islamaumaroc

الحياة الثقافية في الوطن العربي

  دعوة الحق

45 العدد


 أرض الكنانة: بين العامية والفصحى
قصة لغة الضاد مع أبنائها قصة طويلة ترجع في خيوطها الأولى إلى السموم التي طعم بها الاستعمار عقول بعض المثقفين منا، فجعلهم أداة ليصل بهم إلى ما عجز عنه، وغرس فيهم من كيده للعربية ما دفع بهم أو بالكثير منهم ومن غير شعور إلى أن يطعنوا هذه اللغة وأن يحاولوا جهدهم القضاء عليها، وأن يشككوا الشعب العربي في لغته وقدرتها على التطور وإمكانياتها في مجاراة مقتضيات هذا العصر ولذلك يرمونها تارة بالجمود والموت وطورا بالعقم والجفاف، وكان لغات العالم وجدت حية وخلقت متطورة، وكان أبناء هذه اللغات استطاعوا أن يصنعوا ما يصنعوه بفضل لغاتهم فقط، وكان هذه اللغات هي التي أخذت بيد أبنائها فدلتهم على الرقي والتمدن، أنه لمنطق عجيب والله، وأعجب منه أن تطعن العربية باسم الغيرة عليها، وأن ترتفع الأصوات في مصر وفي غير مصر داعية إلى التخلص من هذه اللغة الفصحى التي هي السبب – فيما يزعمون- لتأخرنا الفكري، وتلك نغمة ألفناها من قبل حين نظمت الحملات على الإسلام باسم التمدن والحضارة واعتبره المغرضون والمأجورون هو العقبة التي ثقف في طريق التمدن العربي والانطلاق الحضاري.
ومن المؤلم أن نجد كاتبا عربيا كالدكتور إبراهيم أنيس يدعونا في كتابه مستقبل اللغة العربية، ومن غير أن يتقي الله في أكبر رابط يربط هذه الشعوب في الوطن العربي الكبير من الخليج إلى المحيط، ويدعونا بحماسة لنتخذ اللهجة القاهرية لغة للأمة العربية بدلا من هذه اللغة الفصحى التي أضعفتها منافسة العامية فأصبحت لا تستطيع أن تستجيب لعوامل الازدهار. فاللهجة القاهرية لا لهجة مصرية وكم فيها من لهجات هي الحل الذي يراه الدكتور لثنائية اللغة العربية، ويوغل الأستاذ توفيق حنا في الجدية فيعرض مشروعا ليطبق وينفذ في المجال الفعلي فيقترح أن نسارع إلى تعليم اللهجة العامية في السنوات الأربع من التعليم الابتدائي حتى لا يصدم الطلاب بالفصحى وهي اللغة البعيدة عن حياتهم، وأخيرا نجد الأستاذ جلال مصري يعتمد على الأغلبية فيصدر حكما ديمقراطيا فلا شك تصبح بمقتضاه اللغة الشعبية أو العامية هي اقصر الطرق التي توصل إلى العقل.. ونحن لو كنا منصفين لأنفسنا ولغتنا وجدنا داعيا أو سببا يحملنا لنتهم لغتنا الفصحى بحجة الثنائية فأي أمة في الدنيا لا تملك لغتين: لغة سوقية يومية لا قواعد لها ولا أصول، تستعملها في حياتها المعاشية وغلى جانب هذه اللغة الشعبية هناك لغة راقية فنية ذات قوانين وقواعد ومصطلحات لا يستطيع الشعب أن يملك زمامها أو يسخرها كما يشاء إنها لغة ليست كالأولى، وإلا لأصبح كل فرنسي وكل انجليزي مثلا يستطيع أن يفهم إنتاج فولتير وشكسبير ولأصبح كل فرد من الشعب قادرا على أن ينتج الأدب الرفيع ويتصرف باللغة الفنية كيف يشاء ثم بعد ذلك ماذا يريد دعاة العامية؟ أيريدون أن نرمي بتراثنا وحضارتنا وأن نبدأ من جديد بتثقيف أنفسنا بلهجة من اللهجات المرشحة كالقاهرية مثلا وهم أنفسهم يدركون أن القاهري حين يذهب إلى الصعيد لا يفهم ولا يكاد يفهم، ودعنا نجاري هؤلاء المصلحين فنستعيض بلهجة من لهجاتنا من اللغة الفصيحة ونتخذ مثلا لهجة مصر لغة رسمية، فهل نقضي بذلك على مشكلة الثنائية في البلاد العربية؟ أم هل تستطيع هذه اللغة الجديدة أن تغزو اللهجات الأخرى فتصبح لنا لغة واحدة يكتب بها الأديب ويؤلف بها العالم ويتكلم بها رجل الشارع؟ لست أدري أيتحقق ذلك وأن كنت أومن كما يومنون بأنه مخالف لسنن الكون ونواميس الشعوب..
