islamaumaroc

الجانب الأدبي واللغوي في أعمال العلامة الراحل محمد المنوني

  محمد عبد الحفيظ كنون

370 العدد

كان العلامة الراحل "محمد المنوني" من رجال المغرب المعدودين، وعلمائه الموسوعين. فقد عرف بالتنوع في التأليف والتدريس والاهتمامات فهو مؤلف وباحث ومحقق ولغوي، ومؤرخ وعالم إسلامي، ولا يمكن بحال لحديث محدود أن يلم بسائر أنشطته العلمية، ويعطي فكرة ولو بسيطة عن إسهاماته القيمة في الثقافة العربية الإسلامية، فقد كان يعتبر نموذجا للمثقفين العلماء في تراثنا الإسلامي، ولم يكن في هذا مجرد مشارك بل كان متناولا عميقا لعدد من العلوم، باحثا محيطا بدقائق كثيرة من المجالات الفكرية والأدبية. فثقافته المتنوعة ونظره الموسوعي وتقلباته في مجالات التدريس والبحث كلها أمور جعلته يتفرد في تناوله لموضوعات شتى، ويفتح في بحثه على ميادين متعددة شأنه في ذلك شأن علماء السلف ورجالهم الأفذاذ.
ويمكن إرجاع هذه الموسوعية، وتحديد أصول هذه الغزارة في الإنتاج إلى طبيعة تكوينه بالكتاب (المسيد) بنكناس حيث حفظ القرآن والمتن، ثم دراسته بجامعة القرويين على علماء كبار، إضافة لما تميز به من مواكبة مستمرة لجديد البحث والكتب، واقتنائه لكل ما يصدر من مجلات وأبحاث، ثم تقلبه في مهام عديدة في المعاهد التعليمية والعلمية المختلفة، يقول العلامة المرحوم محمد المنوني : " ...شيء آخر لابد من ذكره في هذا الحديث هو الدراسة الخاصة والمطالعة الفردية، فقد كانت هذه المسألة في جيلنا تقليدا، بحيث إلى جانب ما كنا نقرأه على يد أساتذتنا في الدراسة المنتظمة كان لكل فرد منا دراسة خاصة ومطالعات، وقد تعلمنا من هذه الدراسة الفردية أو الجانبية أشياء كثيرة، من بينها الإنشاء، والشعر، فلم تكن مادة الإنشاء مدرجة في برامج التعليم إلا ابتداء من سنة 1941 -1942 وبفضل الكتب المصرية خاصة كنا قد تدربنا قبل هذا التاريخ على الإنشاء نتيجة مواظبتنا على هذه الكتب، ونفس الشيء يقال عن الشعر، فمن خلال قراءتنا لإنتاج شعراء المشرق العربي كان بعضنا يحاول تقليد "شوقي" والآخر "حافظ إبراهيم" وثالث "معروف الرصافي ..." يضاف إلى الكتب والمجلات التي لعبت دورا كبيرا في تثقيفنا مثل : المنار، المقطم، الرسالة ...البصائر والشهاب للشيخ بن باديس".(1)
وليس الهدف من هذا العرض الحديث عن مسار علم المرحوم محمد المنوني أو مصادر معرفته، ولا إبراز موسوعيته في كل ما أنتج من تأليف وتحقيق ومقال، لأن هذا مما ينوء به كاهل الفرد، ومما لا تكفيه الساعات الطوال، عنه واظب على النشر في أغلب المجلات العلمية المختصة الصادرة في المغرب وخارجه منذ الخمسينات، وشارك في عشرات الندوات واللقاءات العلمية وأخرج العديد من الكتب.
لهذا سأكتفي بالوقوف على الجانب الأدبي واللغوي في أبحاثه، وهو جانب له حضور متميز نلمسه فيما خصصه لهذا الجانب من اهتمام وفيما خطه من أبحاث رصينة تتعلق بمحاور متعددة منه. وبرجوعنا إلى كتابات المرحوم العلامة محمد المنوني عن اللغة والأدب من أجل رصد منهجه فيها ومفهومه للأدب من خلالها يجدر بنا تقديم ما خطه قلمه في هذا الباب من أجل وضع أرضية تنطلق منها لاستنكاه مفهوم هذا العالم للأدب ومنهجه في البحث في هذا الباب، فنستحضر من أبحاثه في هذا الباب:
1-العلوم والآداب والفنون على عهد الموحدين :
معهد مولاي الحسن بتطوان 1950 م.
