islamaumaroc

من نوادر المكتبة المنونية

  أحمد عزاوي

370 العدد

إن الشيخ "العلامة المرحوم سيدي محمد المنوني" غني عن التعريف بشخصه الكريم، فهو كما يعرفه الباحثون : العالم المتنوع المعارف، السخي بعلمه، المتواضع بشخصه ... الذي خدم العلم عقودا طويلة، وجمع من الكتب ما كون بها خزانة عامرة. وإذا كان شيخنا غنيا عن التعريف فإن دخائر مكتبته تحتاج إلى تعريف القارئ بها، فمما غمرني به من نوادرها مخطوط مجموع يحتوي على رسائل موحدية فريدة.(1)  قمت بدراستها وتحقيقها ونشرها مع بقية الرسائل الموحدية التي خرجت من المطبعة سنة 1995 م.
تبلغ رسائل الفترة الموحدية في هذا المخطوط ثلاثا وثلاثين رسالة، أولها رسالة من إنشاء "القاضي أبي القاسم بن عذرة" وثانيتها من إنشاء الكاتب "أبي الحسن ابن الفضل"، والثالثة والرابعة من إنشاء المسمى " أبي العباس بن جعفر" الذي هو يبدو "الهيثم بن أحمد بن جعفر بن الهيثم السكوني الاشبيلي"، حيث ورد اسم "الهيثم" مرتين في رسالته الأولى التي كتبها عن نفسه مشتكيا من إنزال عبيد السلطان بداره.(2)
يلي هذه الرسائل الأربعة تسع وعشرون رسالة مما تبقى من المخطوط عنوان كل منها عبارة : "وكتبت أيضا"، وهذا ما طرح إشكالا ؟ هل هذه الرسائل هي أيضا من إنشاء "أبي العباس بن جعفر" حيث لا يوجد اسم أي منشئ آخر بعد رسالتيه ؟ وهذا ما ذهبت إليه في مقدمة "رسائل موحدية".(3) غير أن مراجعتي لمنهجية جمع "البلوي" لرسائل كتاب : "العطاء الجزيل في كشف غطاء الترسيل"(4)جعلتني أنتقل إلى افتراض آخر قد يكون أقرب إلى الصواب، فرسائل كتاب "العطاء" مبوبة حسب فنون الترسيل، في كل باب يأتي "البلوي" برسائل ومشاهير السابقين والمعاصرين له في كل فن، ثم يختم كل باب بإنشاءاته في نفس الفن بعد التنبيه إلى ذلك بالعبارة الآتية : "قال أحمد بن محمد البلوي عفا الله عنه : ومن إنشائي في هذا الباب".
وبعد الرسالة الأولى تأتي الرسائل اللاحقة بعد عنوان لكل منها هو "وكتبت أيضا"، وهي نفس العبارة المتكررة في أول الرسائل التسعة والعشرين في مخطوط "المنوني"؛ غير أن العبارة التي يعرف بها البلوي نفسه كما رأينا في : "العطاء الجزيل"(5)"قال أحمد ..." مفقودة في مخطوط "المنوني" بعد الرسالة الثانية "لأبي العباس بن جعفر"، وربما فقدت أيضا صحيحا بالنسبة للعنوان : "وكتبت أيضا "، فكلمة (أيضا) توحي بوجود رسالة أو رسائل قبلها بترت من المخطوط الأصلي.
وعلى هذا يمكن أن نرجح أن هذه الرسائل التسعة والعشرين هي من إنشاء "أبي القاسم البلوي"، وإذا صح هذا البلوي يكون هو نفسه جامع رسائل مخطوط هذا البلوي يكون هو نفسه جامع رسائل مخطوط "المنوني"،(6) فهل تكون هذه الرسائل جزءا من كتاب : "العطاء الجزيل" المبتور، أم من مصنف آخر ؟
يقع مخطوط "المنوني" آخر مجموع تمتد رسائله الموحدية على الصفحات من 303 إلى 362، أي على 31 ورقة، عدد أسطر يفحاتها 24 سطرا، عدد كلمات كل سطر بين 10 و13 كلمة عددا حسب هدد أحرفها، ويتخللها بعض الشكل؛ وقد كتبت الفواصل بلون أحمر، كما كتبت العناوين بالأحمر أيضا وبخط بارز. والكتاب مكتوب بخط واضح لم تؤثر الأرضة على كتبته غالبا مما يرجح أن نسخه ليس قديما، أو أنه كان في منأى عن الرطوبة.
