islamaumaroc

حضارة الأدارسة

  دعوة الحق

38 العدد

أهمية أعمال الدولة:
من البديهي أن يكون لدولة الأدارسة جوانب حسنة، كما أن لها جوانب من الضعف، وقد برهن الأدارسة على شيء غير قليل من الحنكة في استغلال الفرص وخطب ود الفاطميين والأمويين تارة أخرى إذ لم يكن بنفعهم أمام ضغط القوات التي تصارعهم، في الداخل والخارج، إلا أن يسلكوا سياسة المرونة، وكان في دخول الأدارسة إلى المغرب، انتصار لعربية لا يستهان بهن لوم يعرف عنهم تعصب جنسي كما أن سيرتهم في سياسة الملك على العموم، كانت طيبة يسودها اللين والتأثر- إلى حد كبير- بتعاليم الإسلام، وما من شك في أنهم عملوا على نشر الدين الحنيف في ربوع الصحراء، ذلك لان صنهاجة الجنوب لم يعتنقوا الإسلام إلا منذ القرن الثالث، وهو الجنوب لم يعتنقوا الإسلام إلا منذ القرن الثالث، وهو القرن الذي نشط فيه الأدارسة للعمل الإسلامي، وخاصة في النصف الأول منه.
وقام الأدارسة إلى ذلكن بمجهود مشكور في ميدان العمران، بتأسيس عدة مدن، لاسيما فاس التي قدر لها أن تعلب فيما بعدن أعظم دور في تاريخ المغرب السياسي والفكري، وبدأت فاس تستمد حضارتها في عهد الأدارسة من القيروان وقرطبة، لتصير بعد ذاك، مركز إشعاع حضاري في المغرب العربي.

نظام الحكم والإدارة:
من العسير أن يتوصل الباحث غالى معلومات وافية عن نظام الحكم والإدارة في عهد الأدارسة غير انه يمكن أن يستنتج، اعتمادا على المصادر القليلة جدا في هذا الباب، أن الوزراء لم يكونوا في عهد الأدارسة متعددين، بعكس النظام الذي كان موجودا لدى الأمويين في الأندلس، حيث وزعوا مهام الدولة على بضعة وزراء.
وقد استعان الأدارسة بالبربر والعرب على السواء في تسير شؤون الدولة، بيد أن ولاة الأقاليم أصبحوا يعينون من أمراء العائلة المالكة، منذ اعتلى محمد بن إدريس منصة الحكم، وبناء على رواية البكري فان مناطق النفوذ الإدريسي أصبحت موزعة في عهد هذا الأمير كما يلي:
1-صنهاجة ومغمارة لعمر.
2-هوارة في ناحية وهران لداود.
3-البصرة وطنجة وما حولهما لقاسم.
4-ناحية بني ملال ليحيى.
5-ازكورة وسلا لغيسى.
6-وليلي وناحيتهما لحمزة.
7-لمطة(قرب كولمين) لعبد اله.
بينما احتفظ محمد بفاس والتسيير المركزي، وعند قدوم العرب أيام إدريس الثاني، عين منهم عددا كبيرا من الموظفين المركزيين والإقليميين من قضاة وجباة وغيرهم، بل عين منهم وزيره وهو عمير بن مصعب الازدي، كما استقضى بفاس عبد الله بن مالك الخزرجي. وقد اعتبر طيراس حكومة إدريس الثاني نواة لنظام المخزن، وكان من محاسن هذا النظام اللامركزي أن اهتم كثير من الأمراء الإقليميين بالعمارة في أقاليمهم، إلى الدعاية لصالح الإسلام.
وكانت مداخيل الدولة من الزكوات والأعشار، ولم يثقل كاهل السكان بضرائب إضافية.
أما فيما يرجع إلى النقود، فقد ضربت دراهم باسم إدريس الثاني سنة 181 و 183، والظاهر أن التعامل بالنقود المحلية، كان يجري إلى جانبه، التعامل بنقود الخلافة العباسية وغيرها، فقد عثر في وليلي على نقود لاسم قيس بن يوسف ضربت عام نيف ومائة وثمانين- بل إن النقود قد بدأ في عهد إدريس الأول بتدغة سنة 174 ونقش في احد وجيهها:(لا ألاه إلا اله- لا شريك له- باسم الله- ضرب هذا الدرهم بتدغة سنة 174) وفي الوجه الثاني صورة هلال، ثم: (محمد رسول الله(وتحته) مما أمر به إدريس بن عبد الله- جاء الحق وزهق الباطل، أن الباطل كان زهوقا).