- طبعة ثانية مصورة سنة 1977 م.
- طبعة ثالثة – دار تبقال للنشر- الدار البيضاء 1990 م.
2- أدب المغرب البطولي في القرن التاسع عشر.
محاضرة ألقاها بنادي الشباب بمكناس، رمضان 1381 /يناير 1962 م، ونشرت بمجلة "آفاق" السنة الثانية، العدد الأول، صفحة : 26-31.
3- ظاهرة تعريبية في المغرب السعدي.
مجلة "اللسان العربي" العدد الأول سنة 1964 م صفحة 52.
4- ملامح ودواوين في السيرة النبوية.
مجلة "دعوة الحق" السنة التاسعة، العدد : 9-10 سنة 1966 م. ص: 97.
5- نشاط الدراسات اللغوية في المغرب العلوي.
مجلة "دعوة الحق" السنة 11 العدد الرابع، 1968 م. ص: 51.
6- المولديات في الأدب المغربي.
مجلة "دعوة الحق" السنة 12 العدد السابع سنة 1969 م. ص: 62.
7- مجموعات مغربية في المدائح النبوية.
مجلة "الثقافة المغربية"، العدد الرابع، سنة 1971 م، ص: 87.
8- ملامح الحركة الأدبية في العصر العلوي الأول.
مجلة "دعوة الحق" العدد الأول، السنة 15- 1973 م.
9- ملامح الحركة الأدبية في العصر العلوي الثاني.
مجلة "دعوة الحق" العدد الثامن، السنة 15- 1973 م. ص: 84.
10- مدائح نبوية مغربية.
مجلة "دعوة الحق" العدد : 9-10، السنة 15- 1973 م. ص: 157.
11- عبد الرحمن الجامعي الفاسي حامل رواية الأدب على مستوى المغرب الكبير.
مجلة "دعوة الحق" العدد 4-5، السنة 16- 1974 م. ص: 77.
12- الحياة الأدبية في العصر المريني الأول.
مجلة "دعوة الحق" العدد 254 سنة 1986 م. ص: 41.
14- ميزات مغربيو لقصيدة البردة من خلال رواياتها وتلاحينها وعدد أبياتها.
مجلة "دعوة الحق" العدد 261 سنة 1986م ص: 19.
15- تحليل رسالة "تحف الخواص" في صناعة الآمدة والأصباغ والأدهان لأبي بكر القللوسي الأندلسي.
بحث ألقاه بمهرجان المغرب العربي الأول للخط العربي والزخرفة الإسلامية.
16- مسرد لواقع المخطوطات عن الرحلة المغربية الحجازية.
بحث ألقاه بندوة المخطوطات العربية في الغرب الإسلامي مؤسسة عبد العزيز آلي سعود، 7-8-9 أبريل 1988م.
17- إسهام دعوة أبي محمد صالح للحج والزيادة في ازدهار أدب الحجازيات في الغرب الإسلامي خلال القرن السابع.
بحث ألقاه بالملتقى الفكري الثاني لمدينة آسفي، كلية الآداب، الرباط أيام : 26- 29 ماي 1989 م.
18- أوضاع نظما ونثرا تصف رحلات السلطان الحسن الأول لتفقد جهات المغرب.
مجلة "دار النيابة" السنة السادسة، العدد 22، 1989 م –ص: 52.
19- عبد الله كنون أديبا ناقدا مؤرخا ومحققا للمخطوطات وناشرا.
- مجلة "دار النيابة" السنة السابعة، العدد 25- 1990 م- ص: 2.
20- شاعر علماء مكناس محمد بن ادريس الشبيهي.
مجلة "دعوة الحق" العدد 285 سنة 1991 م. ص: 99.
21- التعريف بمجموعة أشعار سينغالية ومن مالي والصحراء الغربية.
بحث ألقاه في ندوة : "المغرب وإفريقيا في بداية العصر الحديث" مراكش 1992م.
22- رحلة ابن عثمان المكناسي إلى القدس الشريف ومناطق من فلسطين.
مجلة "المناهل" السنة 16 العدد 39- 1990 مص: 367.
