islamaumaroc

عندما تكون السينما أداة في يد الاستعمار

  دعوة الحق

38 العدد

لقد بدأ اكتشاف السينما في بداية الأمة كما يتم اللعب، وكانت التجارب الأولى مسلية، ولم ينتبه الرواد الأوائل الذين شغفوا بتحريك الصور إلى أنهم قد وضعوا بداية فن سيكون له تأثير كبير على الحياة الإنسانية وسيصبح في تطوراته من الضرورات الثقافية اليومية للشعوب.
وهكذا.. فاللعب السينمائي الأول أصبح اليوم صناعة ضخمة قائمة بذاتها، والسينما دخلت حاليا في المقومات التي تتكون منها الحضارة من أدب وعلوم وشعر وفلسفة واقتصاد وتاريخ وسياسة، بل إنها أصبحت بمثابة تلخيص مرئي لهذه المقومات، تتكثف فيها.
ففي السينما بحكم خصائصها الحديثة نجد الصناعة العلمية وفنون الأدب والموسقى والتصوير والزخرفة والديكور والضوء والصوت ونجد التاريخ والسياسة والاقتصاد.
وهي زيادة على هذا تشعبت إلى إتجاهات مختلفة، إسوة بغيرها من الفنون فهناك الاتجاه الكلاسيكي للسينما وهناك الحديث وهناك التقدمي وهناك الرجعي، كما أنها اندمجت في الثقافة الشعبية في الأقطار التي أولت لها اهتماما وطنيا خاصا كما هو الأمر مثلا في البلدان الاشتراكية.
إن السينما بدأت كامتداد للمسرح، لهذا سيطرت عليها العقلية المسرحية إلى حقبة طويلة من الزمن، لكن بفضل المجهودات الثورية لبعض السينمائيين استقلت تدريحيا بذاتها، وأصبحت توفر على أسس وقوانين خاصة، وبعد إن كان الحوار المسرحي هو الغالب عليها، أصبحت الحركة هي الركيزة الأولى لها.
إن السينما اليوم إجتازت مراحل التسلية البحثة وأصبحت أداة ثقافية من الطراز الرفيع لها إمكانيات هائلة للتثقيف الجماعي للجماهير. إن الفيلم الواحد في ساعة واحدة يمكن أن يعرض في جميع أنحاء العالم على ملايين من المتفرجين. لكن، هل تسير الصناعة السينمائية بإمكانياتها الضخمة حاليا في مجموع إنتاجها العالمي في الطريق الذي يجب أن تسير عليه؟
إن مشاهدة الأفلام أسبوع واحد في مدينة كالدار البيضاء مثلا، تشعر الإنسان أن الصناعة السينمائية- للأسف في بعض الأقطار المنتجة لها- بعيدة كل البعد عن رسالتها الحضارية، وإنها تستخدم في تلك الأقطار لأغراض غير شريفة،  لأغراض تشويه الواقع البشري وتزييف الحياة الإنسانية ونشر مفاهيم مخربة للقيم السلمية.
ونحن لن نتعرض هنا الآن للجانب الشريف للسينما، ولن نذكر سائر الإتجاهات غير الشريفة، وإنما سنتناول إتجاها واحدا، هو بحق أخطر الإتجاهات غير النظيفة في الوقت الراهن ونعنى به الإتجاه الإستعماري.
من المعلوم أن الإستعمار، عندما  يرد السيطرة على قطر، يستخدم- بغض النظر عن قواه العسكرية- رأسمالية لضرب إقتصاديات هذا القطر، وخبراءه لتخطيط سياسة إستغلالية مناسبة لمصالحه، إنه لايريد أن تظل في القطر الطامع فيه اية مظاهر للقومية، وبالتالي فإن مخططاته تشمل أيضا تشويه الثقافة الوطنية له، وتزييف تاريخه وتمييع عاداته الوطنية والشعبية التقليدية التي تشكل الأساس الأخلاقي للسكان.
ولقد اضيف إلى تلك السلحة الإيدلوجية، الفن السينمائي، لأنه يستطيع في آن واحد وبمجهودات أقل، التبشير بدعاية معينة في رقعة واسعة من العالم.
السينما الإستعمارية هي الآن سلاح مهم في أيدي أعداء الشعوب، وتتركز بؤرتها في أضخم عاصمة سينمائية، وهي هوليود.
والإنسان لايرمي هذه التهم جزافا، كما أنه لاينكر على هوليود تاريخها المجيد في تطوير وتحسين الصناعة السينمائية، ولاينسى إنتاجها السابق الذي بهر العالم، لكن هوليود الآن فقدت – للأسف- تقاليدها الإنسانية الجدية، بعد أن فرض رجال المال سيطرتهم على أرباب الفن، وبعد أن طمعت فيها رؤوس الأموال الضخمة والإمتيازات الكبيرة ولاسيما الصهيونية، لتخضعها لأهوائها وتجعلها مركزا دعائيا لمصالحها، وهكذا.. تصبح هوليود المرحة المشرقة، ممن الدوائر الرسمية المعقدة التي عليها أن تخدم سياسة الإمتيازات التي توجه الدولة والراغبة في تحقيق توسع إستعماري جديد بعيد المدى في العالم.
  فمن هوليود تظهر إلى الدول الفتية والشعوب، أفلام تنفث دعاية معادية للكفاح التحرري والإزدهار الوطني والسلام والتعايش الأخوي،والشعوب العربية والإفريقية على الخصوص يخصص من أجلها إنتاج معين لمحاربة طموحها في إتمام استقلالها.
  إن الأوساط الصهيونية في أمريكا قبل احتلالها لهوليود وإخضاعها بصورة نهائية، مهدت لذلك بحملة تطهير تناولت جميع العناصر المؤمنة برسالة الفن وإنسانيته، فدبرت للفنانين الأحرار محاكمات بتهم مختلفة، وتزعم الحملة ( مكارثي) رئيس مكتب الإستخبارات، إلى أن تم تجريد هوليود الجميلة من طابعها الديموقراطي في الفن، وطرد منها جملة المطرودين الفنان الإنساني الفذ شارلي شابلن، لإصراره على إتباع أسلوبه التقدمي الهادف في الفن السينمائي.
وإن كانت قد بقيت هناك الآن رواسب قليلة للإنتاج الإنساني فقد قيد إلى أبعد حدود التقييد وأبعد تماما عم معالجة جذور القضايا البشرية والمآسي الاجتماعية.
ولاشك أن الأوساط ( المائعة) في أقطار استعمارية أخرى، تلجأ بدورها إلى إنتاج أفلام ذات أهداف غير شريفة، لكن الأمر في هوليود يختلف، لأنها زعيمة الصناعة السينمائية في العالم الرأسمالي، ولأنها لا تتوفر على إمكانيات هائلة، ولايمكن التحدث عن تفاصيل وجزئيات الأساليب التي تمارسها أفلامها للتبشير بدعايتها، إنما يمكن القول أن الحملة السينمائية الاستعمارية أصبحت منظمة بدقة متناهية ويشرف عليها خبراء مختصون في سائر الفروع النفسية والاجتماعية والتاريخية، وسنعرض فيما يلي ملخصا لهذا التنظيم، ونصنف الأفلام الاستعمارية حسب المشاكل التي تتناولها والمواضيع التي تعالجها:

1) ضد الحركات التحررية للشعوب: غاية الأفلام التي تتعرض إلى الحركات التحررية للشعوب هو تشويه طموحها الوطني ولاسيما الحركات المنتشرة الآن في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وبلدان آسيا التي لم تتحرر بعد.
  إن أكثر الأفلام التي تعرضت إلى الثورات الإفريقية، صورت الثوار الوطنيين على أنهم مجموعة لصوص حفاة، متوحشون هدفهم السرقة وسفك الدم،مع التجاهل الكامل للاستغلال الاستعماري المسلط عليهم، والنماذج الإستعمارية تزعم أنها عناصر متمدنة سامية راقية متفوقة، كما يتم إنتاج أفلام توحي للأفارقة بأنه لاغنى لهم عن مساعدة ( الأبيض) الذكي لهم، إن هوليود تخرج في الكونغو الآن وبناحية كاطانكا، فيلما للتشهير بالحكومة الشرعية والدعاية للخونة الإنفصاليين ومناورات هيئة الأمم، وكان قد أنتج فيلم عن كوبا صور وطنييها كلصوص أفاقيين هدفهم العنف الوحشي المجرد، واعتداء على النساء، أما إرهاب ( باتيستا) فلا يذكر بطبيعة الحال ( ويضرب عليه بسكتة).
2) التبشير بالغزو الصليبي: لقد خصص نوع من الأفلام هدفه إقناع المواطنين الأوروبيين والأمريكين البسطاء، بأنه من حقهم كمتمدنين.. تعمير الكرة الأرضية والحلول محل شعوب الأقطار المحتلة، لأن هذه الشعوب بتخلفها لاتستحق الحياة ويجب أن تفسح المجال للشعوب المتمدنة المتفوقة... كذا... وفي هذا الإطار يلعب الصهيونيون دورا كبيرا في تحضير أفلام تبرر الإحتلال الصهيوني لفلسطين وتشريد شعبها.
وقد تم فعلا إنتاج العديد منها عرضت في العواصم الأروبية والمدن الأمريكية، وإضافة إلى ذلك، فهناك إلحاح متعمد لغمر الأسواق السينمائية بأفلام من نوع الهجرة إلى أرض الميعاد التي هيأها القدر للجماعات النشيطة وأفلام الهنود الحمر على الخصوص تلعب دورا إقناعيا لدعم هذه الفكرة حيث يتم تلقين المتفرجين بأن نشر الحضارة الحديثة في القرة الأمريكية كان يقتضي  تقتيل سكانها الأصليين، وأبناءهم عن آخرهم، ودفاع هؤلاء السكان عن أرضهم يصور وكأنه إعتداء على المدينة والمتمدنين ومتى إقتنع المتفرج الأجنبي البسيط بالضرورة التي إقتضت إفناء الهنود الحمر، فإنه سيقتنع بالتالي بضرورة تشرد لاجئي فلسطين والغزوات الصليبية الجديدة في الجزائر وأنجولا وجنوب إفريقيا.