وقال المرحوم عبد الرحمن بن زيدان انه(رأى هذه السكة، ووزنها غرماتو 69 جزءا من الغارم).
وقد كان المعتاد في الدولة الإسلامية أن يضرب بعض الأمراء والقادة المحليون نقودا باسمهم إلى جانب نقود الدولة، فقد تأكد أن خالد بن الوليد ضرب نقودا في طبرية أيام عمر بن الخطاب ولم يشذ المغرب عن هذه الطريقة، حيث أن داود بن إدريس ضرب باسمه نقودا بينما كان تابعا لأخيه محمد.

الجيش:
كان يجمع في البادية، بين عناصر مختلفة من البربر المتطوعة المنتمين إلى غياثة ومغلية وبني يفرن وسدراتة وأوربة وزواغة، ثم أصبح في عهد إدريس الثاني منظما حيث انضم إليه 500 فارس من العرب الواردين من الأندلس وافريقية، ومن العلوم أن إدريس الثاني كان قد تلقى تدريبا عسكريا طويلا على يد راشد قبل أن يصبح ملكا، إلا أن جيش الأدارسة كان في الغالب قليل العدد.

لغة الإدارة:
كانت بدون شك، اللغة العربية، لدليل نقوش السكة وخطبة إدريس الثاني عند التنصيب، والملاحظ أن المناطق التي استقر فيها الأدارسة، انتشرت فيها اللغة العربية انتشارا واسعان وما زلنا نلاحظ هذا الأثر العميق في الريف والسوس، وهما من مناطق البربر الأصلية، وحتى احتكاك البربر بالأميين الذين وضعوا المغرب تحت نفوذهم أزيد من ربع قرن، كان له أثره في نشر العربية بين السكان.

مذهب الدولة:
دخل الإسلام إلى المغرب في القرن الأول مبنيا على تعاليم الكتاب والسنة، حتى إذا كان مطلع القرن الثاني وبدأ الخوارج يتسربون إلى المغرب في صفوف الجيش الإسلامي، وجدوا المغرب ميدانا خصبا لنشر مذاهبم، خصوا والولاة الأمويون لم يعدوا يطبقون تعاليم الكتاب والسنة تطبيقا حقيقيا، ولما جاء الأدارسة، وجدوا الخوارج في سجلماسة وغيرها، كما وجدوا البرغواطيين في تامسنا، وقد دخل المذهب الحنفي إلى المغرب عندما جاءت جيوش العباسين إلى شمالي افريقية ولكن هذا المذهب لم يكتب له الانتشار، لان الدولة لم تتبنه، والظاهر أن مؤسسي الدولة الإدريسية لم يأخذوا المسلمين بمذهب مالكن خاصة وان مذهب مالك، لم يصبح مذهبا حقيقيا إلا بعد أن انتشر تلاميذه في بقاع المملكة الإسلامية وصاروا يتبسطون في كتابه وأقواله بالشرح والتدقيق، ولا يمكن أن تقول على أي حال بان مذهب مالك انتشر في المغرب بفضل الأدارسة، فأصحاب الفضل بحق، هم المرابطون الذين عملوا على إقرار المذهب في المغرب كله، ومهما يكن من شيء، فان عهد الأدارسة قد عرف مذاهب متعددة: الخارجية، الشيعية، المالكية، حسب الظروف المكانية والزمانية التي اكتنفت حياة هذه الدولة.
وعلى كل حال، فان الأدارسة كانوا إميل إلى المذهب الشيعي منهم إلى غيرهن حتى أنهم كانوا ينتهزون أول فرصة تسنح لهمن ليلغوا الخطبة لاسم الأمويين، ويقروها باسم العبديين ولا أظن أن هذا شيء يدعو إلى الاستغراب، فكل من الأدارسة والفاطميين يشتركون في شرف النسب، إذا سلمنا بان الفاطميين من سلالة النبي، ثم أن الفاطميين يقرون عصمة الإمام كشيء واجب، وهذا مما يفيد الأدارسة معنويا في أوساط البربر، ولو أنهم لم يتعصبوا للشيعة تعصب الفاطميين أنفسهم، هذا إلى جانب اعتبارات سياسية جعلت الأدارسة يميلون إليهم.
