islamaumaroc

الربيع في الشعر العربي-3-

  دعوة الحق

38 العدد

تبين لنا في آخر المقال السابق أن الشعر العربي الذي قيل عن الربيع الذي قيل عن الربيع، من يوم نشوئه إلى وقتنا هذا، ينم في مجموعه عن مذهب فلسفي في الحياة، وهذا المذهب هو الذي يضفي عليه شخصية واضحة المعالم، وهو الذي، بالرغم من تباعد العصور واختلاف الشعراء، يخلق نوعا من التجاوب والتكامل بين الأشعار التي نظمت في الربيع، وإنك لتجد لتلك الفلسفة أثرا وراء معاني كل قطعة أو قصيدة وكأنه صدى يتردد أو نغم خافت يرجع.

فلسفة استمتاعية:
وتخبرنا هذه الفلسفة عما يحبه الشاعر في الربيع وعن أسباب تعلقه به، ولماذا يفرح لقدومه ويتحسر لفراقه، وما هي طريقته في تذوق جماله، وهل يحبه حبا أفلاطونيا أم بشريا. وكان من المأمول أن يكون لكل واحد من شعرائها مذهبه الخاص به في هذه المسائل حتى تتنوع الشخصيات ويتنوع معها الشعر، ولكن شعراءنا أخذوا كلهم بمذهب واحد، أو بالأحرى وجدوا أنفسهم مضطرين للأخذ به تحت عوامل قوية تفوق طاقتهم الفردية.
وقبل أن نلقي نظرة على تلك العوامل، يكون من الأفيد أن نطلع على محتوى تلك الفلسفة.
والواقع أننا لا نجدها موضحة في كتاب أو رسالة، ولم يجرؤ أي واحد من الكتاب والمفكرين الأقدمين أن يبسطها ويحللها، لأنها -كما سنرى- تتناقض مع مبادئ الإسلام من حيث كون هذه المبادئ تنبني على شيء من التقشف وكبح جماح النفس بينما هي تدعو إلى نوع من الاستهتار والإباحية، وإنما عبر عنها الشعراء لأن الشعراء يتبعهم الغاوون ولأنهم يستطيعون أن يضمنوا شعرهم من الأفكار الجريئة ما لم يكن يستطيع الكتاب الناثرون أن يعبروا عن جزء ضئيل منه.
فلنحاول-إذن- أن نستحضر عن طريق الشعر صورة مختصرة لتلك الفلسفة.
إنها تقدم لنا الإنسان وقد وضع لذته الحسية الشهوانية على رأس القيم التي يتعلق بها في حياته، فاللذة هي الجانب الأول الذي تترتب بالنسبة إليه جوانب الحياة الأخرى، ولذلك فهو لا يحب الطبيعة لذاتها أو لأسباب موضوعية خارجة عنه، وإنما لكون الطبيعة من إحدى لوازم لذته ومقوماتها، فهي المركز وهي الإطار لمجالس سروره ولهوه، فحبه ليس بحب إذا لم يداعبه النسيم ولم تناغه الطيور من فوق الأدواح، وسكره ليس بسكر إذا لم يجلس أمام روض تفتحت فيه أكمام الورد وسطع نور الأقحوان، وسروره ليس بسرور إذا لم تتجاوب أنغام الأوتار مع شدو الأطيار وميلان الأشجار، فالطبيعة هي- بالنسبة إليه- ذلك المناخ الدافئ المنعش الذي يطفح فيه السرور وتتضاعف كل لذة.
تلك صورة موجزة كل الإيجاز عن مذهب شعرائنا في الحياة عندما يتغنون بالطبيعة ويتجهون إليها، فتصويرهم لجمالها يقترن في الغالب مع وصف الملاذ والشهوات الحسية، وترى التجاوب بينهم وبين ما يحيط بهم من صور كونية مبنيا على إرضاء حاجاتهم في التنعم والاستمتاع. وهذا ما حدا بالمرحوم «أحمد أمين» إلى أن ينعت، في بعض مقالاته، الأدب العربي بأنه «أدب معدة»، وقد أقام بقوله هذا تائرة المرحوم «زكي مبارك»، ونشأت بين الكاتبين مناقشة طريفة في الموضوع.
