رغبةً في نشر العلم، يسمحون بإعارة كتبهم التي وقفوها كما صنع ابن خلدون في وقفيته هذه، ولكنه حِفاظاً على صحة الكتاب، اشترط شروطا لذلك :

1 - يعار الكتاب لثقةٍ أمين، ويقصد عالما معروفا بصدقه وأمانته.
2 - على الرغم من الصفات الحميدة التي يجب أن يتحلى بها هذا العالم المستعير للكتاب فلابد له من وضع رهن بالخزانة (كتاب أو مال يكون له قيمة الكتاب الموقوف)[40].
3 - لا ينبغي أن تتجاوز مدة إعارته شهرين، وهي المدة التي يرى ابن خلدون أنها تكفي لنسخه أو مطالعته.

11 - شروط الواقفين في غير هذه الوقفية :

هذه هي الشروط التي تتوفر عليها وقفية ابن خلدون، أما الوقفيات المغربية الأخرى فهي بدورها تتضمن الشروط نفسها، أو تختلف عنها قليلا. فبعض الواقفين مثلا يسمح بإعارة الكتاب، ويشترط على المستعير أن يقرأ آيات قرآنية معينة ترحماً عليه وعلى والديه، وربما على المسلمين جميعا. واحترامُ شروط الواقف واجب باتفاق الفقهاء، ولم تتميز الوقفية العربية وحدها بهذه الظاهرة بل كان الواقفون في أوربا[41] سواء في العصر الوسيط أو في العصر الحديث يشترطون شروطا، وتطبق بالحرف مع وجود بعض الخلاف، فالوقفية العربية شرقية كانت أم مغربية تشتمل على شروط الواقف، وتكتب على ورقة من أوراق المخطوط[42]، أما الهبةُ أو الوصية عند الأوروبيين إذا كانت مخطوطا لاتينياً واحدا فلا تضم أبداً شروطاً بل تقتصر على ذكر الجهة المهداة إليها[43]. أما إذا كانت الهبة مجموعة من الكتب فإنها تأخذ طابعا قانونيا، ويكتب عقدٌ يضم شروط الواهب أو الموصي[44].

وهذه الطريقةُ الوسيطية لا تزال تطبق اليوم في الخزائن الأوربية بحيث تحترم شروط الواهب. فالكاتب الفرنسي أنتول فرانس (Anatole France) وهو من بين عدد كبير من العلماء الذين وهبوا مكتباتهم إلى المؤسسات العلمية الفرنسية قد أهدى خزانته الخاصة إلى المكتبة الوطنية بباريز، واشترط ألا توزع، وألا تخضع للترقيم العام الداخلي لهذه المكتبة، وتبقى مجموعة وترقم ترقيما خاصاً. وبالفعل قبل شرطه ودخلت الكتب الخزانة المذكورة وأصبحت تشكل مجموعة خاصة بذاتها، يقال لها مجموعة أنتول فرانس (Fonds Anatole France) كما يقال مجموعة باريس (Barrès Fonds) وغيرها.

ثم قال ابن خلدون : "وجعل النظر في ذلك لمن له النظر على خزانة الكتب المذكورة".
بهذه العبارة تتعرض الوقفية لقضية التسليم وهو ما يسمى عند الفقهاء بالقبض[45] وهو بالإضافة إلى الحوز أو الحيازة ضروري لتمام الوقف ولزومه عند المالكية[46]. فتسليم كتاب العبر قد تم بالنيابة، لأن ابن خلدون كان مستقراً بالقاهرة حيث يتضح ذلك في مقدمة كتابه المقدمة حين قال : "أتحفت بهذه النسخة خزانة مولانا السلطان أبي فارس عبد العزيز المريني ... وبعثته إلى خزانتهم الموقفة لطلبة العلم بجامع القرويين من مدينة فاس حاضرة ملكهم وكرسي سلطانهم ..."[47].

