islamaumaroc

الإسلام والتقليد الأعمى

  دعوة الحق

38 العدد

امتاز البشر عن سائر الفصائل الحيوانية بخاصية التفكير والتمكن من ترتيب النتائج الواقعية على المقدمات اليقينية.
فعلى قدر سير الإنسانية على ضوء هذه النورانية الكبرى، ومراعاة تلك الخاصية العظمى- خاصية الاستضاءة بمصباح التفكير- ومراعاة قواعدها يكون تقدم البشرية وصعودها في مدارج الكمال والرقي المادي والروحي، وذلك هو السبيل الوحيد الذي بسلوكه يتحقق التعاون الضروري الذي يرجى من ورائه توفير الرفاهية والسعادة الشاملة للأسرة الإنسانية وندرأ المضار وتجلب المنافع العاجلة والآجلة، ويضمن الفوز بالسعادتين الدنيوية والأخروية وتنجز الإنسانية القيام بأداء رسالتها على أكمل وجه على هذا الكوكب الأرضي  رافلة في حلل الهناء والسلام.
أما إن وقع إغفال أوتغافل لهذه النعمة أوتساهل في الاسترشاد بقواعدها أو اعترى البشرية الكسل التفكيري في أحد الميدانين الروحي والمادي أو فيهما معا فإن النتيجة الطبيعية التباطؤ في السير نحو الكمال    المنشود، ثم الارتكاس والانتكاس والركود.
وحيث أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي تلائم مبادئه سائرالافراد البشرية وتوافق كل المجتمعات الإنسانية في سائر الأمكنة وعموم الأزمنة، وهو الدين الذي ينبي قضاياه على اقية العقل وبراهنيه اليقينية ويزنها بميزان المنطق، لذلك فقد كانت مبادئه على طرفي نقيض من التقليد الأعمى والركود الفكري، والقرآن الكريم قد أكثر من النعي على الأسلاس للتقليد الأعمى، إذ ليس شيئا أضر على الإسلام من تعطيل موهبة العقل ووأد الفكر، بل قد اعتبر القرآن الكريم النشاط الفكري من أهم أنواع العبادات وأشرف أنواع القريات إلى الله تعالى، ورتب على ذلك استجابة الدعاء ونيل المطالب، إذ قال ( إن في خلق السموات والأرض واختلاف اليل والنهارلآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض الآية). وقد أنحى القرآن باللوائم على من رضوا بسجن التقليد الأعمى واسلسوا القياد لأغلاله ولاذوا بركوب متن المجازفة في اقتفاء آثار السالفين من الآباء واعرضوا على نعمة التريث وأهملوا مراجعة آراء آبائهم وآرائهم هم  في تقليدهم لآبائهم حيث يقول تعالى(بل قالوا أنا وجدنا آباءنا على أمة وأنا على آثارهم مهتدون) ذلك الانصياع إلى مجرد اعتناق أراء الغير، الأمر الذي صيرهم سجناء الترف وغرق في بحار الشهوات حيوانات في قرونها حبال التقليد لا ينفعون أنفسهم  ولا تنتفع بهم مجتمعاتهم ولا يفيدون أوطانهم ولا يستفيدون، أو هم كالمريض الجاهل الذي يفرق من إجراء عملية جراحية يتحقق من ورائها التخلص من مرضه المزمن، لهذا تراهم كثيرا ما يجعلون أنفسهم حجرة عثرة في سبيل إرشاد الرسل وإصلاح المصلحين، ويشكلون أعباء على الإنسانية      وعلى الأرض التي بطنها خير لهم من ظهرها، وقد قال القرآن في شأن ذلك المقلدين:(وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها أنا وجدنا آباءنا على أمة وأنا على آثارهم مقتدون).