تمتد رسائل المخطوط زمنيا من عهد الخليفة "المنصور الموحدي" إلى أوائل عهد حفيده "المستنصر"، إلا أن الرسائل التي تهم عصري "المنصور" وابنه "الناصر" قليلة، بينما تناول معظمها فترة أوائل "المستنصر"؛ وهي تعتبر من نوادر الرسائل، فما فيها من أحداث تكاد تنفرد بها، بل إن بعضها لا وجود له في غيرها، كما أن معظم الرسائل الموحدية بهذا المخطوط هي فريدة (لحد الآن)، خصوصا الرسائل التسعة والعشرين المكتوبة عن والي اشبيلية السيد "أبي إسحاق إبراهيم بن الخليفة يوسف بن عبد المومن" إلى "المستنصر" أو وزيره "ابن جامع"، والكثير منها مبثور البداية، كما أنها غير مؤرخة عدا اثنين منها، إلا أن أحداثها تجعلنا نضع تاريخ أغلبيتها بين أوائل سنة 611 هـ (7) وأواسط السنة اللاحقة أي قبل وفاة المكتوب عنه الوالي أبي إسحاق المذكور في رمضان سنة 612 هـ.
إن رسائل أبي العباس تتعلق ببداية عهد "المستنصر"، أي أنها تخص فترة غامضة في المصادر العربية حول "الأندلس" بعد هزيمة "معركة العقاب" التي جرت أوائل سنة 609 هـ / 1212م، ويمكن تلخيص أهمية هذه الرسائل فيما  يلي :
- نظرا لكون معظمها جوابية فإنها تلخص أهم نقط الرسائل الواردة من مركز الخلافة والتي هي مفقودة.
- تصف حالة الأندلس الداخلية من ناحية الأمن والحالة الزراعية (حالة المطر ووضعية القوت)
- تشير بعضها إلى ضعف السلطة في هذا الظرف، مما سهل على بعض المجموعات العربية والكومية العبث في بوادي"إشبيلية" وفي غيرها، وهي مجموعات عسكرية يظهر أنها انتقلت إلى الأندلس مع الخليفة "الناصر" وخاضت معه "معركة العقاب"، ثم بقيت هناك مدة –ربما بدون أرزاق – إلى أن أذن لها في العودة إلى المغرب.
- تشير الرسائل المذكورة إلى الحالة العامة لدى "الإسبان" خاصة "القشتاليين" والعلاقة بينهم وبين "الموحدين"، كالإشارة إلى الفتنة داخل بلاد النصارى، وذكر المفاوضات بينهم وبين الموحدين التي انتهت بعقد هدنة، والحث من السلطة المركزية على الحفاظ على الهدنة مع النصارى. بحيث أن هذه الرسائل تسد جزءا من الفراغ الذي تركته المصادر العربية على الخصوص ، والتي تحولت منذ "معركة العقاب" إلى الحديث عن انعكاساتها الداخلية بالشمال الإفريقي، ولن تعود للحديث عن الأندلس إلا بعد أكثر من عقد من الزمن.(8)
- وهذه الآن مقتطفات من رسائل المخطوط المذكور، التي هي من إنشاء "أبي العباس بن جعفر " عن والي إشبيلية السيد "أبي إسحاق إبراهيم بن الخليفة يوسف" والتي تنحصر تاريخيا كما ذكرنا بين أوائل سنة 611 وأواسط 612 هـ :

1- فيما يتعلق بنهاية ثورة الجزولي في بلاد السوس :
