islamaumaroc

محمد المنوني الخزانة التي تتحرك على قوائمها

  عبد الحق المريني

370 العدد

محمد المنوني خزانة عامرة تتحرك على "قوائمها" في شمم وإباء، وكعبة الباحثين والدارسين وطلبة الأطروحات، وهرم في عالم الكتب والخزانات والمخطوطات، أستاذ الأجيال في البحث والتاريخ والكشف عن تراثنا الثقافي المطبوع والمخطوط، في بطون الخازنات المغربية المترامية الأطراف، علامة مشارك في مختلف حقول المعرفة: متضلع في الدراسات الفقهية والحضارة الإسلامية، عليم بكل مراحل تاريخ المغرب وعصوره وأطواره ووقائعه ورجالاته، ومظاهر حضاراته المتنوعة.
ترك مؤلفات قيمة ومدققة عن تاريخ المغرب ومصادره ومخطوطات خزاناته، وعددا من البحوث والمقالات والمساهمات في الندوات واللقاءات العلمية والمنتديات الفكرية، ومحاضرات بمختلف الكليات المغربية، في مختلف العلوم والآداب والفنون، لا يعد لها حصر، (قيل إنها أشرفت في مجموعها على المائتين)، تزخر بها مجلات "دعوة الحق"، و"الإيمان"  و"كلية الشريعة"  و"المناهل"،  و"البحث العلمي"،  و"الثقافة المغربية"، و"دار النيابة"، و"آفاق"  و"دار الحديث الحسنية"، "تطوان"،  و"الباحث"، وكافة مجلات كليات الآداب المغربية.
لا يحمل ألقابا علمية عليا إيمانا منه بأن "العلم في الصدور وليس في السطور"، ولكنه هو الذي يمنح هذه الألقاب لطلبته وتلامذته بمختلف المعاهد الجامعية عن جدارة واستحقاق.
تبوأ المنوني كرسي التوثيق والتحقيق وعلم "البيبليوغرافية" بعد "عبد السلام بن سودة" صاحب "دليل مؤرخ المغرب الأقصى". وبرز عالما في التاريخ والتنقيب عن كنوز المغرب العلمية والحضارية والثقافية والفنية مما أهله للوقوف جبارا في صف "محمد الحجوي" صاحب "الفكر السامي"،  و"محمد الكانوني" صاحب "آسفي وما إليه"، و"عبد الله كنون" صاحب "النبوغ المغربي في الأدب العربي"،  و"محمد المختار السوسي" صاحب "المعسول"،  و"محمد الفاسي" صاحب "معلمة الملحون"، و"محمد ابن تاويت التطواني" صاحب "الوافي بالأدب العربي في المغرب الأقصى"، و"العباس بن إبراهيم" صاحب "الإعلام"  و"عبد الرحمان بن زيدان" صاحب "الإتحاف" ومحمد بن شريفة صاحب "البحوث المعمقة في التراث الأندلسي"، وعباس الجراري صاحب "القصيدة"  و"الأدب المغربي من خلال ظواهره وقضاياه" إلى آخر القائمة.
ولقد دأب السلاطين العلويين على التكريم والتنويه بالعلماء عامة والمؤرخين خاصة. فقد أصدر الحسن الأول ظهيرا نوه فيه بالأعمال المخطوطة للمؤرخ "أحمد ابن الحاج". ومنح محمد الخامس رحمه الله المؤرخ "عبد الرحمان بن زيدان" ظهير تنويه منشور بكتابه: "الدرر الفاخرة".
ولما كان محمد المنوني رائدا من رواد الثقافة الوطنية وعمدة في تاريخ المغرب الحضاري كان محل تكريم وعناية أيضا. فمنحه محمد الخامس طيب الله ثراه جائزة عيد العرش النثرية الثالثة لبحثه عن "تاريخ الراية المغربية" سنة 1947 م، وهي السنة التي أنجز فيها كتابه الأول عن "العلوم والآداب في عصر الموحدين" بتقديم العالم الجليل "عبد الله كنون". وكانت الجائزة الأولى من نصيب "الحاج محمد أبا حنيني"، والثانية من نصيب "محمد بن أبي بكر التطواني". كما فاز "محمد المنوني " بالجائزة الثانية لعيد العرش سنة 1948 م عن بحثه: "في تاريخ الديمقراطية بالمغرب".