23- لقطات مضيئة عن حياة المعتمد ابن عباد وأبنائه في المغرب.
مجلة "دعوة الحق" العدد 315 سنة 1995 م – ص: 67.
24- أضحية العيد في الأدب المغربي.
مجلة "المناهل" ع5، س: 3( 1976) ص: 216.
وبرجوعنا إلى هذه الأبحاث والدراسات الأدبية واللغوية وغيرها من البحوث التي ألقيت بالندوات واللقاءات العلمية، نجد أن اهتمام المرحوم محمد المنوني في هذه الزاوية من أبحاثه وكتاباته كان منصبا بالأساس على أمرين اثنين :
1- التعريف بالأدب المغربي، وبعث بعض جوانبه الدفينة وذلك بإبراز معالم هذا التراث في حقب تاريخية معينة، والحديث عن أشكال من الإبداع التي عرفها المغاربة ونبغوا فيها كالمولديات وأدب الرحلات، وشعر المناسبات، والترجمة لأعلام الأدب والنقد والتعريف بإبداعهم، وأسلوبهم، بالإضافة إلى تقديمه لبعض المخطوطات التي تتعلق بهذا الفن وحديثه عن مضامينها وأصحابها.
2- 2- دفاعه عن اللغة العربية باعتبارها لغة الدين ولغة القرآن، وذلك فيما كتبه عن نشاط الدراسات اللغوية بالمغرب، وجهود الملوك العلويين من أجل الحفاظ على هذه اللغة وعلومهـــــا".(2)
وبتسليط الضوء على المباحث والأبواب التي تناولتها الدراسات الأدبية للعلامة محمد المنوني، يمكن تقسيمها إلى قسمين :
قسم يتعلق بالوصف والتأريخ وقسم يتعلق بالترجمة والتعريف.
1- الوصف والتأريخ : برجوعنا إلى الأبحاث الأدبية التي يمكن أنم تندرج تحت هذا العنوان والمتعلقة بوصف أشكال إبداعية ونصوص أدبية معينة، أو إبراز معالم أدب حقبة تاريخية محدة؛ نجد الأستاذ محمد المنوني يركز في أبحاثه على عناصر ثلاث : الزمن –البيئة – الجنس، وتركيزه على زمن الإبداع وبيئته جعله يخصص جزءا كبيرا من ابحاثه للحديث عن التاريخ السياسي والثقافي مع إلمام بالتاريخ الببليوغرافي، ولعل هذا نابع من طبيعة تكوين الرجل ومجال اهتمامه بالتاريخ أولا، إذ يعتبر البحث الأدبي داخلا في هذا الباب ومتفرعا عنه، يقول : "فالمؤرخ يمكن أن يستغل بصفة عامة كتب الآداب الإسلامية وكتب النوازل، بل وحتى كتب النحو يمكن أن يهتم بها وبما يمكن أن يجد فيها من إشارات"(3)
ويمكن أن نستدل على هذا بما نجده في كتابه "العلوم والآداب والفنون على عهد الموحدين" وما نقف عليه في أبحاثه المنشورة بمجلة "دعوة الحق" عن "الحياة الأدبية في العصر المريني"(4) و"الحركة الأدبية في العصر العلوي"(5) وعن "المولديات في الأدب المغربي".(6)
ففي كل هذه الأبحاث يقف أولا على الأحداث السياسية التي أثرت في الإبداع، أو الوسط الفكري الذي ترعرع فيه الأدب ونشطت مجالاته ليخلص بعد ذلك إلى الحديث عن الأشكال الفنية التي يروم الحديث عنها.ذ
فقبل حديثن عن الأدب المغربي على عهد الدولة الموحدية مهد بفرش مسهب تناول فيه أهم الأحداث السياسية والتاريخية، والأسباب التي ساهمت في النهضة الأدبية والعلمية. فتحدث عن تشجيع الموحدين للأدب وما كان عليه أمراؤهم وحكامهم من اعتناء بالشعراء والكتاب، مستشهدا بالندوة الأدبية التي أقامها عبد المومن فوق ظهر جبل الفتح، وبالجم الغفير من الشعراء الذين وردوا على يعقوب مهنئين بالانتصار في "غزوة الأرك"، وردوا على يعقوب مهنئين بالانتصار في "غزوة الأرك"، وبالجماعة الأدبية التي عرفها ديوان عثمان بن عبد المومن، لينتقل بعد ذلك إلى الحديث عن مميزات أدب هذه الفترة وسمات رجاله.(7)