والتسليم بالنيابة معروف في تاريخ الخزانات المغربية بحيث كان الخلفاء والملوك وهم أكثر الناس وقفا للكتب ينيبون عنهم الوزراء والقضاة أو الأدباء والفقهاء ورجال الحاشية لتسليم الوقف. فالسلطان محمد بن عبد الله وقف مجموعة من الكتب على المسجد الكبير بطنجة، وأناب عنه في ذلك القاضي آيت التايدي والناظر مفرج[48]، وأناب عنه الفقيه العلامة سيدي عبد العزيز بن حمزة لتسليم كتاب شرح الحَطَّاب في ثمانية أجزاء على خزانة ضريح أبي العباس السبتي، كما جاء في وقفية هذا الكتاب[49]. وكذلك فعل السلطان المولى سليمان العلوي حين أناب عنه الفقيه الحبيب بن عبد الهادي السجلماسي في تسليم كتاب نسيم الرياض الذي وقفه على خزانة مسجد الرصيف بفاس[50].

12 - صفة المتولي :

أما فيما يخص صفة المتولي الذي تم له تسليم كتاب العبر بالنيابة فيستفاد من عبارة الوقفية أنه القيّم، لأن المصادر تحدثنا بأن أبا عنان لما أقام بناية هذه الخزانة عام 750 ﻫ عين على رأسها قيّما لرعايتها دون الإفصاح عن اسمه أو هويته. قال الجزنائي : "وعيّن لها قيما لضبطها ومناولة ما فيها"[51].

وقد جرت العادة في تاريخ الخزانات المغربية أن الكتب الموقوفة على المؤسسات العلمية تسلم للقيم مباشرة، بخلاف المصاحف وبعض الكتب الدينية التي توقف على المساجد، فإنها تسلم لناظر الأحباس. أما الملوك فيسلمون الكتب الموقوفة للقيمين وللقضاة لأنهم كانوا يكلفونهم في نفس الوقت بالسهر على العناية بالخزانات ومراقبة المسؤولين عنها كالنظار والأمناء. فالسلطانُ المولى عبد الرحمن العلوي كلف القاضي عبد الهادي بن عبد الله التهامي العلوي بمساعدة قيم خزانة القرويين. وكذلك فعل السلطان الحسن الأول (ت 1894م) حينما أرسل ظهيرين إلى قاضييْ فاس محمد العلوي المدغري وحميد بناني يحثهما فيهما على مساندة القيم والناظر في إصلاح خزانة القرويين[52].

ثم تقول وقفية ابن خلدون : "وقف على الوجه المذكور لوجه الله الكريم وطلب لثوابه الجسيم يوم يجزي الله المتصدقين ولا يضيع أجر المحسنين".

هنا يشير ابن خلدون إلى الغاية التي من أجلها وقف هذا الكتاب وهي ابتغاء مرضاة الله، ورجاء ثوابه الكبير. وهذه هي الغاية القصوى التي يهدف إليها كل واقف. ويختم ابن خلدون وقفيته بعبارة الإِشهاد وتصحيح الوقف على غرار الوقفيات المغربية، فقال : "وأشهد عليه ذلك" بمعنى أنه كان حاضرا وشاهدا على ما كتب.

13 - الإشهاد في الوقف :

والإشهاد في الوقف هو إشهاد عادي بسيط أو إشهاد رسمي بحضور عدلين. فالإشهاد الأول هو أن يشهد إِنسان أن كتاباً أو مجموعة من الكتب وقفها صاحبها بحضوره على مؤسسة معينة، وعدد الأشهاد غير محصور ابتداء من شاهد واحد إلى أربعة أو خمسة شهود، ويمكن للواقف أن يستغني عن الإِشهاد، والكتب التي يشهد على وقفها تكون في الغالب الأعم من الكتب المهمة والنادرة، كما ينبغي أن يختار الشهود من الفقهاء والعلماء أو من عِلْيَة القوم.

أما الإِشهاد الرسمي فيتم بحضور عدلين لإِثبات أصالة الوقف ومشروعيته، كما جاء في وقفية ابن خلدون هذه، حيث يشهد عدلان هما : أحمد بن علي بن إِسماعيل المالكي ومحمد بن محمد بن أحمد ابن أبي القاسم. وقد وردت وقفيات بإشهاد عدل واحد[53].