كانت قبيلة كزولة موطن ثورات تكاد لا توقف إلا في بعض فترات قوة السلطة المركزية، ولا تلبث أن تندلع كما حدث في عهدي الناصر والمستنصر، فقد ذكرت بعض المصادر ظهور تأثر أنه عبيدي فاطمي بالمنطقة، وبعدما قتل سنة 611 هـ، وجدنا صدى آخر اشتدت تورثه وربما عاصر التأثر الذي سبقه، أو قاد الثورة بعده، ولم تتمكن السلطة من التغلب عليه إلا بواسطة تحريض الخليفة "المستنصر" "... فإنه قد نجم في هذه المدة ببلاد جزولة شقي يدعي المحال ... اجتمعت عليه القبائل، وتقربوا بقتله وقتل أشياعه إلى الله وإلى هذا الأمر ..."(9) ومما يدل على اشتداد تورثه ما ذكره "المراكشي" حين كان بالأندلس في هذه السنة حيث قال : "أعظم الموحدون الفرح بأخذه وقتله"،(10) كما وردت الإشارة إليه في رسالة بكتاب : "العطاء الجزيل" "لأبي القاسم البلوي"،(11)  وهذا ما تعكسه ثلاث رسائل في مخطوط المرحوم "المنوني" هي جوابية على رسالة أو رسائل من السلطة المركزية نقتبس منها بعض الفقرات :
• الرسالة الأولى ورد فيها : "... وقد بلغ الآن الخبر العميم ... بما كيفه السعد المطرد الأنواع والأجناس، وهيأه فضل الله عليها [ أي الحضرة] وعلى الناس، من قتل الشقي الذي نجم بالقبلة ... فاهتزت أرض الأندلس طربا بهذه البشارة العظيمة اهتزازا .. وإنه لفتح من الفتوح التي يأتي بها أسعد الأزمان ..."(12)
•  الرسالة الثانية وردت الإشارة فيها هكذا : "... والله يلحق بهذا الشقي أمثاله من الضلال، كما ألحقه بمن قبله من أهل الضلال، وقد بث العبد هذه البشرى في أرجاء هذه البلاد كلها ونواحيها لتعم المسرة كافة قاصيها ودانيها .. واعلم العبد الخاصة والعامة بأن الذي تضمنته هذه البشرى من النعم التي لا يحصى لها عدد ..."(13)
• الرسالة الثالثة عن نفس الوالي ورد فيها ما يلي : "... وقد تقدم الخطاب إليكم ... بما كان قد طلع به في هذا الأفق فجر البشرى من الأخبار بما يسره الله .. في قتل الشقي الذي كان نجم بجزولة ...".(14)
• بعد وصول الأخبار بمقتل الثائر إلى الأندلس وصل كتاب الخليفة أعلاه، فقرئ على منبر الجمعة لتوصيل مضمنه إلى العموم، حيث كانت المنابر أهم وسائل الإعلام؛ فقد تضمن "صحة الخبر وتحقيق الفتح .. وكان .. أن وافق فقد تضمن "صحة الخبر وتحقيق الفتح .. وكان .. أن وافق وصول الكتاب الكريم ليلة الجمعة، فتمم الله بذلك فضل اليوم، وجمعه، حيث جمع الله الأمة من الحاضرة والبادية لسماع البشرى ... ولقد استفز الطرب الخاصة والعامة فحكموا بحكم الأعياد للأيام، وأجروها مجراها في إفشاء السلام فيها وإطعام الطعام ...يقيمون أعراسا في كل مكان، ويحسبون كل يوم يوم موسم ومهرجان ...". (15)

2- في موضع الأحوال الزراعية بالأندلس .
يظهر أن الموسم الزراعي لعام 610 هـ - 611 هـ (وربما الذي قبله أيضا) كان سيئا ليس فقط بالنسبة للأندلس الإسلامية ولكن أيضا بالنسبة للمالك الإسبانية خاصة قشتالة، (16) ذلك أن الإشارات التي ترد في رسائل والي اشبيلية بعد الموسم المذكور تتحدث عن موسم جيد استبشر الناس به وأملوا أن ينتهي كما يحبون ، هذا الموسم يمتد بين أواسط سنة 611 هـ (خريف عام 1214 م وأوائل سنة 612 هـ (صيف 1215 م).
