islamaumaroc

إفلاس الحضارة [فصل من كتاب] (تر.م.برادة)

  دعوة الحق

38 العدد

" ما قيمة الحقيقة التي لا تحولنا على أفضل مما كنا عليه...؟ إن الفلسفة التي لا ترفع القيمة الإنسانية تعتبر لغوا لا طائل من ورائه" (1). هذه الإرادة القوية في التعالي على الحاضر والتطلع إلى تكوين مجتمع مثالي، كثيرا ما نجدها في أيامنا هذه في ؟أشكال متباينة وبأساليب مئثرة. وهذه الإرادة تتجلى في الوقت نفسه كرغبة من جهة، وكتعبير عن الإستياء من جهة أخرى ، لأن الإنسانية تظهر كأنها قد ضلت الطريق نتيجة لخطأ جسيم في التوجيه.
  فالحضارة قد حادت عن السبيل القويم ولم تستجب لمطمحنا في الكمال وإتمام الصلح بين الأنا وذاته، ومساعدتها  على التفتح التام. أن نظم الحكم المختلفة للحكومات المعاصرة وكذلك للجميع الثروات والمنظمات النقابية والمذاهب الفلسفية والإقتصادية والأخلاقية، كلها نتجت عن إنعدام التوازن بين نزوعاتنا وآمالنا ورغباتنا من جهة، وبين أعمالنا والنتائج التي حصلنا عليها ومشاريع المستقبل من جهة أخرى لذلك فإننا أصبحنا نعيش في قلق عميق من خلال تناقض وضعنا. إن كلمة "حضارة" لها وقع مؤثر وإيحاء صوفي في النفس الإنسانية، لكن  إذا ما قابلناها بالواقع المجرد من كل الأصباغ فإنها تفقد هذا المعنى وتتخذ معنى آخر يشير إلى الأنوار الإصطناعية المزركشة التي يرتديها الممثل على خشبة المسرح والتي أعدت لتلمع تحت شمس ليس مصدرها نورها في الحقيقة إلا الكشاف (  Projecteur)، ولا تصلح إلا في حياة عالم مسرحي مصطنع.
  إن حضارة المدن عندما عوضت مقاييس العدالة والكرامة بمقاييس القوة (2) والدخل، وصنفت الناس إلى " منتجين" و " غير منتجين" وعندما آثرت التنافس على التضامن (3) ولم تحسن تنظيم تقويم الإستعدادات الإنسانية، قد عاقت الكائن البشري عن أن يتحرر ويتجاوز ذاته، أي أنها  قد حالت بينه وبين أن يحقق شخصيته، وهذه الخيبة المريرة هي المصدر الأساسي للقلق والعبث والسويداء وغير ذلك من الألفاظ  السائدة في الأدب والفن الحديثين، إن كتب ( كير كيكارد) و ( كافكا) ونظرية العدم عند ( هيدجر) وآراء ( ماكيافيل) – والماركيز دوصاد- قد إنتشرت على نطاق واسع لأنها تتجاوب مع حيرة المثقفين الذين خابت آمالهم، ومع ردود الفعل للوعي الحديث.
  وعندما عكس الأدب هذا الوعي للأزمة فإنه إمتلأ بالإستبطان الذاتي وأصبح عبارة عن عرض للإنهزامات الأخلاقية، وإظهار صارخا للقلق والإنتقادات الذاتية، وإبراز لمحنة الضمير.. وهي الصفات التي تطبع عصرنا. ويدخل في هذا المجال رغبة جنونية في الهرب من الواقع عن طريق القصص البوليسية والفن المجرد، وقصص نوع خاص من الشباب. ولاننسى أولئك المتخصصين في كشف القناع عن الحياة الخاصة للنجوم السينمائيين، وتتبع الفضائح والمغامرات. ولكن علينا  أن نستثني من هذا كله الملايين من الرجال البسطاء الذين يمارسون نشاطهم في شجاعة وكرم.. أليسوا هم ايضا ممثلين لعصرنا؟ ويمكن لنا أن نذكر على سبيل المثال بعض الأعمال الفنية ( البابلو بيكاسو) التي أنتجها بعد " الفترة الزرقاء" مثل لوحة ( كيرنيكا) ولوحة الحرب والسلام).