وقد وردت وقفيات أخرى بدون إشهاد عدلي قط، فكانت عبارةً عن وقف استرعائي، بمعنى أن الإِشهاد قد تم عند قاضي البلد، ويقتصر في الوقفية المكتوبة في الكتاب الموقوف على ذكر الأركان الأساسية في الوقف، وغالباً ما يحصل هذا بالنسبة للكتب التي يقفها الملوك، فيكلفون القضاة بهذا العمل. أما ابن خلدون فقد حرص على إعطاء وقفه أكثر ما يمكن من الإثبات والمشروعية، وذلك بإحضار عدلين. ويذيل شهادتهما بشهادته الخاصة لتصحيح ما كتب وإثباته، فسطرت يمينه على أسفل الورقة ما نصه : "المنسوب إليَّ صحيح، وكتب عبد الرحمن بن محمد بن خلدون".
ويلاحظ على إِشهاد ابن خلدون لتصحيح الوقف شيئان :

1. لم يقل ابن خلدون : أشهد للتعبير عن الشهادة، بل اقتصر على عبارةٍ تدل على الإِشهاد كقوله المنسوب إليَّ صحيح، وهذا جائزٌ عند المالكية[54]، فهم لا يشترطون لأداء الشهادة لفظا معيناً، فيكفي فيها كل صيغة تدل على علم الشاهد بها كما فعل ابن خلدون، أما باقي المذاهب فإنها لا تجيز غير لفظ : أشهد للتعبير عن الشهادة.

2. يضع ابن خلدون توقيعه لتصحيح الوقف على أسفل ورقة الوقفية، اقتداء بالخلفاء المرينيين الذين أهدى إليهم الكتاب، والذين اعتادوا أن يذيلوا وقفياتهم بتوقيعاتهم الخاصة لإثبات الوقف[55].

وظاهرة التوقيع على أسفل الوقفية شائع عند المغاربة عموما[56]، باستثناء الخلفاء السعديين، فإنهم كانوا يضعون تصحيحاتهم على أعلى الورقة. حيث لا تزال بعض الكتب التي وقفوها على الخزانات المغربية شاهدة على ذلك[57].

وبالإشهاد تنتهي وقفية ابن خلدون كما هو الشأن بالنسبة للوقفية العربية عموما، أما حجم هذه الوقفية فكان حسب هوى هذا العالم الجليل، وحسب ما أراد أن تشتمل عليه من شروط وغيرها. ولم يكن أبداً طول الوقفيات أو قصرها مقياسا لأهمية الكتاب الموقوف أو لعدم أهميته، فكم من كتاب مهم اقتصر واقفه على وقفية صغيرة، وكم من كتاب لم يكن ذا قيمة كبيرة أطال واقفه في الوقفية المثبتة عليه.

14 - أهمية دراسة هذه الوقفيات :

ولنختم الآن هذا العرض بالحديث عما يمكن أن تؤدي إليه دراسة الوقفيات من خدمة لتاريخ الكتاب، وبالتالي لما يسمى بالتحقيق العلمي الحديث.

دراسة الوقفيات من الجوانب التي تفيدنا في تاريخ الكتاب تقتضي بداءة الوقوف على هذه الوقفيات، وحصر المخطوطات التي تحملها في كشاف ببليوغرافي. ومثل هذا الكشاف وغيره ككشاف المخطوطات المؤرخة من العمليات المكتبية التي تفتقر إليها الخزانات العربية عموما. وبعد القيام بهذا العمل الببليوتيكونومي الأساسي يمكن للكوديكولوجي أو المختص في علم المخطوطات، والفيلولوجي الباحث في توثيق النصوص ونشرها الاعتماد على وثائق الوقفيات لإثبات تاريخ النصوص المؤرخة، وتحديد تاريخ غير المؤرخة منها.