وقبل حديثه عن الحياة الأدبية في العصر المريني يقول : "... وسيأتي بعد هذا دور الدولة في تشجيع الحياة الأدبية انطلاقا من يعقوب بن عبد الحق ماهد الدولة، ثم كان ابنه يوسف هو الذي نظم علاقته أكثر مع الشعراء، وصار بلاطه يتوفر على مجموعة تخيرها منهم ليجري لهم المرتبات والإحسانات .. هذا إلى أن أميرين مرينيين كانت لهما ميول أدبية، فكان أبو مالك عبد الواحد بن السلطان أبي يوسف محبا للآداب والتاريخ، ذاكرا لكثير من ذلك، يجالس أهل العلم والأدب ويناظرهم ويحب الشعر ويروي كثيرا منه ويأخذ نفسه بنظمه".(8)
وبهذا الفرش التاريخي يجعلنا الباحث أمام المحيط والبيئة التي ترعرع فيها الأدب وأبدع فيها الشعراء، حيث يستعرض العوامل التي ساعدت على ذلك ومن خلالها المؤثرات التي كان لها دور في طبع أدب هذه الفترة بطابع خاص.
أما حديثه عن "أدب المغرب البطولي في القرن التاسع عشر"(9) فقد قدم له بمقدمتين، تحدث في الأولى عن هذا اللون الأدبي ومكانته في الأدب العربي المعاصر، ثم انتقل في الثانية إلى الحديث عن الأحداث السياسية والواقع التاريخية التي تظافرت على بعث هذا الأدب في المغرب في هذه الفترة فيقول : "إن دواعي عديدة تظافرت على بعث هذا الأدب من جديد، ويمكن إجمال هذه الأسباب فيما يلي :
أولا : هجوم فرنسا على الجزائر الواقع عام 1246 هـ - 1930م.
ثانيا : استيلاء إسبانيا على تطوان عام 1276 هـ -1860م.
ثالثا : ضعف الجيش المغربي أمام الجيوش النظامية التي قابلها في معركتي : "إيسلي" و"تطوان".
رابعا : استفحال الامتيازات الأجنبية بالمغرب بعد حادث تطوان".(10)
وبالإضافة إلى تركيز العلامة محمد المنوني في أبحاثه الأدبية هاته على عنصري التاريخ والبيئة أو المحيط، نجده يعطي أهمية كبيرة لعنصر ثالث هو الجنس الأدبي، لذا نجده يقسم الإبداع دائما إلى شعر ونثر أولا ثم يتحدث في قسم النثر من بحثه عن الحركة الأدبية في العصر العلوي الأول عن الرسائل والخطب والمناظرات وسماتها، وفي قسم الشعر عن القصائد وأصحابها والموشحات والأزجال ومميزاتها.
وقد توسع في هذا الباب في كتابه : "العلوم والآداب والفنون على عهد الموحدين" حيث تحدث في باب النثر عن الكتابة الديوانية والاجتماعية والسياسية ثم الأدبية والإخوانية لينتقل إلى الخطابة التي قسمها إلى سياسية واجتماعية ودينية وحكمية، وقد حرص على الوقوف عند كل قسم من هذه الأقسام مبينا خصائصه ومميزاته مستعرضا نماذج منه، كما وقف على ألوان أخرى من الكتابة تدخل تحت باب القصص والروايات، يقول : "ومن المميزات الأخرى لهذا العهد، أن الموحدين شجعوا نشر الكتب التي تتحدث عن الفروسية، أو سيرها، أو كتب المغامرات والقصص في جميع أنحاء المملكة سواء في المغرب أو الأندلس".(11) أما الشعر فقد قسمه الأستاذ المنوني ورتبه حسب الأغراض التي اعتاد أصحاب الاختيارات الشعرية والحماسات ترتيب القصائد عليه، بل نجده يتوسع في ذلك، وبفصل في التقسيم حيث نقف على : المديح، الافتخار، الرثاء، الاستعطاف، الاعتذار، الهجاء والدم، العتب والتأنيب، الوصف ، الغزل، الاجتماع، السياسة.
