islamaumaroc

إشــارات حول الإشعـاع الفكـري والحَضـاري لمدينـة تطــوان

  محمد العربي الشاوش

227 العدد

نص المحاضرة التي ألقاها الكاتب في قاعـة المكتبة العامـة بتطوان بدعوة من المندوبية الجهوية لوزارة الثقافـة بتطوان ضمن الأيام الثقافية التي نظمتها المندوبية المذكورة في شهر نوفمبر 1982 بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء .

الحديث عن مدينة تطوان ومركزها الفكـري والحضاري لا يكتمل إلا بإلقاء نظرة سريعـة على المنطقة الشمالية من المملكة المغربية التي كانت هـذه المدينة  المجدية الأصيلة عاصمـة لها، لا في عهد الحمايـة الإسبانية فقط، بل وفيمـا قبل الحماية بقرون، وخاصة منذ القـرن الحادي عشر الهجري والسابع عشر الميلادي، حينمـا قام أمير المؤمنين مولاي إسماعيل بإسناده ولايـة المنطقة الشمالية إلى المجاهـد القائد علي بن عبد الله الحمامي، فامتد نفوذه من تطوان إلى الناظور،  وكانت تطوان مركزا لهـذه الولايـة التي كانت من أبرز المملكة المغربيـة في القـرن الأول لقيام الدولـة العلويـة الشريفة أدام الله عزهـا وخلد في الصالحـات مجدهـا وذكرها.
وإذا كانت المنطق’ الشمالية المغربيـة على  وجـه التحقيق تمتد حـول البحر الأبيض المتوسط وبوغـاز جبل طارق، من رأس اسبارطيـل بطنجة غربا إلى ضفاف نهر ملويـة شرقا، مرورا بمدينتي سبتة وتطـوان في الناحية الغربية إلى مليلية والناضور في الناحيـة الشرقية، فإن التحديد السياسي والإداري للمنطقـة هو ما نقصده في هـذه الإشارات، وقـد وقع هذا التحديد طبقـا للفصل الخامس من معاهـدة باريس الإسبانية، الفرنسية المؤرخـة في 27 نونبر1912.
ووفقـا للمعاهدتين المذكورتين نستنثي من المنطقـة الشمالية مدينتي سبتة ومليلية لوجودهمـا سياسيا وإداريا ف يحكم المستعمرات الإسبانيـة منذ احتلالهما في القرن التاسع الهجـري والخامس الميلادي إلى  الوقت الحاضر، هيأ الله أسباب حريريهما في ظل أمير المؤمنين جـلالة الملك الحسن الثاني أعزه الله ونصره.                                            ?
                                                                
كما نستثني مـن المنطقة كذلك مدينـة طنجة التي كانت في وضعية خاصة، بناء على ما نـص عليه الفصل التاسع من معاهـدة باريس المشار إليهـا فيمـا تقـدم، وأكـده الفصل الأول من معاهـدة فاس المغربية ـ الفرنسية المؤرخـة في 30 مارس 1912، وكذلك الفصـل السابع من مدريـد المذكورة فيما سبق ووقع تطبيقـه وفقا للاتفاقيـة الإسبانية ـ الفرنسية ـ الإنجليزية، المؤرخـة في 8 دجنبر 1923 ، نعم ضمت طنجـة إلى المنطقة الشماليـة سياسيا وإداريا بعد سقوط فرنسا في الحـرب العالمية الثانية يوم 14 يونيه 1940 وصـدر بذلك قرار مـن الجنرال فرانكو رئـيس الدولـة الإسبانية في 23 نونبر 1940، وبقي العمل جاريا بذلـك إلى نهاية الحرب  المذكورة سنة  1945 ، حيث طالبت الأطراف المعنيـة منطقـة طبنجة إلى الوضعيـة الدوليـة ، فعادت إلى تلك الوضعيـة التي انتهت في 29 أكتوبر 1956 بإلغاء النظام الدولي وإدمـاج منطقة طبنجة في التراب المغربي المحـرر بناء على اتفاقيـة باريس المغربية ـ  الفرنسية المؤرخـة في 2 مـارس 1956، واتفاقية مدريد المغربية ـ الإسبانية المؤرخـة في 7 أبريل 1956.
وكانت المنطقـة الشمالية التي نتحـدث عنها قد صـارت تحت الحماية الإسبانية بناء على معاهـدتي فاس ومدريرد سنة 1912 كما تقدم وكان دخـول جيش الاحتلال الإسباني إلى تطـوان دخولا سليمـا يوم  19 فبراير سنة 1913م (12 ربيع الأول عـام 1331هـ) بقيادة الجنرال (فليب ألفاو مندوصة)، وهو أول مقيم عـام لإسبانيا بتطوان ، وآخـر مقيم عام هـو الجنرال (رافايل غرسيا بالبنيو) الـذي مهمته  بإعـلان الاستقلال والوحـدة بناء على اتفاقية مدريد سنة 1956 كمالا تقـدم.
وقد نصت اتفاقية 27 نونبر 1912 السابقـة الذكر على أن تكون تطوان عاصمـة لمنطقة الحماية الإسبانيـة، وفيها  يقيم خليفة جلالة ملتك المغرب،  وكان أول خليفة هـو الأميـر مولاي المهدي بن إسماعيل بن محمـد الرابع، وبه تسمـى الساحـة المعروفة (بساحة مولاي المهدي) ، حيث توجـد الكنيسة الكاثوليكية الإسبانية ، وأرض هذه الكنيسة كانـت ملكا للأحباس الإسلامية، وكانـت مخصصة لصلاة الأعيـاد الدينية، فوضع الإسبانيون يدهم عليها وأقاموا فيهـا كنيستهم بعد الاتفاق على نقـل المصلى إلى طريق مرتيل ، حيث توجـد الآن، وكان تنصيب مولاي المهدي خليفـة في تطوان يوم 27 أبريل سمة  1913 ، واستمر في مهمته إلى أن توفي سنة 1923 ودفـن بالزاوية الحراقيـة بتطوان.
ثم أسنـدت الخلافـة إلى ولده مولاي الحسن بن المهدي ووقع الاحتفـال بتنصيبه يوم 8 نونبر سنة 1925، واستمر في مهمته إلى أن وقع إدمـاج المنطقة الشمالية في المغـرب المستقل الموحـد في تظاهرة وطنيـة كبرى كان في طليعتها جـلالة الملك المقدس محمد الخامـس يوم 9 أبريل سنة 1956، وأصبحت تطوان إقليما بارزا من أقاليـم المملكة، وكـان أول عامل لهذا الإقليـم بعد الاستقلال والوحدة هـو الأستاذ الطيب بنونـة المتوفى سنة 1981، كمـا كان الأستاذ  عبد الخالق الطريس المتوفى سنة 1970 وزيرا مشرفـا على تسليم السلط من يـد الحكومـة الإسبانيـة إلى يـد الحكومـة المغربية، وإدمـاج الإدارة  الشمالية في الغدارة المغربيـة المركزية في شهـر يوليوز سنة 1956.
والجدير بالذكـر أن المنطقة الشمالية المشمولـة بالحمايـة الإسبانية عرفت كذلك بالمنطقـة الخليفية نسبة إلى خلفية جلالة الملك الذي تقرر أن يمثـل جلالة الملك في إطار الوحـدة المغربية التي نصت عليهـا معاهـدة الجزيرة الخضراء سنة 1956، وهذا الإطلاق من ابتكـار الحركـة الوطنية الشماليـة لتعارض بها جملـة (منطقة الحمايـة الإسبانية) معربـة بذلك عن التمسك بالمشروعيـة الممثلـة في خليفة جلالة الملك رمز الوحـدة الوطنية، واستطاعت الحركـة الوطنية أن تفرض اسم (المنطقة الخليفية) حتى على الإدارة الإسبانيـة التي لم تر بأسـا في هـذا الإسم ما  دامت المنطقـة الخليفيـة مشمولـة بالحماية الإسبانيـة ولم تعارض في هـذا الإسم أيضا محاولة منها في كسب الرأي العام الوطنـي إلى جانبها لتأكيد مشروعيـة وجودهـا وإشرافها على ما  كان يسمى بالحكومـة الخليفية.
كانت المنطقـة الخليفية تمتـد من شواطـئ أصيلا والعرائش على المحيـط الأطلسي غربا إلى  حدود نهر ملوية       ?