ولوقلنا أن التقليد الأعمى منطو على معاني العبودية، وعنوان لضعف الإرادة، ومطية الاستهانة بالكرامة الإنسانية، وعلامة للاستخذاء لنا تجاوزنا صميم الحق ولما أخطانا هدف الواقع، بل يحمل التقليد الأعمى في طياته كل عناصر التشاؤم وجراثيم التأخر ولوا قح الفساد وعوامل الاضمحلال وخسران الدنيا والدين، وقد ذكر الله مثالا عمليا لمن انفلت من لبشرك التقليد الأعمى بقوله ( قال قائل منهم أنى كان لي قرين يقول ائنك لمن المصدقين أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أنا لمدينون، قال هل أنتم مطلعون  فاطلع فرآه في سواء الجحيم قال تالله أن كدت لترديني ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين، أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين إن هذا لهو الفوز العظيم لمثل هذا فليعمل العاملون). وقد أعقب الله تعالى هذا المثال العملي بمثال آخر لقوم حرموا من نعمة التأمل وضيعوا الاسترشاد بنور العقل، فقابلوا نعمة الله الكفران وباعوا الآخرة بالخزي والخسران، فقال الله تعالى بعد أن وصف ما استقبلت به وفادتهم في الآخرة من الاهانة والنكال، وما ينتظرهم في الجحيم من ألوان الخزي والوبال( أنهم ألفوا آبائهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين) وهكذا بين لنا القرآن الكريم أن أكثر الأمم السالفة والدول المتفرقة قد وقعوا في هلاك مؤبد وأن سبب هذا التقليد الأعمى الذي كان شؤما ووبالا على أصحابه في أوله وآخره، فهم قد رضوا بذوبان الشخصية في المقلم –بفتح اللام- عاجلا، ومهدوا لأنفسهم الولوج للعذاب الواصب آجلا، وكيف لا وفي ذلك تعطيل لنعمة نور العقل وفضيلة التفكير التي هي أعظم منحة، وأسمى تحفة من ملم الملوك رب السموات والأرضين وخالق العالمين.
أجل لقد كان نور التفكير منه جل ثناؤه أعظم منحة وأغلى تحفة لهذا الكائن الحيواني، البالغ من الضعف أقصاه إذ لولا تفكيره وعقله لكان من أضعف وأحقر الكائنات الحية.
ولو بحتنا عن الأسباب التي صرفت الكثير من البشر الجادة الموصلة لمعرفة الله تعالى، ثم إخلاص العبادة له سبحانه، وبالتالي الاهتداء إلى إحقاق الحق وإبطال الباطل لوجدنا أن من أعظمها وأبرزها الإسراف في الآخذ بآراء الغير الذي هوالتقليد الأعمى، والدليل على هذا الحديثان القدسيان المشهوران، وهما قوله جل ثناؤه?( أني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وأنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل بهم سلطان) وقوله سبحانه أني خلقت عبادي حنفاء أي مستقيمين على الحق مائلين عن غيره، والحديث الأخير يشير بمفهومه إلى لأن بيت الداء إنما هو التقليد الأعمى وإلا فإن كيد الشيطان كان ضعيفا، وقد قال عليه الصلاة والسلام كل مولود يولد على فطرة، يعني فطرة الله التي فطر الناس عليها أي الخلقة التي خلقهم عليها وهي الاستعداد لقبول الخبر- حتى يعرب عنه لسانه، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، ومن هذا الحديث الكريم نعلم فداحة المسؤولية الملقاة على كواهل الآباء والمعلمين مسؤولية المحافظة على تلك الفطرة النقية البيضاء لكيلا تتسخ أو تتلقح بجراثيم الفساد أو تنصاع لمطلق التقليد والاستجابة لمن يدعوها إلى الشر والزيغ والإلحاد.
إن الاسلام والمجتمع لهييان بالآباء والأساتذة أن لا يدعوا عقول نشئهم تنتابهم الآراء الزائغة أو تدنس فطرهم الطاهرة بارجاس أفكار تبيت للإسلام والعروبة والشر والإبادة والهلاك.