• ورد في إحدى الرسائل : ".. فالأحوال في هذه الجهة معتملة .. في مناهج الصلاح، والناس بما جاد الأرض من الحيا [ أي المطر ] أيضا استبشار ..."(17)
• وورد في أخرى : "...وأما الزرع فقد بسط الله الآمال بكثرته وصلاحه في هذا العام بسطا، وأعطى هذه الجهات منه حظا وافرا وقسطا، فإن الناس كانوا قد استكثروا منه في كل مكان ... واعتنى أهل الثغور أيضا بالأزدراع اعتناء الغير ... فتملأ به السهل والجبل .. وكان من صنع الله الجميل ... أن جاده في هذا العام من الغيث كل مدرار، وأعاده في أوقات احتياجه إليه من "بيده الخير وهو على كل شيء قدير"، "وكل شيء عنده بمقدار ...".(18)
• وجاء في ثالثة : "... وأحوال هذه الجهة .. جارية على ما تقدم الإعلام به من العافية، والخيرات الوافية، والهدنة المستمرة، والأمنة المستقرة، والاستبشار بكثرة الزرع في هذا العام وطيبه وصلاحه، واستيفائه من الغيث في وقته منتهى أمل الآمل واقتراحه ...".(19)

3- في موضع عيث الجماعات العسكرية الكومية والعربية :
تنتمي "كومية " إلى قبائل زناتة منطقة تلمسان التي هي عصبية الخلفاء الموحدين، وقد كون "عبد المومن" فرقة عسكرية قبلية من هؤلاء، كما أدمج عناصر عربية من "رياح" وغيرها في الجيش كقبائل عسكرية ليوازن بها عصبية القبائل المصمودية، وكان لهؤلاء جميعا دورهم في العمليات العسكرية داخل المغرب الأقصى وفي الجهات البعيدة خاصة في الأندلس كغزوتي : "الأرك" و "العقاب". ويظهر أن هزيمة الموحدين في هذه الأخيرة لم تمكن من تنظيم محكم لعودة هذه العساكر القبلية، فبقيت مدة في الأندلس، خاصة وأن الخليفة "الناصر" توفي بعد عودته إلى مراكش وخلفه ابنه "المستنصر" الكفل سنة 610 هـ تحت وصاية وزيره ابن جامع ويظهر أن المجموعات الكومية والعربية المتبقية في الأندلس انقطعت عنها الأرزاق التي كانت تحصل عليها مقابل خدمتها العسكرية، وفي نفس الوقت لم يسمح لها بالعودة عاجلا إلى المغرب. فاشتد عيثها بين الناس بالاعتداء على مزارعهم ودورهم، خاصة بعد فترة من الغلاء والمجاعة، وتكررت شكايات والي "إشبيلية" "السيد أبي إسحاق بن الخليفة يوسف" إلى الخليفة "المستنصر" أو وزيره "ابن جامع". ومما ورد عنه في إحدى رسائله إلى الوزير :
"وقد كان مجلكم خاطبكم قبل هذا بأفعالهم وما لحق الرعية من الخوف الشديد على زروعها .. وقد تسببوا إلى الرعية بأسباب ... تارة بقتيل يدعون على من شاءوا بقتله، وتارة بتكاليف يلزمونهم أنواع الغلات ... وكانوا قد فعلوا في فلانة ما قد بلغكم خبره، وأهلها مزمعون الجلاء عنها ... ويظهر من القوم ما قد أعلنوا به  وصرحوا، من أنهم إنما يقصدون المبالغة في الضرر ليسمع خبرهم فيجاوزوا البحر ويسرحوا ...".(20)
• وقال الوالي في رسالة أخرى عن عيث هؤلاء بأرباض إشبيلية أنهم : "... قتلوا شيخا كان خطيبا بفلانة [ إحدى قرى إشبيلية] وسلبوه ثيابه عند انصرافه من صلاة الجمعة إلى المدينة، وقد كثر مثل [ هذا ] منهم في هذا الوقت كثرة ملأت قلوب الرعية خوفا، فالناس ...يخافون أن تحملهم الغيرة على حرمهم وبناتهم ونفوسهم وأموالهم على أن يدفعوا عن أنفسهم بأيديهم فيؤول ذلك إلى ما يكرهون والعياذ بالله من ذلك".(21) وتكررت رسائل الوالي في الشكاية بهؤلاء العائثين ، وفي هذا إشارة إلى ضعف السلطة في مواجهتهم.
• وإذا كانت معظم رسائل هذا الموضوع لا تذكر اسمهم صراحة – ربما بسبب تدخل النســـــــاخ، (22) – فإن إحداها ورد فيها جواب من والي اشبيلية على رسالة من الخليفة : " وأما ما اقتضاه الكتاب الكريم في أمر كومية ... من أن يحضر العبد مزوارهم وجماعتهم، ويحذروا عاقبة الاعتداء ... فلذلك مما وجب الإعلام .. بأنه ألقى إليهم ... وأكد جهده عليهم، وببركة الحضرة الإمامية ... يتصل النفع وينقطع الضرر..."(23)
• وورد في رسائل أخرى عن نفس الوالي في تطبيق الأوامر الخليفية "أوامر الحضرة" بشأن المجموعات العربية التي شاركت في العيث : "وقد ورد على عبد علائها ... كتابها الكريم المعظم المثير السرور، المبهج للجمهور ، المصلح للأحوال والأمور، والمتضمن من مصالح الرعية ونقل العرب إلى الأماكن الخالية القصية ما لم يزل يصدر عن فضل الحضرة الإمامية العلية ..."(24)
• وأخيرا ورد الأمر من الخليفة بإجازة كومية أولا ثم العرب ثانيا ومن موضعين مختلفين تجنبا للاختلاط : "استحضروا مزورا كومية وغزارتهم واقرؤوا كتابنا هذا عليهم ...ثم تقدموا لهم (كذا) إلى جزيرة "طريف" بعد أن يتغافروا مع أهل البلاد ... ولا تنفصلوا عن المجاز حتى تكمل إجازتهم ... وهم بيض الصحائف براء من المآثم ...وعرفوا من هنالك من غزارة العرب بأن العمل واحد، وأنهم يجيزون في موضعهم [ الجزيرة الخضراء ؟] على ما أمرنا به من عدم الاختلاط ...".