شرقـا في مساحة تقدر باثنين وعشرين كيلومتر مربع، قسمت إداريا إلى مقاطعتين كبيرتين:
إحداهما هـي المقاطعة الشرقية، وتشتمل على ناحيتين:
1) ناحية الكـرت، وقاعدتها مدينة الناضور
2) ناحية الريف وقاعدتها مدينة الحسيمة.
والثانية هي المقاطعـة الغربية وتشتمل على ثلاث نواح:
1) ناحية غمارة، ومركزها مدينة شفشاون
2) ناحية غمارة، ومركزها مدينة شفشاون،
3) والناحية الغربية أو ناحية لكـوس، ومركزها مدنية العرائش وتتبعهـا مدينة أصيلا ومدينة القصر الكبير.
وكان عـدد سكان المنطقة الخليفية في أول الحماية يقدر بستمائة ألف نسمة، من بينهم ثلاثون ألف نسمة في تطوان عاصمة المنطقـة، وحسب النمـو الديمغرافي للمنطقـة، فقـد بلغ عـدد السكان حسب الإحصاء الإسباني سنة  1950 مليون نسمة من بينهـم خمسة وثمانـون ألف أوربي، أمـا عدد سكان تطوان خاصـة حسب الإحصاء المذكور ، فقد ارتفاع إلى واحد وثمانين ألف نسمة.
وكانت تطوان طيلـة أعوام الحمايـة الإسبانيـة كما كانت قبل الحمايـة منارة جهاد وثقافة وحضـارة ، ففي سنة 1727 كتب ديبلوماسي أنجليزي هـو ( برايت وايت) مذكـرة عن زيارته للمغرب صحبـة السفير الإنجليزي (مستر جان روسل) قال فيهـا بخصوص مدينـة تطـوان بأنه وجدهـا (أفضل بكثير من جميع المدن الأخرى التي شاهدوها في رحلتهم ويؤيـد فضلها جمال الأراضي التي تحيط بها، وبهـا تجارة شعب من أقـوى الشعوب روحانيـة، وأكثرها تمدنـا في الإمبراطورية المغربية، وقد ترجـم كتابه للفرنسية بعنوان: (هيستوار دي Histoire des révolutions de l'empire du Maroc) أي (تاريخ ثورات الإمبراطوريـة المغربية..) وطبع سنة 1731 في امستردام، وقد اثبت ذلك الأستـاذ محمد داود في (تاريخ تطوان) وهـذه شهادة ديبلوماسية لهالا قيمتها التاريخية والحضارية.
وفي العصر الحاضر جاء الدكتور عبد المنعـم سيد عبد العال ليعطينـا وصفا أدبيا مركزا في كتابه: (لهجـة شمال المغرب ـ تطوان وما حولها ـ طبعـة وزارة الثقافـة المصرية  سنة 1388هـ/ 1968) قال فيه ( تطوان أو عروس الشمـال مدينة تبعـد عن طنجة بما يقرب من ستنين كيلومترا، وهـي مدينـة جميلة، والجمال لا يصور حقيقتها بنيت فوق تـل درسة، إزاء جبال بني حزمار، وأحيطت ببساتين يسقيهـا وادي مرتيل  إذا كنت مقبـلا عليها نهارا بدت لك من بعيـد بعماراتها وبيوتها وكأنهـا مجموعة من الزهـر الأبيض نسقتها الطبيعة تنسيقا يستهوي العين، ويسعـد الخاطر، ويأخـذ بمجامـع القلوب، فإذا كان الليـل رأيتها هيفـاء يغلبهـا الحياء، فتنتشر وراء الجبل مختفيـة عن عينيك ويملؤهـا الزهو فتخرج من مكمنهـا سافرة تعرض عليك مفاتنهـا في ثوب شفاف من الضوء يظهـر جمالها ويضاعف بهاءهـا ويتكرر السفور والحجاب فتنعم بدلالهـا، وتقر عيناك بمرآهـا وإذا استقام لك الطريق هفت نفسك إليهـا حين تراهـا ترحب بك، وأريج حدائقها يدعوك ، حتى إذا ما وصلت إلى حرمهـا ضمك صدرها فتشعر بالراحة، ويسري في نفسك الاطمئنان يرى فيها زائرها فتاة جميلة الحيا باسمة الثغر، لا يمل المقيـم فيها بمرور الأيام لها عشرة ولا يسأم لطـول العهد فيها بقاء شبابها رغم قدم مولدهـا في تجدد، وحيويتهـا في ازديـاد خطاب ودها كثيرون والقاصدون إليهـا أكثر وسعتهم رحباتهـا ووجدوا مختلف أنواع الرزق في جنباتها فامتلأت بسكانها واكتظت بالوافدين عليها... وتطوان عامـرة بالعديد من معاهـد العلم التي يقصدها كثير من طلابـه الوافدين عليها من نواح مختلفة كما أن بها ثكنـات للجيش ومصالح حكومية عديدة.
وأظهر ما في تطـوان تجارتها، وما يتصل بهـذه التجارة من أعمال.. وقد أغرت حركـة التجارة الواسعة فيهـا كثيرا من سكان المغرب على الهجرة إليها. فاستوطنها سكان الريف من أهل الشمال، والفاسي والمكناسي والمراكشي، والسوسي من أهل الجنوب، وغيرهم كثيرون....
شهادتان بارزتان إحداهما لديبلوماسي إنلجيزي في القـرن الثامن عشر، والثانية في القرن العشرين  لكاتب عربي مصري أقام في مدينـة تطوان أربعة أعوام ـ كما في مقدمـة كتابه السابق الذكر ـ في إطار التعاون الثقافي المغربي المصري في السنوات الأولى لاستقلال المغرب            ?