وتبحث الوقفيات في هذا الإطار من جانبين : الجانب التاريخي، والجانب الباليوغرافي أو الخطي، إن صح التعبير. ففيما يخص الجانب التاريخي فإن الخزانات العربية عموماً والمغربية خصوصا تشتمل على رصيد هام من المخطوطات غير المؤرخة، وأخرى مجهولة المؤلف، أو العنوان، أو مجهولة المؤلف والعنوان معا. ففي كلتا الحالتين واعتماداً على المخطوطات الحاملة لوثائق الوقف فإنه يمكن تأريخ نسبة كبيرة من هذه المخطوطات وتعريفها. ومما يساعد الكوديكولوجيين أو المهتمين بعلم المخطوطات في دراستهم المخطوطية هذه، هو وجود هذه الوثائق الوقفية على ظهر الأوراق الأولى من المخطوطات، وأحياناً في وسطها، الشيء الذي تفتقر إليه المخطوطات اللاتينية الوسيطية، كما توجد هذه الوقفيات في بعض أجزاء المخطوط أو في جميع أجزائه : فوقفية المصحف الذي حبسه الخليفة الموحدي المرتَضَى توجد على الأجزاء العشرة[58]. ووقفيةُ الأمير أبي عبد الله الوطاسي توجد في الجزء السابع من نسخة البخاري الأربعينية التي حبسها على القرويين، أما وقفيةُ ابن خلدون موضوع هذه الدراسة فوجدت في الجزء الخامس من كتاب العبر. والغالب على الظن أن أجزاء أخرى من الكتابين السابقين كانت حاملة لوثيقتي الوقف المذكورتين. فمن مزايا تعدد نسخ وثائق الوقفيات في أجزاء المخطوطات أنها تبقى مع ما بقي مصونا من أجزاء مخطوط معين.

فالوقوف على اسم الواقف أو الخزانة الموقوف عليها يساعد في الغالب الأعم على تحديد تقريبي للزمن وربما للمكان الذي نسخ فيه المخطوط المجهول التاريخ أو النسب كما يمكِّن الوقوفُ على هذه الوقفيات من تصحيح تاريخ مخطوط معين. فكم من مخطوط مؤرخ اطمأن إليه محققه، فثبت بعد دراسة المخطوط دراسة كوديكولوجية أنه نسخ في زمن تفصله قرون من التاريخ المثبت عليه. فلا يكفي أن نؤرخ للنساخة وحياة النساخ، بل يجب البحث في سلوكهم وأمزجتهم، بل ربما أخضعناهم لنظرية الجرح والتعديل، التي طبقت على رواة الحديث واللغة، حتى نقبل أو نرفض لا التواريخ فقط بل حتى شكل النصوص التي نسخوها.

أما الجانب الباليوغرافي أو الخطي فيمكّن الباحث في المخطوطات أن يحل رموز كتابة طالما ظل صاحبها مجهولا، بمعنى أن مؤلف مخطوط مجهول المؤلف يكتشف من خلال مقابلة خط وقفية له عليها اسمه بكتابة هذا المخطوط. وتسمى هذه العملية الهولوغرافيا (Holographie). على أية حال فغاية كل من الكوديكولوجيين أو المختصين في علم المخطوطات، والباليوغرافيين أو المختصين في علم الخطوط القديمة من دراستهم لهذه الوقفيات في إطار تاريخ الكتاب هي خدمة ما يسمى بتاريخ النصوص الذي يكوّن المرحلة الأولى والأساسية لما نسميه اليوم بالتحقيق العلمي. فهل خضعت مخطوطاتنا العربية المحققة إلى عملية تاريخ النصوص كما خضعت لها المخطوطات الغربية، على الرغم من الفوارق الموجودة بين التراثين العربي والإغريقي- اللاتيني ؟ ما أظن ذلك. ولقد آن الأوان لإنشاء معهد للبحث وتاريخ النصوص على مستوى العالم العربي تستغل فيه جميع المعطيات المخطوطية كالوقفيات والتَّملُّكات في سبيل دراسة تاريخ المخطوطات، وبالتالي تاريخ النصوص. ولا يحق لنا أن نمارس التحقيق العلمي دون ممارسة الكوديكولوجيا وتاريخ النصوص مسبقا.