ومن المؤكد أن مذهب مالك قد دخل أيضا في عهد الأدارسة بفضل الأندلسيين والمغاربة أما في الأندلس نفسها، فقد ادخله زياد بن عبد الرحمن الملقب بشبطون، ثم تلميذه يحيى بن يحيى ألليثي الذي درس بدوره على مالك، وهو بربري من طنجة قوي نفوذه لدى بني أمية في الأندلس أواخر القرن الثاني، حيث أصبح تعيين القضاة بمشورته، ومع انم الموطأ قد روي بخمس عشرة رواية، فانه لم يبق منها إلا رواية محمد بن الحسن الشيباني، ورواية يحيى الليثي وقد توفي سنة 234مـ، وإذا كان الأمويون بفضل نفوذهم السياسي قد عملوا على إقرار مذهب مالك في الأندلس، فان المغرب قد ساهم في إقرار هذا المذهب به مجهودات فردية، فقد قيل أن أول مغربي عمل على نشر مذهب مالك بالمغرب أبو ميمونة دراس بن اسماعيل الجراوي في أوائل القرن الرابع، وينسب إليه مسجد بفاس، وقد توفي سنة 357هـ، وعلى كل فان فقهاء المغرب الأوليين درسوا إما مباشرة على مالك، أو تلقوا علمهم عن فقهاء الأندلس والقيروان.
الحالة الاقتصادية: كانت الأحوال الاقتصادية تختلف باختلاف الظروف الطبيعة والسياسية، أما في بداية عهد الدولة فقد كانت الحالة الاقتصادية حسنة بفضل الغنائم التي حصل عليها الأمراء في حرب المشركين بالإضافة إلى انتهاج سياسة تتفق ومبادئ الإسلام الأساسية، غير انه من الصعب إن نأخذ نظرة مفصلة عن الحالة الاقتصادية لهذا العهد، ونظرا لعدم عناية الدولة بالميدان الصحي فقد كانت الأوبئة تفتك بالسكان فتكا ذريعا، إلى جانب الجراد الذي كان يأتي على المزروعات، فتتفاحش أثمان البضائع والمواد الغذائية، ففي سنة 260 و 285 و 344 انتشر الوباء بشكل خطير في الأندلس والمغرب، وفي سنة 260 أيضا حدثت مجاعة عظيمة مات من اجلها عدد كبير من السكان، كما أن الطبيعة قست على المغرب، فحطم البرد في سنتي 339 و 342 الأشجار والصمار وقتل المواشي والطيور وفي سنة 379 استمرت الريح الشرقية ستة أشهر، وتسببت عنها أوبئة فتاكة، ولكن كانت تأتي ظروف يعم الرخاء إلى حد كبير، حتى كان الفلاحون يضطرون أحيانا إلى ترك ازرع في سنابله لعدم وجود من يشتريه.

البناء والعمران: انشأ الأدارسة بالمغرب مدنا عديدة من أهمها المدن التالية:
1)فاس: تقع قرب وادي فاس في موقع يجعلها قريبة من الريف والمغرب الشرقي والمحيط الأطلسي، وقد سبق اختطاط فاس الحالية، مشروعان حاول إدريس الثاني انجازهما على التوالي، أولهما بناء المدينة عند سفح جبل زلغ حيث حطم السيل المباني والمزارع، ثم بناؤها عند وادي سبو حيث لقيت نفس المصير.
وهكذا تم بناء المدينة للمرة الثالثة بصفة نهائية، بعد أن وقع اختيار عمير الاودي على مكانها الحالي الذي لم يكن سوى غيضة تكتنفها الأشجار والمزروعات، ويقطن بها مجوس البربر، وقد حصل الاتفاق على تنازلهم عن هذه الغيضة مقابل ستة آلاف درهم، وقد شك طيراس ومؤرخون آخرون، فيما إذا كان بناء عدوتي فاس كلتيهما في عهد إدريس الثاني ويرجعون بناء احدهما إلى إدريس الأول.