فالحل إذن ليس فيما يدعون من نبذ هذه اللغة واختيار لهجة من لهجاتنا والتي ستصبح – لو قدر للعملية أن تنجح- متهمة بالجمود والموت والعجز، وإنما الحل الصحيح في أنفسنا أولا، ولكن رغم ذلك تدعو المخلصين جميعا إلى العمل الجدي – لا إلى المؤتمرات والتوصيات- ندعوهم إلى تطعيم هذه اللغة الخالدة ندعوهم إلى المشاركة جميعا في نقل الدماء الحارة السليمة الحية إلى هيكلها الذي أنهكته الأيام وأضعفته المحن، والمسؤولية في بعث هذه اللغة ليست مسؤولية دول وحكومات فقط، إنها مسؤولية يتحملها الجميع وخصوصا المجامع اللغوية التي يجب أن تعمل على نقل التراث العالمي الذي يفيدنا، وينمي مداركنا ويساعد على تفاعلنا مع الحضارة العالمية، وإلا تقتصر على ترجمة المصطلحات العلمية وتسويق كلمات محنطة لا رواج لها.. ثم على أطبائنا ومهندسينا وعلمائنا الذين زاوجوا بين الثقافات عليهم أن يخرجوا من عزلتهم وأن يقدروا رسالتهم وواجبهم الوطني الذي يدعوهم ليكونوا همزة وصل تربطنا بالأمم الحية والحضارات الراقية، ومن العار على أبناء هذا الشعب هذا الشعب الذي أرسلهم ليعودوا إليه مثقفين، فما رجع أكثرهم إلا جباة مرتزقة لا يعرفون إلا النهب والسلب وجمع الدنانير، ولا يحسنون إلا الكسل والخمول أما الإنتاج والتأليف، وأما الإسهام في تطوير أمتهم وتطعيم لغتهم فذلك ما لا يفعلون، وما دمنا كذلك فلا الفصحى تؤخر، ولا العامية تقدم، وإنما هي أوهام نتلهى بها عن واقعنا المر، وإلى أن ندرك واقعنا ونعمل بصدق من أجل رقينا وازدهارنا سنتأكد من أن اللغة تخلقها الشعوب ولا تخلق الشعوب وتحييها العقول ولا تحيي العقول، وعندئذ سنجد في لغتنا معنى، وسنلمس فيها حياة وسحرا.
وفي لبنان: مولود جديد:
لأول مرة في تاريخ العروبة يولد اتحاد عام للناشرين العرب في أرض لبنان وتحت سمائها الجميلة وبين أحضان طبيعتها الخلابة، ونحن إذ نهنئ أنفسنا ونهنئ إخواننا الناشرين ونتمنى لهم كامل التوفيق في أداء مهمتهم الإنسانية، نتقدم بالشكر لجامعتنا العربية التي دعت إلى عقد هذه الحلقة لدراسة وسائل النشر للإنتاج العربي، وتيسير تداول الكتاب العربي، فهيأت بذلك فرصة تدارس فيها المجتمعون هذه الوسائل، وتعرفوا فيها على العقبات والصعوبات التي تقف في وجه الكتاب العربي وعلى الإجحاف الذي يلقاه المؤلف والناشر والقارئ ثم أصدروا أخيرا توصيات – على العادة- نرجو ألا تكون كمثيلاتها المهملات، لأننا نؤمن بأنها توصيات لو نفذها المسئولون لأدت للفكر العربي خدمات جلي ولساعدت أبناء هذا الوطن الكبير على استكمال غذائه العقلي، هذا الغذاء الذي حرم منه وأجبرته الظروف القاسية على تحمل هذا الحرمان – ولعل أخواننا المجتمعين لو أنصفوا المستهلك العربي أما اتخذوا من ضعف وسائل التعريف بالكتب وقلة الإعلان عنها والتشهير بها سببا رئيسيا لما لاحظوه من قلة الإقبال حتى من المتعلمين على القراءة، ونحن معهم في أن هذه الوسائل الضرورية في عصرنا تكاد تكون معدومة ولكن رغم ذلك فالمواطن العربي يعيش في مستوى يجعله لا يحتاج إلى أن يعرف، بالكتب ونقدم إليه التأليف حاجته إلى من يأخذ بيده ليصل إلى هذا المعلن عليه، أنه في حاجة على من يتعرف على الأسباب الحقيقة في جفائه للكتاب العربي هذه الأسباب التي من أهمها فيما نرى:
1) السبب المادي – ونقولها بصراحة أنه لا يوجد في الدنيا شعب يتاجر في غذائه الروحي من غير حماية ولا مراقبة كالشعب العربي، وخصوصا نحن أبناء هذا الشمال الذين ابتلينا بالأسعار المضاعفة في كل شيء ولذلك نجد الدخل الفردي لا يساعد المواطن على الشراء، أنه دخل لا يكفيه  - وهو الموظف المثقف- حتى في معاشه كحيوان، لا كانسان متمدن لان الإنسان المتمدن يعتبر الثقافة من ضروريات الحياة ولذلك استطاع أن يفرضها على ميزانيته كفرد، وأن تقرأ التشريعات الاقتصادية لها الحساب وأن تعمل الدول على تمكين المواطنين منها... أما نحن فلا نزال في طور الكفاح من أجل الخبز حتى نعيش ولا يمكن لجائع بئيس أن يفكر في الكتاب ليستنير ويحيي ويتقدم.
