islamaumaroc

العلاقة الديبلوماسية المغربية في عهد الدولة العلوية الشريفة -2-

  دعوة الحق

38 العدد

وكما كان الشأن مع دولة فرنسا كان كذلك مع إنجلترا مع تشارل وجامس وجروح الأول، هؤلاء الملوك الثلاثة الثلاثة الذين عاصروا مولاي إسماعيل، وأنشأو معه علاقات ديبلوماسية ترمي غالبا إلى إطلاق سراح الأساري الإنجليزيين الذين كانوا في قبضة يد السلطان، ولنتخذ من ذلك مثلا، أثناء حكم الملك جورج الأول من سنة "1718" إلى سنة  1727" بعث سفارة خاصة إلى ملك المغرب مهمتها التفاوض في قضية الأساري الإنجليز الموجودين بالمغرب، ومن أهم رجال هذه البعثة المؤرخ الشهير المستر – جون وندوس- الذي ألف كتاب" رحلة إلى مكناس محل إقامة إمبراطور فاس والمغرب".
وعلى الجملة فإن هذه العلاقات تشهد بما توفر للملك ولممثليه في جميع الدول من الذكاء والصبر  والمثابرة على العمل، وتمسكهم العظيم بتقاليدهم الديبلوماسية الرفيعة ولاعجب في ذلك فهذا " جون أفلن" الشهير بيومياته خلف لنا وصف الرسل الذين قدموا إلى لندن للمفاوضة مع الملك تشارل فيقول " شاهدت حفلة إستقبال لسفير مراكش وحاشيته ليست بكثير العدد، وقد استقبل في بيت الضيافة بحضور صاحب الجلالة الملك والملكة فتقدم إلى أن صار أمام العرش دون أن يؤدي أي نوع من أنواع الرسميات أو يطأطئ رأسه، وشرع يتكلم واحد الإنجليز المسلمين يترجم، ما يقول، وكانوا جميعا يرتدون الملابس المغربية، وكان السفير جميل الصورة تبدوا عليه الحكمة والدهاء، وكانت هداياهم مكونة من السباع والنعام ورسالتهم حفظ السلام في طنجة".
هذه لمحة وجيزة في شأن العلاقات الديبلوماسية بين مولاي إسماعيل وملوك الدول الإسلامية والأروبية، والدور الذي لعبه في صيانة التعاون القومي، ورفع المغرب إلى المستوى اللائق به، فما زعزعته العراقيل ولاصدته الحوائل، ولكن هذا الصرح العظيم ما لبث لأن أخذ في التداعي والإنهيار بعد وفاته.
وحدث ما لابد أن يحدث من سوء الحال في البلاد التي ذهبت مصالحها هدرا في سبيل مآرب الحاكمين " البخاريين" الذين أصبحوا يتصرفون في أمور الدولة كيفما شاؤوا حتى أنه حدث في فترة لاتتجاوز إثنين وثلاثين سنة بعد موت المولى إسماعيل أن قام هؤلاء الحكام بتولية وعزل أربعة عشر سلطلنا حتى أم مولاي عبد الله تردد على العرش سبع مرات غير انه لم يكن خاضعا للبواخرة ولا لغيرهم فكان بينه وبينهم صراع عنيف أدى في الأخير إلى تغلبه عليهم وأضعافهم.
  ويمكن القول بأنه قد ترتب عن تدخل هؤلاء الحكام في المغرب أحداث الفتن والقلاقل في جميع الإنحاء، وذهب ضحية هذه الفتن كثير من الرؤساء المخلصين ورجال الأمة والإدارة والحكم الذين كانوا يملكون الكفاءة الشخصية والمقدرة السياسية، ولما جاء السلطان مولاي محمد بن عبد الله إستطاع بشدته وقوته أن يقضي على البخاريين، وأن يمسك زمام الحكم كما كان في عهد المولى إسماعيل، وأن يحطم أصحاب المصالح والأغراض ممن ليست لهم الكفاءة للاستيلاء على مناصب الدولة، وأن يوجه عنايته.
ملاحظة: نشر القسم الأول من هذا البحث في العدد الرابع من هذه السنة
الكبرى للمحتل الأجنبي فيحمل البرتغال على إفراغ الجديدة ويحاول دون جدوى أن يخرج الإسبان من مليلية سنة 1784، ويتابع تطبيق هذه الخطة الحكيمة وذلك بابرام معاهدات واتفاقات مع كثير من الدول النصرانية مع إنجلترا، واسبانيا، وأمريكا، وفرنسا، والدانمارك، وهولندا، وإيطاليا، والبرتغال، والسويد، ويعد المغرب من أوائل الدول التي إعترفت باستقلال الولايات المتحدة، هذا وأن هذه الدول حصلت على إمتيازات قضائية ماكان القانوني الدولي يسمح بها في ذلك العهد، امتيازات تجارية ودينية وغيرها، وكانت صلته مع آل عثمان صلة محكمة.