ونحن لا يعنينا في شيء أن ندخل في هذا النقاش، وإنما الذي يهمنا هو أن نركز هذه الملاحظة، وهي وجود نزعة قوية في الشعر العربي تدعو إلى وصف الطبيعة لا لكونها طبيعة، ولكن لأنها جزء من ملذات الإنسان، وما هذه النزعة إلا صورة من صور الأنانية البشرية التي تريد أن تجعل الإنسان محورا لكل الكائنات وتقيس الأشياء بالنسبة إليه.
وهي- بالإضافة إلى ذلك- تعبر عن فلسفة مادية في جوهرها حيث إنها تقتضي، كما رأينا، نوعا من الاستسلام للشهوة الحسية وحيث إنها تفضل اللحظة العارضة المختلسة على الزمان وتسلسله وما يتولد عن هذا التسلسل من تطور وتفاعل بين الأحداث، عملا بقول الشاعر:
ما مضـى فـات والمـؤمل غيـب     ولـك الساعـة التـي أنـت فيـها
فهي فلسفة نظر أكثر منها فلسفة عمل، وهي فلسفة تنعم أكثر منها فلسفة كفاح، وهي فلسفة سكون أكثر منها فلسفة حركة.
وهذه الفلسفة هي أبعد ما تكون عن ما يسمى بفلسفة السعادة، لأن السعادة تدل على حالة روحية قارة عميقة تملأ ضمير الإنسان وتصاحبه في كل أعماله، سواء كانت شاقة أم مرحة، بينما اللذة هي حالة عارضة سطحية، قد يدركها المرء وسط الشجون والأتراح، كما أن الإقبال عليها قد يكون علامة على نوع من اليأس والتشاؤم في الحياة.
بقي علينا- الآن - أن نقدم بعض النماذج الشعرية التي قيلت عن الربيع وتدعم النظرية التي ذهبنا إليها، فهذا أبو الحسن الغويري، شاعر الصاحب ابن عباد لا يرى في قدوم الربيع إلا مناسبة يدعو فيها محبوبه لأخذ حظه من السرور:
أيـهـا الصـاحب الربيـع تجلى           في ريـاض تحار فيـها العقول
نرجـس ناضـر وأحـمـر ورد           وشـقيـق يزينــه التكحـيـل
وغصـون تـجر أذيـال نــور            في حواشـي جــداول وتميـل
للزرازيـر في خـلال الأزهـيـ          ـر صفـير وللحمـام هديــل
فأقـم رسـمنا صـبيحة نيــرو           ز به ربـع أنـسـنا مأهــول
بكـؤوس مـملوءة مـن مـدام            أنـت لـمـن حـسـاها عذول
ثم تأمل هذه الأبيات لابن خفاجة، التي تمتزج فيها الإشارات للجمال الإنساني مع صور عن جمال الطبيعة، فلا تدري أي الجمالين أعمق في النفس أثرا:
وإنـي، وإن جئت المشـيب، لمولع        بطـرة ظـل، فوق وجه غدير
فيا حبـذا ماء بمنعـرج اللــوى             وما اهتـز من أيك عليه مطير
ونفـحة ريـح، للربيـع، ذكيـة،             ولمحـة وجـه، للشباب، نضير
ونعسة طرف العين من سنة الكرى،     لرجع خرير، أو لشجـو هديـر
وقد لاح وجه الصبح، يندي، كأنه،       وراء قنـاع الليل، وجه بشـير
رأينا في القطعة الأولى كيف تقترن عند شعرائنا لذة الشراب مع التملي بمحاسن الطبيعة، ورأينا في الثانية كيف يلتقي الحب مع الطبيعة، وبقي علينا أن نرى لونا ثالثا يقف بين الاستمتاع الحسي واللذة الروحية، وهذا اللون هو الاجتماع بالإخوان في جو ملؤه الصفاء والمحبة، وأحسن من عبر عن هذه المشاعر هو -بدون شك- ابن زيدون شاعر الذكرى، فهو الذي يقول في قصيدة من إخوانياته بعث بها إلى صديقه أبي القاسم:
يا أبـا القاسـم الذي كان ردئـي               وظهيـري عـلى الزمـان وذخـري
يا أحـق الورى بمـمحوض إخـلا             صـي وأولاهـم بـغـاية شـكـري
طـرق الدهـر ساحتـي من تنائـي            ـك بجـهـم مـن الحـوادث نـكـر
ليت شعري والنفس تعلم أن ليـ              سَ بمجد على الفتى (ليت شعري)