3) تزييف التاريخ القومي للشعوب: إن إنتاج الأفلام التاريخية أصبح يوازي من حيث العدد أفلام رعاة البقر، مع أنها أفلام لاعلاقة لها بالحقائق العلمية الدقيقة للتاريخ وإنما تحتوي على مظهر تاريخي ومضمون خرافي خيالي، يجعل التاريخ تاريخ أشخاص وسلالات واسر حاكمة ويربط الحوادث التاريخية وأهواء محظيات القصور وخليلات الحكام، أما الجماهير فتظهر كمجموعات خلفية ( كومبارس) تبدو بأشكال غبية مزرية.
وإن أخطر هذه الأفلام بالنسبة إلينا ما يتعرض على الخصوص لتاريخ العرب والحضارات الشرقية مثال ذلك، فيلم تعرض لحياة صلاح الدين الأيوبي، فجرد هذه الشخصية المجيدة، من سائر الصفات البطولية التاريخية، وأظهرها ( كبدوي) يصرخ مثل ( طرزان) ويركب الحصان ويخطف النساء ( كراعي البقر) ويغازل بوقاحة، ويحب الأميرة الشقراء الأجنبية التي هي أجمل، ومفضلة على بنات العرب، وفيلم آخر عن تاريخ مصر القديمة ينسب بناء وتصميم الأهرامات بكل نذالة إلى مهندس إنجليزي قيل إنه كان بين الأسرى، وفيلم آخر عن موسى صور العبريين كأصل للمدينة في الشرق ومعلمي العرب ورواد النشاط الحضاري القديم في فلسطين.
وفي بلد عربي يتم حاليا تحضير فيلم بريطاني عن حياة الجاسوس البريطاني المشهو لورنس) ولاندري إن كانت ستنسب إليه الثورة العربية الكبرى التي قام بها العرب ضد الحكم العثماني.
إن مثل هذه الأفلام تهدف إلى تجريد الشعوب الشرقية من أمجادها التاريخية ومفاخرها التقليدية وتحطيم ثقتها بكفاحها التاريخي ودورها الحضاري القديم، والإيحاء لها بأنها شعوب ( لقيطة) كانت منذ الأزل على هامش الأحداث العظمى.. أما المستعمرون فهم في زعم هذه الأفلام رسل المدنية منذ الأزل.

