islamaumaroc

نفحات من ذكرى العلامة المنوني يرحمه الله

  محمد قرقزان

370 العدد

ينطبق ما جاء في الُر أن "خيركم من طال عمره وحسن عمله"، على المجاهد محمد بن عبد الهادي المنوني، بما يلي:
1- بالمكتبات التي فهرس مخططاتها، (وزارة الثقافة، الخزانة الملكية، الخزانة الناصرية بتامكروت، والخزانة العامة بالرباط).
2- ما حققه من مخطوطات أو شارك في تحقيقه، ودونه من كتب ودراسات وفهارس حولها.
3- الببليوغرافيات التاريخية التي أملاها في الجامعة ثم طبعت في كتب.
4- ما سهر على تكوينه من طلاب في رحاب الجامعات، وما ألقاه من عروض ومحاضرات.
5- ما استقبل في داره العامرة وغيرها من باحثين، ورواد وأشرف على توجيههم ودراستهم ومؤلفاتهم.
6- ما قدمه من مقابلات في وسائل الإعلام والصحافة.
7- ما شارك فيه من ندوات ومؤتمرات وتداريب، واحتفاء بشخصيات.
8- ما صدر حوله من أبحاث وكتب.
وبهذا المقياس، نلفي أن الرجل مد الله له في الأثر، وبارك في عمله حسنا، وعليه فقد ترك رحيله إلى عفو الله فراغا هائلا، وخسارة علمية لا تعوض بفقده وأمثاله من العلماء العاملين.
على أن تكوين عالم واحد في المخطوطات وعلومها، واختزان تجارب على تنوعها الذي يمتد على مساحة عمره عشرات السنين، على ندرة هذا التخصص، وتتابع فقدان علمائه الأحبار واحدا تلو الآخر، ولا يعرف قيمة هذا العلم وأسراره إلا من كابد مشقاته، وعافر عويصه، وغرق في مشاكله التي قد لا يوفق أبدا إلى حلها. أقول إن متخصصا من هذا الوزن بلا شك فقده خسارة وطنية وعالمية وإنسانية لا تعوض البتة.
لقد امتدت معرفتي به قرابة ربع قرن، وأعتز أنني أحد مئات الباحثين الذين نهلوا من معين شخصيته العلمية الفذة، وكان له تأثير مباشر على تكويني المعرفي خاصة فيما يتعلق بالمخطوطات وعلومها من قريب أو بعيد.
ولا يتسع مؤلف كامل لشرح علاقتي العلمية به التي تعود إلى عام 1976 حينما كان يشارك بعمل فهارس مخطوطات الخزانة الملكية كما كانت تسمى آنذاك.
وكنت أختلف إليها، مجتمعا معه للبحث عن بعض المخطوطات من كتاب : العمدة في محاسن الشعر وآدابه "لابن رشيق القيرواني" الذي كنت عكفت على تحقيقه وشرحه منذ ذلك التاريخ. وأذكر أنني استفدت في رحاب تلك الخزانة العامرة من العلامة "محمد عبد الله عنان" (رحمه الله) الذي كنت أستشيره أحيانا بناء على ما ورد في كتاب بروكلمان المشهور، إذ كان يشارك في ذلك الوقت في صنع فهرس مخطوطات التاريخ.
ومما استفدت من المنوني (رحمه الله) أفكاره الصحيحة في ترجيح أجود المخطوطات التي اعتمدت عليها، بتقدير خطها الذي يعود إلى العصر السعدي، فقمت بتصويرها لتكون أصلا ثانيا ذا أهمية بعد المخطوطة التي قمت بتصويرها من القاهرة، على اعتبار أن لمخطوطات المغرب في مختلف خزائنه قيمة خاصة، لأن المؤلف مغربي الأصل.
وأؤكد أن خبرة المرحوم المنوني لن تعوض أبدا، فمن ذا يستطيع الآن أن يقوم بتقدير عمر مخطوط غفل من التاريخ، ورده إلى عصره الزماني اعتمادا على معرفته بخطه أو وزقه أو حبره أو تجليده ؟
