islamaumaroc

ابن حزم

  دعوة الحق

38 العدد

الحديث عن تاريخ الأدب العربي عامة معقد وصعب، وهو عن تاريخ الأدب المغربي خاصة أشد تعقيدا وأكثر صعوبة، بل يحس الباحث في صفحاته شعورين يكاد أن يكونا متناقضين، فأما الأول فعسر الدرس وضناؤه، وأما الثاني فمتعته ولذته، وهو مضن عسير لما يسود هذه الصفحات من غموض نتج عن عدم إعتناء السلف بالتاريخ وعده من قبل الخرافة، وعن إهمال الخلف لما بقي من تراث يندب حظه على رفوف المكتبات، لايزيده الأعراض غير نقص من قيمة نفائسه وذخائره، ثم هو ممتع لذيذ لما يساور دراسه من غبطة في النفس، ورضى في الضمير، لاشك أنهما يخالجان كل من يكشف مجهولا أو يصل إلى شيء جديد يضيفه إلى ما وقف عنده الفكر الإنساني في مختلف فروعه.
وبالرغم من أن مغرب ما قبل الإسلام لم يشهد قيام حضارة ثابتة قوية تزدهر في أحضانها حركات العلم والأدب والفن، وبالرغم من أنه في عصوره الإسلامية الأولى لم تكن له مشاركة فعالة فيغير العلوم الدينية دون فنون الأدب الذي يكتفي فيه يالتقليد والمحاكلة، والذي لم يكن مميزا بغير طابع الشرق والأندلس، بالرغم من هذا وذاك لايكاد الباحث يصل إلى العصر  الموحدي ( 514-668 ه) حتى تنشر أمامه صفحات عهد مشرق ينبض بالحياة والحركة في شتى ميادين الحضارة والثقافة.
فقد أسس المهدي بن تومرت ( 485-524 ه) دولة كبرى تضاهي عاصمتها في مراكش مدينة السلام العباسيةـ وتمتد رقعتها من المحيط الأطلسي حتى حدود مصر، ومن الصحراء الكبرى حتى بلاد الأندلس. وكان هدفه أن يوحد البلاد الإسلامية تحت لوائه، فتسمى بالخليفة، وبعث أنصاره ينشرون سرا دعوته في أقاليم العباسيين والفاطميين، ولم يكن مطمئنا لما هي عليه. وكان للخلفاء بعده كبير إهتمام بالدين وشؤونه لدرجة أم أمروا بقتل شارب الخمر وتارك الصلاة غلوا منهم في إقامة الحد. وساد عندهم مذهب الأشعرية والشيعة والظاهرية، ونشرت فكرة المهدوية. ولعل عدم تقيدهم بما وقف عنده فقهاء المالكية ومحاولاتهم في الإستنباط والإجتهاد يدلان على ما كان لهم في من حب لحرية التفكير، ظهر أثرها في النهضة العلمية والأدبية التي شهدها هذا العصر، والتي قامت على أساس من المنطق والعقل، فدرست الفلسفة في المعاهد والمدارس، ونوقشت مسائلها في بلاط الخليفة، وخاصة يوسف الذي كان يضم مجلسه إبن رشد وابن طفيل. ولا أدل على إزدهار هذا العلم من تلك الأسئلة التي وجهت إلى علماء سبتة من طرف فريدريك الثاني ملك إيطالية، والتي رد عليها الفيلسوف إبن سبعين في أجوبة يضمها كتاب " المسائل الصقلية".
وكان لابد للأدب أن ينهض وتنفق سوقه، فاعتنت به الدولة وشجعت أصحابه وزخرت أندية البلاط بالكتاب والشعراء، وفتحت أبوابها للأدباء الوافدين، وعقد الخلفاء- وكان أكثرهم يتذزقون ويتعاطون القريض- مجالس كانت تحفل بالمناظرة والمساجلة، بذلوا العطاء لروادها في بذخ وإسراف فكان لهما أثر كبير على تشجيع حركات العلم والأدب.
ففي " وفيات الأعيان" أن عبد المؤمن ( 495-558ه) منح الشاعر التيفاسي ألف دينار على بيت شعر واحد أنشده إياه. وفي " نفح الطيب" أن يعقوبا ( 555-  595ه) أعطى إبن منقد رسول صلاح الدين أربيعين ألف دينار على قصيدة مدحه بها بلغت أربعين بيتا.