أن جلنا- والحسرة ملء صدورنا- قد أخلى هذا الميدان- ميدان توجيه عقول النشء وتكييفها وتوجيها وتكييفا يتفق والإسلام الحنيف الذي هو فطرة الله التي فطر الناس عليها- وتركناه فسيحل يتلقح بعوامل الأفكار والآراء الغريبة عن الإسلام والعروبة بل وضعناها بين أصابع التعاليم الاستعمارية والتبشيرية على اختلاف أساليبها وأشكالها تقلبها كيف شاءت، تلكم الأصابع التي لا تعرف الفتور في سبيل بث تعاليمها بجميع الآفاق، مستسهلة جميع المشاق، تارة تحت الستار التمديني وتارة باسم التعاون الإنساني، والغرض الأساسي محصور في تكييف عقول النشء وتمهيدها للتقليد تقليدا أعمى لتعاليم الاستعمار والتبشير، أما نحن فحسبنا أن نقف من ذلك النشاط موقف المتفرج الأبله الغافل أو موقف الذي لا يهمه الأمر من قريب أو من بعيد 
أن من العسير جدا أن ننتظر الإخلاص لديننا ولقضايا وطننا الكبرى مما تشبع منذ نعومة أظفاره بالتعاليم الاستعمارية والتوجيهات التبشيرية.
ينفق أحدنا أموالا كثيرة وأوقاتا ثمينة- بسخاء- في سبيل تثقيف ولده وتعبيد الطريق لأن يكرع من معين العلوم العصرية ونيل الشهادات والدكتورات-داخل البلاد وخارجها- ويقول ويعتقد أنه يبذل تلك المجهودات المضنية ليضمن لولده مستقبلا ماديا زاهرا حافلا بما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين من الماديات والوجاهة، وهذا شيء جميل وسعي مشكور، غير أننا سوف نحرج أنفسنا لو واجهتاها بالسؤال عن مدى اغتنائنا بالتربية التوجيهية للأولاد ليسبق إلى قلوبهم الخير والإيمان ويزرع فيها بذور الاعتزاز بالنفس وحب الدين والوطنـ عن مدى اعتنائنا بتدريبهم عن أداء واجباتهم الدينية، ووضع الأساس المتين الذي يبنون عليه شخصياتهم، ثم ماهي الوسائل المتخذة إزاء حفظ تلك الفطرة البيضاء الطاهرة والإبقاء عليها حتى لا تعكرها أعاصير الزيغ والهواء.
وبعبارة أوجز إذا كان الاهتمام بمستقبل فلذات أكبادنا من الناحية المادية فهل كان لنا نفس الاهتمام بمستقبلهم الروحي، وها مهدنا للجيل الصاعد الاستعداد للإيمان بعظمة ديته وبلاده وقوميته، حتى إذا ما أوفدناه للخارج ليكرع من علوم أمة ما رجع لنا بعلم نقي صاف من التلوث بطفيليات وجراثيم قد تكدر علينا الانتفاع بما قد أمتاره لنا من بضائع المعارف، فيأخذ العلوم لأمته أخذ اللبق الحكيم، ويعتر نفسه كرئيس عائلة تنتظر من كاسبها الامتياز، أم سوف نكون قد جنينا عليه وعلى أنفسنا أن لم نعبد له طريق الوثوق بنفسه والاعتزاز بشخصيته وأمته، والقينا له- منذ نعومة أظفاره- الحبل على الغارب، إذا فمن المنتظر أن سوف يلغي إرادته، ويلقي بنفسه في أحضان ساداته وأساتذته فيشكلونه كما يشاؤون، ونكون وكأننا لم نزد على أن تبرعنا عليهم ببوق يشهرون به ما لهم وما ليس لهم من المناقب والمفاخر.
جمعتني بعض النوادي ذات ليلة ببعض شباننا المثقفين ممن يجيدون اللغتين العربية والفرنسية وكنت ألاحظ عليهم أن جل حوارهم يؤدي باللغة الفرنسية،
ولما انتهت الندوة سألت أحدهم قائلا: بما أنكم تجيدون اللغتين معا فلماذا لا تشرفون لغتكم بالتحاور بها، وأظن-من سلوككم هذا- أنكم اخترتم عليها لغة أجنبية- مع احترمنا لها كلغة من اللغات الحية – ولو في حالة عدم الاحتياج إليها، وفي وقت تقوم لغتكم العربية مقامها، بل قد رأيت غيركم كثيرا ما يسلك مسلككم، فأجابني هذا الشاب جوابا صريحا يقوله ( أننا عندما نستعمل في محاوراتنا هذه اللغة الأجنبية نشعر في نفسنا بشيء من رفعة الأمر الذي لا نحس به أن نحن تحاورنا باللغة العربية).
