islamaumaroc

مستقبل الصحافة [تر. إ.الهواري]

  دعوة الحق

38 العدد

ماهو مستقبل الصحافة؟ إذا حاولنا الجواب عن هذا السؤال فإننا نحاول إيجاد لمختلف المشاكل التي ولدها تاريخ الصحيفة.
وإن أول عامل يدفعنا إلى الإعتقاد بمستقبل الصحافة هو تقدمها في مختلف جهات العلم: ففي إنجلترا 609 جريدة يومية، أمل السويد واللكسمبورغ والنرويج والبلجيك والدانمارك وسويسرا ففيها ما يربو على 300 كما أن الأعداد المطبوعة من هذه الجرائد قد تضاعفت منذ سنة 1951.
وفي أمريكا تقدم إستخراج العدد المطبوع في كل من أمريكا الشمالية والجنوبية والمكسيك بصفة خاصة...
أما في آسية وإفريقية وبخاصة الدول الناشئةبها فإن ظاهرة الميل للصحافة تبدو واضحة المعالم. ففي اليابان التي واكبت نفس التكور الصحافي في أمريكا الشمالية وأروبا الغربية وعلى الرغم من أنها أنقصت من عدد جرائدها اليومية من 186 سنة 1952 إلى 179 سنة 1957، فإن عدد النسخ المطبوعة بها قد إرتفع من 3 إلى 4.500.000 أما في الهند فالمطبوع من الجرائد قليل لكن عدد الجرائد في ازدياد كي يصل إلى أيدي السكان في مختلف الجهات فيمحو الأمية من جهة وينشر اللهجات المحلية التي طغت اللغة الإنجليزية عليها من جهة ثانية، ونفس ملاحظتنا على الهند تنطبق على الباكستان، أما أفغانستان والشرق الأوسط بأجمعه فإن التوسع الصحفي يرتبط فيها بالنهضة الوطنية لذلك فإن النسخ المطبوعة فيها تنمو باطرد ففي كل من العراق وإيران وسوريا ولبنان يطبع من 20 إلى 40 جريدة يومية.
    وينسحب ماقلناه على الشرق الأوسط على الدول الإفريقية، فالجرائد فيها تغزو حتى المناطق البعيدة الشديد التخلف: ففي ساحل الذهب تطبع 75000 نسخة يوميا و 9 جرائد أسبوعية وفي مدغشقر 27 أسبوعية و 7 يومية، إلا أن الملاحظ أن هذه الجرائد مكتوبة في الغالب باللهجات المحلية، فالجرائد اليومية في طانجنيقا مثلا والجرائد الأسبوعية في أوغندة تطبع بثلاث لهجات محلية متباينة، وفي إتحاد جنوب إفريقيا حوالي 23 جريدة ما بين أسبوعية ونصف شهرية أغلبها باللهجات المحلية والقليل منها بالإنجليزية
  وفي عالمنا الحديث تواصل الصحافة تقدمها في البلدان التي قطعت أشواطا في الحضارة، أما في الدول الناشئة النمو فهي تستعمل كأداة لمحاربة الجهل وإذكاء الروح الوطنية المتحررة. وإن الدور الذي تلعبه الصحافة في إفريقيا وآسيا اليوم ليذكرنا بدور الجرائد الحماس الوطني الذي قاد إلى تحقيق الوحدة الألمانية والوحدة الإيطالية.

 الراديو والتليفيزيون
لكننا في مجال التوسع الصحفي هذا نلاحظ ظاهرة محيرة لانجد لها تفسيرا مقنعا، هذه الظاهرة تجلى في بعض جزر المحيط الهادي إذ نجدها قد إستغنت تماما عن الجرائد دون أن تحس أية ضرورة ملحة تدعو إلى خلقها واكتف في هذا المضمار بإعطاء نشرة إخبارية غالبا ماتكون رسمية، كما نلاحظ أن الراديو والسينما فيها قد حلا محل الجريدة ففي جزر هبريد الجديدة  Nouvelles Hébrides
لاتوجد جريدة على الإطلاق بينما بها ثلاث دور للسينما، وفي جزر غينية الجديدة الأسترالية ثلاث نشرات إخبارية صغيرة وأربع سينمات، وهناك جزر في المحيط الهادي تشذ عن هذه الظاهرة لكنها قليلة.
أما قي أمريكا الشمالية فغزو الراديو والتليفزيون وزحزحتها للجريدة يظهر أكثر، إلا أن في إفريقيا وأسيا وإن كان للراديو بالغ في نشر الأخبار والدعاية فإن الحاجة إلى الصحافة بقيت ملحة وضرورية.
ومهما يكن من المشكلة الناجمة عن علاقات الصحف ببقية وسائل الدعاية والأخبار التي تزاحمها في العدد والنوع فإن علينا أن نميز بين طبيعة البحث عن الحقائق وبسطها عند كل منها: فشاشة السينما رغم التحسينات والتطورات المتتالية التي لحقتها فإنها لاتستطيع تعويض الجريدة، ونفس الحكم يجري على الرارديو وخاصة التليفزيون لأنه فضلا عن توفره على إمكانية الراديو فإنه يمتاز عليه بإعطاء الصورة..
هذه الصورة التي يمكن تحسينها في المستقبل القريب والألوان وتوسيع الشاشة وتجميع الأشعة.
فوجود الراديو والتليفزيون إذن ليس عاملا هداما لقيمة الصحف بل إنه كثيرا ما يدفعها إلى التنافس المثمر لأن الراديو والتلفزيون يخضعان للتسيير المباشر للحكومة.