4) الدعوة للحروب والتشهير بالسلم: إن أفلام الحروب لم تعد تحصى، وهي تملأ السوق السينمائي بوفرة، فهل تعالج موضوع الحروب التي أفنت الملايين، من زاوية إنسانية، كعمل إجرامي يستهدف القضاء على أمن ومستقبل العالم؟ أبدا....
  بل تعالجه كضرورة حتمية لتقدم وازدهار البشرية، وتتبع هذه الأفلام أسلوبا رخيصا في إقناع الشبان على الخصوص بجمال و ( روعة) المغامرات الحربية، بربطها بشكل مباشر بالمغامرات النسائية التي سيصادفها الجندي في مختلف الأقطار التي سيرسل للقتال غير المشروع فيها.
 إن إنتاج أفلام كهذه يتشابك وأهداف تجار الحروب الذين يردون جر العالم إلى مجزرة عالمية جديدة، وأخطر من هذا تبرير التجارب الذرية وتصوير الجريمة التاتريخية التي تمت في هيروشيما وناغازاكي حيث إحترقت مئات الألوف في لحظات، على أنها عمل وطني دفاعي أنقذ العالم.
وفي الوقت الذي تتعاظم فيه حركة العوب للمطالبة بالسلم والكف عن التجارب الذرية، تنتشر هذه الأفلام لتخريب هذه الحركة وتعطيلها.

5) الدعاية للحكومة الفاشيستية: هذا النوع من الأفلام له أسلوب خبيث جدا، في التبشير بالأفكار الفاشستية، فقد تعرض مثلا مشاكل الجماهير المضظهدة المحرومة من الديموقراطية، تعرض بواقعية وصدق، لكن ياله من صدق كاذب... عندما ينتهي إلى حلول مغرضة، إن حلول الثورية للمشاكل الوطنية تشخص ببطل متفوق ( سوبرمان) يقلب الأوضاع بعبقريته الخاصة وقوته الخارقة، أما دور الجماهير ودور العمل الديموقراطي الجماعي فيلغي تماما، إن الذي يستفيد من ذلك هم بلاريب الطغاة الذين يحكمون شعوبهم بالحديد والنار. إن الفكرة التي تبشر بها هذه الأفلام هي تعزيز القدرات الفردية للحكام  وتقديسها وأبعاد الشعوب عن التفكير أو اللجوء إلى إمكانياتها الجماعية عندما تحاول تغيير الأوضاع الفاسدة، إن القائد دون جوان خفبف الحركة، هو المؤهل في زعم هذه الأفلام تعمد إلى تشويه رخيص لكل نشاط ثوري جماهيري ووضع حركات المقاومة في مقام العصابات التي يأكل الحقد قلبها.

6)تجريد المعاملات الشخصية من إنسانيتها: هناك أفلام الإثارات التي تتعاظم بشكل خطير، وفيها نرى أن سلاح المرأة الرئيسي هو أنوثتها السطحية، وسلاح الرجل هو قواه العضلية العمياء وإمكانيات الفتك وسحق الآخرين، فتلغى من المعاملات اليومية للفيلم المشاهد أية وسيلة للتفاهم الإنساني بين الأشخاص، وإذا ذكرت فإنها تذكر كملحق ثانوي، وعلى هذا الأساس يجب أن نقتنع بأن الأفاق المجرم كائن محترم، والمرأة الحيوان كائن عصري. إن الذي يتضرر من هذه الأفلام بالدرجة الأولى هي الشعوب الفتية التي مازالت طباع أفرادها الإجتماعية مرتبكة وغير مستقرة نتيجة للعزلة الحضارية التي فرضها عليهم الإستعمار والتأخر الناتج عنه، بحيث يتم إقناعهم بالإحتفاظ بأخلاق التأخر وفهم المدنية على أنها مجموعة مظاهر قشرية تحيط بهذه الأخلاق.
لأننا نشاهد في هذه الأفلام، القتل والهمجية والغدر واللؤم، في السيارات العصرية وناطحات السحاب وإنفاق المترو والطائرات والصواريخ، فياله من تناقض صارخ.
ولعل الغرض الحيوي من هذه الأفلام، هو تربية نماذج بشرية مثل تشومبي وموبوتو في الكونغو التي قتلت الرئيس لومومبا وذبحت المواطنين المخلصين وهي ترتدي ملابس القرن العشرين، ومثل المرتزقة والعصابات الفرنسية التي تخوض غمار مجزرة الجزائر ضد شعبها الآمن، إن الإستعمار في سبيل أغراضه يزيف ليس أخلاق الشعوب الفتية فحسب ولكن أخلاق مواطنيه أيضا.