ولو أرادنا تحليل جواب هذا الشاب لوجدناه هكذا: أننا نشك في عزتنا القومية في حين أننا نعتقد بعزة قوم آخرين.
أو ليس هذا معنى ضعف النفس، وإهدار الإرادة، وإلغاء الوجود، بل أليس هذا هو الشر أنواع الاستبعاد.
هذا ولا نعني بذم التقليد الأعمى الدعوة إلى أن يرطب المرء نفسه ويستبد برأيه من غير أن يطعمه بنتائج الأفكار الأخرى، فإنه من المعلوم بالضرورة أن المدنية البشرية وما نشاهده من التقدم المادي الهائل أن هو إلا نتيجة التكاتف الدائم، والتعاون بين الأفكار في مختلف الأجيال والإعصار، والإسلام نفسه قد ضرب لنا مثلا عمليا لوجوب التعاون الفكري بقضية ابني آدم حين قتل أحدهما الآخر فلم يهتدي كيف يواري جثمان أخيه إذ قال تعالى
فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه طيف يواري سوءة أخيه الآية، بل القرآن الكريم نفسه قد فتح باب التعاون الفكري وشجع عليه ونوه بشأنه أيما تنويه حيث قال ( فبشر عبادي الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب). 
أما أن كان إعجازه في النظم فلا يستطيع المترجم مهما أوتي من السعة في العلم أن ينقله إلى اللغة الأخرى بحيث تقوم الترجمة بالمعنى والإعجاز، ولكن عدم استطاعته نقل دليل الإعجاز لا يستلزم عدم إمكان نقل المعنى نفسه.
على أن الأعاجم نفسهم لو أمكنهم تلاوة القرآن بالعربية لما أمكنهم تلمس نواحي الإعجاز فيه ولا فهمه، بل أن الأمة العربية ظلت ردحا من الزمن تحاول الوقوف على أسرار إعجازه، فتعثرت كثيرا، ووقف على يسير منه البعض، وقليل ما هم، وأين نحن من الذين أدركوا إعجازه عن طريق الذوق فآمنوا به لهذا الإدراك؟
أما إذا كان الإعجاز عن طريق الإخبار بالمغيبات فلا شك أن الترجمة ستحمل معها هذا الدليل، لأن ذلك مرتبط بالمعنى لا باللفظ.
وأما اعتراضهم بأنه يوجد في القرآن الكريم ألفاظ لا مقابل لها في اللغات الأجنبية.... الخ فتقول: حقا أنه يوجد في القرآن الكريم ألفاظ يندر أن نجد في اللغات الأخرى ما يضاهيها في إفادة المعنى الذي يفيده اللفظ العربي، كما أن فيه ألفاظا يصعب تحديد معناها في العربية، ولا شك في أن نقل مثل هذا إلى اللغات الأجنبية يكاد يكون ضربا من المستحيل، وهذه ناحية انفرد بها القرآن الكريم من بين الكتب السماوية، ولكننا لا نجمد أمام ذلك، بل سنفسح المجال أمام الشاطبي، للرد على هذه النقطة بالذات، إذ يقول: (1)فأما على الوجه الأول فهم ممكن، ومن جهته صح تفسير القرآن، وبيان معناه للعامة، ومن ليس لهم فهم يقوى على تحصيل معانيه، وذلك جائز بالاتفاق أهل الإسلام، فصار هذا الاتفاق حجة في صحة الترجمة على المعنى الأصلي».
وعلى هذا فما نخافه من الترجمة مما سبق بيانه نلحظه في كتب التفاسير باللفظ العربي نفسه، وقد أجمت الأمة على عدم التحاشي عن هذه المحذورات، فيجب ألا يتحاشى عنها في ترجمة أيضا، إذ لا يوج فرق في التعبير عن آيات القرآن بلفظ عربي أو لفظ أعجمي، متى كان المعبر والمفسر مستكملا للشروط التي تؤهله لان يتعرض للتفسير والترجمة.