الوكالات الوطنية
في السنوات الأخيرة بدا التفريق بين حرية الأخبار وحرية الصحافة، فالأولى تعنى بجمع الأنباء بينما تنحصر مهمة الثانية في توزيعها على الناس، ولقد كانت الحريتان مختلطتين في القديم ثم إنفصلتا فيما بعد.
وخطورة الأخبار تكمن في أن وكالة الأنباء إذا كانت غير أمينة أو ذات نفع خاص فإنها تشوه الرأي العام لتحقيق أغراضها الفردية كما كان الشأن في فرنسا قبل الحرب العالمية الثانية.. ولمحاربة هذا الخطر المحتمل في ترويج الأنباء المضللة إهتدى إلى إنشاء وكالات وطنية أو حكومية حيث الصالح العام فوق كل إعتبار، وقد تأسست أول وكالة وطنية إبان الحرب العالمية الأولى ثم أستؤنفت الجهود بين الحربين العظيمتين فانشئت لأول مرة وفي بلدان مختلفة وزارات الأنباء.
وليس تأسيس كل من الوكالة الوطنية ووزراة الأنباء إلا محاولة للدفاع عن الرأي العام وحمايته من التسمم، لكن الأخبار السيئة تتسرب أحيانا في شكل ماكر مموه وفي هذه الحالة لانعتمد على أمانة الصحفي وحدها.
وكلامنا هذا عن الصحفي وأمانته يسلمنا إلى السؤال التالي:إلى أي مدى يمكن للصحفي أن يحتفظ بحريته في الكتابة؟ لأن الصحفي غالبا ما ينزع إلى تمثيل دور البطولة فيما يكتب متحدثا عن مغامراته القاسية في إستيقاء الأنباء والمتاعب الكبرى التي عاناها ليفوز بأخبار بعينها قبل غيره.
ولعل هذه الهالة من الإفتعال المثير هي التي تسوق بعض الصحف إلى الإنحطاط بالكتابة إلى الأهواء الرخيصة والمشاعر المبتذلة إثارة للغرائز وكسبا للقراء من المراهقين الحالمين، ولئن سال سائل: كيف نحد من حرية الصحفي أو الصحيفة التي تعنى بالكتابة في مواضيع مثيرة إذا كانت هذه المواضيع هي السبب الأوحد في رواجها؟ فإن جوابنا إذ ذاك سينحصر ببساطة في القول بأن هذه الصحف تتنكر لدور الهام الذي هي مدعوة للقيام به في عالمنا المعاصر الذي أصبحت فيه الصحف حاجة ضرورية.
إلا أن بعض الدول الإحتكارية تعدت هذا الإعتراض الذي إرتأيناه ولم تكتف بترك الصحف لضمائر مسيريها بل جنحت إلى سن منهاج صارم موجه تنضوي تحته سائر الصحف، وهو المنهاج المتبع في روسيا، لكن هذا التخطيط الملتزم الموحد وإن إمتاز بالحد من متاجرة الصحف والمجلات فهل يعصمنا من خطر التوجيه الإحتكاري نفسه؟ إن دور الصحف في الدولة الإحتكارية ينتقل من السعي وراء المصالح الخاصة إلى الدفاع عن الحزب الواحد أو الحكومة المسيطرة فيصبح من المستحيل إنتقاد الحكومة أو الحزب الحاكم مع أن التنبيه على أخطاء الحكومات من أوجب واجبات الصحافة في الدول الديمقراطية.

القراء والصحف
فما هي الحلول الموفقة لمشاكل الصحافة إذن؟ قبل أن نجيب على هذا السؤال يجدر بنا أن نحددما ينتظره الإنسان المعاصر من الصحافة. هناك نوعان من الصحف: الصحف المهتمة: الصحف المهتمة بالراي والصحف اللاهية المسلية، وقد عرفت صحف الرأي وقتها الذهبي في القرن التاسع عشر في أوربا الغربية إلا أن عصريا الحديث حيث كثرت العناية بالراديو والتليفزيون قد ساعد على أبعاد القارئ الجاد، لأن القراءة الخصبة لاتسمع ولاترى في الجهازين المذكورين.
فإذا تخلينا عن الصحف وما ينتظره الإنسان المعاصر منها في توجيه وتثقيفه والتفتنا إلى القراء فإننا لن نعفيهم من مسؤولية تشجيعهم لإتجاه غير لائق في جريدة أو صحيفة معينة..إلا أننا نستطيع خلق قراء ممتازي الأذواق إدا اعتنينا بتربية الجيل، تلك التربية الضاربة الجذور التي لا تكفي الصحف و حدها لغرسها في جبلتهم.. فتربية الذوق والحس النقدي هما العاملان اللذان يقدران على قيادة القارىء نحو صحيفة أو مجلة ذات مستوى محترم ونافع.
وأخيرا، فإن ما قدمناه يكفي ليدفعنا الى الإحساس بأن مستقبل الصحافة يكمن في تعاون الصحف والمجلات مع وسائل النشر الأخرى وفي مساعدة القراء ذوي التربية القويمة والصحفيين الأمناء، لان الصحافة كسائر الإكتشافات الإنسانية الأخرى يمكن أن تتخد اداة للنفع أو الضرر، الا أنها بتاضافر القراء النيرين ورجال الصحافة المخلصين تسطيع ان تحتفظ بمكانتها الهامة في الدول الديمقراطية الحديثة.

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here