islamaumaroc

النظام الجديد للتعليم والتربية -1-

  دعوة الحق

38 العدد

من اللازم قبل أن نقترح الاصلاحات في النظام الحاضر للتعليم في بلادنا، أن نكون على بينة مما يوجد في نظامنا الحاضر للتعليم من المعايب والنقائص، إذ لا يمكن بدون ذلك أن نعرف كيف وعلى أي وجه يجب أن ندخل عليه الإصلاحات والتعديلات.
إن بلادنا يوجد فيها اليوم نظامان مختلفان للتعليم:
نظام تجري عليه مدارسنا القديمة وتقوم تحته بإعداد الأفراد لحاجاتنا الدينية.
ونظام تجري عليه كلياتنا وجامعاتنا العصرية وتقوم تحته بإعداد الأفراد لإدارة سائر شؤوننا في الحياة ما عدا ما يتعلق منها بالناحية الدينية.
فالمهمة التي تواجهنا إذن هي أن ندرك أولا ما في كلا هذين النظامين من النقائص والمعايب، ثم نقترح بدلا منها نظاما للتعليم والتربية موحدا يفي بكل ما لنا من الحاجات في الحياة الدينية منها والاجتماعية والمدنية معا، وينهي –في الوقت ذاته- هذه الثنوية في نظام التعليم الحاضر، التي إنما تقوم على النظرية الباطلة القائلة بالتفريق بين الدين والدنيا.