في أحضان هذه النهضة وبين أجوائها قضى إبن حبوس حياته منذ غضاضة شبابه وفورته الأولى بعد أن شهد إحتضار دولة المرابطين ( 462-542) وماكان يطبعها من سيطرة فقهاء متزمتين تعصبوا لمذهب مالك ونبذوا ما سواه، وحرموا المنطق والفلسفة، وحاولوا دون أي تفكير حر، لدرجة أن سعوا في إحراق كتب الغزالي بمجرد وصولها.
وأنه لمن المؤسف حقا أن نجهل الكثير عن هذا الشاعر الكبير الذي ذهب ضحية الإهمال، فضاعت كل تفاصيل حياته وما صاحبها من شعر، وضاعت معها أكثر الكتب التي تناولت إخباره وأدبه بالبسط والتحليل.
ولعل صفوان بن إدريس هو تول من عرفنا به في كتابه " زاد المسافر وغرة محيا الأدب السافر" ويشتمل على أشعار المغاربة والأندلسيين ممن عاصروا دولة الموحدين، وبالرغم من أنه ذكر كثيرا من شعره فإنه لم يورد أخبارا عن الشاعر نفسه، ويكاد يكون ماقاله خاليا من أي تعريف به.
وأهم كتاب يحدثنا عن إبن حبوس وأن في سطور قليلة هو كتاب " الذيل والتكملة على الموصول والصلة) لإبن عبد الملك المراكشي ( المتوفى سنة 703 ه) ومع أنه ذاع وانتشر في البلاد العربية الأخرى واعتمد عليه كثير من المؤرخين المشارقة، فقد ضاع أكثره، ولم تعد محفوظة غير أجزاء قليلة منه ومن الجزء الذي ترجم فيه المؤلف لشاعرنا توجد نسخة في خزانة المرحوم عباس بن إبراهيم ( ت 959 ه) نقل عنها ترجمته في كتابه " الإعلام بمن حل بمراكش وإغمات من الإعلام" بما فيها من بياض وبتر يتخللان السطور.
كذلك ذكره عبد الواحد المراكشي ( 581-625 ه ( الذي لم يترك صغيرة وكبيرة عن عهد الموحدين إلا سجلها في كتابه " المعجب" كما ذكره أبو الخطاب إبن دحية (ت 633 ه ) في كتابه " المطرب في شعر أهل المغرب" الذي حققه وقام بطبعه الدكتور مصطفى عوض الكريم معتمدا على نسخة توجد في المتحف البريطاني بلندن. وتحدث عنه من المعاصرين المستعزب بيرس في مجلة (هسبيرس) من غير أن يعتمد على درس أو تحليل، كما كتب عنه الأستاذ محمد الفاسي مقالا قصيرا في مجلة الثقافة المغربية لم يتعمق درس جوانب حياته وأدبه.
ومترجمنا هو ابو عبد الله محمد بن حسين بن عبد الله بن حبوس بفتح الحاء وتخفيف ضم الباء. وهو غير محمد بن حيوس بالياء بدل الباء، وكان من شعراء الشام. وقد لاحظ ابن خلكان عند ترجمته له عسى أن يقع من الخلط بينه وبين الشاعر المغربي فقال " وفي شعرء المغاربة أبن حبوس مثل الأول لكن بالباء الموحدة المخففة وإنما ذكرته لئلا يتصحف على كثير من الناس بابن حيوس ورأيت خلقا كثيرا يتوهمون أن المغربي يقال له ابن حيوسأيضا وهو غلط والصواب ما ذكرته." وقد يلتبس إسمه كذلك مع إبن حنون بنونين أولاهما مخففة أو مع ابن حيون بياء مشددة. أما بنو حنون فيمتون بصلة إلى الأصل البربري، ويعدون في الأسر الفاسية العريقة في النبل والعلم، ومنهم الفقيه العدل يحيى بن حنون، وأما بنو حيون ويسكنون كذلك مدينة فاس فمن الأسر الأندلسية التي تسربت إلى المغرب وانتشرت في مدنه، وأبو عبد الله محمد بن حيون يعد في الحفاظ الثقات من قدماء هذا البيت الذي يدل على عروبة أرومته لفظه الثقيل.