وإذا كانت هذه الرسالة تحمل تاريخ 13 شعبان 313 هـ فالظاهر أن الصواب هو 612هـ فالوالي المكتوب عنه توفي في رمضان 612 هـ.(25)

4- عن اضطراب أحوال المماليك الإسبانية .
عملت ظروف "معركة العقاب" على التحالف بين الاسبان تحت ضغط "الكنيسة"، غير أن هذا الوضع تغير بعد المعركة، خصوصا وأن كل مملكة انشغلت بمشاكلها الداخلية، فملك "أركون" دخل في حرب مع المعارضين وراء جبال "البرنيس"، وقتل هناك سنة 610 هـ، فخلفه ابنه الطفل "خايمي الأول" تحت الأوصياء ، مما أدى إلى نشوء صراع داخلي استمر حوالي عقد ونصف . كذلك الحال في "قشتالة"، فقد مات ملكها "ألفونسو الثامن" سنة 611 هـ / 1214 م وخلفه ابنه الطفل تحت الوصاية عليه، فاندلعت الفتنة الداخلية التي تدخلت فيها جارتها "ليون" بحكم القرابة بين العرشيين(26)  واستمر الحال إلى أواخر العشرينات لينتهي باتحاد المملكتين .. وأصداء التوتر بين هذه الممالك والاضطرابات داخلها نجد أن انعدام التاريخ في هذه الرسائل جعل من الصعب ترتيبها زمنيا بالدقة المناسبة.
• من ذلك ما ورد في رسالة عن والي إشبيلية المذكور قبل : "... وما زالت البشائر ببركة الخلافة السعيدة تطلع شموسا في سمائها يعدها ...وقد طلعت الآن في سماء السعادة الإمامية بشرى من أعظم البشر، وأكبر نعم الله على البشر، تؤذن الكفر بانتثار كواكبه وتبدد شمله، وتفرق جموعه .. وذلكم بما كان من الفتح المبين، والصنع الذي أشرق به وجه الدين، بموت طاغية الكفار .. صاحب قشتالة".(28)
وورد في رسالة أخرى عن الوالي المذكور ما يلي "..ومن ذلك .. أن الواردين من الثغور في هذه الأيام قد كانوا يتقلون بارتباط صلح بين النصرانيين ... صاحب "قشتالة" وصاحب "ليون" ...(29) وورد الآن على العبد كتاب المقدم بماردة(30) يذكر أن صاحب "ليون" وابن صاحب "قشتالة" اجتمعا وقعدا في موضع واحد، فظهر لكل واحد منهما من الآخر ما يظهر من المبغض الشاني وادعى كل واحد منهما الشفوف لنفسه ولأبيه على الثاني ثم آل بهما التفاخر إلى أن تلاطما، وارتفع بينهما عباب
الشقاق وطما، وانتصر لكل واحد منهما فريقه الحاضرون، فاقتتل الفريقان للحين والحين، وعجل الله من أرواحهم إلى النار بنحو خمسين ..."(31) 
• وفي رسالة أخرى عنه أيضا : " ...ما قد توالى .. من الأنباء المباشرة بتفريق شمل الكفار، وما جعل الله بينهم من الفتنة المضطرمة النار، وقد وصل فيما يصنع الله للحضرة الإمامية من الصنع الجميل، وما يكفيه لها من غرائب التكييف الجاري وفق التأميل .." (33)
• وفي رسالة أخرى : "...ومما أثمره سعد الخلافة العلية ... من الثمر الشافي للصدور، الموافي بالبهجة والسرور، ما جعل الله في هذا الوقت بين فرق الكفرة .. من الفتنة المضطرمة نارها ... حيث شغلهم بنفوسهم ... وجعل بأسهم بينهم لبؤسهم ... ومما وجب به إعلام الحضرة الإمامية ... من أنباء الأعداء، الواردة بالسراء، أنه ورد على العبد كتاب من "بطليوس" ... يتضمن من المسرة التي ساقتها سعادة الخلافة العلية ما نسخته مستطرة في المدرج طي هذا الكتاب ... [ أي بخبر الفتنة المذكورة].(34)
• وفي رسالة أخرى عن نفس الوالي إشارة في الموضوع : ".. وقد ورد الآن من سار الأنباء ما تجب به مطالعة الحضرة الإمامية المنصورة اللواء، وذلك أنه وصل نصراني فأخبر بكذا وهذه بشائر ... جعل الله بأس أعدائه بينهم وأهلكهم بآرائهم، وجعل تدبيرهم تدميرهم، فأعلم العبد بما تجدد عنده من أخبار الأعداء ...".(35)
• وهناك رسالة أخرى تتحدث عما "ألقى الله في هذا الوقت بين رؤوس الكفرة ... من المفاتنة فيما بين فرقهم الذميمة .. فما منهم إلا من أسرج لحرب الآخرين وألجم"،(36) قد يكون الموضوع يخص العلاقة بين "قشتالة" و "ليون"، وقد يهم الوضع داخل قشتالة نفسها، فالأوضاع في كلتا الجهتين غير مستقرة.