ثبتناهمـا ـ وغيرهما كثير ـ تمهيدا لحديثنا عن مكانـة تطوان وإشعاعهـا الحضاري قديما وحديثا، لكيلا يقال بأن المتحدث قد غرمه الشعور بالتحيز لمسقـط رأسه، والتعصب لمقر آبائه وأجداده وأسرته ، فما في التحيـز والتعصب فائـدة لذوي العقول المستنيرة، وقد قتال تعالى في الكتاب الكريم: ?يا أيهـا الناس إنا خلقناكم من ذكـر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير? س 13 الحجرات.
وسنتوج الشهادتين السابقتين بشهادتين ساميتين وكريمتين، همـا رغم قدمهمـا في تجدد مستمر وإشراق دائم:
الأولـى،  لجلالة الملك المقدس محمد الرابع في رسالـة مؤرخـة في 14 شوال سنة 1278هـ (1862) إلى أهل تطوان بمناسبة جلاء القوات الإسبانية عن المدينة بعد الحـرب المفروضة على المغرب سنة 1860 والمعروفة بحرب الستين، وقـد ورد في الرسالة الملكيـة المذكورة ما يلي: « إن هذه المدينة المباركـة كانت غرة في جبين المغرب الأقصى، لا تحـد أوصافها ولا تستقصى، وأنه يتعين القيـام على ساعد الجد لتعود بحول الله إلى حضارتها، وحسنها ونضارتها».
والثانيـة،  لجلالة الملك المقدس الحسن الأول في رسالـة مؤرخـة في 22 محرم سنة 1307هـ (17 شتمبر 1889م) إلى أهالي تطوان بعد أسبوع واحـد من زيارته التاريخية لها/ حيث أقام بها أسبوعين كاملين من فاتح المحرم 1307هـ إلى اليوم الخامس عشر منه، (27 غشت إلى11 شتمبر 1889م) يتفقد فيهـا أحوال المدينة وسكانها، وقد ورد في الرسالة الملكية المشار إليهـا ما يلي: « نعمت البلدة أهـلا ووطنا، وثغرا ومأمنـا، فهي مدينة الرياضة الروحيـة، وخلوة القراءة والعبـادة والإلهام، وأهلهـا حملة القرآن وأهل الله، وعلى فطرتهم الدينية ليس فها اشتباه على ما تجمـل به أهلها من التوفيق لحسن الائتلاف ورقة الأخلاق وتوطئة الأكنـاف، تحقيقا منهم لحسن الديانـة، وفوزا برضى من رفـع على الأنبياء مكانه لقوله صلى الله عليه وسلم إن أحبكم إلي وأقربكم كمني مجلسا يوم القيامـة، أحاسنكم أخلاقا الموطأون أكنافـا، الذين يألفون ويؤلفـون».
والجدير بال>كر أن جلالته بعد هذه الزيارة مباشرة أرسل ولده مولاي عمر إلى تطوان لدراسة العلم على شيوخها فأقام لهذه الغاية معززا مكرما سنتين كاملتين.
وحيث قدر عرفنا مقام تطوان الروحي ومكانتها التاريخية البارزة بين مدنت المملكة المغربية وجب علينا أن نتساءل : متى كانت تطوان؟ وماهي الأدوار التي لعبتها على مسرح التاريخ وجعلت منها مدينة محبوبة ومرهوبة في نفس الوقت؟ محبوبة لأنها مدينة الإلهام والإشراق والوداعة والسلام. ومرهوبة لأنها مدينة جهاد معقل ونضال وعرين زعامة فكرية وروحية ومنير توجيه وزيادة وقيادة مع ما اتسمت به من مرونة السلوك، ورهافة الحس وحسن التفهم ولطافة الذوق والجنوح إلى المسالمة والملاينة في ترفع وإباء وحذر ومضاء فانطبق هذه السمات على ما وصفت به من تفاحة فيحاء وحمامة بيضاء والتفاحة رمز للخصب والمودة والوفاء والحمامة رمز للسلام والألفة والصفاء كما وصفت بعروس الشمال الحسناء اليافعة ونجمة الناحية الجبلية اللامعة. وحديقة الجمال اليافعة وما أراني بالغت ولا أطنبت. وقد قدمت في صدر الكلام ما ساعد على إكمال الوصف واستدراك ما تقدم بالإضافة وواو العطف.