________________________________________
[1] - انظر : يوسف العش : Les Bibliothèques arabes، Damas, 1967، وانظر كذلك أطروحتنا الجامعية :  
Histoire des bibliothèques au Maroc, Publications de la Faculté des Lettres, Rabat, 1992. 
[2] - الفهرست لابن النديم : 68 ؛ وفيات الأعيان لابن خلكان، 65 : 1.
[3] - السيوطي : بغية الوعاة، القاهرة، 1909، ص 396.
[4] - فتح القدير، (J)  5 : 50.
[5] - ابن أبي عامر حاجب المؤيد بالله الأندلسي أحرق كتب الأوائل باستثناء كتب الطب والرياضيات التي يحتاجها المسلمون، ولا تدخل بطبيعتها في علوم الشرع. أما الماوردي فيعد الفلك والفلسفة علمين محرمين، لأنهما يتعارضان مع المبادئ القرآنية.
[6] - اكتفى بعضهم بأنها مبدلة ولا يقول منسوخة، لأن تلاوة المنسوخ من كتب الله وآياته ليس بمعصية، فإن في القرآن منسوخا يتلى ويكتب كغير المنسوخ. وعلى الرغم من موقف الفقهاء من وقف كتب هذه الديانات فإن الخزانات العربية في المشرق الإسلامي ومغربه ملأى بهذه الكتب. كان الخلفاء يقبلون هذه الكتب هدايا، ويضعونها في خزائنهم. وقد أهدى المستشرق الهولندي إربانيوس )Erpénius( إنجيلا بالعربية للخليفة السعدي زيدان الذي قبله ووضعه في خزانته التي آلت كما نعلم إلى الإسكوريال بإسبانيا.
انظر: Henri de castries, SIHM, série Pays-Bas, 111, p 359. وانظر كذلك :
G. Deverdun, Marrakech dès origines : à 1912, t.F, p 435
[7] - حاشية الشرح الكبير، (4) : 77.
[8] - الأنصاري : اختصار الأخبار، ص145، في : .1931, XII. t : Hespéris
[9] - ابن أبي زرع : القرطاس، ص : 43
[10] - يوجد بخزانة القرويين كتاب شرح الفصوص في صناعة الطب للفارابي، نسخ للناصر الأموي بقرطبة بالأندلس. ونسخ المختصر لأبي مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري لخزانة الخليفة الأموي الحكم المستنصر. انظر : عبد الهادي التازي : جامع القرويين، (1)  : 124.
[11] - أحمد المقري : نفح الطيب، (6) : 191 (بيروت، دار صادر 1968). نسخة العبر تتكون من سبعة أجزاء، أما الجزء الثامن المذكور في نص المقري فهو الذي خص به ابن خلدون نفسه، والمسمى رحلة ابن خلدون شرقا وغربا، وقد حقق منذ بداية الخمسينات بعناية المرحوم محمد بن تاويت الطنجي.
[12] - كان دي همصو o)Hems (Di من أكبر علماء السويد، يتقن عددا من اللغات، منها الفرنسية والأنكليزية والإيطالية، كما كان عضوا في عدد من الأكاديميات من بينها الأكاديمية الفرنسية (Inscriptions et Belles Lettres) وكانت له خزانة كتب مهمة تضم أربعة آلاف كتاب مطبوع (4000) وثلاثمائة (300) مخطوط، من بينها خمسون مخطوطا عربيا.
[13] - Di Hemso, philosopher Ibn Khaldun, t of the great historical work of the African Accou, 1833, p 5. 
[14] - ليفي بروفنسال : الصحيفة الأسيوية (Journal asiatique)، 1923، حسب الجزأين الباقيين فإن النسخة التي حبسها ابن خلدون على القرويين توافق النسخة التي طبعت بمطبعة بولاق عام 1868م. وهي منسوخة عن الأصل لأنه جاء في الورقة الأخيرة ما نصه : "من الأصل المعتمد لمؤلفه".
[15] - محمد جواد مغنية : الفقه على المذاهب الخمسة، ط 1977، ص.590.