كما خص جانبا من بحثه للحديث عن الموشحات والأزجال فأثبت أن المغاربة قد اشتغلوا بهذين الفنين، وتحدث عن الزجالين من المغاربة وأصحاب الموشحات في هذا العصر.
وبالإضافة إلى تركيز العلامة محمد المنوني في أبحاثه الأدبية على عناصر التاريخ والبيئة والجنس الأدبي نجده قد اهتم أيضا بالنص الأدبي وآمن بأن الحقيقة الأدبية لا يمكن أن تنزع إلا من النص، لهذا خصص جانبا كبيرا من أبحاثه وصفحات كثيرة من كتابه لنصوص إبداعية يثبتها كشاهد على ما يقوله ويذهب إليه.
ففي حديثه عن الأدب على عهد الدولة الموحدية، صار على نهج الأستاذ "عبد الله كنون" في نبوغه(12)
حيث تحدث عن الوضع السياسي والعوامل والمؤثرات التي ساهمت في نشاط الحركة الأدبية، ثم تحدث عن الشعراء والكتاب لينتقل بعد ذلك إلى عرض قدر كبير من النصوص الشعرية والنثرية المختلفة الأغراض والأشكال والمنتسبة إلى كتاب هذا العهد وشعرائه.
وبعد حديثه عن خصائص القصائد الشعرية المعروفة بالمولديات في الأدب المغربي(13) انتقل إلى استعراض النماذج وإثبات أبيات كثيرة من مطالع هذه القصائد.
أما في بحثه الموسوم : "بمدائح نبوية مغربية" فقد ركز على النصوص واهتم بإيراد الشواهد ليخلص في نهاية هذا البحث إلى عرض مولدية أبي حامد الفاسي.(14)
وفي الجزء الثاني من بحثه عن ملامح الحركة الأدبية في العصر العلوي الثاني، نجده يعرض الكثير من النصوص والقصائد الشعرية التي تقوم شاهدا على ما ذكره القسم الأول من هذا البحث.(15)
ولم ينحصر عمل الأستاذ محمد المنوني في الحديث عن المحيط الذي نشأ فيه الأدب، وعرض النماذج والحديث عن الشخصيات، بل امتد أيضا إلى وصف النصوص والشواهد والتعليق عليها. فمما يسجله على أدب الموحدين قوله : "... إن الأدب الغربي في هذا العصر خلا في غالب مظاهره من الزخرف والصنعة سراية من البساطة التي نشأت عليها الدولة، كما خلا في الجملة ولا سيما أيام عظمة الموحدين من السفاسف التي كانت شائعة في الأدب العربي حينئذ، فنذر فيما وقفت عليه شعر الخمريات، وقل أدب التغزل المكشوف ..."(16). وهذه الآرء تنم عن حس نقدي ومعرفة واسعة بهذا الباب، حيث يتناول بالوصف والتعليل المعاني والمضامين الشعرية، دون إغفال للشكل والبناء.
ومن هذا الباب أيضا قوله عن أدب المغرب البطولي في القرن التاسع عشر : "وهنا يكون هذا الحديث قد استعرض ثلاثة أنواع من أدب المغرب البطولي في القرن التاسع عشر، بقي علينا أن نلقي – بعد هذا- نظرة على مميزات هذا الأدب وخصائصه، ولا شك أن في مقدمتها –أولا- الصراحة في النقد الني رأينا نموذجين منها.
أحدهما يتناول نقد الحكومة في مسألة الجيش، والثاني يتناول طبقات من الشعب في قضية الحمايات.
أما الميزة الثانية في الحياة، بحيث كان هذا الأدب يعبر في عدد من المواقف، عن واقع الحياة المغربية، ونستطيع أن نستخرج بعض الأمثلة لهذه الظاهرة من قصائد ابن ادريس وغريط في الدعوة لنصرة الجزائر.
الميزة الثالثة : صبغ هذا الأدب بصبغة الجامعة الإسلامية، وما موقف الأدب المغربي من قضية الجزائر ...والميزة الأخيرة لهذا اللون من الأدب تكمن في سلاسته ومتانته وحسن ديباجته، ونلمس هذا بصفة خاصة في الجانب الشعري، ابن باديس غريط، أفيلال".(17)
وقد التزم بهذا الأسلوب في كثير من أبحاثه حيث يقف عند النصوص التي أثبتها ويستعرض مضامينها شارحا ومعلقا ثم ينتقل أحيانا إلى الحديث عن الجانب الفني فيها.