والذي يظهر من لقب الشاعر وشيوعه بين البربر أنه لم يكن في الأصل عربيا كما قد يتوهم من الخلط الذي بينه وبين شاعر الشام، وإنما كان بربريا من سكان المغرب الأصليين. ولكننا في عصر تم فيه تعريب المغرب وطبعه بالطابع العربي، وانطلقت الألسنة البربرية وقد حلت عقدتها تخوض ميادين الخطابة والنثر والشعر في لغة عربية فصيحة وبليغة مما لايجعل لأصل ابن حبوس أثر ملموسا على شعره.
وفي " الذيل والتكملة" أم حبوسا مولى بني أبي العافية الذين ملكوا المغرب الأقصى أيام بني أمية الأندلسيين فمن بعدهم، وأصلهم من بني مقرول  بن تسول إحدى قبائل حومة تازا، وكان موضع بني أبي العافية حاضرة سلطانهم إلى ايام يوسف بن تاشفين ( ت 500 هـ ) فانتقض ملكهم وذهبت أيامهم.
وعلى غير ماورد خطأ في النسخة التي نشرت من " زاد المسافر" من أنه " من نظر بجاية" فإنه ولد بفاس سنة خمسمائة للهجرة، بين دروبها الضيقة نشأ، وفي حلقات مساجدها درس، ولكنا لانعرف شيئا عن كيفية نشأته، ونوع دراسته وأسماء مدرسيه، سوى ما حكى ابن عبد الملك من أنه أخذ عن ابي بكر الأبيض، ومان من فحول الشعراء متفننا في علم الكلام واللغة والنحو. ومن يدري لعله درس بجامعة القرويين التي لاشك أنها كانت في هذا لالعصر نموذجا للتعليم الذي كان يطغى عليه طابع الفقه والدين، ولعله كان يتوق إلى سواه ويتصل ببعض أحرار الفكر وخاصة دعاة الموحدية الذين يعملون في الخفاء.
  وأكثر من هذا لانستطيع أن نستنطق المصادر سوى أنه سافر إلى تلمسان فأقام بها قليلا، ثم إنتقل إلى مراكش، وكانت شهرته ذائعة بالرغم من أنه لم يكن في غير أول شباب فاتصل بالمرابطين وحظى عند أرائهم، وخاصة عند علي بن يوسف بن تاشفين
 ( ت 537ه) وفي( المعجب) " أنه كان في دولة لمتونة مقدما في الشعراء حتى نقلت إليهم عنه حماقات فهرب إلى الأندلس".
   والراجح أنه لايمثل نوع الحماقات غير فكره الحر الذي دفعه إلى الثورة ضد الجمود المرابطي صفة عامة، وتحجر عقلية الفقهاء بصفة خاصة. وله قصيدة في الموضوع نرجح أنه نظمها في هذه الفترة التي قضاها في مراكش والتي سبقت ظهور الموحدين يقول فيها:
الدين دين الله لم يعبأ بمبـ                 ـتدع ولم يحفل بضلة ملحد
قالوا بنور العقل يدرك ما ورا          ء الغيب قلت قدي من الدعوى قد
بالشرع يدرك كل شيء غائبـ           والعقل ينكر كل ما لم يشهد
من لم يحط علما بغاية نفسه             وهي القريبة من له بالأبعد
أعداؤنا في ربنا أحبابنا                  جرحوا القلوب وأقبلوا في العود
ستنالهم منا الغداة قوارع                إن لم تغلهم غولها فكان قد
وتصب فيهم سحبنا بصواعق            تلك التي جلبت منية أربد
يلغي كتاب الله بين ظهورهم             وجميع مسنون النبي محمد
والقصيدة كما يرى ثورة صريحة ضد الفقهاء الذين تمسكوا بقشور الفروع، وثورة في نفس الوقت ضد بعض فلاسفة العصر ممن كانوا لايقولون بغير العقل. وهي في الواقع أثر من آثار الدعوة الموحدية يدعو فيها للرجوع إلى الكتاب والسنة. والذي يتضح من أبياتها أن ابن حبوس كان وسطا في تفكيره، يأخذ بالمنقول في غير جمود وفي غير معاداة للتأويل والإستنباط، تضيء عقله نظرة فلسفية لاغلو فيها ولا مبالغة.