وعلى أي، تمت عمارة المدينة في النصف الأول من القرن الثاني، بواسطة الأسر الوافدة من الأندلس في عهد الحكم الربضي، وقد ظلت العدوتان مدة طويلة منفصلين عن بعضهما بأسوار ضخمة حتى حدث عدة مرات أن تنازلت إحدى العدوتين أمام هجمات الفاتحين بينما يتحصن سكان العدوة الأخرى في مدينتهم لمدة شهور عديدة، كما وقع في عهد الأدارسة المتأخرين وفي أيام الزناتيين.
وفي عهد إدريس الثاني، وهو باني فاس على أكثر الروايات سنة 193 تم بناء أول جامع لخطبة وهو جامع الأشياخ، كما بنى مسجد الشرفاء، وأنشئت فنادق لتجار وحمامات ومرافق مختلفة خلال حكم الأدارسة وأدخلت إصلاحات كثيرة على فاس في أيام الدولة المتعاقبة.
2)البصرة:
بنيت في أواسط القرن الثالث الهجري، وأول من تولاها من الأدارسة ابراهيم بن القاسم بن إدريس وتقع بين أصيلا والعرائش بعيدة عن البحر، وكانت تعرف في أول الأمر ببصرة الكتان، وقد تخربت في وقت مبكر.
3)جراوة:
في الشمال الشرقي من المغرب، بناها إدريس ابن محمد بن سليمان أو لوده عيسى الملقب بابي العيش، وقد حدد ابن غازي بناءها في عهد أبي العيش هذا سنة 237 وكانت تحتوي على جامع من خمس بلاطات، وعلى خمسة حمامات، وكان لها أربعة أبواب ويسكن حولها بنو يزناسن، وزواغة وزناتة، كما كان يقع بقربها قرى مدغرة على البحر المتوسط.
4)قلعة حجر النسر:
بنيت في الجنوب الشرقي من البصرة سنة 317 على يد ابراهيم بن محمد بن القاسم بن إدريس، وفيها حوصر أدارسة الريف في عهد موسى بن أبي العافية، وقد دافعوا عنها باستماتة، ومن المرجح إن هذه القلعة تقع قريبا من مضارب قبيلة سوماتة، بدليل أنقاضها التي لا تزال موجودة، أما أهم اثر تركه الأدارسة على الإطلاق، فهو:

جامعة القرويين:
نسب تأسيسها إلى فاطمة بنت محمد بن عبد الله الفهري احد العرب المهاجرين من القيروان، وقد بنت القرويين من المال الذي ورثته عن والدها، وكان الشروع في البناء سنة 245هـ، أما مواد البناء نفسها فقد استخرجت من عين المكان، وحتى الماء استنبط من بشر كانت هناك، وكان المسجد يتألف من 4 اساكيب و12 بلاطة، وبلغت مساحة المسجد 1248م 2 ثم زيد فيه لأول في عهد عبد الناصر بواسطة الأمير احمد الزياني عامله على فاس، فصار على 13 اسكوبا و18 بلاطة، بينما بلغت مساحته 4 آلاف م2 *.هناك هامش لعدم وجود ثبوت الهامش المبرمج في ordinateur
*وفي عهد يوسف بن تاشفين أصبح يشمل على 16 اسكوبا و21 بلاطة بينما بلغت مساحته 5846 مربع.
وفي أيام عبد الرحمن الناصر بنيت الصومعة الحالية، وثم الفراغ من بنائها سنة 345 على يد احمد ابن أبي بكر الزياني، وكان بناؤها من الحجر المنحوت، حتى في تبيضها منذ سنة 688،، وفي أيام يوسف ابن عبد الحق بينت حجرة المؤذنين.