• بالنسبة للعلاقة بن "ليون" و "البرتغال" هناك إشارة إلى سلم عقد بينهما في هذه الفترة (611 هـ - 612 هـ 1214 /1215 م)؛ جاء في إحدى رسائل الوالي المذكور : "... وصل متجسسون من بلاد الروم فأعلموا بما هم عليه من الاغتباط بسلمهم [ مع الموحدين] ... وأنبأوا أن "ابن الريق" [ ملك البرتغال] وصاحب "ليون" تعاقدا وتعاهدا بينهما سلما اختلف الناقلون في أمرها، فمنهم من يقول إنها لأمد طويل، ومنهم من يقول إنها لعدد قليل ..." وأن ما شاع سابقا من عزم البرتغال على هدنة مع الموحدين تراجع عنه بسبب تراجع ملك قشتالة عن التعاقد معهم،(37) ويظهر أن هذا حدث قبل الهدنة التي عقدت سنة 612 هـ بين الموحدين والقشتاليين.

5- في موضوع العلاقة بين الموحدين والإسبان.
هناك رسالة في مخطوط "العطاء الجزيل" للبلوي(38) تشير إلى عودة الوفد القشتالي من مراكش إلى بلاده عبر إشبيلية، وستنتهي المفاوضات بعقد هدنة
خلال سنة 612هـ. ومما ورد بشأن الموضوع في مخطوط المنوني وعن والي إشبيلية المذكور هذه الإشارات :
*ففي إحدى الرسائل : "... وقد وصل الإرسال الصادرون في الانفصال من هنا إلى صاحبهم على الوجه الذي اقتضاه النظر الكريم ...، وببركة الحضرة الإمامية ..يتسنى من مصالح العباد والبلاد كل مطلوب، ويتمشى في كل ما يعود بالأمن الشامل والخير الكامل كل مرغوب، إن شاء الله تعالى".(39)
* وبعد تمام عقد الهدنة حرص الموحدون على حفظها، ففي إحدى رسائل والي إشبيلية ما يلي : " ..فأما الإشارة الكريمة في حق رعي السلم مع صاحب قشتالة فقد نبه العبد أهل هذه الجهات عليها ... ولم يزل يؤكد فيما يجب من حق العهود، والوقوف عند الحدود ... حتى تقوم على صاحب قشتالة فيما يطلب به من النصيحة الحجة، وتتضح له من الإنصاف والمعدلة السبيل الواضحة والمحجة".(40)
* فرغم المشاكل التي كانت تعيشها قشتالة والتي تجعلها حريصة على الهدنة مع الموحدين، فإن هؤلاء أيضا كانوا أحرص عليها لانشغالهم بمشاكلهم داخل المغرب، فهددوا بالإعدام من يتسبب في نقض الهدنة، جاء في رسالة عن والي إشبيلية ما يلي : "... وقد كان نشأ بهذه الجهات في هذه الأيام ناكث غادر، مجرم فاجر .. كان يهتصر أفنان الفتنة اهتصارا، ولا يحاشي من الإذاية مسلمين ولا نصارى، فتقدم إليه بالنهي اعتذارا وإنذارا ... ثم اجترأ على أن نهد [ أي برز] إلى جماعة من رعاء النصارى قد أضلهم السلم بستارته .. فرماهم وغنمهم، وأتى "بطليوس" بأحد (كذا) وعشرين أسيرا منهم حكمت المحافظة على السلم بتعجيل إطلاقهم ... حذرا من نكث العهد والميثاق، وخوفا أن ينجم ناجم فتنة أو نفاق، أو يستوي ضرر الكفرة على ساق ..."(41)
* ولما بلغ الخبر إلى الخليفة أجاب محذرا بإحدى رسائله كما وردت في صبح الأعشى : "...إنكم تثيرون على أنفسكم من شر عدوكم – قصمه الله –شررا يستعر، وضررا يعدم فيه المنتصر [ أي المعين] .. لا تتمسكوا من الاسارى بشعرة، ولا من الماشية بوبرة ... ولا تتعرضوا من الشر لما تعجز عنه طاقتكم ..."(42)