  ولعل هذا كله جعله يميل إلى التشاؤم في تفكيره على ما يظهر في قصيدته التي يقول فيها:
أعد لنا بحيك عصا               وأقضم ماضغيك حصا
وعامل بالخديعة من               لقيت وبادر الفرصا
وهز لمعشر سيفا                  وهز لآخرين عصا
وسوء ظنا بكل أخ                 يقاسمك الثنا حصصا
 والواقع أن هذا التشاؤم ليس ناتجا عن كره للناس دائم عميق كما عند بشار الذي كان بطبيعته يكره الجنس البشري وكان ضيق صدره حتى بأصدقائه وأحب الناس إليه يعتمد إغاظتهم والإساءة إليهم حتى يتركوه، ولا ناتجا عن دعوة إلى التقشف والزهد في الدنيا وذم متاعبها والتقرب إلى الله بالابتهالات والعمل الصالح كما عند أبي العتاهية، ولا عن نقد للحياة الاجتماعية وما يشوبها من أكدار وآلام كما عند المتنبي، ولا عن وصف دقيق للحياة وما يحفها من عذاب وشر ونفاق وفساد يهاجمها في نقد ساخر لاذع كما فعل أبو العلاء لم يكن شيء من هذا سببا في تشاؤم ابن حبوس، وإنما كان سببه كره مؤقت للناس، وضيق صدره بمن حوله، اعتراه بينه وبين الوصول إليه، أما بالوشاية أو غيرها، في وقت كانوا يتمتعون بنعائمه، ويعيشون في ظلاله.
كل هذا كان دافعا له إلى الفرار بنفسه ومغادرة البلاد، حتى لايبطش به المرابطون، وكانوا قساة غلاظ القلوب فهرب إلى الأندلس حيث إتصل هنا ولاشك بدعاة للموحدين آخرين، وعمل على نشر مبادئها في مجال أكثر حرية واتساعا.
ولانعرف عن مقامه في الأندلس شيئا أكثر مما تفيدنا به هذه الحكاية التي كتبها بقلمه والتي رواها المراكشي في " المعجب" عن عبد الله ولد الشاعر حيث قرأها عليه من خط أبيه : قال: " دخلت مدينة " شلب" من بلاد الأندلس، ولي يوم دخلتها ثلاثة أيام لم أطعم فيها شيئا، فسالت عمن يقصد إليه فيها، فدلني بعض أهلها على رجل يعرف بابن الملح، فعمدت إلى بعض الوراقين فسألته سحاءة ودواة فأعطانيها، فكتبت أبياتا إمتدحته  بها وقصدت داره، فإذا هو في الدهليز، فسلمت عليه فرحب بي ورد علي بأحسن رد،وتلقاني أحسن لقاء وقال: أحسبك غريبا، قلت: نعم. فقال لي: من أي طبقات الناس أنت؟ فأخبرته أني من أهل الأدب والشعر، ثم أنشدته الأبيات التي قلت، فوقعت منه أحسن موقع، فأدخلني إلى منزله، وقدم إلي الطعام، وجعل يحدثني، فما رأيت أحسن محاضرة منه، فما آن الإنصراف، خرج ثم علد ومعه عبدان يحملان صندوقا حتى وضعه بين يدي، ففتحته فأخرج منه سبعمائة دينار مرابطية فدفعها إلي، وقال : هذه لك، ثم دفع إلى صرة فيها أربعون مثقالا، وقال هذه من عندي. فتعجبت من كلامه، وأشكل علي جدا، وسألته من أين كانت هذه لي! فقال لي: سأحدثك، أني أوقفت أرضا من جملة ما لي للشعراء غلتها في كل سنة مائة دينارن ومنذ سبع سنين لم يأتني أحد لتوالي الفتن التي دهمت البلاد فاجتمه هذا المال حتى سبق لك، وأما هذه فمن حر مالي، يعني الأربعين مثقالا. فدخلت عليه جائعا فقيرا وخرجت منه شبعان غنيا".