وتعتبر القرويين أقدم جامعة في العالم، أو من أقدم الجامعات على الأقل، وكان المسؤول عن تسييرها قديما قاضي المدينة، وكانت شؤون المسجد والتدريس تكون جزءا من اختصاصات القضاة، وكانت المواد الدراسية ترتبط بالدين والغة العربية، من فقه وتفسير وأدب الخ.. وعرفت هذه الجامعة نشاطا عظيما في مختلف فروع المعرفة أيام الموحدين المرينيين ثم الإشراف، وعاشت القرويين منذ البداية على نظام الوقف الذي اتسعت موارده بعد المرابطين خاصة، أي بعد أن سادت الروح الدينية والعلمية في أوساط أهل فاس خاصة، وعلى العموم فقد كان العلماء متطوعين يلقون دروسهم بينما يشتغلون خارج القرويين بوظائف معينة كالعدالة والكتابة والقضاء، وفي عهد المرينيين بنيت مدارس كثيرة لإيواء الطلاب، وجهزت بخزائن تعين الطلاب على تحصيل العلم كما أسست خزانة عظيمة في مسجد القرويين أيام بني مرين.
وفي أيام العلويين بدأ إدخال النظام على القرويين بتقرير الكتب والمواد الدراسية أيام السلطان محمد بن عبد الله، كما أنشأت المطبعة الحجرية التي ساعدت كثيرا على نشر الكتب في مختلف العلوم والفنون، وفي أيام السلطان محمد بن عبد الرحمن.
أما في العصر الحاضر، فقد ادخل في سنة 1931 إصلاح جديد على القرويين بتقسيم مراحل الدراسة فيها إلى ابتدائي وثانوي ونهائي، في مقابل تجريدها من كل صبغة علمية، فلم يعد يدرس بها سوى مواد الفقه واللغة، حتى إذا كانت سنة 1942 عين أول مدير للقرويين درس على الطريقة العصرية إلى جانب الطريقة التقليدية، وهو الأستاذ محمد الفاسي الذي وضع نظاما دقيقا لامتحانات والمواد والكتب المقررة، وان ظل الإصلاح شكليا لا جوهريا.
وفي سنة 1957 وضعت الجنة الملكية لإصلاح التعليم برنامجا يبني على توحيد مواد الدراسة ومناهجها في مختلف معاهد المغرب، ولكن لم يدخل هذا التوحيد في ملحة التطبيق إلا بعد إنشاء المجلس لإصلاح التعليم، فأصبح التخصص يبدأ في المرحلة الثانية من السلك الثانوي، ومنذ سنة 1931 والصراع قائم بين المحافظين من علماء الدين، والمسؤولين عن شؤون التعليم من متطرفين ومعتدلين ونقطة الخلاف تنحصر حول إعطاء أهمية أكثر للعلوم الدينية، أو مسايرة القرويين لكل مناهج التعليم العصري.
وقد تركت جميع الدول التي تعاقبت على عرش المغرب منذ الأدارسة آثارا متعددة، من بينها في عهد المرابطين، المنبر الرائع الذي صنع في أيام المرابطين وباب الخلفاء الذي صنع في نفس الفترة سنة 531هـ ويبلغ طوله حوالي لأربعة أمتار، ومن آثار الموحدين الثريا العظيمة التي أبدع الصناع في زخرفتها، أما في عهد بني مرين، فقد صنعت ساعة مائية عظيمة، كما بنيت الخلوة العليا أيام السلطان لأبي فارس، وفي عهد السعديين بنيت القبة الغربية ذات السواري الثمان وفي أيام العلويين وقع ترميم شامل لمباني القرويين، وبنيت مكاتب الإدارة وقاعة كبيرة لمطالعة.
الحركة الفكرية:
إذا كانت المصادر تتوفر نسبيا لمن يدرس تاريخ الأدارسة السياسي، فهي لا تكاد توجد بالنسبة لدارس الحركة الفكرية، ولا يدل هذا مطلقا على انه لم يكن هناك علماء أو أدباء، إنما الشيء الذي يلاحظه الباحث في هذا الباب، أن الأدارسة لم يكزنزا ذوي ثروة تساعدهم على تشجيع الحركة العلمية والأدبية إلى حد يكثر معه الإنتاج وتنتشر حركة التأليف، حتى أن تاريخ الأدارسة، كتبه مؤرخون معظمهم متأخر جدا عن عصر الأدارسة، أما المعاصرون فليس إلا قليل من المغرب الأقصى على ما ظهر، ونظرة قصيرة على تاريخ الأمويين بالأندلس، والعبيديين بإفريقيا، تدلنا على مدى حركة الإنتاج الواسعة نسبيا في كل من افريقيا والأندلس، في نفس الوقت الذي كانت الحركة الفكرية بالمغرب، مسايرة بدون شك للحركة الفكرية بالقطرين الشقيقين، وقد حاولت عبثا أن أجد مؤلفا مغربيا مما بقي من عهد الأدارسة، فهل كانت الحركة الفكرة بالمغرب عقيمة إلى هذا الحد؟ بكل تأكيد لا.