أوفي عنق الحسناء مـن الوصف لامعا * (وفي عنـق الحسناء يستحسن  العقد)

وفيما يلي سنقدم إشارات إلى ما ذكرناه وأومأتـا إليه. توضيحا لاسم تطوان. وتاريخ ظهورها وتحديدها ودورها الحضاري والفكري والنضالي عبر التاريخ.
فقد ذكرها المؤرخون بعدة أسماء منها اسم تطـوان (بتاء مكسورة وطاء مشددة ممدودة مع الفتح، وواو مضمومة ذ. ونون في آخر الكلمة) ذكرت بهذا اللفظ في كتاب «نزهة المشتاق للشريف الإدريسي السبتي المتوفى سنة 1252 م وفي (نزهة الحادي) للأفراني المراكشي المتوفى سنة 1727 وهذه الصيغة هي المشهورة والمعتمدة عند سكان المدينة القدماء.                    ?

وذكرت باب تطاوين (بتاء مكسورة وطـاء مشددة مفتوحة مـع المـد وواو مكسورة ونون في الآخر! وردت بهـذا اللفظ في كتاب (وصف إفريقيا) للحسن الـوازن الفاسي المعـروف بليون الإفريقي المتوفى سنـة 1552 وفي كتاب (الاستقصا) لأبي العباس الناصري المتوفى سنـة 1897 واعتمده الفقيه المؤرخ أحمد الرهوني التطواني المتوفى سنة 1953 في كتابه المخطوط الذي سمـاه (عمدة الراوين في تاريخ تطاوين).
وذكرت باب تطوان (بتاء مكسورة وطاء ساكنة. وواو مفتوحة مع المد ونون في الآخر) كما في بعض المصادر منها (الترجمانة الكبرى) لأبي القاسم الزياني المتوفى سنة 1833 وفي أقدم مؤلف في تاريخ تطوان لأبي محمد عبد السلام السكيرج المتوفى سنة 1834 الذي سماه (نزهة الإخوان وسلوة الأحزان في الأخبار الواردة في بناء تطوان. ومن حكم فيها وتقرر من الأعيان) وهذا هو الإسم الذي اعتمده الأستاذ محمد داود مؤرخ تطوان الحالي حفظه الله لموسوعته التطوانية التي سماها (تاريخ تطوان) وهو الاسم الذي عرفت به المدينة نطقا ورسما في العصر الحاضر.
وقال بعض المؤرخين إن هذه الكلمة بربرية معناها (العيون الجارية) سميت بذلك لكثرة عيونها المائية الجارية وهذا شئ معلوم عند التطوانيين الأصليين. فالمدينة القديمة زاخرة بالعيون المائية التي تجري في قنوات فخارية وضعت لهذه الغاية لتصل إلى المساجد والبيوت القديمة. وهذه المياه ثقيلة في الجملة وإن كانت عذبة صافية وكانت تسمى بماء (السكوندو) ولعل هذا الاسم أطلق عليها بعد الحماية الإسبانية لأن كلمة (سكوندو) بالإسبانية يراد بها الثاني) فعرف هذا الماء بالماء الثاني بعد عثور الإسبانيين على عيون أخرى في ضاحية (سيدي طلحة) نسبة إلى الشيخ الصالح أبي يعلى سيدي طلحة الدريج الذي يوجد ضريحه بالضاحية المذكورة وقد عدت مياه سيدي طلحة في الدرجة الأولى لخفتها ومدت أنابيبها إلى بيوت الإسبانيين بالمدينة الجديدة قبل تزويد المدينة بقسميها القديم والجديد بالمياه المنحدرة من ضاحية (طوريطا) منذ سنة 1915. ومع ذلك احتفظت المساجد وكثير من البيوت الكلاسيكية بمياه (السكوندو) الأصلية.
هذه العيوب النضاخة وما يوازيها من أنهار جارية كنهر كيتان،  والمحنش،  ويوجداد، ومنابع أخرى كمنبع بوعنان ومنبع الزرقاء. كل ذلك جعل من المدينة جنة خضراء أوحت للشعراء بالكثير مما جادت به قرائحهم في وصف تطوان. ومن ذلك ما أنشده أبو عبد الله محمد بن زاكور الفاسي سنة 1709 قال:

تطـوان مـا أدراك  ما تطــوان  * سالـت  بهـــا  الأنهـار  والخلخـال
قـل  إن  لحـاك مكـابر في حبها * هي  جنـة  فردوسهــا  الكينــــان

وذهب بعض المؤرخين أيضا إلى أن المقصود بكلمة تطوان هو (العيون الساحرة) أي العيون الباصرة الجميلة ولعلهم أرادوا بذلك الكناية عن جمال المدينة ومفاتنها الطبيعية بالعيون الجميلة الجذابة التي تستهوي النفوس وتسحر الآليات.
والواقع أن كلمة العيون جمع عين من الألفاظ المشتركة الدالة على معنيين مختلفين أو أكثر كما حققه علماء اللغة والبلاغة والأصول. وهكذا نجد لفظ العين يستعمل حقيقة كما يستعمل مجازا وكتابة عن كثير من الأشياء والمعاني.
فالعين حقيقة هي العين الباصرة التي ينظر بها الإنسان وكل ذي بصر. وهذا شئ معروف لا يحتاج إلى مثال يقرب المعنى.
أما العين مجازا وكناية فتستعمل لعدة معان منها. (العين الجارية) كقوله تعالى في وصفه الجنة دار الثواب والنعيم الخالد. (فيها عين جارية 12- الغاشية وليس المراد بها عينا واحدة وإنما هذا جنس يعني فيها عيون جاريات كما قال عز وجل ?إن المتقين في جنات                             ?