2) وهناك سبب أخر نفسي وهو في واقعه مهم جدا: ذلك أن الطالب العربي في مراحل حياته لا يجد تقديرا ولا احتراما في مجتمعه للثقافة في عناوينها، أنه لا يرى احتراما للمعلم ولا يجد تقديرا للأستاذ ولا يلمس تشجيعا للأدباء والمؤلفين، انه لا يشاهد في مسرح الحياة إلا إلها واحدا يعبده المجتمع، وتدور معه القيم وجودا وعدما وهو المال والمال فقط، فلا الثقافة تفيد ولا التأليف يجدي فاصنع ما شئت وأكتب ما شئت وتثقف بما شئت فلن تكلون إلا عبدا لمعبود قومك، وإذا فلماذا المطالعة ولم القراءة؟ لقد فزنا بالشهادة مفتاح الرزق الضنك، وبلغنا إلى الوظيفة فرفع من رفع وخفض من خفض فما رأينا في الرفع والخفض إلا ميزانا واحدا ميزان المال والجاه والحسب والنسب، أما الكفاءة والثقافة فإلى حيث ألقت.. ولو سألت متسلقا للسلم الإداري أو مرتبطا بسلاسل (لانديس) أي أمنية ترجو لأجابك بالواقع الأليم أنا في حاجة إلى من يدفع إلى أعلى أو ذي جاه يتوسط أو ذي سلطة يزكي لأصبح من المحظوظين وأفوز فوزا لا يهم به من سلخ من عمره عشرين سنة يموت ويحيى من أجل الثقافة والعلم.. ذلك هو الواقع الحقيقي لمجتمعنا وذلك هو السبب الخفي لقلة الإقبال من الشباب المثقف على الكتاب وذلك هو الدافع لقلة الإنتاج وانطفاء النبوغ وضياع العبقريات، وقد أصبحنا بحكم هذا الواقع ندور جميعا في فلك الدينار والدرهم لا نؤلف إلا من أجله ولا نقرأ إلا من أجله، ولا ننشر أو نبيع إلا من أحله، بل ولا نحيي إلا من أجله.
وبعد فهل لهذا الواقع من إصلاح؟ وهل لأوضاعنا من علاج.. ذلك ما نأمل وعسى أن يكون للكتاب العربي النصيب الأوفر في تحقيق ذلك التغيير الجذري لحياتنا النائمة، وإن كانت المهمة مزدوجة والمسؤولية مشتركة يتحملها المؤلف والناشر والموزع والحاكم إنهم جميعا مسئولون، وعليهم واجبات نحو المجتمع العربي وتجاه الثقافة العربية، ولو أدى كل واحد منهم رسالته وقام بمهمته لأصبح الكتاب العربي سيد الموقف وأستاذ الشعب ومربي الأمة.. ورغم اختلاف المهمة المنوطة بكل واحد فإن الغية مشتركة هي خدمة هذا الشعب والعمل على رقيه وازدهاره.. وهذه المهمات فيما اعتقد ملقاة:
أولا – على الناشرين الذين لا ينبغي لهم أن يتخذوا من رسالتهم تجارة مادية فقط تدفع بهم إلى تملق سطحية الشعب وغرائزه بل هم أصحاب رسالة لا تتسامح مع الإنتاج الذي يفسد الشعب أو يلهيه ولو كان محقق الرواج ومدار للربح الوفير وليعلموا أن المؤلف العربي عندما يجد ناشرا واعيا لمسؤولياته القومية سيراعي المستوى اللائق وسيبذل الجهد مع الناشر ليكون الإنتاج محترما هادفا لمصلحة المجتمع.
ثانيا- وعلى الموزعين وأصحاب الوكالات الذين بيدهم كل شيء والمحتكرون لكل إنتاج والذين يلزمهم الواجب القومي إلا يستغلوا الإنتاج العربي وجهود الناشرين وأتعاب المؤلفين للإثراء الفاحش والربح المضاعف على حساب ثقافة المواطن العربي الذي يبعد عن موارد الثقافة بسبب الأطماع والاستغلال..
وأخيرا على الحكومات إلا تقف مكتوفة الأيدي بل عليها أن تتخذ جميع الوسائل لتسهيل تداول الكتاب العربي بأن تلغي الضرائب نهائيا على الإنتاج الفكري وعلى مواده الخام التي يقدم فيها.. وأن تخفف من أجور المواصلات وأن تعمل بجد لتحديد نسبة مئوية لا تتعدى خمسة في المائة للأرباح التي يحق للموزع والبائع أن يتقاضاها، وبعد هذه الخطوات الصادقة سيفرض الكتاب العربي نفسه وسيقرع الأبواب ويدخل البيوت وسيجد الإنتاج القيم الرفيع ترحيبا من القارئ العربي في كل مكان وفي ذلك الوقت نستطيع أن نؤكد على وسائل الإشهار والتعريف لان المستهلك حينئذ يصبح قادرا على الاستهلاك أما الآن فإنه عاجز وعاجز حتى على خبزه.

            

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here