النظام القديم:
أما النظام القديم، فمن سوء الفهم الشائع عنه، أنه النظام القديم لتعليمنا الديني، وحقيقة الأمر أنه ما كان نظاما لتعليمنا الديني وإنما كان نظاما قررته الحكومات المسلمة الماضية لأعداد الأفراد لوظائفها الإدارية الرسمية، وعلى هذا فقد كانت حاجتنا إليه قد انتهت يوم قام في بلادنا الحكم البريطاني، اذ لم تعد للمخرجين تحته مكانة ما في الحكومة الجديدة، ولكنه لما كان محتويا على تراثنا المدني والثقافي منذ عدة قرون ماضية، وكان فيه، ولو على قدر غير كاف، ما يفي بحاجاتنا الدينية، فقد عزم عنصر كبير من أمتنا في بدء عهد الاستعمار، أن يحتفظوا به ولا يدعوه ينقرض مع الأيام مهما كلفهم ذلك حتى لا يتشتت شملنا ولا نفقد كياننا القومي بانقطاعنا عن تراثنا القومي انقطاعا كليا. ولهذه المصلحة بعينها فقد استبقوا عليه واحتفظوا به، ولكن ما زالت ناحيته للإفادة تقل يوما فيوما على قدر ما اعتراه مع الظروف من التغيرات، لأن الذين كانوا يتخرجون تحته، ما كانوا يتناسبون مع الحياة الاجتماعية بل كانوا لا يعرفون شيئا عن مسائلها ومشاكلها، ولذا فإنه لا مصرف للذين يتخرجون اليوم تحت هذا النظام سوى أن يجلسوا في المساجد يؤمون الناس في الصلاة أو يفتحوا المكاتب لتعليم الصبيان قراءة القرآن أو يجعلوا الوعظ مهنة يكسبون بها قوتهم ويشعلوا بين المسلمين نيران الخصومات والمشاجرات حول المسائل الاعتقادية أو الفقهية حتى تبقى الأمة تشعر بحاجتها إليهم. فهكذا وان كنا نستفيد بوجودهم بعض الشيء، أي لسببهم ينتشر فينا علم الدين، ولو إلى حد ضئيل، ويحصل للناس بعض معرفة بمبادئ الدين وتعاليمه ويبقى في حياتنا الدينية بعض حرارة، إلا أن الضرر الذي يصيبنا لأجلهم هو كبير جدا إذا قايسناه بناحية الفائدة هذه. تراهم لا يستطيعون أن يمثلوا الإسلام تمثيلا صحيحا ولا أن يطبقوا مبادئ الإسلام وتوجيهاته على قضايا الحياة العملية، ولا أن يقودوا الأمة وفقا لأحكام الإسلام وتعليماته ولا أن يعالجوا مشكلة من مشكلات حياتها الاجتماعية، بل انني لا أفارق الحقيقة إذا قلت أن الدين بدل أن تعلو كلمته ويرتفع رأسه، لا تزال رايته تنتكس يوما فيوما لأجلهم. وأن الطرق التي يتعبونها لتمثيل الإسلام ودعوة الناس إلى قبوله، من البشاعة والقذارة حيث لا يزال الناس لأجلها يبتعدون عن الدين ويضيقون به ذرعا، وقد أثاروا فينا من المجالات والخصومات لا يسر المسائل الدينية واهونها مالا تنقطع سلسلته لأن حاجاتهم في الحياة ترغمهم إرغاما على أن يتعهدوا هذه المجادلات والاحتكاكات بين المسلمين بالغرس والري حتى تبقى قائمة على سوقها بل تنمو وتزدهر، فإنه لولاها لما شعرت الأمة بحاجة إلى وجودهم.
هذا ما عليه نظامنا القديم للتعليم، فعنصر التعليم الديني فيه قليل جدا وأن المهمة التي يستخدم فيها اليوم، أي أعداد العلماء والأئمة للمساجد، ما كان وضع لها في حقيقة الأمر، وإنما كان وضع، كما بينا آنفا، قبل قرنين أو أكثر بقليل لأعداد الأفراد للوظائف الحكومية، وأما إذا كان قد أضيف إليه تعليم الفقه الإسلامي، فذلك لأن الفقه الإسلامي هو الذي كان قانون البلاد في ذلك الزمان، فلم يكن للمسؤولين عن تنفيذه بد من معرفته والإلمام بأسسه. فإذا  كنا نعتقد اليوم أنه نظام لتعليمنا الديني، فإنما ذلك اكتفاء منا بالناقص الابتر ما دمنا لا نجد الكامل الصحيح، وإلا فالحقيقة أن عنصر التعليم الديني فيه قليل جدا، فلا يهتم فيه بتعليم القرآن والسنة والمبادئ الأساسية للدين على قدر ما يهتم فيه بتعليم الفقه والأدب والمنطق والصرف والنحو وما إليها من العلوم الأخرى على ما كانت توجد عليه قبل قرنين أو ثلاثة قرون. ليست عندنا اليوم مدرسة دينية يكون تعليم القرآن من أوله إلى آخره داخلا في منهاجها للتعليم، وإنما تدرس في أكثر هذه المدارس على طريق منظم سورة أو سورتان من القرآن كسورة البقرة وآل عمران فحسب، وأما سائر سور القرآن، فإن كانت دراستها داخلة في منهاج بعض هذه المدارس فإلى حد ترجمة ألفاظها وليس غير. أما الدراسة الوافية للقرآن الحكيم على وجه يجعل من الطالب مفسرا للقرآن، فلا تعرفها هذه المدارس ولا تهتم بها أصلا. وقل مثل هذا في الحديث النبوي، فإنه أيضا لا يدرس في إحدى هذه المدارس على وجه مرض يجعل من الطالب محدثا، وإنما الطريق الذي يتبع في هذه المدارس لتدريسه هو أنه كلما جاء أثناء الدرس حديث يتعلق بالخصومات الفقهية أو الاعتقادية فإن درسه يستغرق عدة أيام، وأما الأحاديث التي توضح حقيقة الدين أو التي قد جاء فيها بيان لنظام الإسلام للاقتصاد أو السياسة أو الاجتماع والحضارة أو الأخلاق أو هي تتحدث برأي الإسلام في دستور الدولة أو نظام القضاء والمحكمة أو القانون الدولي، فإن الأساتذة والتلامذة جميعا يمرون عليها مر السحاب كان ليس فيها شيء يسترعي الانتباه ويستلفت النظر. أن هذه المدارس تهتم بالفقه أكثر من اهتمامها بالقرآن والحديث. الا أن الذي يدور حوله همها في معظم الأحيان بل كلها هو تفاصيل الجزئيات الفقهية، وأما تاريخ الفقه وارتقاؤه التدريجي والمزايا البارزة لكل مدرسة من مدارسه المختلفة وما لهذه المدارس من المبادئ المتفق عليها أو المختلف فيها، وطريق استنباط الأئمة المجتهدين الأحكام من نصوص الكتاب والسنة، فأما هذه الأمور التي لا يمكن لطالب أن يكون فقيها بدون الإلمام بها والتشبع بها في حقيقة الأمر، فما هي بداخلة في مناهج هذه المدارس وبرامجها للتعليم، بل ان اساتذتها –فضلا عن تلاميذها المساكين- يكاد يكون نظرهم فيها كليلا. ان تنشئة الملكة الاجتهادية في الطالب غير مقصودة بل يكاد يعد الخوض فيها من الإثم في هذا النظام للتعليم، فمن العبث أن نرجو منها إعداد المجتهدين في الأمة.  