هل لخالي زماننا من رجوع؟                م لماضي زماننا من رجوع؟
أين أيامنا وأين ليال                           كرياض لبسن أفواف زهر
وزمان كأنما دب فيه                         وسن أو هفا به فرط سكر
حين نغدو إلى جداول زرق                 يتغلغلن في حدائق خضر
نتعاطى الشمول مذهبة السر                 بال والجو في مطارف عفر 
في فتو توشحوا بالمعالي                     وتردوا بكل مجد وفخر
وضح تنجلي الغياهب منهم                  عن وجوه مثل المصابيح غر
كل خرق يكاد ينهل ظرفا                     أزان مرأى به بأكرم خبر
والحقيقة، فقد تفرد بمزية جعلته يسمو بشعره في الحب والطبيعة إلى مستوى عال يكاد يدرك سماء الوجدان الروحي، فهو في الغالب يصور لذته الحسية تصويرا عفيفا يكسوها حلة المثالية ويؤثر المعاني الرفيعة النبيلة، فانظر إليه – وقد هاجت ذكريات حبه أمام مناظر طبيعية رآها بمدينة الزهراء في هذه الأبيات التي تغلب عليها لهجة حزن صادقة:
إني ذكرتك بالزهراء مشتاقا                       والأفق طلق ومرأى الأرض قد راقا
وللنسيم اعتلال في أصائله                        كأنه رق لي فاعتل إشفاقا
والروض عن مائه الفضي مبتسم                 كما شققت اللباب أطواقا
يوم كأيام لذات لنا انصرمت                       بتنا لها حين نام الدهر سراقا
نلهو بما يستميل العين من زهر                   جال الندى فيه حتى مال أعناقا
كأن أعينه إذ عاينت أرقىب                       كت لما بي فجال الدمع رقراقا
ورد تألق في ضاحي منابته                        فازداد منه الضحى في العين إشراقا
سرى ينافحه نيلوفر عبق                           وسنان نبه منه الصبح أحداقا
كل يهيج لنا ذكرى تشوقنا                         إليك لم يعد عنها الصدر أن ضاقا

فلسفة تفرضها وضعية الشعراء في المجتمع:
يحق للباحث أن يتساءل عن أسباب غلبة هذه النزعة الاستمتاعية على شعرنا العربي في الطبيعة وعن مصدرها، مع أن المجتمع الإسلامي كانت تسري فيه تيارات روحية وصوفية قوية انعكست بعض آثارها على أبواب أخرى في الشعر وعلى جوانب أخرى من الحياة الثقافية والاجتماعية، وبعبارة أوضح، كيف أمكن لهذه الفلسفة المادية البحتة، المتنافية مع روح الإسلام، أن تنشأ وتنمو في أحضان المجتمع الإسلامي وأن يصبح لها تأثير عميق على الحياة العقلية والعاطفية في ذلك المجتمع؟
لاشك أن تلك الفلسفة صادرة عن واقع اجتماعي وأنها تعبر عن أحد الجوانب في حياة المجتمع، فهل معنى هذا أنها انعكاس تام وصادق لنفسية المجتمع العربي الإسلامي؟ وهل معناه أن حياة التنعم والالتذاذ كانت من المثل العليا بالنسبة لذلك المجتمع؟ إن التاريخ يفند مثل هذا الرأي تفنيدا باتا ويقدم لنا شهادات ناطقة تبين أن أسباب الألم والشقاء والبؤس كانت من الكثرة حتى أنها لتمنع معظم أفراد المجتمع من التفكير فيما يسمى بحياة الدعة والتنعم، مما دعا إلى ظهور تيارات فكرية قوية تدعو إلى الزهد أو التصوف، وهذا تاريخ الأندلس القريبة منا كله حوادث خطيرة وتقلبات ونكبات بالنسبة لعامة الناس، ومع ذلك، فإن شعر الأندلسيين يغفل عن أحوال المجتمع ومصائبه ولا يقدم لنا إلا صورا باسمة مشرقة لحياة كلها استمتاع وإخلاد إلى الدعة والرفاهية.