غير انه كان من عادة الدول الإسلامية أن تغدق الأموال الطائلة على الأدباء والعلماء، ليتفرغ كثير منهم لإنتاج، مكتفيا في معيشته بما يدره عليه أمراء الدولة وكبار المسؤولين فيها، أما فقر الأدارسة اشتغالهم وكبار المسؤولين فيها، أما فقر الأدارسة اشتغالهم بنشر الإسلام، وبساطة حياتهم، فلم تسمح لهم حتى بإنشاء جيش قوي لمواجهة الطامعين فيهم فضلا عن القيام بعمل جبار في ميدان الحضارة.
واهم من كتب عن تاريخ الأدارسة ابن أبي زرع فهو بنقل كثيرا عن البرنوسي المعاصر لهم، غير أن كتاب البرنوصي يعتبر لحد الآن مفقودا، كما كتب محمد بن يوسف الوراق عن المدن التي عرفت ازدهارا كبيرا في عهد الأدارسة، خصوصا سجلماسة ونكور وفاس، وقد توفي هذا المؤرخ سنة 292، وكثيرا ما اعتمد عليه ابن عذارى في«البيان المغرب».
وكانت حركة العلوم الدينية مزدهرة في عهد الأدارسة، حتى أن البرغواطيين كان بينهم من فقهوا في علوم الدين وعاصروا الأدارسة، وفيهم من تلقى علومه عن الأدارسة كيونس الشذوني الأندلسي الأصل، وكانت رحلته مع زيد بن سنان الزناتي الواصلي وبرغوت بن سعيد الصفري، ومن عجيب المفارقات أن يجتمع أصحاب هذه المذاهب المختلفة في رحلة لدراسة معا، أو على الأصح، أن يجتمعوا لدراسة ثم يرجعوا إلى المغرب وقد تفرقت بهم المذاهب.
أما الحركة الأدبية، فقد عرفت نشاطا عظيما حفظت لنا منه المراجع نتفا قليلة متفرقة ولكنها تنبئ بحق عن الروح المذهبية والدينية التي كانت تسود الأدب في ذلك العصر.
وقد عرف الأدارسة معظم الأبواب التقليدية، غير أن الشعر السياسي كان طاغيا في الأبواب الأخرى نظرا للصراع القائم بين مختلف النزعات آنئذ، وكان بين أمراء الأدارسة عدد كبير من الأدباء والشعراء، ومنهم إدريس الثاني، ومن شرعه الأبيات التالية التي يعاتب فيها بهلولا الخارجي الذي خرج عن بيعته ودعا لإبراهيم بن الأغلب:
أبهلول قد شممت نفسك خطة              تبلدت منها عولة برشـاد
أضلك ابراهيم من بعــد داره              فأصبحت منقادا بغير قياد
كأنك لم تسمع بكيد ابن اغلب              غدا آخذا بالسيف كل بلاد
ومن دون ما منتك نفسك خاليا             ومناك ابراهيم شوك قتـاد
وقد حضر داود الجعفري المتوفى سنة 261 إلى جانب إدريس الثاني في إحدى غزواته مع الصفرية، فلاحظ تقلبه على السرج وقلة استقراره، فأجابه إدريس بقوله:(ذاك مني زمع إلى لقتال وصرامة فيه، فلا تظنه رعبا) ثم تمثل ببيتين نسبا إلى الإمام علي وهما:
أليس أبونا هاشم شد أزره                  وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب
فلسنا نمل الحرب حتى تملنا               ولا نشتكي مما يؤول من النصب
وينم أدب المولى إدريس الثاني عن حماسته الفياضة وعزة نفسه وثباته في الحرب، ولدينا أبيات أخرى لإبراهيم بن القاسم بن إدريس يعاتب فيها أموي الأندلس على استكانتهم لاستبداد المنصور بن أبي عامر، وان كان الأدارسة يكرهون كلا من الفريقين، بيد أن تدخل المنصور كان اشد عليهم من تدخل ملوك بني أمية.