النظام الجديد:
ولنأخذ بالبحث الآن النظام الجديد للتعليم الذي أقامه الإنجليز في بلادنا.
إن أولما يتساءل عنه بالنسبة لكل نظام للتعليم في الدنيا هو أنه من أي طراز يريد أن يعد الطلاب؟ وما هو المعيار الإنساني الذي يعتمده عند تربية الطلاب وتعليمهم؟
فنحن إذا نظرنا من ناحية هذا السؤال المهم الأساسي، وجدنا أن الانكليز ما أقاموا هذا النظام الجديد في بلادنا بغية المحافظة على ثقافتنا القومية وترقيتها، ولم يكن أمام أعينهم، بل لم يكن أمام أعين الانكليز عند تنفيذه ولا ذلك المعيار الإنساني، الذي كانوا قد وضعوه أمام أعينهم عندما نفذوا نظام التعليم في بلادهم نفسها. فإنه إنما كان منشودهم ومطلوبهم في بلادهم نفسها. فإنه إنما كان منشودهم ومطلوبهم في بلادهم لا في بلادنا نحن. أما الأفراد الذين أرادوا أن يعدوهم هنا، فإن أول صفة تمنوا أن يروهم متحلين بها هي أن يكونوا لهم كأحسن ما يكونون من الآلات الماكينيكية التي لا إرادة لها ولا ضمير، فقد كانوا هنا بحاجة إلى أشخاص يفهمون لغتهم ويعرفون مبادئهم التي كانوا يريدون أن يسيروا عليها نظام حكمهم، ويكونون أهلا لأن ينفذوا في هذه البلاد إرادتهم كما لو نفذوها هم أنفسهم. فتلك هي الغاية الوحيدة التي لتحقيقها أمام الإنكليز في بلادنا هذا النظام الجديد، ولذا فإن جميع العلوم التي جرت دراستها تحت هذا النظام، ما كانت تمت بصلة إلى الإسلام أبدا ولا كان ذلك من الممكن، بل ان كل ما نالته تحت قيادة المنحرفين عن الدين وعقيدة وجود الله، حيث أن الطبقة الدينية التي كانت موجودة هناك، كانت قد أبعدت عن ميدان الفكر والعمل، ولذا فإن جميع العلوم –من الفلسفة والعلوم التجريبية (Sciences) والتاريخ والاجتماعيات –ما رزقت النمو والكمال إلا على أيدي أفراد إذا لم يكونوا منكرين لوجود الله، فقد كانوا لا يشعرون –على الأقل- بحاجة ما إلى هداية منه في حياتهم الدنيوية. فهذه العلوم هي التي جاء بها الإنكليز إلى بلادنا ونفذوها فيها بعين كتبها وهي التي لا تزال الدراسة بها جارية في بلادنا حسب هذا المنهاج حتى يومنا الحاضر. ولذا فإن الذين تخرجوا تحت هذا النظام ما زالت أفكارهم ونظرياتهم تتطبع –بطبيعة الحال- بطابع أساتذة الغرب، فابتعدوا عن الدين وتخلوا عن الفكرة الدينية والأخلاق الدينية، ولا غرو، فإنه إذا كانت جميع العلوم التي يتلقاها الطالب عن الدنيا منذ التحاقه بالمدرسة الابتدائية إلى آخر مراحل تعاليمه، خالية عن فكرة الدين وعبودية الإنسان لله تعالى، فكيف يغدو من الممكن أن يجد الاعتقاد بالله سبيلا إلى ذهنه وقلبه؟ إنه لا يسمع بذكر الله تعالى ولا بدينه ولا بشريعته في كل ما يدرس من الكتب، فإذا درس التاريخ، وجد فيه الحياة الإنسانية تعمل بنفسها لصلاحها وفسادها، وإذا درس الفلسفة وجد فيها لغز الكون يحاول الانحلال بنفسه بدون حاجة إلى نوع من الهداية من رب السماوات والأرض، وإذا درس العلوم التجريبية وجدها تنظر في هذا الكون بحيث هو يسير بنفسه بدون صانع حكيم ومدبر لشؤونه، وإذا درس القانون والسياسة والاقتصاد وما إليها من العلوم الأخرى، وجدها لا تبحث أبدا في ما وضع رب الناس وألهمهم من المبادئ والأحكام للحياة الإنسانية، بل وجد من فكرتها الأساسية أن الإنسان مالك لنفسه فمن حقه أن يضع لحياته ما شاء من المبادئ والشرائع فلعمري أن من يتلق مثل هذا التعليم لا حاجة لغيره أن يقول له اكفر بالله، فإنه بنفسه يستغني عن الله ويتخلى عن العقيدة بوجوده.
