islamaumaroc

الفتوى دائرة مع مقتضى الحال

  دعوة الحق

38 العدد

كثيـر منا لناس يعتقدون أن الخروج عن المذاهب الأربعة إلى غيرها من المذاهب الفقهية في بعض المسائل يعد خروجا عن الشريعة، كأن الشريعة هي ما قاله هؤلاء الأئمة الأربعة وحدهم دون ما قاله غيرهم من أئمة الفقه رضي الله عن جميعهم.
ويقال لهؤلاء الناس: أن الشريعة- ويقال لها الدين والملة- هي ما شرعه الله تعالى لعباده سواء كان ذلك بالقرآن أم بسنة النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير.
فهي بهذا المعنى تشمل أصول الدين مما يتعلق بالله تعالى وصفاته والدار الآخرة وغير ذلك من
مسائل العقائد، وتشمل أيضا ما يرجع إلى تهذيب النفوس وما يتعين أن تكون عليه العلاقات الاجتماعية كما تشمل كل عمل من أعمالنا من وجوب وحرمة وكراهة وندب وإباحة، وهذا الأخير هو ما نسميه الفقه فهم جزء من الشريعة وجد أصله مع وجود رسالة النبي صلى الله عليه وسلم قبل ظهور الأئمة الأربعة، فالقرآن نزل على النبي صلى عليه وسلم وفيه الشيء الكثير من آيات أحكام الفقه، والسنة صدرت منه صلى عليه وسلم وفيها آلاف الأحاديث في أحكتم الفقه، والأئمة قد استمدوا فقه مذاهبهم من القرآن والسنة والإجماع والقياس على النص وغير ذلك من القواعد الشريعة وكلياتها، وغير خلف أن الفقيه كثيرا ما يختلف رأيه واجتهاده في المسألة الواحدة ويقول فيها اليوم ما لم يقله بالأمس كما نشاهد ذلك في كتب الفقه؛ فهذه كتب الشافعية طافحة بقولهم في مسألة واحدة، ومذهب الشافعي القديم فيها كذا ومذهبه الجديد فيهل كذا.
وهذه كتب المالكية يروي فيها ابن القاسم عن مالك قولا، ويروي فيها أشهب وغيره قولا آخر يخالفه، وهكذا بقية المذاهب، ولتبدل آرائهم في المسألة الواحدة عند تجديد النظر فيها مرة ثانية واطلاعهم على أداة أخرى لم يكونوا اطلعوا عليها من قبل كانوا رضي الله عنهم ينهون عن تقليدهم خصوصا إذا صح من السنة ما يخالف رأيهم.
ويعترفون بأنهم بشر يخطئون ويصيبون.
وهذا مالك أمام دار الهجرة رضي الله عنه لما أراد المنصور العباسي ثم هارون الرشيد من بعده أن يحمل الناس على «موطئه» امتنع وقال: أن الناس سبقت إليهم أقاويل وسمعوا أحاديث وأخذ كل بما سبق إليه، وكل مجتهد مصيب.
وقد قال الإمام القرافي في شرح تنقيحه: انعقد الإجماع على أن من أسلم فله أن يقل من يشاء من العلماء بغير حجر. وأجمع الصحابة رضوان الله عليهم على أن من استفتى أبا بطر وعمر رضي الله عنهما أو قلدهما فاه أن يستفتي أبا هريرة ومعاذ بن جبل وغيرهما ويعمل بقولهما من غبر نكير فمن ادعى رفع هذين الاجماعين فعليه الدليل.
وقد نص العلماء على مراعاة الشخص المستفتي والحال والزمان، وعلى أنه يوجد في فتاوي المتقدمين أشياء لا يمكن الحكم عليها بأنها المذهب في كل صورة من كل زمان. 
فقد قال الحافظ السيوطي في الحاوي للفتاوي:أن المفتي حكمه حكم الطبيب ينظر في الواقعة ويذكر فيها ما يليق بها بحسب مقتضى الحال والشخص والزمان؛ فالمفتي طبيب الأديان وذاك طبيب الأبدان، وقد قال عمر بن عبد العزيز: تحدث للناس أحكام بحسب ما أحدثوا من فجور، ثم نقل عن السبكي في فتاويه ما معناه: يوجد في فتاوي المتقدمين من أصحابنا أشياء لا يمكن الحكم عليها بأنها المذهب في كل صورة لأنها وردت وقائع فغلبهم رأوا أن تلك الوقائع يستحق أن يفتي فيها  بذلك ولا يلزم اطراد ذلك واستمراره «انتهى المراد من كلام السيوطي».