فيما أرى عجبا لمن يتعجب                 جلت مضيبتنا وضاق المذهـب
أيكون حيا من أمية واحـد                  ويسوس هذا الملك هذا الأحدب؟
تمشي عساكرهم حوالي هودج            أعواده فيهن فرد أشهب
وقد اشترك البربر بطبيعة الحال في الحركة الأدبية، وهكذا نرى سعيد بن هشام المصمودي يخاطب البرغواطيين في وقعة بهت التي قتل فيها عدد كبير من البربر، ونلاحظ في هذه القصيدة الطويلة التي قدم لنا منها ابن عذاري بضعة أبيات، تقليدا واضحا لمعلقة  عمرو بن كلثوم وزنا وقافية، بالإضافة إلى تشابه المناسبتين، بل نلاحظ أكثر من ذلك واهم، تأثير القرآن في أسلوب الشاعر الذي يقول:
قفي قبل التفرق فاخبرينـا                وقولي واخبري خبرا مبينا
هموم برابر خسروا وضلوا             وخابوا لأسقموا مـاء معينا
يقولون النبي أبـو عفيـر                  فأخزى الله أم الكـاذبينـا
الم تسمع ولم تر يوم بهت               على آثـار خيلهـم رنينـا
رنين البقاكيات بهم ثكالـى               وعاويـة ومسقطـة جنينـا
هناك يونس وبنــو ابيـه                   يوالـون البـوار معظمينـا
فقد ظهر الألم في شعر الأدارسة الذين أحس الأولون بجنين إلى مواطنهم الأصلية وفي الأبيات التالية يأسف إدريس الثاني على فراق أحبته، ولا ادري من هم هؤلاء الأحبة الذين يعنيهم:
لو مد صبر الناس كلهم                  لكل في روعتي أو ضل بي جزعي
بان الأحبة فاستبدلت بعدهم              هما مقيما وشمـلا غير مجتمـع
كأنني حين يجري الهم ذكرهم           إلى جوانح جسم دائم الهلع
ويقول شاعر آخر سكن بين البربر في ورغة وسماهم أعاجم:
إلا هل أتى أهل المدينة أنني              بورغة بين الأعجمين غريب
إذا قلت شيئان قبل ماذا تريده             لهم بين أحرار الوجوه قطوب
أما المدح، فيجري على الطريقة التقليدية من وصف بالكرم والشجاعة وما إلى ذلك بل يتجلى فيه التكسب أحيانا بشكل يزري بقيمة الشاعر، ومن ذلك قول بكر بن حماد في احمد بن القاسم بن إدريس احد ولاة البصرة:
إن السماحة والمروءة والنـدى            جمعوا لأحمد من بني القاسم
وإذا تفاخرت القبائل وانتمـت             فافخر بفضل محمد وبفاطم
وبجعفر الطيار في درج العلى          وعلي العضب الحسام الصارم
أني لمشتاق إليـك وإنمــا                 يسمو العقاب إذا سما بقوادم
فابعث إلى بمركب أسمو به             على أن أكون عليك أول قادم
واعلم بأنك لن تنال محبـة               إلا ببعض ملابس ودراهــم
ويلاحظ خلل واضح في الشطر الثاني من البيت الأول.
وأما فيما يخص لوصف، فلا يمكن أن تؤخذ عنه نظرة كافية لقلة ما دون منه في مصادر متفرقة، وفي البيتين التالين، يصف احمد بن فتح التاهري جمال نساء البصرة(المغربية) وقد بلغت بهذا الشاعر ان برع في جمع أربعة أوصاف لجمال المرأة البصرية مع الدقة في الوصف، وذلك كله في بيت واحد:
ما حاز كل الحسن الا قينة               بصرية في حمرة وبياض
الخمر في لحظاتها، والورد في         وجناتها هيفاء غير مفاض
هذه نظرة موجزة جدا عن الحضارة المغربية في عهد الأدارسة، وهي ميدان بكر لم يتناوله بعد قلم بالاستيفاء والدرس العميق لقلة المصادر مع الأسف.

 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here