  وقبل أن نتكلم عن علاقة المغرب مع دولة من هذه الدول يجب أن ألفت النظر إلى أن هناك أشياء يجب لاتتورع أحيانا عن استخدام القوة كلما توترت العلاقات بين الأمة وأخرى، لذلك نرى انه من أجل حفظ السيادة المغربية ضد الهجومات الأجنبية والتدخل الأجنبي إلى ترابه كان من للمغرب أسطول يحميه من كل عدو يريد إغتصابه، وبما أن المغرب كان يحتمل عليه الهجوم من جهة البحر فقد أعطى سيدي محمد الأهمية الكبرى لهذا الأسطول حتى أصبحت بعض الدول الأوروبية تؤدى ضريبة سنوية لتضمن أمن سفنها، وكانت هذه الضريبة تخول لها حق الحماية من هجومات القراصنة الذين كانوا يشتغلون بالقرصنة.
ويحسن بنا أن نشير هنا إلى أن جميع الدول عندما تنصب ممثليها في المغرب كان تصحب معه أموالا وهدايا، وهذه الأموال والهدايا كانت تختلف بالنسبة لعظمة الدولة والأخطار التي تهددها والمصالح التجارية التي تسخرها كل واحدة منها في البحار.
وعلى كل حال فإن الدولة في عهد مولاي محمد بن عبد الله قد تغلغل نفوذها في البحر وامتطى صهوة الأمواج، ولاحاجة بنا في هذه الحالة إلى سرد ما بلغته الدولة في هذا السبيل لأن ذلك يخرج بنا عن الغاية التي نقصدها من هذا البحث، فلندخل في الموضوع ولنبدأ أولا بالكلام عن علاقة سيدي محمد بن عبد الله مع لويس الخامس عشر والسادس عشر الفرنسين.
فالأول لم تبدأ معه العلاقة المحكمة إلا بعد واقعة العرائش حيث عقد معه الصلح والمهادنة على عشرين شرطا، أما الثاني فكان إمتدادا للأول ومما يزيد على ذلك هو عقد معاهدة أخرى سنة 1802 وبهاتين المعاهدتين تحكمت روابط المودة والصداقة  بين الدولتين على يد سفراء عظام نذكر منهم على سبيل المثل: علي مرسيل والطاهر بنيس، ومما يدل على تحسين العلائق يومئذ هو الكتاب الذي بعثه الملك لويز السادس عشر للسلطان يعلن فيه إزدياد مولود له.
وكانت بينه وبين دولة إسبانيا علائق متينة ايضا، ويرجع أصلها يوم أن كتب السلطان مولاي محمد بن عبد الله إلى ملك إسبانيا – كارلوس الثالث- يطلب منه إطلاق سراح الأساري المسلمين لما علم ماهم فيه من الشدة والعنف يقول في ذلك " ومن أعظم  هذا كله هي إغفالهم عن البحث في أساري المسلمين حتى يتبين لكم العالم والجاهل بجهله، فافعلوا مثل مانفعل نحن بأساراكم من الفرائلية لانكلفهم بخدمة ولانخفر لهم ذمة ولانحملهم ولا يطيقون ولانلزمهم مالا عليه يقدرون".
وبمجرد وصول هذا الكتاب إلى كارلوس أمر بإطلاق سراح الأساري وطلب الصلح والمودة، وكانت تدور المفاوضة بين الدولتين بواسطة السفير المشهور أحمد الغزال.
وفي سنة 1782 كتب ملك إسبانيا للسلطان محمد يطلب منه التوسط بينه وبين صاحب الجزائر وذلك في شأن تفادي الأسرى.
وفي سنة 1793 عقدت أيضا مع إسبانيا معاهدة صلح من شروطها عقد صلح مع ملك نابولي الذي هو ولد ملك إسبانيا، وقد ذكر ذلك السفير إبن عثمان في كتابه " الأكسير في فكاك الأسير".
وفي عهد السلطان مولاي محمد ظهرت دولة جديدة إلى عالم الوجود وهذه الدولة هي أمريكا، فبادر المغرب إلى الإعتراف بها لأول وهلة مما أدى إلى إنشاء علاقات ديبلوماسية مع كل من جفرسون وبنجامين، وفرانكلين، وجون أدوماس، هؤلاء الذين وقع معهم المغرب وثيقة الصداقة سنة 1787 وجددت سنة 1791 ثم سنة 1837.
وثمة عامل آخرمن الترابط المتين بينه وبين باقي الدول الأجنبية منه ما كان مع السويد والدانمارك والبرتغال، ونابولي، وانجلترا ودولة ىل عثمان السادة الغطاريف ففي سنة 1776 عقد الصلح مع السويد على ثلاثة وعشرين شرطا، ومع " كريستان السابع" ملك الدانمارك على عشرين شرطا ومع دولة البرتغال على إثنين وعشرين شرطا.