وأما قولهم: «(2) أن في الكتب السماوية إشارات وأحكاما تستخرج بطريق الحساب، ومعارف يستخرها  أهل التصوف بالذوق، وعلوما طبيعية ورياضية، وأن ذلك يضيع بالترجمة» فليس كتاب الله سوى نور يهدي به من يشاء من عباده، أنزله ليكون نبراسا يضيء لمن تاهوا في صحراء الكفر، مرشدا لأنفع الطرق وأقومها، ولم ينزله تعالى لاستخراج الطبيعيات والرياضيات، وما الذي يشين لو أن مثل ذلك فات في الترجمة؟ أليس النص العربي يحوي هذا وهي باقية فيه ؟
ونحب في هذا المكان أن نشير إلى ما سبق أن قررناه، وهو أن القرآن الكريم غير مرتبط بالعلوم والفنون أيا كان نوعها ووجهها، فالعلم دائم التغير لا يثبت على حالة واحدة، ومن الواجب علينا –كمحافظين على كتابنا- أن نصونه عما هو قابل للتغيرات، وهذا لا ينفي أنه صادق في كل زمان، وحجة على ممر الأجيال، فتلك خصوصية من خصوصياته التي ينفرد بها من بين كتبه تعالى، ومزية لا تعادل مزية، فسبحان من ضمن له ذلك « لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد».
ولكن هب أن التراجم تغيرت وحدث فيها تحريف فماذا يكون الموقف؟ والجواب أن النص الأصلي لا يزال بحمد الله قائما، يرجع إليه حين يختصم القوم، أو يقوم النزاع في إحدى النواحي، فهو(3)« الحاكم لكل ترجمة توجد، وهو الميزان العدل لكل شيء يقال، والتراجم لا يصح أن تسمى قرآنا، ولكن سلب هذه التسمية لا يستلزم سلب جواز استخراج الأحكام تستفاد من المعاني التي هي مدلولات الألفاظ العربية، والمعاني يصح نقلها إلى اللغات الأخرى».
الشبهة الثانية: ينفرد القرآن بنظمه الموسيقى، وطلاوة عباراته، وما لألفاظه من إيقاع وظلال، يضاف لهذا تأثيره في النفوس، وهذا ما لا يمكن الحصول عليه حرمان للنفس الإنسانية من ذلك الينبوع الصافي للمعارف الإلهية.
التعقيب: في الواقع أننا نشهد وكل مشتغل بالآداب العربية لا ينكر أن الصور الفنية التي لا جاء بها القرآن فاقت كل الصور الأدبية الأخرى، وما ذلك إلا لأن العمل الأدبي في القرآن قد ارتفع من الناحية الفنية إلى غاية لا يسمو إليها أي عمل أدبي، وحيث أن الأمر كذلك فإن الترجمة تعز في هذه الحالة، وتفقد كثيرا من القيمة بالنقل« (4) والذين كانوا يقولون أن المقياس لقيمة الأدب أن يستطاع نقله إلى لغة أخرى دون أن يفقد شيئا من قيمته كانوا يغالون ليثبتوا حجتهم في ملابسة معينة»
فنحن ننظر مثلا في القرآن أجمل كتاب أدبي في المكتبة العربية بغض النظر عن القداسة الدينية حتى تنقل بعض آياته فنيا إلى لغة أخرى، حين تتخلف عن الترجمة صوره وظلاله وإيقاعه- أنه يفقد جماله الفني وإن بقيت قيمته المعنوية.
ويستحيل عندئذ تقدير قيمته من هذه الوجهة. أما نقل صوره وظلاله وإيقاعه فهو عمل أراه أعسر من العسر، لدقة هذه الخصائص وتسامي آفاقها.