7)تحطيم الثقة بالأخلاق القومية: لكل شعب عادات قومية مرتبطة بتاريخه وكيانه الأخلاقي، وهي لاعلاقة لها بعادات التأخر والجهل، هذه العادات القومية تدفعه للدفاع عن كرامته وتراثه وأرضه وأمجاده، إن بقاءها وتطويرها ضمان لتمتين الروابط الشعورية بين المواطن وبلاده وشعبه، أما إنهيارها فمن شأنه أن ميع مواقف الإنسان الوطنية ويسمها باللامبالاة ومن ثم بالخيانة.
لذلك فهنالك صنف من الأفلام السينمائية غرضها توجيه الأفراد إلى إحتقار عاداتهم القومية وهجرها، فهي تهزأ منها وتضعفها في قالب هزلي يثير الضحك، وتعرضها على المتفرجين كما لو كانت عادات رجعية وذلك بخلطها خلطا متعمدا بأخلاق الجهل.
وهناك أفلام تتم هذه، حيث تصور لنا الجواسيس والخونة الذين يتآمرون مع الأجنبي ضد شعوبهم على أنهم أبطال يخلدهم التاريخ وتجسد لهم النساء الشقراوات، بل كثيرا مانرى بدهشة واشمئزاز بالغ كيف يوصف الخائن الذي يتنكر لكفاح وطنه من أجل إرضاء جاسوسة أجنبية، بالرجولة والذكاء.
  هذه الحلقات من الأفلام من جهة تهيء الفرد نفسيا للدروس على تقاليده القومية واحتقار بلاده، ومن ثم ترسم له طريق الخيانة محفوفا بأقواس النصر. ,اذكر من هذه الأفلام واحدا، تعرض لتقاليد الشعب الياباني الأصيلة ومسخها وهزأ منها بصورة فظيعة، بينما من جانب آخر كان هناك تمجيد واضح للتقاليد الأميركية التي يراد لها أن تحل محل التقاليد الوطنية لليابان.