ولبث محمد المنوني يعزز خزاناتنا المغربية ببواكير فكره وزبدة بحوثه وغوره في بطون المخطوطات ورفوف الخزانات للكشف عن كل ما هو "مغمور ومدفون" حسب تعبيره. فيما أصدر: "تاريخ الخزائن المغربية"  و"ورقات عن الحضارة في عصر بني مرين"  و"مظاهر يقظة المغرب الحديث" في جزأين، الذي اقتبس منه الأستاذان: محمد عابد الجابري وعبد الله العروي (الذي قال في حق المنوني: "إن اسم محمد المنوني يجب أن يسجل في صدر كل مؤلف بأي لغة كان حول مغرب القرن التاسع عشر". ويبرز بصفة جلية هذا الكتاب المساهمة الفعالة للعلماء والمثقفين والتجار في الانتفاضة المغربية ضد الضغوط الأجنبية على المغرب في "العهد العزيزي"، ومشاركتهم في اليقظة الحديثة للمغرب الذي شرع يستيقظ من غفوته، ويرحب بالإصلاحات العصرية في الميادين التجارية والإدارية والتجهيزية والعسكرية. كما أنجز "المصادر العربية في تاريخ المغرب" الذي كان يتمنى أن يتابع تأليفه إلى سنة 1956، فمنحه الملك الحسن الثاني رحمه الله "جائزة الاستحقاق الكبرى" لسنة 1989.
وقد توج محمد المنوني تحقيقاته للنصوص التاريخية بتحقيق وإخراج نص "الوزير محمد الطيب بن اليماني بوعشرين" (المتوفي سنة 1859) حول أحوال المغرب في منتصف القرن 19 وعنوانه: "التنبيه المعرب عما عليه الآن حال المغرب"، وكان ذلك سنة 1994. وكان آخر ما صدر له كخبير عالمي في المخطوطات "تاريخ الوراقة المغربية أو صناعة المخطوط المغربي من العصر الوسيط إلى الفترة المعاصرة".
وقد ألهم الله ثلة من رجال الفكر الكرماء ليكرموا هذا العالم المتواضع صاحب المدرسة المتميزة في الدفاع عن الأمة المغربية وهويتها دراسة ونشرا، في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير سنة 1997. وبهذه المناسبة أكرمهم المكرم بمحاضرة عن "واقع العالم الإسلامي خلال القرن التاسع عشر – أحداث ونتائج"، طرح فيها المحاضر مجموعة من القضايا السياسية والفكرية عاشها العالم الإسلامي طيلة القرن التاسع عشر وهو يواجه التوسع الأوربي ومحاولته لطمس معالم الحضارة الإسلامية وروافدها.
فتوالت كلمات وقصائد التكريم في حق المحتفى به:
- "محمد المنوني والذاكرة المستعادة"،
- "محمد المنوني ومشروع إعادة كتابة تاريخنا الوطني"،
- "محمد المنوني مقصد الباحثين من كل التخصصات"،
- "محمد المنوني رجل العلم والفضيلة"،
- "محمد المنوني العلامة المشارك"،
- " يا رائد التحقيق صنعت منهاجا" .. ذلك المنهاج الذي جعل اسمه ملتصقا بتاريخ المغرب وحضارته ومصادره ووثائقه.
ذلك هو محمد المنوني "ذاكرة الحضارة المغربية" الذي رحل إلى دار البقاء في نهاية الألفية الثانية (9 غشت 1999 بعد أن رأى النور في يوم السبت 4 شتنبر من سنة 1915 م.
لقد تعرفت على محمد المنوني من خلال كتبه وبحوثه في التاريخ والحضارة والأصالة المغربية. وكان كتابه القيم "مظاهر يقظة المغرب الحديث" من أهم المراجع التي اعتمدت عليها في تحرير بعض فصول كتابي عن "الجيش المغربي عبر التاريخ". ولما أنجزت هذا الكتاب سنة 1967 م زرته ببيته المتواضع، ووجدته قابعا في خزانته وقد امتلأت بالمؤلفات والمخطوطات والملفات. وقد أطلق عليها مكتبة "ابن غازي" تيمنا باسم مؤرخ مكناس وعالمها صاحب "الروض الهتون في أخبار مكناسة الزيتون". وقدمت له نسخة من مؤلفي، فتصفحه ثم أجازه بعد مدة وجيزة لدرايته الشمولية واطلاعه الواسع على موضوع الكتاب.
وقد زارني يوما بمكتبي بعد إحالته على التقاعد، وقد أنعم عليه صاحب الجلالة الحسن الثاني طيب الله ثراه بمنصب أستاذ التعليم العالي مدى الحياة تكريما لعلمه ولإنجازاته العلمية على غرار العلماء من صنفه ومقامه.
وكانت هذه آخر مرة جمعتني به الأقدار إلى أن علمت بوفاته عن سن تناهز الثمانين أثابه الله على ما قدم وأخر وأكرم مثواه !

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here