وسأعرض هنا للون من آيات الكتاب الحكيم نلحظ فيه موسيقى وتصويرا للجو العام، كل هذا من تناسب واقتضاء للحال. «والضحى والليل إذا سجى، ما ودعك ربك وما قلى، وللآخرة خير لك من الأولى، ولسوف يعطيك ربك فترضى» ثم « ألم يجدك يتيما فآوى، ووجدك ضالا فهدى، ووجدك عائلا فأغنى»؟ ذلك الحنان وتلك الرحمة، وذلك الرضى، وهذا الشجى تتسرب كلها من خلال النظم اللطيف العبارة الرقيق اللفظ، ومن هذه الموسيقى السارية التعبير، الموسيقى الرتيبة الحركات، الوئيدة الخطوات، الرقيقة الأصداء، الشجية الإيقاع... فلماذا أراد إطارا لهذا الحنان اللطيف، ولهذه الرحمة الوديعة، ولهذا الرضى الشامل، ولهذا الشجى الشفيف، جعل الإطار من الضحى الرائق ومن الليل السجي، أسفي أنين من آونة الليل والنهار، وأشف أنين ترى فيهما التأملات، وساقهما في اللفظ المناسب، فالليل هو « الليل إذا سجى» لا الليل  على إطلاقه بوحشته وظلامه، الليل الساجي الذي يرق ويصفو وتغشاه سحابة رقيقة من الشجي الشفيف، كجو اليتيم والعلية، ثم ينكشف ويجلو ويعقبه الضحى الرائق مع « ما ودعك ربك وما قلى، وللآخرة خير لك من الأولى، ولسوف يعطيك ربك فترضى» فتلتئم ألوان الصورة مع ألوان الإطار، ويتم التناسق والانسجام. ولكن ماذا نفعل الآن بصدد تلك الصورة الفنية، والتعبيرات المتسامية الأفاق البعيدة الغور، والتي تهيئ الجو الملائم لكل حالة؟ أتمهل في الترجمة إهمالا تاما فنخسر الناحية الفنية في القرآن؟ أم أن هناك في اللغات الأجنبية ما يعوضنا ولو بعض شيء عن مثل هذا؟ الحق أننا لا نأسى كثيرا على تلك النواحي الفنية في القرآن عندما نترجم، وذلك لعوامل نذكرها فيما يلي:
1- أن المقصود الأول بالترجمة تعريف الأجانب بمبادئ ديننا القويم، وبيان أحكام الإسلام، وما شرعه المولى للبشرية من قوانين سماوية، تطاولت إليها الأعناق، فصاغتها في قالب آخر، وعبرت عنها بأنها من عند أنفسها، والقرآن هو صاحبها منذ القرون الأولى، كما أن نبغي من الترجمة دحض شبه المفترين على الدين، وتفنيد أباطيلهم ودعاويهم، حتى تتهاوى واحدة بعد الأخرى.
فلن نأسف عن ناحية الإيقاع والظلال والإشعاع، إذا ما فاتت في النقل، فيحسبنا أن نحقق الرسالة الأولى من مبادئ الإسلام. 
2- يستطيع المستشرقون والذين يرغبون في أن ينهلوا من منابع العربية من الأجانب أن يتذوقوا تلك التعابير الفنية في القرآن، وأن يحكموا على مدى الدلالات الخفية للمعاني الأصلية، فيعرفوا ما للقرآن من انفراد بتلك الخصوصيات للتعبير، ولسنا نغلو في القول إذا قلنا أن أهالي جاؤه وسوماطره والباكستان وما إليها من الأقطار الإسلامية قد لا تقف على كل الصور الفنية في القرآن، والتي أتينا منها بنموذج مصغر،تبينا من خلاله كيف أحاط القرآن في كلماته المتتابعة بتصوير المواقف تصويرا تنوع بتنوع الحال واختلف باختلاف المجال. 
3- هذا ولا يحق لنا أن نسلب ناحية التصوير الفني في اللغات الأخرى وإلا كان جور في اللغات الأخرى وإلا كان جور في القول وحيف في الحكم، وإنما الذي نريد لأن نقرره في هذا المقام هو أن اللغات الأخرى لا تفي المقام التصويري في القرآن حقه، بحيث يكون صورة ناطقة بالأصل معبرة عنه أصدق تعبير، ولكن يستطيع المترجم حاذق أن ينشر حول الألفاظ جوا مناسبا لمختلف الأحوال، فيعوض ما فاته من فنية التعبير الأدبي في القرآن، ما استطاع إلى ذلك سبيلا .