* ثم أرسل إلى ملك قشتالة يؤكد على التزامه باستمرار الهدنة : "... وأنتم بحول الله تقفون عند حدود السلم، وتحتفظون عليها، وتعاقبون كل من هم بإذاية المسلمين".(43)
خلاصة هذا أن الأوضاع بالأندلس الموحدي وبالممالك الإسبانية كانت مناسبة للتدخل الموحدي للانتقام لهزيمة "العقاب" لو توفرت إيجابيات وضعية السلطة المركزية وارتفاع معنوية الجيش. غير أن ما كانت تعانيه الممالك الإسبانية من نزاع على الحدود فيما بينها ومن فتن داخلية خاصة بوجود أطفال على بعض العروش، كان يعاني منه المغرب الموحدي أيضا بوجود "المستنصر" الطفل على العرش تحت وصاية وزيره، وما نتج عن هذا من ضعف الأمن في البلاد، بحيث انشغل الموحدون والإسبان عن بعضهم البعض طيلة ما يقرب من عقد ونصف من السنين بعد معركة العقاب.
وفي الوقت الذي بدأت أحوال النصارى تتحسن ازداد وضع الموحدين سوءا في مركز الدولة وفي الولايات بظهور الحركات الانفصالية في "إفريقية" و "المغرب
الأوسط"، وكذا في "الأندلس" حيث سهل على الإسبان تدشين حرب "الاسترداد" التي ضيعت من يد المسلمين معظم ما بقي من الأندلس قبل منتصف القرن السابع، وأصبح الباقي رهينا من جهة بالتنافس بين النصارى على بقية الفريسة، ومن جهة أخرى يتجدد العمل الجهادي المغربي كما سيلاحظ في العصر المريني خاصة.
وأخيرا ، رغم هذا التعريف المتواضع بهذا المخطوط، فإنه لا غنى للقارئ عن قراءته بنفسه وخصوصا الرسائل الديوانية التي اقتبست منها ما أمكن اقتباسه على سبيل الاختصار، فرحم اله صاحب هذه الذخيرة السنية، وأسكنه فسيح جناته، إنه سميع الدعاء.

(1) – هذا المجموع أوله : ديوان الأمير أبي فراس الحمداني، ثم ديوان الأمير أبي الربيع سليمان الموحدي (نظم العقود ورقم الحلل والبرود)، ثم مجموع رسائل ومقالات.
(2) – نص الرسالة في المخطوط على ص: 308- 310، راجع ابن سعيد في : اختصار القدح المعلى ص : 158 (1980)، ابن الآبار : التكملة 4/ ص: 149 (تحقيق عبد السلام الهراس)، المقري : نفح الطيب 3/377-378 (دار بيروت)، برنامج الرعيني 191- 195 (1962).
(3) – أحمد عزاوي : رسائل موحدية – مجموعة جديدة ج/ 1، 2 (1995 -2001)، من منشورات كلية الآداب بالقنيطرة، (مطبعة النجاح الجديدة- الدار البيضاء).
(4) – لاحظ ما عند القاسم البلوي في "العطاء الجزيل في كسف غطاء الترسيل" ص: 48 وما بعدها ، وما بعدها، 119 وما بعدها، 167 وما بعدها (مخطوط الخزانة الحسنية رقم 6148.
(5) – العطاء ص 310، فالملاحظ أن هذا العنوان (وكتبت أيضا) وارد مباشرة بعد رسالتي "أبي العباس" وهذا سبب الإشكال.
(6)- وضع له تلاميذه ابن عبد الملك المراكشي ترجمة وافية في "الذيل" س1 ق2/ ص: 453 – 460 (تح بنشريفة، ط، أولى بيروت)؛ انظر أيضا ابن سعيد في اختصار القدح 120-122.