وعيون أدخلوها بسلام آمينين? 45-46 الحجر. وفي آية أخرى تتعلق بظاهرة أرضية قال تعالى ?وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر ? ص 12 ـ القمر.
والعين تستعمل كتابة عن العلم والعناية والحفظ كما قال تعالى في قصة نوح عليه السلام ?فأوحينا إليه أن أصنع الفلك بأعيننا ووحينا? 27 ـ  المومنون والأعين جمع عين للمبالغة ومثل ذلك قوله تعالى ?واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا? ص:  48 ـ  الطور.
والعين يعبر بها عن الأثر الذي يصيب الإنسان ممن نظر إليه نظرة صادرة عن انفعالات نفسية شريرة. وفي الحديث الشريف (العين حق) رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه ومن ألطف ما قيل في هذا المعنى من باب التورية البلاغية.

وما بي سـوى عيـن نظرت لحسنها  * وذاك  لجهلـي بالعيـون وغـرتي
وقالـوا بي في الحـب عيـن ونظرة * لقـد صدقوا عيـن الحبيب ونظرتي
والعين يعبر بها عن الجاموس المتمتع للأخيار والحركات والأحداث لأن العين جزء منه أطلقت عليه وأريد بها هلاكه قال الشاعر:

إذا العين نامت وهي عين على الجوى * فليـس مـا تسـر الأضالــــع
فأراد بالعين الأولى العين الحيقية الباصرة وبالعين الثانية حركة تتبع أخباره وأسراره كتابة عن الجاسوسية.
والعين يعبر بها عن النقد من الدراهم والدنانير، وفي فقه الزكاة (زكاة العين) أي زكاة المال.
والعين تعبير عن السيد الشريف واحد الأعيان والأعيان هو السادة الأشراف والإخوة الأشقاء كذلك وعين القوم سيدهم وعين السئ نفسه كما قال الشاعر في العسل.

تقـول هـذا لعـاب النحــل تمدحـه * وإن ذممـت فقـل، قئ الزنابيــر
مـدح  وذم  وعيـن الشـئ  واحـدة  * إن البيـان  يـرى  الظلماء كالنور

وقياسا على ما تقدم نجد أنه لا خلاف من جهة المعنى بين من قصد بتطوان العيون الجارية. ومن قصد بها العيون الساحرة. وإنما الخلاف في اللفظ إذ العيون الجارية لها أيضا جمالها فالذي قال بأنها عيون جارية فهو صادق. والذي قال بأنها عيون ساحرة فهو أصدق، فإن الناس لا يقصدون تطوان لغزارة مياههما. بل لجمال وسحر عيونها.
هذه المدينة  كانت موجودة على هيئة قرية صغيرة في عهد الرومان البزانطيين الذين حكموا أكثر من مائة وخمسين سنة قبل الفتح الإسلامي للمغرب وقد عرفت تطوان الإسلام سنة 682 م. وبعد فتح مدينة سبتة فتحا سليما على يد الفاتح عقبة بن نافع ثم وصل إليها الفاتح الثاني موسة بن نصير سنة 710 م فصارت لتجمع المجاهدين الذين عبروا إلى الأندلس بقيادة طارق بن زياد لإعلام كلمة الله ونشر الحضارة الإسلامية في الربوع الأندلسية.
وبعد وفاة الإمام مولاي إدريس الثاني. رضي الله عنه سنة 828 صارت مدينة تطوان ضمن المقاطعة التي تولى حكمها القاسم بن إدريس الثاني كخليفة لأخيه الإمام محمد بن إدريس الثاني. وفي صراع عنيف بين الفاطميين والأمويين والأندلسيين على حكم المغرب بعد انحلال الدولة الإدريسية سنة 917 تهدمت تطوان سنة 949 بعد أ، شهدت تيارات إديولوجية ساخنة بين الفاطميين الشعبيين بشمال المغرب وأمراء بني أمية السنيين بالأندلس ولا بعني تهديمها أنها خلت من السكان بل إنها بقيت كقرية آهلة أكثر من ثلاثة قرون يقصدها  بعض الأندلسيين للإقامة بها. كالشيخ الصالح أبي عبـد الله الفخار السبتي المتوفى سنة 1106 م. وضريحه مشهور في الجناح الأخضر بتطوان. والشيخ الصالح عبد القادر التيين        ?