تراجم الأعلام وإحصاء ما تركوه من مصنفات وآثار تدل على نبوغهم وتشهد على تقدمهم في هذا الباب، وتعكس شخصيتهم وإبداعهم، والترجمة والتعريف بالرجال وإبداعاتهم التي ألحت عليها المناهج المعاصرة واعتبرتها من الأمور المساعدة على فهم النصوص والأدوات الضرورية للتحليل، يقول الدكتور سعيد علوش : "كانت الصورة الأولى من التاريخ الأدبي في رأي "فان تيكم" هي الترجمة وإحصاء المؤلفات".(18) فبالإضافة إلى ما أثبته في كتابه عن الأدب على عهد الدولة الموحدية وما عرضه في أبحاثه عن الحركة الأدبية في العصر المريني والعلوي من تراجم وأحاديث عن رجال هذه الفترة وإبداعاتهم، نجده قد خصص أبحاثا أخرى للحديث عن رجال العلم والأدب وإنتاجهم واتجاههم في الإبداع والتأليف نذكر من هذا ما كتبه عن :
- عبد الرحمن الجامعي الفاسي.(19) 
- أبو محمد صالح.(20)
- عبد الله كنون.
- عبد الله بن ادريس الشبيهي.(21)
- ابن عباد.
وهو أثناء تعريفه وحديثه عن هؤلاء وغيرهم لا يكتفي بذكر الترجمة وتعداد الأعمال، بل يتحدث عن شيوخهم وعم مناحي ثقافتهم والمؤثرات التي لعبت دورا في تكوين شخصيتهم، ثم عن أسلوبهم في البحث وطريقته في الكتابة والتأليف. ولم يقتصر المرحوم محمد المنوني على التعريف بالرجال والأعلام فحسب، بل عرف أيضا بالأعمال واستخرج الكثير من النصوص الأدبية وحققها وتحدث عن مضامنها وأهميتها نذكر من ذلك :
أ‌- مولدية أبي حامد الفاسي ضمن بحثه : "مدائح نبوية مغربية".(23)
ب‌- التعريف بمجموعة أشعار سينغالية ومن مالي والصحراء الغربية.(24)
ج- أوضاع نظما ونثرا تصف رحلات السلطان الحسن الأول لتفقد جهات المغرب.(25)
د- مسرد لواقع المخطوطات عن الرحلة المغربية الحجازية.(26)
والاهتمام بالتاريخ البيبليوغرافي والمصادر والمخطوطات شيء مهم جدا، لأننا نعلم أن الدراسات الغربية الحديثة تتحدث في كثير من أبحاثها عن أهمية الكتابات البيبليوغرافية التي تسهل طريق البحث وتفتح أفقه، وقد أسهم العلماء العرب بباع طويل في هذا الميدان، وألفوا كتبا خاصة في التعريف بالمؤلفات والحديث عن المصادر.
وبحكم ثقافة عالمنا وتعليمه الأصيل وتقلبه في الوظائف التعليمية أنتج رحمه الله أبحاثا تحدث فيها عن مسائل لغوية وتعريبية وسنكتفي في هذا الباب باستحضار بحثه المنشور بمجلة "دعوة الحق"(27)
عن "نشاطات الدراسات اللغوية في المغرب العلوي"، وهو بحث جامع لحركة التأليف ورجاله، ولاهتمامات المغاربة بهذا الباب، وبيبليوغلرافية شاملة لأشهر المؤلفات في هذه الفترة، حيث لاحظ في بداية بحثه أن الانبعاثة اللغوية في هذا تنقسم إلى فترتين.
"تمتد الأولى إلى أواخر القرن الثالث عشر للهجرة، حيث ظهر أفراد متضلعون في اللغة، ووضع بعضهم مؤلفات لغوية أصيلة.