إذا كانت هذه الفلسفة لا تعبر عن روح المجتمع في عمقه وفي مجموعه فما هو الجانب أو المظهر الاجتماعي الذي تترجم عنه؟ إنها تصور جانب الترف والرفاهية في المجتمع، وبعابرة أخرى، إذ رجعنا إلى التقسيم التقليدي للمجتمع الذي يميز بين طبقتين، طبقة الأغنياء والموسرين وطبقة الفقراء والمعوزين، فإن الشعراء كانوا يصورون في قصائدهم حياة الطبقة الأولى طبقة المحظوظين، طبقة المترفين الذين ينفقون في كمالياتهم أضعاف ما ينفقون على ضرورياتهم، وما كان لشعرائنا أن يخرجوا عن ذلك النطاق لأنهم بحكم تبعيتهم لتلك الطبقة وارتباطهم بها مضطرون لاتباع ذوقها وإحساسها الفني ولإشباع رغبتها في إيجاد شعر يكون في آن واحد مرآة لحياتها الباذخة وتمجيدا لمجالس سرورها وملذاتها.
ومعنى هذا أن معظم شعرائنا كانوا- في الواقع- شعراء قصور وإن لم يسكنوا كلهم القصور، فهم بدل أن يصوروا الحياة الاجتماعية من جميع جوانبها، لم يهتموا إلا بالجانب المشرق الناعم المترف، وأهملوا الجانب المتجهم العبوس، جانب البؤس والحرمان، وهم بذلك إنما يجيبون، كما رأينا، إحدى رغبات الطبقة المترفة، وطبيعي أن يؤثر المترفون الشعر البشوش الذي فيه تسلية ومتعة على الشعر الذي يتعمق في حقائق الحياة وحلوها ومرها والذي يشف عن صور ناطقة للمجتمع بما فيه من جور ومآس ومهازل ومكر وغدر وخيانة، والشعراء الذين حاولوا، مثل المعري وغيره، أن يقولوا الحق ويصورا بكامل الصدق ما تقع عليه أعينهم لم يلاقوا من تلك الطبقة الارستقراطية إلا الجفاء والصدود وظلوا يعيشون على هامش عصرهم وربما صادف شعرهم الإهمال والنسيان.
ولذلك فقد حرص الشعراء وهم الذين يعيشون في ظل تلك الأرستوقراطية ويستفيدون من رفدها وجراياتها، على أن يكون شعرهم قبل كل شيء، محصلا على رضاها واستحسانها منسجما مع مشاغلها ولون عيشها، مزكيا ملاهيها وملذاتها. وتعجبني في هذا الباب فقرة للأستاذ المرحوم أحمد أمين في كتابه ضحى الإسلام(ج.1ص 125) يقول فيها، في معرض الكلام عن العصر العباسي الأول:
«كثر النعيم، وكثر العنصر الفارسي العريق في المدنية، الممعن في الترف، وكثر الجواري يجلبن من الأصقاع المختلفة، وكثر الجمال وسفر، إذ لم تكن عامة الإماء يطالبن بحجاب، فقويت النزعة إلى اللهو والخلاعة والمجون التي وصفنا، وشعر قوم من الشعراء بهذه النزعة من الناس أمثال بشار وصريع الغواني وأبي نواس، فقادوا زمامها وألهبوها وسهلوا السبيل إليها».
«إن سكر القوم وشعروا بالحاجة إلى أبيات من الشعر تروي عاطفتهم، وتزين لهم عملهم، وتحملهم على المضي في شربهم، رأوا في شعر هؤلاء إرواء لغلتهم، وإن تشببوا في فتاة أو غير فتاة، فشعر الشعراء كفيل أن يجدوا فيه بغيتهم في صريح من القول غير كناية ».