8) تمجيد الإمبراطوريات والسياسة التوسعية: للأفلام التاريخية أيضا إتجاه آخر لتزييف التاريخ، هو الذي نراه يهتم بتمجيد الإمبراطوريات الرومانية القديمة بعظمتها العسكرية (وفخامة) سيادتها على العالم وترفع قوادها العسكريين، إن الهدف من هذه الأفلام تجديد الإحترام للإمبراطوريات الإستعمارية بعد أن حتم التاريخ في عصرنا هذا زوالها وانقراضها، وحكم عليها بصفة نهائية، ولأن الإستعمار يعتقد أن ما فرض التاريخ زواله يمكن للسينما أن تعيد هيبته. والآن يسعى الإستعمار فعلا لفرض أشكال جديدة للتوسع الإمبراطوري، إن عهدنا عهد دول متحررة مستقلة تتعايش فيما بينها تعايشا أخويا سليما، ولم يعد هناك من مكان لإمبراطورية خرافية عسكرية أو سياسية تحكم العالم.
  إن ما ذكرناه، من هذه النماذج السينمائية، تتبلور الآن في إتجاه سينمائي إستعماري يأخذ في النمو والإنتشار، والأفلام التي تتعاطى هذه الدعايات تزينها بهالة من الجماليات والمثيرات الشكلية والتقنية ( إثارة الإخراج- ألوانا طبيعية جذابة- فخامة العرض- سينما سكو ب) وبمهارة خبيثة في إخضاع المواضيع إلى أساليب نفسية وحيل فكرية  تراود المتفرج البسيط منطقه وتتغلب عليه وتهزمه، بحيث يتقبل الفيلم الذي ينقع سما، بحماس نفسي وتخدير ذهني واقتناع تلقائي، لاسيما إذا رفقت هذه المؤثرات بمظاهر الإثارة الجنسية النسائية، فيجب المتفرج العلاقة  الصريحة بين بطل الفيلم الرجل، وبطلة الفيلم الأنثى، ومن خلال ذلك يحب الدعاية التي توصى بها، لقد انتبهت إلى أخطار السينما الإستعمارية عدة جماعات متحررة في الحق السينمائي، فهبت تحارب سمومها بإنتاج أفلام تحترم الصدق والواقع والشرف، لكن رؤوس الأموال التي سيطرت على هوليود قررت – كما يظهر- القضاء على أية نزعة سينمائية إنسانية في أي قطر يمكن أن تسلسل إليه، وإخضاع الصناعة السينمائية في العالم إلى إرادة وتوجيه هوليود والامتيازات المالية المتحكمة فيها، وإن البحث عن الربح الفاحش لمن جملة أغراض هذا التوسع.
إن شركات السينما الضخمة في هوليود تفتح لنفسها فروعا في العواصم الدولية وتتدخل لتشارك الشركات الوطنية الناشئة في القطار الرأسمالية ومن ثم تمتعها بضخامة رأسمالها، والسينما العربية نفسها مهددة بمثل هذه الأخطار.
إننا نرى الآن أفلاما إيطالية أو يابانية أو فرنسية أو المانية من حيث المظهر لكن باتجاه فرضته عليها هوليود وشركاتها، وهكذا فكما يسعى الاقتصاد الاستعماري في أمريكا للسيطرة على اقتصاديات الشعوب، يسعى الفيلم الأمريكي في هوليود كذلك إلى السيطرة على الصناعة السينمائية الوطنية للبلدان.
إن محاربة إتجاه كهذا في الدول التي تتوفر على صناعة سينمائية، يجب أن تتم في إطار السياسة الوطنية للتحرر من التبعية الأجنبية وسيطرة رؤوس الأموال الأجنبية التي لها الآن جانب سينمائي، ثم تعاظم حركة تقد سينمائي يفضح باستمرار هذا الاتجاه الاستعماري، ويحمي الوطنية منه وينبه المواطنين إلى إخطاره.
 أما في الدول الفتية التي لاتتوفر على نهضة سينمائية وإنما تعتبر كسوق مستهلك للأفلام الأجنبية، فيجب تكوين رقابة صارمة واعية على الأفلام وتشجيع نهضة متينة في النقد السينمائي، وإدراج محاربة الأفلام المسمومة في إطار حماية الثقافة الوطنية من التأثرات الاستعمارية.
إن جهاز رقابيا متينا لن يقل أهمية عن الدفاع العسكري، لأن التهجم الاستعماري المتمثل في السينما أصبح في خطورته بمستوى الاعتداءات الثانية، لاسيما وأنه يدخل البلدان بحرية تامة وتحت ستار الفن ويجني أرباحا فاحشة بالإضافة إلى ذلك يخسرها المواطنون لتذهب إلى جيوب أعدائهم.
لقد نص المؤتمر الثالث للشعوب الإفريقية في القاهرة على ضرورة حماية الثقافة الإفريقية القومية من التزييف الاستعماري، ولعل محاربة منظمة للسينما الاستعمارية لتأتي في طليعة الإجراءات الواجب اتخاذها في هذا الصدد، طالما أن الكفاح الإفريقي والتقاليد الإفريقية وتاريخ إفريقيا أصبحت مرمى دائما لهذه السينما التي يتزايد خطرها يوما عن يوم.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here