(7) – ربما كانت أقدم رسائل الوالي المذكور هي المؤرخة ب 20 صفر 611 هـ بعد وصوله إليه كما تشير الرسالة، وهي تتضمن أيضا ذكر كثرة الأمطار التي تبشر بانقضاء عهد الغلاء والمجاعة (الرسالة في مخطوط المنوني على الصفحات 334 – 336 – وهي تحمل رقم 70 في الأمطار رسائل موحدية " ج/ 1)؛ وربما كان شهر صفر المذكور أول شهر كتابة البلوي عن السيد أبي إسحاق حيث ذكر أنه خدمه 18 شهرا أي إلى وفاة الوالي في رمضان 612 هـ (العطاء 171).
(8) – رسائل موحدية 2/ ص : 146- 149.
(9) – رسائل موحدية 1/ الرسالة رقم 97؛ البلوي : العطاء الجزيل (زوائد ص 11-12).
(10) – عبد الواحد المراكشي : المعجب في تلخيص أخبار المغرب 329 (القاهرة 1949 م).
(11) – العطاء (زوائد) 11-12؛ رسائل موحدية 1/ رقم 97.
(12) – مخطوط المنوني ص 326 -327؛ رسائل موحدية 1/ رقم 98.
(13) – مخطوط المنوني ص 344؛ رسائل موحدية 1/ رقم 99.
(14) – مخطوط المنوني ص : 360؛ رسائل موحدية 1 /رقم 100.
(15) – نفس الرسالة قبلها.
(16) – انظر ما ذكره أشياخ عن عموم المجاعة في إسبانيا في "تاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين" 2/ 136 -137 (تعريب م. عنان، ط، ثانية، القاهرة 1996 م).
(17) – مخطوط المنوني ص : 337؛ رسائل موحدية 1/ رقم 71.
(18) – نفس المخطوط (ص : 348 -349 ) ؛ رسائل موحدية 1/ رقم 72.
(19) – نفس المخطوط (ص : 338) ؛ رسائل موحدية 1/ رقم 74.
(20) – العطاء الجزيل ص 167 -168؛ رسائل موحدية 1/ رقم 90.
(21) – العطاء الجزيل ص : 170-171؛ رسائل موحدية 1/رقم 93.
(22) – منها أيضا رسائل كتبها البلوي عن الوالي المذكور وردت في العطاء الجزيل ص : 169- 171؛ رسائل موحدية 1/ رقم 91، 92، 93.
(23) – مخطوط المنوني ص : 329؛ رسائل موحدية 1/ رقم 94.
(24) – مخطوط المنوني ص : 347؛ رسائل موحدية 1/ رقم 95.
(25) – وردت الرسالة في العطاء الجزيل ص: 7؛ رسائل موحدية 1/ 96؛ وعن تاريخ الرسالة راجع الجزء الثاني من رسائل موحدية ص : 150-151. 
(26) – عن أحوال "قشتالة" و "ليون" في هذا الوقت راجع ما كتبه أشباخ في : "تاريخ الأندلس في عهد المرابطين والموحدين"، ج2 /136 وما بعدها.
(28) – أشباخ ، تاريخ الأندلس ...2/112، 117.
(29) – ملك "ليون" في هذا الوقت هو "ألفونسو التاسع".
(30) – من مدن الثغور الإسلامية القريبة من "ليون".
(31) – مخطوط المنوني ص : 311-312؛ رسائل موحدية 1/ رقم 72.
(33) – مخطوط المنوني ص : 338؛ رسائل موحدية 1/ رقم 74.
(34) – مخطوط المنوني ص : 346؛ رسائل موحدية 1/ رقم 75.
(35) – مخطوط المنوني ص : 359؛ رسائل موحدية 1/ رقم 76.
(36) – مخطوط المنوني ص : 327؛ رسائل موحدية 1/ رقم 98.
(37) – مخطوط المنوني ص : 334؛ رسائل موحدية 1 / رقم 84.
(38) – البلوي : العطاء الجزيل ص 18، رسائل موحدية 1/ رقم 77.
(39) – مخطوط المنوني ص : 353؛ رسائل موحدية 1/ رقم 80.
(40) – مخطوط المنوني ص: 320؛ رسائل موحدية 1/ رقم 81.
(41) – مخطوط المنوني ص: 333- 334؛ رسائل موحدية 1/ رقم 84.
(42) – القلقشندي : صبح الأعشى 6/ 446 (المطبعة الأميرية – القاهرة)؛ رسائل موحدية 1/83.
(43) – ابن عذاري : البيان المغرب 246 (ط- تطوان)؛ رسائل موحدية 1/ رقم 85.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here