أضف إلى هذا أن هذا النظام للتعليم ما انشأ في شبابنا ولا تلك الأخلاق الإنسانية الأساسية التي من المحال بدونها أن ترزق أمة من الأمم الحياة في الدنيا فضلا عن أن تترقى في الدنيا وتعلو كلمتها ويستقر في العالم سلطانها، فنرى أن النشء الجديد الذي تخرج حتى الآن في الكليات والجامعات تحت هذا النظام متحل بكل معنى الكلمة بمعايب أمم الغرب ولكن ليس عليه أي مسحة من محاسنها، فلا قيمة في نظره لمعرفة الواجب ولا للنشاط والجد والتعب في القيام به ولا لضبط الأوقات ولا للصبر والثبات في وجه الشدائد ولا لتقيد بالنظام ولا لضبط الأوقات ولا للصبر والثبات في وجه الشدائد ولا لتقيد بالنظام ولا لضبط النفس ولا للوفاء لشيء فوق الذات، كأنه شجرة نابتة في الغابة ليس لها من يرعاها ويعهدها بالشذب والتهذيب. لا يكاد يلمح فيه الناظر شيئا من الأخلاق الاجتماعية، وهو لا يتحرج في اقتراف أبشع ما يكون من أنواع الخيانة والمكر والغش مهما يكن عليه من أرفع المناصب ذات المسؤولية الكبرى، ولنا أن نجد منه في كل مكان وفي كل شعبة من شعب الحياة آلافا مؤلفة من مرتكبي أبشع أنواع السرقة والرشوة والمحسوبية والشفاعة والاستشفاع والسوق السوداء والتهريب والاستيراد بالطرق غير المشروعة وإضاعة العدالة والتلاعب بالقانون والنظام والتنكب عن القيام بالواجب والغضب لحقوق الناس والتضحية بمصلحة الجماعة في سبيل الأغراض الذاتية. فالمتخرجون تحت هذا النظام هم الذين كانوا تحملوا أعباء الحكم في بلادنا بعد أن غادرها الإنكليز، ولا يخفى لكل ذي عينين ما تدهورت إليه البلاد في هذه السنوات الماضية القليلة من الوضع المنحط والحالة السيئة. وأما النشء الجديد الذي لا يزال تحت التربية والتعليم في معاهد هذا النظام وكلياته وجامعاته، فإن لنا متى شئنا أن ننظر ما هو عليه من الفساد والخبث والدناءة والانحطاط في أخلاقه وأعماله في صفوف التعليم ودور الإقامة والملاعب والملاهي والأسواق والمجالس عند المناسبات الاجتماعية.
فلماذا لا ينشأ في شبابنا المتربين تحت هذا النظام حتى ولا تلك الأخلاق الإنسانية الأساسية التي تنشأ في شبان الإنكليز والألمان والأمريكيين وغيرهما من الأمم المتحضرة الراقية الغربية إذا لم نبال بأن تنشأ فيهم الفكرة الدينية والأخلاق الإسلامية السامية؟
العلة عندي لهذه الظاهرة العجيبة أنه لا يبذل الاهتمام بتنشئة الأخلاق الإنسانية الأساسية في الشبان إلا ذلك النظام الذي تقوم بوضعه أمة حرة لتسيير نظام حياتها وفق مبادئها وأهدافها، فإنها لا تجد لنفسها بدا، ما دامت تفكر في الاحتفاظ بتمدنها والارتقاء به، من أن تعد لنفسها أفرادا من السيرة القوية الموثوق بها. فالإنكليز إنما كانوا بحاجة إلى أمثال هؤلاء الأفراد في بلادهم أنفسهم لا في بلادنا نحن، وأما الأخلاق التي كانوا يبتغونها في شبابنا، فإنما هي الأخلاق التي توجد في المأجورين(mercenaires)  الاذلاء حتى بلادهم بأيديهم ليسلموا بها إلى أعدائهم ولا يقوموا بإدارة نظامها –ان قاموا- لأنفسهم ولكن لغيرهم. فالإنكليز ما حاولوا أن ينشؤوا في شبابنا إلا مثل هذه الأخلاق الدنيئة التي كانت تقتضيها سياستهم هذه، ولتنشئتها فيهم وضعوا هذا النظام الجديد للتعليم، الذي لا يزال يسير حتى اليوم كما تركوه عند مغادرتهم لبلادنا. فإذا كان هناك رجل يعلق على هذا النظام أملا في أن يعد لتسيير نظام بلادنا أفرادا يعتمد عليهم ويوثق بأخلاقهم، فإن عليه أولا أن يعرض عقله على الطبيب للعلاج.

 

 

 


  
       

 

      

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here