4- وعليه فلا يصح لنا القول بأن حرمان الترجمة- إن حرمت أصلا- من موسيقى الألفاظ وطلاوة العبارات أن تحرم قارئها من ينبوع المعارف الإلهية، فليس يخفى على عاقل أن ينبوع المعارف الإلهية هي معاني القرآن المدلول عليها بالنظم العربي، وإذا ذهبنا إلى أن المعارف الإلهية مرتبطة بالألفاظ فذلك لغو من القول وزور، لمجافاته أبسط القواعد الأدبية العالمية.
شبهة من نوع آخر« المتشابهات »
لقد وقع في القرآن الكريم بعض آيات توهم ظاهرا خلاف المراد، ونحن نعلم أن السلف الصالح كانوا يفوضون الأمر فيها لعلم الله وحده، ويحذرون من الوقوع في تأويلها؛ خشية من عند أنفسهم، لئلا يفتحوا بابا للجدل والمناقشة، قد يؤدي بالعقول إلى مهاوي الضلال، ولكن الخلف أبو أن يتركوها بدون تأويل، فسلطوا عليها ما أمكن من التأويلات التي أدت إلى المعنى المقصود والقبول عقلا.
والسؤال الذي نحب أن نورده هنا هو: ماذا سيفعل المترجم إزاء ذلك؟ في أي صورة سيبرزها حتى يكون القارئ على بينة من الأمر لا يخالجه شك أو خبرة؟
والجواب :  أنه لا مناص قبل كل شيء من التعرض لهذه المتشابهات عند الترجمة وإلا كانت الترجمة لبعض القرآن دون بعض، ويعوزنا الأمر في ضرب مثل، قال تعالى:« ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نقسك» وقال تعالى : «قل كل من عند الله» لقد وقع الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة، فقال المعتزلة: الآية الأولى محكمة والأخرى متشابهة، وقال أهل السنة: بأن الأولى هي المتشابهة .
وليس يعنينا في هذا الخلاف الأخذ بأحدهما بقدر ما يعنينا أمر المترجم حيال أمثال هذا.
فواجب المترجم حينئذ أن ينقل الصورة لكل منهما إلى اللغة الأجنبية بدون إجراء أي تعديل؛ إذ كلا الآيتين- كما لا يخفي- لها معنى يستقل بالفهم، وتأويل ذلك المعنى لا يعني المترجم في شيء، وسيفهم منها الأجانب وخاصة المفكرون منهم ما يتفق والحقيقة، وما يتناسب ومعنى الالوهية.
وهناك نوع أخر يقارب هذه المتشابهات وهوا لآيات المؤولة، من مثل« يد الله فوق أيديهم» وهذه أمرها يسير، ففي ألفاظ اللغات الأجنبية ما يؤدي المعنى المؤول، والمقصود في هذا المقام.
أما أننا نكلف أنفسنا حيال تلك الألفاظ الموهمة خلاف المراد بأن « تؤول بدليل العقلي الذي قام على استحالة بقائها على ظاهرها، وهذا التأويل يسلط على التراجم نفسها إذا أمكن المترجم أن يضع بدل اللفظ العربي مرادفا له من لغة أخرى، ويسلط على اللفظ العربي نفسه قبل أن ينقل معناه إلى لغة أخرى إذا لم يوجد في اللغة الأخرى مرادف ومقابل لذلك اللفظ العربي» فذلك وصول للغاية من طريق أطول، وتكليف من دون مبرر، فإننا بدل أن نبحث لفظ يقوم بالمعنى المراد في اللغة الأجنبية، وفي اللغات متسع لا مثال هذا.
ويخيل إلى أننا لا نصير إلى مثل هذا العلاج الذي جاء ينص الأستاذ الأكبر المراغي إلا إذا أعوزتنا الحاجة وأعيانا الوصول إلى لفظ يقوم بالمعنى المقصود من الآية، وأحسب أن ذل افتراض نادر الحصول؛ لما عرفنا من ثراء اللغات بالألفاظ المرادة والمطلوبة في مثل هذه المواقف.     


(1)الواصفات للشاطبي، من بحث المراغي ص 11
(2) ص 11 من بحث المراغي
(3) ص 12  من بحث المراغي
(4)  الديوان للأستاذين العقاد والمازني

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here