ومع إنجلترا ظلت الروابط موصولة دائما بين البلاطين منذ عهد البعوث التجارية والسياسية في عهد الملكة " إليزابيت" حتى أننا في هذا العهد نجد السلطان مولاي محمد يبني دارا بوادي مرتيل خصيصة لزوار الإنجليز، ومن ذلك السماح لهم بالوسق من موانئ المغرب مدة بدون أداء شيء من الضرائب.
ويمكن القول بأن الصداقة والترابط وقع بين المغرب وهذه الدول لم تبلغ الدرجة التي بلغتها دولة آل عثمان بدليل أن سلطان المغرب كان يدعو دائما يوم الجمعة لسلطان تركيا مصطفى الثالث ولأخيه بعده عبد الحميد، وكان بينهما تحالف متين حتى إن كل واحدة منهما تدافع عن الأخرى ولو أدى ذلك إلى الموت، والجدير بالذكر أن المغرب لم يحسن علاقته مع دولة روسيا نظرا لجانب الدولة التركية التي كانت علاقتها معها متوترة.
ولقد تبودلت بين البلاطين التركي والمغربي هدايا نفيسة، ورسل عظام إتصفوا بالعقل والذكاء، ومن أشهر هؤلاء الرسل الحاج الخياط عديل الفاسي الذي أرسله سلطان المغرب  إلى مصطفى العثماني بهدية وبرسالة يهنئه فيها بالملك.
وكذلك السفيران الطاهر بناني الرباطي والطاهر ابن عبد السلام السلاوي اللذان أرسلهما بهدية عظمى يقول فيها صاحب كتاب " الإتحاف" " وفيها خيل عتاق بسروج مثقلة بالذهب مرصعة بالجواهر والياقوت ونفيس الأحجار، وفيها أسياف محلاة مرصعة بالياقوت المختلف الألوان، وفيها حلي من عمل المغرب وبيود منسوجة بالذهب من عمل فاس".
يقول بعض المؤرخين لما توصل بهذه الهدية إبتهج السلطان إبتهاجا كبيرا بهذه العناية الكبرى، فرأى من اللازم عليه مكافأته بهدية تماثلها.
وفي سنة 1780 أرسل سلطان المغرب السفير عبد الكريم راغون التطواني للتعزية فيما أصاب الأسطول العثماني من دولة روسيا، وأصحبه بهدية نفيسة.
ثم وجه بعد هذه السفارة عبد الكريم العوني بهدية اخرى وبكتاب في شأن أهل  الجزائر كما أرسل بعد هذا كاتبه أبا القاسم الزياني سفيرا للإستانة بهدية عظيمة للسلطان عبد الحميد.
من هذا العرض الموجز يتضح لنا أن السلطان سيدي محمد بن عبد الله أعطى عناية كبيرة في توثيق عرى الصداقة بينه وبين جميع الدول الأجنبية وخصوصا منها الإسلامية، ولم يترك رحمه الله أي وسيلة إلا إستخدمها في هذا السبيل، ولاطريقا إلا سلكها حتى جعل من المغرب دولة قوية وراقية ومحترمة في نظر جميع الدول مما نرى أن ديبلوماسيته المجيدة كانت تسير في عهده على روح مسالمة تحررية، ولو أن جميع الملوك عملوا مثل ما عمله هذا السلطان لكان المغرب اليوم من أعظم دول العالم.
إلا أنه مع الأسف الشديد بعد موت هذا الملك توالت على المغرب أحدات مختلفة وهذه الأحداث لم تكن داخلية فحسب وإنما ساعد على تجسمها العامل الخارجي بصفة خطيرة، فلقد جاء القرن التاسع عشر كله هدفا للأطماع ومنافسات الدول الأوربية ، وخصوصا انجلترا وفرنسا واسبانيا وايطاليا و ألمانيا، هذه الدول التي أرادت أن تتدخل في شؤون البلاد بشكل أوسع من الناحية السياسية والإقتصادية وتتضرع لهذا التدخل بإسم التجارة أو الإصلاح أو إنشاء علاقات إلى غير ذلك من الأسباب التي كانت تفضي على التدخل العدائي في النهاية.
  وقد تربع على عرش المملكة المغربية خلال هذه القترة أربعة من الملوك هم:
سليمان بن محمد
عبد الرحمن بن هشام
 محمد بن عبد الرحمن
الحسن بن محمد
هؤلاء الملوك الذين عملوا كل ما في إستطاعتهم ليقفوا وقوف الأبطال في وجه كل خطر يهددهم وينشئوا علاقات ومعاهدات ترمي إبى إرجاع المغرب إلى مكانه الدولي، وإلى الحيلولة دون تسرب الدول الطامعة فيه كدولة فرنسا مثلا، هذه الدولة التي كانت أشدهم خطرا، وأكثرهم علاقة منذ أن أصبحت جارة المغرب من ناحية الجزائر، وأوفرهم حظا وتوفيقا.

 

 

 


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here