[16] - يلاحظ أن عدداً كبيرا من الوقفيات التي وقفت، تستعمل "أوقف" الرباعي، كما يلاحظ أن بعض كتب التراث كنفح الطيب للمقري تستعمله في شكله الرباعي.
[17] - لاحظت "وقف" بالتشديد في كتابات المستشرقين : استعمله ليفي بروفنسال في اختصار الأخبار للأنصاري الذي حققه كما استعمله دوزي (Dozy) في ملحقه على المعاجم العربية (مادة وقف). وأعتقد أن استعمال وقف بالتشديد هو استعمال عامي، وربما لهذا السبب استعمله المستشرقون.
[18] - تاج العروس : مادة حبس.
[19] - حبس = Hobous ,Habous
الموقوف عليه = Habousant
الموقوف = Habousé
[20] - انظر : Larousue Encyclopédique Encyclopédie art Habous, La Grande
- Nouveau Larousse illustré
[21] - أمثال : Millot ; Mercier ; Clairer . وغيرهم. ونلاحظ أن الانكليز الذين تمت لهم السيادة على الشرق قد استعملوا كلمة "وقف" المستعملة في كتب الفقه والقانون عند المشارقة. ودخلت هي بدورها معاجم اللغة الأنكليزية حيث نجدها مثلا في المعجم الكبير الموسوعة البريطانية : Britanica Encyclopédia
[22]  - قد نجد في بعض الوقفيات المغربية عوض عبارة "وقف مؤبد" عبارة "وقف مخلد" كما جاء في وقفية الأمير أبي عبد الله الوطاسي المثبتة في نسخة من صحيح البخاري وقفها على خزانة القرويين.
[23] - إذا أطلق الواقف صيغة الوقف فإنه يحمل على التأبيد لأنه الأصل في الوقف.
[24] - إن أول صدقة موقوفة أراضي مخيريق التي أوصى بها إلى النبيr فوقفها النبي r.
[25] - ابن خلدون المالكي كان يعيش في مصر حيث ملتقى المذاهب الفقهية كلها.
[26] - أركان الوقف أربعة : الصيغة، الواقف، الموقوف، الجهة الموقوف عليها.
[27] - الدسوقي : الحاشية، 5 : 4 .
[28] - حتى بداية الاستقلال (1956م) لم يبق فيما أعلم من هذا المصحف إلا الأجزاء الرابع والتاسع والعاشر. ووقفت بالمصادفة على الجزء السابع من هذا المصحف معروضا بخزانة المتحف البريطاني بلندن. (انظر ما كتبه الأستاذ المنوني عن هذا المصحف بمجلة مجمع اللغة العربية بدمشق عام 1968 م. وقد عثر أخيرا على جزء آخر في أوربا ولعله الجزء السادس.
[29] - ابن مرزوق : المسند الصحيح، ص 35، في (1925) Hespéris. حبس أبو الحسن نسخة من كتاب البيان والتحصيل لابن رشد الذي حققه محمد حجي أخيرا، على خزانة مدرسة عدوة الأندلس بفاس عام 728ﻫ. ولا يزال هذا المخطوط الذي نسخ على رق الغزال محفوظا بخزانة القرويين بفاس.
[30] - المقري : نفح الطيب، (4) : 399.
[31] - ابن الوردي : التاريخ، 384 : (2).
[32] - عبد الحي الكتاني : المكتبات الإسلامية، مخطوط الخزانة العامة بالرباط، رقم 3002، ص.23.
[33] - حبس الخليفة المريني أبو يعقوب يوسف مصحفاً على مكة المكرمة عام 703ﻫ.
[34] - العابد الفاسي : الخزانة العلمية، ص.57.
[35] - اختلف الفقهاء في هذه العبارة، يقول الحنابلة شرط الواقف كنصِّ الشارع في الفهم والدلالة لا في وجوب العمل به واتباعه.
[36] - الحاشية، 387 : (3).
[37] - الونشريسي: المعيار المعرب،37 : 7 .
[38] - يمكننا أن نتساءل عن الأسباب التي تدعو الواقفين إلى عدم السماح بالنسخ، الشيء الذي يبعدنا قليلا عن الموضوع. انظر ابن حجر : لسان الميزان، 163 : (1).