الأندلسي الغرناطي المتوفى سنة 1170م ويعرف بسيدي عبد القادر النبي وضريحه مشهور خارج باب الرموز بينه وبين باب العقلة.
وبما أن المغرب كان في صراع عنيف مع القوات الصليبية الأندلسية منذ القرن السابع الهجري والثالث عشر الهيلادي فقد كان مضطرا لتحصين ثغوره لتأمين البلاد من أي هجوم أجنبي محتمل وذلك ما دفع بالسلطان يوسف بن يعقوب المريني إلى بناء قصبة تطوان الأولى بسفح جبل درسة وذلك سنة 1286 وفي سنة 1308 أمر السلطان أبو ثابت عامر بن عبد الله المريني ببناء مدينة تطوان وتوسيع قصبتها. وكان بناء المدينة خفيفا على شكل قرية كبيرة آهلة بالسكان. وبقيت على هذا الشكل إلى سنة 1400 حيث دمرها الجيش الإسباني بأمر جلالة الملك أنريكي الثالث بدعوى أنها مركز عسكري خطير مواجه لساحل اسبانيا. وكان هذا الحدث الكبير في عهد السلطان أبي سعيد عثمان بن أبي العباس أحمد المريني وفي غمرة الصراع بين المرينيين والوطـاسيين من جهة. وتكالب الاستعماريين الإسباني والبرتغالي على المغرب من جهة أخرى بقيت تطوان خربة وأطلالا وقرية بسيطة مدة تسعين سنة كاملة.
و في اليوم الثاني من شهر ربيع الأول سنة 897 الموافق لليوم الثاني من يناير سنة 1492 وقعت مدينة غرناطة الأندلسية في يد الإسبانيين الذين أجبروا المسلمين على اعتناق الديانة المسيحية أو الخروج من ديارهم وبلادهم إلى حيث شاؤوا فهاجر كثير من الأندلسيين إلى المغرب وفي مقدمتهم أبو عبد الله ابن الأحمر آخر ملوك بني الأمر بغرناطة, ونزل ضيفا مكرما على السلطان محمد الشيخ الوطاسي بمدينة فاس، وبها توفي سنة 1533 واستقر كثير من الأندلسيين بمدينة فاس التي تعد بحق الأخت الكبرى لمدينة تطوان في مختلف المظاهر الاجتماعية وفي طليعتها المحافظة على الأصالة الإسلامية والحضارة العربية الأندلسية.
وكان من أبرز المهاجرين أيضا القائد الكبير الشيخ أبو الحسن علي المنظري (نسبة إلى قلعة المنظر بغرناطة) مع نخبة من أعيان غرناطة وفرسانها نزلوا في ناحية تطوان ثم قدموا على السلطان محمد الشيخ الوطاسي بفاس فأكرم وقادتهم. ومنحهم مدينة تطوان لتجديدها وتعميرها واتخاذها مدينة لهم. ومقرا لإقامتهم وأسند ولايتها والنظر في شؤونها إلى القائد أبي الحسن المنظري .
وبناء على ذلك شرع أبو الحسن المنظري في بناء مدينة تطوان في اليوم السابع من شهر شعبان سنة 898 هـ الموافق لفاتح يونيه سنة 1943 م وبذلك قال محمد العربي بن يوسف الفاسي الفهري المتوفى سنة 1052 هـ. 1642 م. ووثقه الأستاذ محمد داوود. فأحاط المنظري المدينة بالأسوار الأثرية المعروفة حاليا. ثم بنى قصبة سوق الحوت القديم وهي القصبة الثانية المشهورة بعد القصبة الأولى المطلة على المدينة وقد أشرنا إليها فيما تقدم، ثم بنى المسجد الجامع قرب القصبة الثانية فعرف بجامع القصبة إلى الآن،  أما أسوار المدينة فقد جددت في القرن الثاني عشر الهجري والثاني عشر الميلادي على يد قائد تطوان الحاج محمد تميم التطواني المتوفى سنة 1750 الذي صرف على التجديد والصيانة من أمواله الخاصة مع الإشراف بنفسه على البناء والتجديد ويقول الأستاذ داود في تاريخ تطوان. إن هذا القائد يستحق أن يخلد اسمه في تاريخ المدينة لما بذله من جهود وأموال في سبيل مصلحة المدينة وأهلها.
والجدير بالذكر أن أبا الحسن علي بن راشد مؤسس مدينة شفشاون سنة 1471 قد آرز صديقه المنظري في بناء تطوان وكانت بين القائدين الكبيرين مودة متينة وتعاطف قوي جعل من المدينتين أختين نابهتين متعاطفتين في السراء والضراء على الدوام وكانت وفاة أبي الحسن علي بن راشد سنة 1511 وضريحه مشهور بشفشاون كما كانت وفاة أبي الحسن علي المنظري سنة 1514 وضريحه مشهور بتطوان ولا يعدله في الشهرة إلا ضريح الشيخ الصالح أبي عبد الله سيدي محمد السعيدي الذي بناه وجعل زاوية الشيخ الصالح قاسم الحاج التطواني الأندلسي المتوفى سنة 1611. أما سيدي السعيدي فلا    ?

يعرف تاريخ وفاته. ولكن المعروف أنه كان من أولياء الله المستورين. وأن اسمه هو محمد السعيدي نسبة إلى قبيلة بني سعيد وقيل الصعيدي نسبة إلى صعيد مصر والله أعلم ولكنه عرف على التحقيق بالسعيدي نسبة إلى بني سعيد وب>لك قال الأستاذ داود في تاريخه والفقيه الرهوني في عمدة الراوين ولعل هذا الشيخ الصالح كان موجودا بتطوان في القرن التاسع الهجري والخامس عشر الميلادي ودليلنا على ذلك والله أعلم أنهم ذكروا أن هذا الشيخ كان يتعبد تارة في المحل المعروف برأس الطرف بسبتة. وتارة بالمحل الذي توفي ودفن فيه بتطوان وحيث كان احتلال سبتة من طرف البرتغال سنة 818 هـ 1415 م ثم وقع تفويتها إلى اسبانيا سنة 1050 هـ 1640 م بعد اندخار البرتغال في معركة وادي المخازن ـ فإننا نستبعد أن ينتقل الشيخ من تطوان إلى سبتة ليتعبد فيها في ظل الاحتلال البرتغالي الصليبي. بل إن سلطة الاحتلال ربما تشك في حركته فتمنعه من الدخول إلى المدينة المحتلة أو تحجزه فيها. فنستنتج أن تنقله بين تطوان،  وسبتة كان قبل احتلالها. وأن استقراره بتطوان ووفاته بها. كان بعد احتلال سبتة. وحيث كان احتلال سبتة كما أشرنا في أوائل القرن التاسع الهجري والخامس عشر الميلادي،  فالمظنون والله أعلم أن الشيخ كان من رجال القرن المذكور وهو القرن الذي جددت في أواخره مدينة تطوان.
ويذكرون أن الشيخ قاسم الحاج السابق الذكر. رأى في المنام سيدي السعيدي يأمره بالكشف عن قبره الذي اختفى بين الأعشاب والأشواك فبحث الشيخ قاسم عن القبر بين العليف فوجده وكشف عنه وأحاطه بسياج هو القبة المعروفة بداخل الزاوية. وقد دفن فيها الشيخ قاسم إلى جانب سيدي السعيدي. وفي القرن الثاني عشر الهجري والثامن عشر الميلادي اشترى «الدوكي دي ريبيردا» أملاكا حبسها على ضريح سيدي السعيدي والدركي المذكور أوربي مسيحي ديبلوماسي اختار الإقامة بتطوان ومات بها سنة 1737 والواقع أن ضريح سيدي السعيدي على تواضعه وبساطته وضريح مبارك ومسجد تقام فيه الصلوات الخمس وهو أشهر الأضرحة التطواني بعد ضريح مجدد المدينة سيدي علي المنظري الذي أدخلت عليه تحسينات مناسبة سنة 1390 هـ / 1970 م ودفن فيه الزعيم التطواني الأستاذ عبد الخالق الطريس.
ونعود إلى بناء مدينة تطوان فنقول بأنه يتعين إعادة النظر في شعار المدينة الذي يحمل بداخله (تفاحة) وتشير حسب الحساب الأبجدي إلى أنها أسست سنة 889 هـ الموافقة لسنة 1484 م، والواقع أنها بنيت بعد استيلاء الإسبانيين على غرناطة سنة 897 هـ / 1492 م، كما قدمنا وبإذن خـاص مـن ملك المغرب لأبي الحسن المنظري الذي هاجر بعد سقوط غرناطة وشرع في بناء المدينة اعتمادا على الأمر الملكي سنة 898 هـ /1493 م كما تقدم.
نعم يحتمل أن يكون بعض الأندلسيين الغرناطيين هاجروا سنة 889 هـ / 1484 م بسبب اضطهاد الإسبانيين لهم فنزلوا في تطوان وبنوا فيها مساكنهم بصفة شخصية ولكن هذا الأمر لا يعتبر رسميا تأسيسا أو تجديدا للمدينة لأن العادة جرت بأن التأسيبس أو التجديد لمدينة ما يكون بيد ملك أو أمير أو من يقوم مقامهما رسميا، ومثال ذلك أن البرتغال احتلوا مدينة الجديدة في القرن الحادي عشر الهجري والسابع عشر الميلادي، وكانت تسمى (البريجة) وفتحها الملك المقدس محمد الثالث في القرن الثاني الهجري والثامن عشر الميلادي،  فجلا عنها البرتغال بعد تهديمها فسماها الناس (المهدومة) فلما آل الأمر إلى الملك المقدس مولاي عبد الرحمان بن هشام في القرن الثالث عشر الهجري والتاسع الميلادي أمر عامله وابن محمد القائد سيدي محمد بن الطيب بن محمد الثالث بتجديد مدينة البريجة وإعادة بنائها،  وسماها (الجدية) فهي تعرف بهذا الاسم إلى الوقت الحاضر،  فكان التجـديد والبناء رسميا بأمر ملك الوقت. وكذلك الأمر في تجديد وبناء تطوان فقد كان بإذن سلطان الوقت محمد الشيخ الوطاسي لعامله أبي الحسـن المنظري الذي شرع في هذه المهمة كما قدمنا سنة                                         ?