ولما قمت بتصوير مخطوط : "جواهر الآداب وذخائر الشعراء والكتاب" لمحمد عبد الملك الشنتريني" سنة 1984 م من خزانة "الإسكوريال"، جابهتني بعض الأعلام الواردة في ورقتي عنوان المخطوط وخاتمته، فوجدت لديه بحرا من العلم زاخرا حول هذه الأعلام، ومصادر ترجمتها، لا سيما وإن المخطوط من مكتبة زيدان السعدي (رحمه الله) التي اصطادها قراصنة الفرنجة من البحر، وآلت ملكيتها إلى مكتبة دير الإسكوريال.
وكان رحمه الله يشجعني كلما رآني على متابعة خطتي في خدمة العلم بالمغرب، العزيز، فطلب مني ذات يوم أن أقوم بتحقيق رحلة حجازية، كان المغفور له محمد الخامس قد أرسل سفارتها بإمرة العلامة "محمد ابن عبد السلام السائح الأندلسي" في أوائل أربعينات هذا القرن، ويرجح بعض الباحثين أنها – أي البعثة- كلفت بمهمة سياسية أيضا إلى الملك السعودي، وملوك الأمة في الحج، إذ جاءت في قمة غليان الأحداث المغربية، والحرب الضروس ضد المستعمر الشرس، فاستنقذت هذه المخطوطة من البلى، وجمعت شتات أوراقها المبعثرة، وقمت بتحقيقها ودراستها وطبعها ونشرها على نفقتي الخاصة على مدى ثلاث سنوات من العمل، وكان ذلك الفضل يعود للعلامة العظيم المنوني وبسبب ذلك أيضا أنجزت تحقيق ودراسة مخطوط "الاتصال بالرجال" للعلامة "السائح" نفسه، وتم طبعه.
وإضافة إلى ذلك قمت بتشكيل لجنة سهرت على حصر وجمع تراث السائح المخطوط كله الذي زاد على أربعين أثرا، وأنا الآن عاكف على تحقيقها ودراستها وطباعتها وإخراجها إلى الوجود تكريما لهذا العالم الفذ، الذي أنفق حياته بالجهاد، وخدمة وطنه، وتشجيعا لرجال الفكر والعلماء.
فكان هذا العمل من بركات المنوني رحمه الله.
توثقت العلاقات بيني وبينه في وقت مبكر، وقل ما كانت تقام ندوة أو احتفاء أو مؤتمر إلا وكانت أقدم له دعوة خاصة، وحدث في إحدى المرات أنه لم يتمكن من حضور ندوة حول الثقافة العربية الإسلامية جنوب الصحراء، فاحتفظت له بملف فيه جميع الوثائق، ولما قدمته له قال لي : "لو لم تكن تحبني وتقدرني لما احتفظت لي بكل هذا".
وكان ينفحني دوما بكل كتاب يصدر له ويذيل عبارة الإهداء بعد اسمي ب "الوافر الاحترام".
ولما عرضت فكرة تكريم العلامة "محمد المنوني بنشريفة" باعتباره أول عميد "لجامعة محمد الأول" في وجدة على أخي العزيز وصديقي محمد العميري استجاب لها بكل كرم أصيل، ليكون الاحتفاء على هامش ندوة : "تحقيق التراث المغربي الأندلسي حصيلة وآفاق" في رحاب كلية الآداب في هذه المدينة العامرة الكريمة أيام تاسع وعاشر وحادي عشر نونبر 1995 م، لبى المنوني هذه الدعوة، وشارك في الاحتفاء فتحدث في شهادة كبيرة عن تاريخ التكريم، ومناقب المحتفى به باستفاضة، وكان أشد ما لفت نظري إبان استقبالنا أن كرام هذه الكلية هرعوا إلى المحطة، وشرفوا المشاركين بكل تواضع وكرم وتكريم للعلم، فقاموا بمساعدتهم والمنوني منهم أثناء الاستقبال والتوديع، وضربوا مثلا أعلى على أنهم أحفاد أولئك العلماء العظماء المتواضعين، وخير خلف لخير سلف، وكان المنوني نفسه رحمه الله يلهج بشكرهم والثناء عليهم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here