الذي نستنتج من بين سطور هذه القطعة أم حالة الشاعر بالأندلس لم تكن تدعو إلى الرضى والإطمئنان، لدرجة أن مرت عليه ثلاثة أيام دون أن يتناول فيها طعام. ولعل مقامه بها لم يستمر على هذا النوع من الحياة البائسة، خاصة أنه قضى فيها اكثر من عشرين سنة. ولايعقل أن يكون قد أمضى كل هذه المدة على نفس الحالة التي وصفها والتي كان عليها قبل أن يتصل بابن الملح. وتدل الحكاية في نفس الوقت على ركود السوق الأدبية أيام المرابطين، وعلى إهمال المغاربة لمن ينجبون من نوابغ وقبرهم لما يظهر في أبنائهم من مواهب وعبقريات، في حين تدل على ما كان لأهل الأندلس من اهتمام بالغ برجال الفكر والأدب.
والقصيدتان اللتان قالهما في ذم الشعر والزمان يدلان في وضوح على مدى ما يقاسيه الأديب المغربي في حياته من مآسي وآلام. يقول في الأولى:
يا غراب الشعر لاطر           ت ومليت الوقوعا
وإذا إستيقظ شهم                 قرهم زدت هجوما
هبك لاتقنص عزا                لم تقنصت الخضوعا
رمت أن ترقى سريعا            فترديت صريعا
ربما أصطاد بغاث                شبعا واصطدت جوعا
وبقد غال حبيبا                   منك ماراع صريعا  (1)
ويقول في الثانية:
يعز علي النبل أني غدوت       أكنى أديبا وأسمى فقيرا
وإني ثبت لكف الزمان           يعرق عظمي عرقا مبيرا
وما ذاك أني هيابة               أخاف الرحيل وأشنا المسيرا
ولكن بحكم زمان غدا            يحط الجياد ويسمى الحميرا
والقطعة إلى جانب مثال انثر ابن حبوس، بل هي كل مل بقي لنا منه وأسلوبه فيها، ومرسل لاتعقيد فيه ولا اغرب. 
  وللأسف الشديد لم تنتقل إلينا الكتب التي بين أيدينا ولو بيت شعر واحد مما قاله طوال المدة التي قضاها في الأندلس.
وبالرغم من موافقة أفكار ابن حبوس لمبادئ الموحدين، وبالرغم من مشاركته لهم في نشر الدعوة السرية لها، فإنه لم يعد إلى المغرب إلا سنة أربيعين وخمسمائة بعد أن تم فتح الأندلس على يد الخليفة الثاني عبد المومن، كان قد دانت له قبل ذلك بلاد المغرب الأقصى والأوسط مع إن إنتصارات المهدي على المرابطين بدأت أربعا وعشرين سنة قبل هذا التاريخ، وهي المدة التي إستغرقتها إقامة الشاعر بالأندلس. ولعله كان يخشى فشل الموحدين في إقامة الدولة، ففضل أن يبقى بعيدا عن جو الفتن والحروب.
 وإذن فقد عاد إلى المغرب ليصبح " شاعر الخلاقة المهدية (2)" يصاحب الأمير في إقامته ورحلته، ويشهد معه المواقع والحروب ويمدحه ويصف بجاية هي أول شعره بعد عودته وفيها يقول:
 من القوم بالغرب تصغى إلى            حديثهم إذن المشرق
بأيديهم النار مشبوبة                       فمهما تصب باطلا تحرق
يقودهم ملك أروع                         تفرد بالسؤدد المطلق
إلى الناصرية (3) سرنا معا             ولما تفتنا ولم تلحق
 ولكنا في هذا الظرف وبعد العودة من فتح بجاية، نلاحظ ظهور شخصية أبي جعفر ابن عطية القضاعي الذي كان يشغل منصب الكتابة في الدولة المرابطية، والذي إختفى بمجرد إستيلاء الموحدين على مدينة مراكش، وانضم مستترا إلى فرقة الرماة المسيحيين الذين كانوا إلى جانب بقية الجيش يحاربون أحد الثوار الخارجين عن الدولة. والسبب في ظهوره أنه بعد إنتهاء المعركة، وقع  عليه إختيار الفرقة ليصوغ كتابا للخليفة عن هذا الإنتصار. فما كان منه إلا أن إبداع وأجاد مما جعل الخليفة يعجب برسالته ويتوق لمقابلته ويعينه وزيرا. ويغلب على الظن أن علاقة أبي جعفر بشاعرنا لم تكن على ما يرام، خاصة انه كان يعرف تمرده أيام المرابطين، وقد يكون فكر في الإنتقام منه، ولكن حبوس لم يترك له فرصة لذلك فمدحه بقصيدة يقول في أولها:
ألا زار من أم الخسيف خيالها              ومن دونها البيداء يخفق آلها
وفي آخرها:
وزير العلى عندي من القول فضلة        رويتها في مدحكم وارتجالها
وماكنت أخشى مدة الدهر أن رأى         تميد بي الدنيا وأنتم جبالها
  وسرعان ما افل نجم الوزير حين أحضره الخليفة إلى مراكش، وكان في طريقه إلى الأندلس، وأمر بحبسه وقتله لأسباب منها أنه أفشى سرا كان قد أفضى به إليه. ولم يلبث عبد المومن بعد الحادث أن إستدعى الشعراء وأمرهم بهجو إبن عطية فلما أنشدوه قال " ذهب ابن عطية وذهب الأدب معه" وللأسف الشديد لم يصلنا من هذا الشعر غير بيتين من كل جودة قالهما ابن حبوس هما:
أندلسي ليس من بربر            يختلس الملك من البربر
لاتسلم البربر ما شيدت          بالملك القيسي من مخفر
وبقي ابن حبوس محافظا على مركزه في البلاط لاينتظر غير الفرصة تسنح ليمدح الخليفة، وبالفعل تهيات له في الندوة التي اقامها عبد المومن على ظهر جبل الفتح   (4)والتي إستدعى لها شعراء العدوتين ولم
تكن عادته أن يستدعيهم، وإنما كانوا يستأذنون فيؤذن لهم. وفيها برز ابن حبوس وكان أول من أنشد الخليفة قال:
بلغ الزمان بهديكم ما أملا          وتعلمت أيامه أن تعدلا
وبحسبه إن كان شيئا قابلا         وجد الهداية صورة فتشكلا
 وفيها يقول:
فلأنتم الحق الذي لايمترى          فيه وليس بجائز أن يجهلا
ولأنتم سر الالاه وأمركم           ملأ العوالم مجملا ومفصلا
إلى آخر القصيدة التي ستكشف من بين إستعارتها وتشبيهاتها أساس المبادئ الموحدية ولم يكن الشاعر قد صرح به من قبل.
وبينما الخليفة عائد من رحلته إلى عاصمة خلافته، توقف عند مدينة سلا، حيث عبر نهر أبي رقراق، وضربت له خيمة جلس يستعرض فيها تنظيمها، فخر ساجدا شكرا لله وقد بل الدمع لحيته، فلم يكن من ابن حبوس في هذه اللحظة إلا أن إستوحى من جلال الموقف هذه القصيدة التي أنشدها أمام الخليفة والتي يقول في مطلعها:
ألا يهدأ البحر جاورك البحر           وخيم في أرجائك النفع والضر
وجاش على أواهك العقل والحجا     وفاض على إعطائك النهي والأمر
وتذكرنا هذه الصورة بالبيت الذي أنشده إبن دراج القسطالي أمام المنصور بن ابي عامر:
تحمل منه البحر بحرا من القنا       يروع بها أواجه ويهول
 بل وتذكرنا بمدح النابغة للنعمان وتشبيهه له بالفرات الذي إرتطمت أمواجه على شاطئيه وقد مدته الروافد فزادت في فيضانه.
ويستمر ابن حبوس في مخاطبة الخليفة:
فأنت خديم الشمس والبدر عنوة           وتخدمه في أمره الشمس والبدر
وهي صورة غريبة لم يكن منتظرا       من الشاعر أن يستلهمها من مظهر البحر.
ونجده في قطعة مدح أخرى يعبر في صور متتابعة عما وصلت إليه فتوحه فيقول:
  ولسنا نعلم إذا كانت موجهة إلى عبد المومن أو إلى إبنه أبي يعقوب، ولكن الذي لاشك فيه أنه قالها في أخريات أيامه، مما يجعلنا لانستعبد إنشادها لخليفة عبد المومن.