  وفي الأدب نذكر مؤلفات ( أدكاربو) و ( جورج بيرنانوس) و ( وليام فولكنير) و ( ودوس با سوس: و عبد الرحمان الشرقاوي) و (سهيل إدريس). وفي الأفلام السينمائية فلم ( بذرة العنف) و ( جلسة سرية) ونحن نذكر هذه الأعمال دون الحكم على قيمتها، كشواهد لهذه الفترة على هذه الفترة، بما فيها من صالح وطالح.. إنها شهادة على عجز ألخلاق في حضارة أفلست مع إحتفاضها بإمكانيات ثرة أن المأساة ناتجة من كون وعي الصدمة- الذي ظهر في شكل عدم التكيف- لم يصبح بعد واضحا ومتغلغلا في نفوس الجميع. ثم هناك خيانة المثقفين الذين كان يرجى منهم أن يكونوا في الطليعة   La trahison des clerds)) (4). وفي مقابل أولائك الذين يفضلون " العمل المجاني " الذي دعا إليه ( أندري جيد) أو الرفض السهل الذي نادى به كامو)، وجد من إختاروا الإلتزام الذي دعى إليه كل من ( مونيي) و ( سارتر)، وإذا المعركة لم تعد قائمة بين القدماء والمحدثين أو بين أنصار الكلاسيكية وأنصار الرومانسية وإنما أصبح الصراع بين الذين يعتبرون الثقافة مسالة ذوق شخصي وامتيازا موقوفا على ذوي أرستوقراطية فكرة معينة، وبين الذين يريدون أن تصبح الثقافة قوة مؤثرة في المجتمع تعمل على ضمان للإستقرار والرفاهية للإنسانية جمعاء.
  إن دعة المذهب الإنساني في كل العصور وبخاصة في عصرنا يرغبون في أن تتطور  الإنسانية  في ثلاثة أبعاد مرة واحدة وهي الأبعاد المادية والثقافية والأخلاقية، غلا أن الرغبة في إقامة علاقة وطيدة بين معارفنا وواجباتنا لم تخرج إلى حيز التنفيذ. وكان يجب أن ترافق التقدم العلمي والتقني زيادة في نشر العدالة والحرية وعميق للمفهوم الإنساني حتى يستطيع هذا التقدم أن يستجيب لمتطلبات حضارة أصيلة يمكن في ظلها لإلتزاماتنا وأعمالنا أن تؤكد- بحرية وتضامن- كرامة الإنسان. وحينئذ لن يصبح المثقف هو الذي يتوفر على ثقافة الكتب، بل هو الذي يتستغل ثقافته في جميع ميادين النشاط الإنساني وفي جميع المستويات ليجعل النوع البشري صالحا في مجموعه، أي أن المثقف هو الذي يربط مصيره بمصير الإنسانية. وعلى العكس من ذلك الثقافة التي لاتشجب الحرب ولاتضع خطة لتحقيق التضامن الإنساني، فإنها تقود حتما إلى الإنحطاط والفتنة " والفتنة أشد من القتل" كما جاء في القرآن.
   وإذا فهناك نوعان من الثقافة: ثقافة جيدة وثقافة رديئة. والنوع الأول هو الذي يدفع كلا منا إلى السهر على ألخلاق وتقدم الجميع، لأن التفاوت والظلم يجران إلى الفوضى والمصائب كما جاء في القرآن ( 5) : " واتقوا فتنة لاتصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعملموا أم الله شديد العقاب" وقد اصاب افلاطون ( الجمهورية ) عندما أعتبر الثقافة خيرا مشتركا بين الجميع وسخر من السوفسطائيين " الذين امتهنوا توزيع الثقافة وكانوا يزعمون بانهم يضعون المعرفة في الأرواح الفارغة منها، شأن من يبعث النور في العينين المطفأتين".
  إن الثقافة لاتكتسب قيمة إلا إذا إهتم المثقفون بمصالح الناس وجعلوها موضوعا لنشاطهم، وتخلوا عن أبراجهم العاجية ليشاركوا الشعب في أعماله ومشاكله.