898 هـ / 1493 م فيعتبر التاريخ هو تاريخ بناء أو تجديد مدينة تطوان الحالية وعليه المعول، ولا اعتبار لغيره.
تطوان الحالية إذن هي تطوان الأندلسية التي أسسها وجدد معالمها المجاهد الأندلسي أبو الحسن علي المنظري في التاريخ الذي حققناه فيما تقدم. وبقي هذا القائد الكبير عاملا على المدينة إلى أن التحق بالرفيق الأعلى سنة 919 هـ / 1514 م، فخانه ابن أخيه المعروف بالمنظري الحفيد. ونسميه في هذه الإشارات بالمنظري الثاني، وقد واصل خطة عمه المنظري الأول في تعمير المدينة التي صارت ملجأ للمسلمين واليهود الفارين من الأندلس بسبب طغيان المسيحيين الإسبانيين وتعصبهم الديني، حتى أنـه في سنة 1609 أصرف الملك الإسباني فليب الثالث قرارا بنفي جميع المسلمين الأندلسيين المعروفين بالموريسكوس من البلاد الإسبانية وقد استقر عدد كبير منهم بمدينة تطوان.
والجدير بالذكر أن الأندلسيين المهاجرين اتخذوا اللون الأبيض في اللباس والفراش شعارا لهم وتعبيرا عن الحداد على مفارقة بلادهم وديارهم ولكنهم وجدوا في تطوان من الرفق والعطف والمواساة ما عوض الحنين والشوق إلى الفردوس المفقود. بالاطمئنان والرضى في الوطن الجديد الآمن المحمود ولكن الفراش الأبيض في تطوان بقي كما كان أيام المحنة والحداد. حتى صار مع مرور الأزمنة هو القاعدة والعرف. فلا تدخل دارا من دور الأغنياء والفقراء من سكان المدينة الأصليين. إلا وتجد الفرق وقاعات الاستقبال مغطاة بالقماش الأبيض ومن خالف شذ عن القاعدة وأطلقوا على هذه الأغطية القماشية البيضاء كلمة (تلامط) جميع (تلميطة) ولعلها مشتقة من كلمة (لمط) ومعناها اللغوي، الاضطراب وضياع الحق، فتقول، لمط الرجل. أي اضطرب. والـتمط فلان حق فلان، أي ذهب به فهي بهذا المعنى قريبة من كلمة (غمط) يمعنى قهر وسلب فلعلهم كانوا يشعرون رغم استقرارهم واستبشارهم بعوامل نفسية بئيسة كإحساس كامن بين الأضلاع بالاغتراب والقهر وضياع الحق. ويتجلى ذلك في شعور عميق بالأسى والاضطراب النفسي أوحى بالتزام الحداد في ظاهرة التلميطة البيضاء وورث الأبناء عن الآباء والأجداد هـذا العرف بدون إرادة ولا إدراك لأسبابه حتى صار مظهرا مـن مظاهر الحضارة التطوانية, ومـا زالت بعض البيوت التطوانية الأصلية متشبثة بهذا المظهر مـع إدخال تحسينات شكلية عليه. كتغطية التلميطة البيضاء بشال حريري أصفر. وطنفسة (زربية) مزخرفة فاخرة.
والجدير بالذكر أيضا أن مدينة تطوان احتضنت  الحضارة الأندلسية بكل حرارة واستفادت منها استفادة تامة في جميع المظاهر العمرانية والعادات والأعراف الاجتماعية والثقافية الأصلية وهي بذلك اكتسبت شخصية مرموقة متميزة عن المدن المغربية الأخرى، بالتزامها لطابعها الأندلسي العريق سواء في هندسة البيوت والمساجد، وفي زراعة البساتين والحدائق. وفي كثير من أنماط الصناعات التقليدية والفنون الجميلة. وخاصة منها الموسيقى الأندلسية التي كانت تطوان مدرسة عليا لها. وكان من أبرز شيوخ هذه المدرسة في القرن الثاني عشر الهجري والثامن عشر الميلادي الأستاذ الفنان أبو عبد الله محمد بن الحسين الحائك التطواني الأندلسي الذي دون الطرب الأندلسي بألفاظه ونوباته في كتابه المشهور باسم (كناش الحائك) وهو من ألمع المصادر في هذا الفن الإنساني الجميل وحيث اشتهرت تطوان في القرن الثاني عشر الهجري بالإبداع في الطرب الأندلسي وتطبيق نوباته في قصيدتي «البردة والهمزية» للإمام البوصيري في مدح رسول الله صلة الله عليه وسلم فإن أمير المؤمنين محمد الثالث استدعى المنشدين والمادحين التطوانيين لإنشاد البردة والهمزية بين يديـه في الاحتفال الكبير الذي أقامه ليلة عيد المـولد النبوي الشريف سنة 1200 هـ  بجامع السنة بالرباط. ولعل في هذه الالتفاتة الملكية ما يشعر بمكانة تطوان الفنية والأدبية في مستهل القرن الثالث عشر للهجرة.
ونعـود إلى نشأة مدينة تطوان لنذكر حـدثا بارزا له مغزاه في تاريخها وهـو زواج القائد المنظري الثاني                                  ?