[39] - يأتي التعبير عن منع الخروج بصيغ أخرى، كما جاء في وقفية الجامع الكبير للسيوطي الذي حبسه المنصور الذهبي على خزانة القرويين، قال : "لا يقرأ إلا في قاعة المطالعة بالخزانة المذكورة".
[40] - قد يحدث أن الواقفين الذين يشترطون الرهن في مقابل الإعارة يخصون به الأغنياء فقط ويستثنون الفقراء الثقات. وقد يسمح الواقفون بخروج الكتاب الموقوف بدون رهن كما صنع السلطان العلوي المولى عبد الحفيظ في وقفياته.
[41] - ليس عندهم وقف ولكن عندهم الهبة (dono-ex) إذا تمت العملية في حياة الواقف أو الوصية (legs) إذا كانت بعد وفاته.
[42] - بعض الوقفيات لا تحمل شروطا.
[43] - المخطوطات التي أهديت إلى خزانة جامعة الصوربون تحتوي بالإضافة إلى أركان الوقف على ثمن الكتاب، (انظر :
Léopolde : Histoire Générale de Paris des collection documents, 1868. vol 3, delisle.
[44] - هذه الظاهرة معروفة في الشرق بحيث يسجل الوقف عند قاضي البلد، ويكتب عقد يضم جميع الشروط.
[45] - القبض هو أن يتخلى الواقف عن الشيء الموقوف.
[46] - أغلب الوقفيات المغربية تشتمل على العبارة التالية : "وبسط (الواقف) يد قيم الخزانة على حوزه فحازه" وهي عبارة تدل على القبض والحيازة.
[47] - ابن خلدون : مقدمة كتابه المقدمة.
[48]  - «Bibliothèque de la Grande Mosquée de Tanger», in : R.M.M., t 2, année 1918, p. 335. 
[49] - الخزانة الصبيحية بسلا : المخطوط رقم 23.
[50] - العابد الفاسي : الخزانة العلمية، ص.65.
[51] - الجزنائي : جنى زهرة الآس، ص.76.
[52] - العابد الفاسي : الخزانة العلمية، ص.71 ؛ الخليفة أحمد المنصور الذهبي السعدي يسلم القاضي نسخة من الجامع الكبير للسيوطي في ستة أجزاء حبسها على خزانة جامع القرويين.
[53] - حبس الوزير المريني الطريفي كتاب المنتقى، على المسجد الجديد بفاس، وتشتمل الوقفية على إشهاد عدل واحد ... والمخطوط محفوظ بخزانة القرويين تحت رقم 172.
[54] - ابن فرحون : تبصرة الحكام، 2 : 43.
[55] - ظاهرة توقيع الخلفاء على وقفيات الكتب معروفة في الشرق : نسخة من كتاب الوافي بالوفيات للصفدي، محفوظة بإحدى خزانات إصطنبول، كان قد وقفها الخليفة العثماني سليمان القانوني، ووضع تصحيح الوقف عليها بيده. انظر : يوسف العش : Les Bibliothèques arabes, p 310.
[56] - الخليفة الموحدي عمر المرتضى يضع توقيعه على أسفل الوقفية المثبتة في الجزء الأول والرابع من المصحف الذي خطه بيمينه، وحبسه على خزانة مسجد ابن يوسف بمراكش
[57] - تحتضن خزانة القرويين نسخة من الجامع الكبير للسيوطي في ستة أجزاء حبسها المنصور الذهبي السعدي، وفي أعلى الورقة تصحيح المنصور للوقف بخط يمينه. وفي أسفل الوقفية كتب : وبحضور شاهدين سلم الكتاب للقاضي ليضعه بالخزانة، ثم توقيع العدلين.
[58] - لم يبق إلا وقفيتا الجزء الأول والرابع : أثبت دوفردان في كتابه» «Marrakech dès origines à 1912 أن الوقفية الموجودة على ظهر الورقة الأولى من الجزء الأول هي وحدها من خط الخليفة والأخريات المثبتة في باقي الأجزاء من خط كاتب للخليفة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here