ولعل ءاخر ما أنشأ الشاعر بيتان جميلان لا شك أنه يخاطب بهما أبا يعقوب وهما:
عصفت بدعوتك الرياح الهوج          وسطا بأمرك دابل ووشيج
وتقدمتك إلى العدو مهابه               يشقى بها في سده ياجوج
 وبين مراكش وفاس قضى شاعرنا آخر حياته يرعاه الخليفة ويجزل له العطاء، إلى إن كانت نهايته سنة سبعين وخمسمائة. وقد حكى ابن دحية- وكان في رحلة علمية للمغرب- أنه قابله في مراكش قبل وفاته بست سنين، ثم في فاس حيث أضافه بمنزله، وأهداه نسخة من ديوانه قدمها بدوره إلى الأمير الكامل الأيوبي وكان مؤدبه. وذكر ابن عبد الملك أنه وقف من ديوانه على مجلد متوسط فيه ما يناهز ستة آلاف وخمسمائة بيت.
وإذا كان لنا أن نقول كلمة أخيرة عن ابن حبوس فهي أنه كان شاعر فاس الأول، وأنه كان من فحول الشعراء، وإن لم يرق مرتبة الممتازين. وقد قارنه المراكشي بابن هانئ الذي كان معروفا بمتنبي المغرب حين قال: " وكانت طريقته في الشعر على نحو طريقة محمد بن هانئ الأندلسي في قصد الألفاظ الرائعة والقعاقع المهولة وإيثار التقعير إلا أن محمد بن هانئ كان أجود منه طبعا وأحلا مهيعا".
  وابن هانئ تلميذ للمتنبي من غير شك أو إنكار، يقلده في تصنعه للأفكار، وفي أساوبه الضخم وتعبيره الجزل، وفي تكلفه الحكم والأمثال، وفي تعلقه بالغريب والشاذ، وغلوه في المبالغة. بل ونجد في شعره ميلا كبيرا إلى الألفاظ الغريبة والقوافي الشاذة، وكأنه يقصد إلى إثبات مهارته لدرجة أن جاء بعض شعره هزيل المعنى، ضخم الألفاظ.
وبالرغم من نفسه الطويل وشاعريته المتينة، فإنه لم يقف على الطبيعة يصفها ويتغنى بجمالها، ولم يفسح المجال لعاطفته التي تكاد لاتظهر إلا في حديثه عن الدين والشيعة والأمامية، في حين أن في شعر أبن حبوس عاطفة حية تأثر بما حولها وتؤثر فيه، نحس ونحن نقرأه نعومة ولينا وسلاسة واسترسالا لاتصنع فيه ولا غرابة، بل نحس موسيقى حلوة عذبة تصل إلى أعماق القلب قبل أن تبلغ آفاق العقل، ومن غير تكلف أو إجهاد. والحق أن شعر ابن حبوس وإن كنا نجد فيه جمالا وروعة يدلان على قريحة فياضة فهو دون شعر ابن هانئ الذي يفيض عن عبقرية جياشة وشخصية قوية وإن في إطار التقليد والمجاراة. وخلو شعر ابن حبوس من فنون الزخرف و التصنيع ليس إلا مظهرا لطابع العصر عامة والفكر فيه خاصة. فقد تأثر الأدب الموحدي بأدب العباسيين والأندلسيين والمرابطين، ولكنه لم يفقد شخصيته التي ميزته بالبساطة وشيوع الأدب الديني فيه من دون أدب الخمر والغزل، ولو وصلنا من ابن حبوس شعر أكثر من هذه القصائد والمقطوعات التي أوردنا من غير أن نطيل بذكر كل أبياتها والتي هي كل ما أبقت عليه يد الإهمال، لكانت نظرتها إليه أدق مما رأينا. وعسى أن يعثر يوما على ديوانه، وتتاح لنا فرصة دراسة عميقة مفصلة نسجل بها صفحة مشرفة للأدب المغربي في هذا العصر، تضاف وكثير من مثيلاتها إلى صفحات الأدب العربي الذي آن له أن يجمع شتات تراثه المتناثر هنا وهنالك.



(1)- يقصد بحبيب أبا تمام صاحب الحماسة وبصريع صريع الغواني الشاعر المشهور.
(2)  - نسبة على المهدي بن تومرت مؤسس الدولة الموحدية.
(3)  - يقصد بجاية وتسمى الناصرية نسبة لمؤسسها ناصر الصنهاجي.
(4)-هو جبل طارق وقد سماه عبد المومن جبل الفتح إحتفالا ببيعة أهل الأندلس
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here