  إن التناقض المأساوي نصدره أن الصناعة كلما تابعت تقدمها الهائل كلما نتج عن ذلك تناقض كبير قد يؤدي بالإنسانية جمعاء. ويكفي أن نذكر هنا بعض الأمثلة لنأخذ فكرة واضحة عن البؤس المفجع الذي عرفناه في عهد الحضارة الصناعية بلإفريقيا الشمالية وغيرها، وتوجد أمثلة أخرى ليست أقل دلالة مثل البحث الذي أجري سنة 1842 في إنجلترا لمعرفة الأوضاع التي كان النساء والأولاد يعملون فيها داخل مناجم الفحم،وقد أرفق الباحثون تقريرهم بصور  تجعل الناظر إليها يصيبه دوار اليم وتجعلنا نتساءل فيما إذا كانت الحياة تستحق أن تعاش بالنسبة لهؤلاء الأولاد العاماين الذين قسا عليهم القدر في مرحلة مبكرة، وكذلك بالنسبة لهؤلاء النسوة الائي أرغمن على ترك منازلهن وأطفالهن للتوجه إلى حفر سوداء ضيقة لاتتوفر فيها الشروط الصحية. وتظهر لنا إحدى هذه الصور أمرأة تجر عربة من الفحم في ممر منخفض لايسمح لها أن تعتدل في مشيتها فتضطر إلى السير على أيديها وركبتيها لإنجاز عملها الشاق (6).
لقد أصبح يتحتم على الإنسان أن يسير على أربعة أرجل في عهد الحضارة الصناعية! إن هذه الصور تذكرنا بعمال آخرين في مجتمع آخر وهم صناع الزجاج في مصر القديمة ( 2500 عام قبل المسيح). وهذا الماضي مايزال ممتدا في اشكال أخرى وإن كانت أقل ضراوة.
وإذا كان عدد ساعات العمل قد خفض في بعض الدول الغربية فإن الأمر ليس كذلك في جميع الدول، فمثلا نجد القانون الذي يحرم تشغيل الأولاد أكثر من عشر ساعات في اليوم داخل فرنسا لايرجع تاريخ صدوره إلا سنة سنة 1898 وهذا القانون لم يطبق في المستعمرات الفرنسية حتى ولا في سنة 1960 ! ومما لاشك فيه أن أخطار العمل قد قلت نسبتها عن ذي قبل غلا أنه مازال هناك تكديس العمال في الأماكن غير الصحية وما زال الخطر منتشرا في المناجم مثل فاجعة ( مارسينيل) في بلجيكا ( غشت 1956) وفي كندا ( نوفمبر 1956 وأكتوبر 1958)  وحسب المنطق الجدلي لإنسجام الشخصية المرجو، فإن هذا الخلل يلقىالتيعة على الإنسانية والحضارة أو على الأصح يعتبرهما أساس المشكل. فقد أصبح الإنسان في القرن العشرين  لايقود حياته الأخلاقية بنفس المهارة التي يدير بها أعماله وآلاته. ومن ثم فإن الوضع يتطلب مفهوما جديدا، موحد يشع بالحياة، وأصبح يحتم اتجاها آخر للمصير الإنساني.
  لقد كان المتقفون في القرن التاسع عشر وإلى أوائل القرن العشرين معجبين بالتقدم فعبروا عن حماسهم لهذا التقدم بتأييدهم لأفكار ( سان سمون) وأتباعه واعتناقهم للمذهب الوضعي ( سواء الذي نادى به ( أوجيست كونت) أو (ستيوارت ميل) أو (ليتري ) أو ( سبنسر) أو ( رينان) وأيدوا مذهب التطور والمذهب العلمي، ثم فيما بعد التفاؤل البراكماتيكي للأنكلوساكسونيين وبخاصة عند ( تايلر) و ( فورد).
  وبالرغم من ردود الفعل التي أبداها (بوترو) و ( بروكسن) و ( موريس بلونديل) وغيرهم من المفكرين فإن طفرة الصناعة والعلم والتقدم قد ظلت مزدهرة إلى أن وقعت الأزمة المشهورة سنة 1929 ( اليوم الأسود  the bleck day أكتوبر ) التي زعزعت دعائم الرأسمالية الصناعية.