وفي الفترة الثانية أخذت هذه الانتعاشة تسير نحو الانحدار، فانقطع تدريس القاموس وانعدمت الأصالة من المؤلفات التي أصبحت ترجيحا لصدى بعض موضوعات الفترة الأولى، وستقف هذه المرحلة الثانية عند أواخر القرن الثالث للهجرة".(28)
ومن خلال هذا العرض المختصر لأبحاث المرحوم محمد المنوني الأدبية، يمكن تسجيل بعض الملاحظات والاستنتاجات منها :
1- أن اهتمامه كان متوجها بالأساس إلى الأدب المغرب، حيث أرخ له في بعض العصور، ووصفه وعلق عليه، كما عرف ببعض رجاله واستخرج نصوصا دفينة منه.
2- أنه في هذه الأبحاث، كان ميالا إلى التأريخ والتعريف بالمخطوط من الإبداع، وبذلك ظل وفيا لطريقته وأسلوبه ولمجال التأريخ والتحقيق الذي تفرغ للعمل والبحث فيه.
3- أنه يبدو في منهجه الذي اتبعه في هذا الباب، متأثرا بالمناهج العربية القديمة، وذلك في ترتيب النصوص وعرض النماذج والترجمة للأعلام.
4- أن كتاباته لا تخلو من ملامح بعض المناهج الغربية، تتجلى في اهتمامه بالبيئة والجنس وتركيزه على النصوص من أجل استنباط خصائص ومميزات كل جنس.
5- أن مفهومه للأدب يتجلى في كونه جهدا لغويا وعملا فنيا يختلف بحسب الأغراض والمناسبات.

(1) – حوار مع الأستاذ : "محمد المنوني"، مجلة "أمل" العدد الخامس، سنة 1995م ص: 131(2) – انظر بحثه عن نشاط الدراسات اللغوية في المغرب العلوي، دعوة الحق، العدد 4 السنة 11 ص: 51.
(3) – حوار مع الأستاذ : "محمد المنوني"، مجلة "أمل" العدد الخامس، سنة 1995 مص: 41.
(4) – مجلة "دعوة الحق" العددان 254 و256 ص: 41- 48.
(5) – مجلة "دعوة الحق" العددان : الأول سنة 1964 مص: 52 والعدد 8 ص: 74.
(6) – مجلة "دعوة الحق"العدد السابع السنة 12، ص: 62.
(7) – انظر كتابه : "العلوم والآداب والفنون على عهد الموحدين" طبعة معهد مولاي الحسن –تطوان – 1950 مص : 136 -148.
(8) – مجلة "دعوة الحق" العدد 254 ص: 41.
(9) – مجلة "آفاق" السنة الثانية، العدد الأول ص: 26.
(10) – السبق : ص : 27، وانظر في هذا الباب أيضا ما كتبه عن "الحركة الأدبية في العصر العلوي" مجلة "دعوة الحق" العدد الأول، السنة 15، ص: 82-83.
(11) – نفسه صفحة : 144- 145.
(12) – كتاب : النبوغ المغربي في الأدب العربي.
(13) – مجلة "دعوة الحق" السنة 12 العدد 7 سنة 1969 م- ص: 62 وما بعدها، وقد حدد خصائص القصيدة المولدية في : التزام ذكر المولد الشريف والمديح النبوي، سهولة التعبير ووضوح المعنى، خفة الأوزان.
(14) – مجلة "دعوة الحق" السنة 15- 1973. العدد 9 -10 ص 157.
(15) – مجلة "دعوة الحق" السنة 15- 1973. العدد 8 ص: 84.
(16)- نفسه صفحة : 139.
(17) – مجلة "آفاق" ص : 31.
(18) – "إشكالية التيارات والتأثيرات في الوطن العربي"، ص: 58.
(19) – مجلة "دعوة الحق" العدد4- السنة 16 (1974 م) ص: 77.
(20)- بحث ألقاه بالملتقى الفكري الثاني لمدينة آسفي.
(21) – مجلة "دار النيابة" العدد25، السنة 7 (1990م) ص: 2.
(23) – مجلة "دعوة الحق" 
(24) – بحث ألقاه في ندوة "المغرب وإفريقيا في بداية الحديث" مراكش 1992 م.
(25) – مجلة "دار النيابة".
(26) – بحث ألقاه بندوة المخطوطات العربية في الغرب الإسلامي.
(27) – السنة 11 العدد الرابع 1971 م ص : 51.
(28) مجلة "دعوة الحق" العدد :4 س : 11 ص: 51.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here