وقال العلامة التسولي في البهجة قبيل المساقاة: وقد نص العلماء على أن الفتوى دائرة على مقتضى الحال، وقد اشبع الإمام إبراهيم في كتابيه أعلام الموقعين عن رب العلامين الكلام عن مسألة تغير الفقه وتطوره بتغير الأحوال والنيات والعوائد والعصور والأمكنة بما لا يوجد في غيره.
وقال الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر محمد مصطفى المراغي في مذكرة له في إصلاح
 كتب الفقه الدراسية والنظر في الأحكام الإجتهادية كلن رفعها ملك مصر إذ ذاك ونشرتها مجلة الفتح القراء في بعض أعدادها:
«يجب أن يدرس الفقه الإسلامي دراسة حرة خالية من التعصب لمذهب، وان تدرس قواعده مرتبة بأصولها من الأدلة، وأن تكون الغاية من هذه الدراسة عدم المساس بالأحكام المنصوص عليها في الكتاب والسنة والأحكام المجمع عليها، والنظر في الأحكام الإجتهادية بجعلها ملائمة للعصور والأمكنة والعرف وأمزجة الأمم المختلفة كما كان يفعل السلف من الفقهاء»
وأني ذاكر قضية كان أفتى فيها بعض أشياخي بمذهب أشهب؛ وذلك أن مستفتيه كأن حلف على زوجه أن لا تفعل شيئا ولم تبق له إلا طفلة واحدة فأحنتته بفعلها لذلك الشيء، وكان هذا المستفتي فقيرا لا يستطيع دفع نفقة أولاده أذا ضمتهم إليها لكون الحضانة لها، كما أنه لا يستطيع الزواج بأخرى من جديد لقلة ذلت يده فأفتاه مراعاة لحاله بمذهب أشهب أنه لا يحنت، معاملة للمرأة بنقيض قصدها مع أنه قول ضعيف في المذاهب.
فالشريعة والفقه غير منحصرين في المذاهب الأربعة فجمع أئمة المسلمين ومجتهد يهم قد استقوا مذاهبهم من الشريعة وقواعدها، فلا يعد أحد من قلد واحد منهم في بعض المسائل خارجا عن الشريعة.
واختلاف الأئمة رحمة لهذه الأمة كما قال ذلك مالك للرشيد لما أراد أن يحمل الناس على موطئه.
قائمة المسليمن ومجتهديهم كلهم على هدى من الله كما قال علماؤنا فلا يصح لأحد أن يجعل الحق منحصرا في مذاهب الأئمة الأربعة وحدهم ولا في غيرها من المذاهب.
بل لو قلنا كما قال الجمهور أن المصب واحد فغنه غير معين باتفاقهم.
فكلهم على هدى ورحمة رحمهم الله وجزاهم عن المسليمن خير جزاء فاختلافهم ناتج عن الاستنباط المؤسس على قواعد محكمة استخرجوها من نصوص الشرع العامة والخاصة، وغير بعيد أن يستخلص منه قانون محكم يساير الظروف، يفوق القوانين الوضعية ويغني الأمة الإسلامية على غيره من الدساتير الأوربية التي قد تكون مخالفة لهدي الشريعة الإسلامية 
يقول الدكتور محمد يوسف موسى أستاذ ورئيس قسم الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق بجامعة عين شمس بالقاهرة في كتابه «تاريخ الفقه الإسلامي» ومما نغتبط له أيضا أن يوصي رجل كبير في عالم القانون وهو الأستاذ الدكتور عبد الرزاق السنهوري بالعناية بالشريعة الإسلامية  ليكون ذلك وسيلة من أهم الوسائل للخروج بالفقه الإسلامي من الدائرة القومية إلى الدائرة العالمية، وهو في هذا يقول من كلمة جد طيبة له (وهذه الشريعة الإسلامية لو وطئت أكنافها وعبدت سبلها لكان لنا هذا تراث الفقهاء الماضين- ما ينفخ روح الاستقلال في فقهنا وفي قضائنا وفي تشريعنا، ثم لا شرفنا نطالع العالم بهذا النور الجديد فنضيء به جانبا من جوانب الثقافة العالمية في القانون).   

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here