 بالسيدة عائشة الحرة بنت أبي الحسن علي بن راشد صاحب مدينة شفشاون وأن هذه السيدة حكت مدينة تطوان بعد وفاة زوجها المنظري الثاني سنة 1528 إلى أن تزوجها بمدبنة تطوان السلطان أبو العباس أحمد بن محمد الوطاسي البرتغالي سنة 1541 ووثيقة زواجها منشورة بالجزء الأول من كتاب (الوثائق) الصادر عن مديرية الوثائق الملكية بتحقيق صديقنا الأستاذ عبد الوهاب ابن منصور الذي يرجح أن اسم السيدة المذكورة هو الحرة. خلافا لمن قال بأن اسمها هو عائشة الحرة. ولا نرى خلافا في ذلك منـذ القديم اعتادوا على تسمية الشخص باسمين محمد المهدي, وفاطمة الزهراء. وغالبا ما يذهب اسم ويثبت الآخر، ويبدو أن إضافة صفة الحرة إلى الاسم المؤنث كان معروفا في القرن العاشر الهجري والسادس عشر الميلادي،  ويقول الأستاذ محمد داود بأن ذلك من باب تشريف المرأة وتكريمها ويشهد لذلك ما ذكره الافراني في (نزهة الحادي) من أن المنصور الذهبي السعدي كانت تسمى الحرة مسعـودة بنت أحمـد الوزكيتي وقد كانت عائشة الحرة بنت علي بـن راشد في عصر الحرة مسعودة فـزال الإشكال.
وقد عرفت عائشة الحرة أيضا بالست الحرة وكانت أمها إسبانية مسيحية أسلمت وسميت للا زهرة وأنجبت الست الحرة التي وصفت بالذكاء والدهاء وقوة الشخصية وهو ما جعلها تتحمل أعباء الحكم في عصر لم تكن فيه المرأة تتمتع بمكانة سياسية ملحوظة وحكم هذه السيدة لتطوان ظاهرة حضارية مبكرة تميزت بها تطوان فيما نعلم عن بقية مدن المغرب.
ومن الأعلام البارزة في هـذا العصر الفقيه الأديب القاضي محمد بن عبد الرحمان الكراسي الأندلسي الغرناطي المتوفى سنة 1556 وقد تقلد قضاء تطوان وبقي فيه إلى وفاتـه،  وله أرجوزة تاريخية طويلة في تاريخ بني وطاس الذين حكموا المغرب بعد الدولة المرينية وتسمى (عروسة المسائل فيما لبني وطاس مـن الفضائل) وقد طبعت بالرباط بالمطبعة الملكية سنة 1383 هـ ـ 1963 مبتحقيق وتقديم الأستاذ عبد الوهاب ابن منصور مؤرخ المملكة المغربية كما اثبت بعضها الأستاذ محمد داود في تاريخ تطوان.
ومـن أعلام هذا العصر كذلك الشيخ الصالـح سيدي علي الفحل المتوفى كذلك سنة 1556 وضريحه معـروف في مقبرة سيدي المنظري وفوقـه ضريح القاضي الكـراسي السابق الذكر،  وقـد كادت قبـور بعض الأعلام تندثر فيجب على المصلحة الأثريـة أن تهتم بأضرحة أعلام المغرب كما تهتم بالسوار والأبراج.
تطوان:      ?

وبعـد، فقد اطلعت على العـدد الأخير لشهر مارس  الفارط من مجلة دعـوة الحق، فوجدته بحـق عددا ممتازا تستحق عليه كل تهنئة وتقدير.
واسمح لي عبد هـذا أن ألفت نظر اخوتك إلى بعض الأغلاط المطبعية  في الموضوع الذي تكرمتن بنشره حول الإشعـاع الفكري والحضاري لمدينة تطـوان، وإنني لا أحملك مسؤوليـة الأخطاء المطبعية، فانـا مارست  المطبعـة والصحافة أعوامـا طويلة، وأعرف أتعابهما وأهوالهمـا، غير أن بترا وقع في أول  الموضوع المذكـور أقلقني، لأنه بكل بساطة شـوه فقرة كاملة من المقـال وأزرى بها، زيـادة على حذف أرقامك الفقرات وهي بمثابة عناويـن صغيرة عنـد الكاتب، وإذا اغتفرت حـذف الأرقام  الفاصلة، فإنـي آسف لبتر جملة تاريخية هامـة غيرت معنى الكلام، والقراء لا يرحمـون كما لا يخفاك، ولذلك أرجوا  أخـي أن تنشـر التصويبات  التي تصلك طيه في آخـر القسم الثانـي من الموضوع، أمـا القسم الثالث والأخير، فسيصلك قريبا إن شاء الله.
تطوان.

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here