  وفي فؤنسا كان ( أمانييل مونيي) واصدقاؤه  الشخصانيون أول من أقامو وزنا بخطورة هذه الأزمة فحاولوا أن يستخلصوا من عواقبها منطقا للعمل. وفي سنة 1932 أسسوا حركة الفكر ومجلة تحمل نفس الإسم (Esprit) وفي نفس السنة ظهر أهم كتاب ( لبركسون) " منبعا الأخلاق والدين" الذي ينتهي بفصل عنوانه " ملاحظات أخيرة" وفيه هذا الإنذار المتشائم الصادق:
   " إن الإنسانية تئن، والتقدم الذي تحرز عليه يكاد يسحقها وهي لم تع تماما أن مستقبلها يتوقف على إرادتها. إن الأمر يرجع إليها أولا وأخيرا لترى ما إذا كانت تريد أن تستمر في الحياة، وأن تختار فيما إذا كانت تريد مجرد العيش أو بذل الجهد الضروري لإنجاز مهمة الكون الأساسية باعتباره آلة لنع الآلهة".
  غير أن الكون الذي نعيش فيه- وبخاصة منذ مطلع القرن العشرين- لم يعد يتجلى كآلة لصنع الآلهة لا كعالم للعمليات البنكية والمبادلات التجارية، حيث تحبك الأزمات وتقع الحروب الإستعمارية الأهلية ثم حروب المنافسة والنفوذ... إلخ، دون أن ننسى الحروب الباردة!.
  حقا إنه التناقض مفجع، فمثلا قي سنة 1815 كان السلم هو الشرط المرتجى ليتسنى للصناعة أن تزدهر وللإنتاج أن ينمو ويتضاعف. أما اليوم فإنا نجد بعض رجال الصناعة لايتورعون في تحبيد قيام الحرب لأنها في رأيهم فرصة للربح! ولايفوتنا أن نشير هنا إلى التصريح المشهور الذي أفضى به عضو في الكونغرس الأمريكي قائلا:
" نفضل الحرب على الأزمة" ومنذ هذه الصيحة المؤلمة توالت النكبات.
 واليوم تأتي القنبلة الذرية والقنبلة الهيدروجينية والإنسان الآلي ليطرحوا من جدبد قضية قيمة الأخلاق في الصناعة، أو بصفة اعم في الأبحاث العلمية. فهل  يجب علينا أن نفرط في التشاؤم لنصرح مثلما فعل جوزيف كايو: " قيدوا يرميشوس الجديد، وجهوا دفة العلم "؟.
 الواقع أن صياغة السؤال على هذا النحو لايضع المشكل في إطاره الحقيقي،لأنه لايمكن أن ندين التقدم إجمالا دون أن نقع في الخطأ، حقيقة أن العلم بانحطاطه يحدث أثرا سيئا في قيمنا الأخلاقية والإجتماعية، لكن ليس السبب في ذلك وجود وجود عنصر شرير في تكوينه، لأن العلم وسيلة وليس قدرا حتميا. إنها في الحقيقة غلطة متعمدة من رجال السياسة وبعض العلماء، فالعلم في حد ذاته حقائق محايدة.
 إن النازيين كانوا يدركون ما يصنعون عندما جعلوا ملايين من الأسرى والمنفيين بمثابة حيوانات يجرون عليها تجاربهم.
  فالإنسان هو الذي ينحرف بالعلم عندما يسخره لأعمال تتنافى وكرامة الإنسانية. إن باستطاعتنا أن نحور الجملة السالفة فنقول: " الإنسان هو الذي يعمل على الحط من قيمة العلم عندما يتعامى عن الحقيقة".

(1) ه مافيت في كتابه ( رفض العبث) Refus de l’absurde ) ص 5 باريس لاكولمب 1953
(2) لدرجة أن عظمة الدول أصبحت تقاس في أيامنا بما لها من قوة عسكرية. وقد قال كلود جيليان في تحقيق صحفي كتبه عن الولايات المتحدة مايلي: إن المتحدث تكون له قيمة إذا كان قويا وهذه القاعدة مطبقة في أمريكا ) ( جريدة لوموند يوليوز 1956 ).
(3)  أنظر كتابنا حرية أم تحرر  Liberté ou Libération) ) ص 119 إلى 181 حيث عالجنا مشكلة التنافس والتضامن ( باريس طبعة مونتيني 1956 )
(4)إشارة إلى عنوان الكتاب الذي الفه الكاتب الفرنسي  Julien Benda في أوائل  هذا القرن.
(5)سورة الأنفال.
(6) مقال عن الثورة الصناعية في  L’Hutchinson Encyclopédia   

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here