وكيف لا ينساق الشعراء مع تيار اللذة ونخبة القوم من خلفاء وملوك وأمراء ووجهاء ومفكرين يقدمون لهم الأمثلة الحية على هذا النوع من التفكير سواء في سلوكهم أو في شعرهم، إذا ما قدر لهم أن يقرضوا الشعر؟ فهؤلاء الشعراء يرون في الحياة جانبين: جانبا يعرفه الإنسان في الهم والتعب والكد وآخر ينال فيه بغيته من شهوات الدنيا ومغرياتها، وهو كالغاية بالنسبة لأول، ولننصت إلى الشاعر الملك المعتضد بن عباد يعبر عن هذا المعنى بأوضح تعبير فيقول:
قسمت زماني بين كد وراحة                فللرأي أسحار وللطيب آصال
فأمسي على اللذات واللهو عاكفا           وأضحي بساحة الرياسة أختال
وهذا أبو خالد هاشم بن عبد العزيز وزير محمد بن عبد الرحمان الأموي ملك الأندلس يريد أن يجمع بين صولة الرياسة ولذة الحياة المتنعمة:
أهوى معانقة المـلا                  ح وشرب أكواس الطلى
ويسرني حسن الريا                
 ض وقد توشت بالحلـى
وأذوب من طرب إذا                ما أصبح جـرد منصـلا
وأهيم في قود الجيـو                ش ونيل أسبـاب العـلا
وأهز مرتاحــا إذا                   سرت المواضي في الطلا
قل للذي يبغي مكـا                  ني هكــذا أو لا فــلا
وهذا المعتمد بن عباد يرى أن الحياة مهما طالت فهي مغنم وأن الهم لا مبرر لوجوده:
علـل فؤادك قـد ابـل عليـل                واغنـم حياتك فالبقاء قليـل
لو أن عمرك ألف عـام كامـل             ما كان حقا أن يقال طويـل
أكذا يقود بك الأسى نحو الردى           والعود عود والشمول شمول
لا يسبـك الهـم نفسـك عنـوة               والكأس سيف في يديك صقيل
بالعقل تزدحم الهموم على الحشا          فالعقل عندي أن تزول عقول
من شعراء المشرق نورد هذه الأبيات لعبد الله ابن المعتز، التي تعرب عن الفكرة نفسها:
ألا عللاني إنما العيـش تعليـل            وما لحياة بعدها ميتة طول
دعاني من الدنيا أنل من نعيمها           فإني عنها بعد ذلك مشغول
خذ لذة من ساعـة مستعـارة              فليس لتعويق الحوادث تمثيل
تلك أمثلة لشعر الأرستقراطية العربية تقدم لنا نمطا من تفكيرها وعقليتها ونظرتها إلى الحياة، وتبين لنا كيف أن تلك الأرستقراطية كانت هي التي تقود ركب عشاق اللذة وتلهب حولها هذا الجو الراقص المرح السادر في نعمائه.
فلا عجب- إذن- إذا رأينا شعرنا في الطبيعة، تحت تأثير عوامل اجتماعية قوية، ينحصر في نطاق ضيق بعض الشيء، نطاق التمتع والتنعم، ولا عجب إذا رأينا تلك النزعة الاستمتاعية تظل غلابة في شعرنا العربي إلى أوائل القرن العشرين، بالرغم من تباعد الأزمان وتصرف الأحداث وتعاقب الثورات والانقلابات، ظل كما هو منذ العصر العباسي، لم يدخل عليه تغيير إلا في بعض الجزئيات، ولذلك فإن التفكير الاجتماعي نفسه لم يتغير وإن النظرة إلى الحياة بقيت على حالها، مما جعل الشعراء يحافظون في أوائل هذا القرن على مفاهيم وتقاليد ترجع إلى أكثر من ألف سنة.
ولا عجب كذلك إذا رأينا بعض الآفاق الإنسانية تظل مغلقة على شعرائنا فيما نظموه عن الطبيعة، هذه الآفاق سنجد لها أصداء كثيرة في الشعر الأوربي الذي ترعرع في ظروف اجتماعية أكثر رحابة ومرونة وأوسع حرية، كما سنقف على صور منها في شعرنا العربي المعاصر.
         


(1) ملاحظة: تابع لما نشر في العددين الثاني والثالث من مجلة دعوة الحق- السنة الرابعة

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here