islamaumaroc

الأستاذ المرحوم محمد المنوني رائد البحث المصدري بالمغرب ونماذج من نفائس خزانته

  حسن جلاب

370 العدد

أنعم الله تعالى على هذه البلاد بإنجاب عدد كبير من العلماء الذين تميزوا في مختلف الميادين: كالسياسة والأدب والتاريخ والعلم والفن، وما إلى ذلك من المعارف .. وقدموا لبلدهم خدمات جليلة يعرفها العام والخاص على مستوى العالم العربي والإسلامي.
ومن بين هؤلاء الأعلام ومن أشهرهم العلامة المؤرخ الخبير في المخطوطات والوثائق ورائد البحث المصدري في المغرب المرحوم محمد بن عبد الهادي المنوني.
ولا أريد الدخول في تفاصيل حياته، واستعراض مجموع مؤلفاته ومقالاته ومشاركاته في الندوات العلمية الرصينة داخل المغرب وخارجه، فهي مهمة قام بها غيري من الباحثين ، ولكني أرغب في تخصيص هذه المقالة للمسائل التالية :
- مميزات الفقيد وخصاله.
- ريادته للبحث المصدري.
- نماذج من نفائس المخطوطات التي تضمنها خزانته الخاصة والتي زودني بها وأطلعني عليها رحمة الله عليه.

- مميزات الفقيد وخصاله الحميدة:
تميز المرحوم محمد المنوني بمميزات وخصال حميدة قل نظيرها يمكن إجمالها كالتالي :
1- ثقافته العامة التي لم تكن مركزة على الفقه أو الدراسات الإسلامية وحدها، وإنما شملت التاريخ والأدب والفكر، وهي أمور كان لها أثرها في تعامله مع كافة أنواع الكتب المخطوطة والمطبوعة وتصنيفها وفهم مضامينها وسبر أغوارها.
2- علمه الكبير بالأعلام ومؤلفاتهم والأسر العلمية  وبرامج العلماء وفهارسهم، وقد جاء ذلك بفضل تجربته الكبيرة في تصنيف المكتبات ووضع جذاذاتها، وعمل فهارسها ولوائحها منها على الخصوص : " الخزانة العامة بالرباط" و "الخزانة الحسنية" بالرباط ومثيلاتهما.
جولاته في مكتبات جهوية وإقليمية في الفترة التي اشتغل فيها بقسم المخطوطات وجرد التراث "بوزارة الشؤون الثقافية"، واعتقد أن إنتاجه كان مهما أثناء ذلك إذ أخرج لوائح مخطوطات عدد من الخزانات : "بمراكش " و "فاس" و "مكناس" و"تنغملت" و "تمكروت" و "الزاوية
العياشية" و "تازة" .. ولفضله تمكن الباحثون من الاهتداء إلى عدد مهم من الوثائق والكتب النفيسة الموجودة هناك.
4- عمله الذؤوب ضمن لجنة جائزة الحسن الثاني للمخطوطات والوثائق التي أنشئت منذ سنة 1969 وتتابع العمل فيها ومكنت من تصوير عدد مهم من الكتب النفيسة، استفاد منها الباحثون.
5- وأفاد المرحوم محمد المنوني الباحثين كذلك بخزانته الخاصة التي هي في نفس الوقت خزانة أجداده العلماء، وكانت تحوي الكثير من الكتب النادرة والنفيسة، فلا تكاد توجد مقدمة رسالة أو أطروحة لم يذكر صاحبها ما استفاد من هذه المكتبة ومن صاحبها.
6- وأفاد المرحوم المؤرخين والباحثين بمؤلفاته الشخصية التي كتبها خاصة في "فهرسة المخطوطات" والتعريف بها، وفي "مصادر التاريخ المغربي" ، و "الوراقة المغربية" و "التعريف بالأعلام" ، و " المؤلفات الدفينة" وإخراج النصوص الأدبية الموحدية والمرينية، والوثائق الحديثة التي تجمع أصالة المغرب وسبقه في نفس الوقت إلى الأخذ بمظاهر النهضة الحديثة.
7- تؤطر هذا كله خصال حميدة وراسخة وهبها الله للمرحوم :
أ‌- ذاكرة قوية تستوعب أسماء الرجال وعناوين مؤلفاتهم ومضامين الكتب وتواريخ الأحداث، مما يجعله ينتقل من موضوع إلى آخر، ومن عصر إلى آخر، ومن كتب إلى أخرى بكثير من اليسر والسهولة.
ب‌- عطف كبير على الطلبة والباحثين وإظهار العناية بهم والاستماع إليهم وتلبية طلباتهم والخروج إليهم في كل الظروف والأحوال في تواضع عز نظيره، وفي نكران ذات لا يعطيه الله إلا للمخلصين المتقين من عباده.

- ريادته للبحث المصدري :
يتميز الأستاذ محمد المنوني بمنهج خاص به في البحث، يتمثل في الكشف عن المصادر الدفينة لتاريخ المغرب والمخطوطات النفيسة المتصلة بحضارته، والتعريف بمصادر تاريخه وكتابة تراجم الأعلام المغاربة في مختلف العلوم والمعارف.
وإطلالة سريعة على آثار الأستاذ المنوني تؤكد ذلك، فأما المؤلفات التي تعد من روائع البحث المصدري فهي :
1- العلوم والآداب على عهد الموحدين : طبع بتطوان سنة 1950 م وطبعت نشرة ثانية بالأوفسيط سنة 1977 م.
وهو من المؤلفات الأولى التي تناولت عهد الموحدين بالدراسة، وأظهرت ازدهار الحركة العلمية على عهدهم في الآداب والعلوم والفنون، قدم فيها الكثير من الجديد عن هذه الدولة، وكان مرجعها لكل الذين تناولوا الحديث عنها فيما بعد.
2- مظاهر يقظة المغرب الحديث: مطبعة الأمنية بالرباط 1973 م، وطبعة ثانية 1985 م بيروت.
أبرز فيه بالحجة والدليل الشواهد التي تؤكد تطور المغرب وما حدث فيه من إصلاحات على مستوى التعليم والإدارة والجيش والفنون ... وهو من أهم مؤلفاته.
3- ورقات عن الحضارة المغربية في عصر بني مرين : من مطبوعات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط مرتين سنة 1979 م و 1996 م.
تحدث فيه عن ازدهار الحضارة المغربية على عهد المرينيين في كافة مجالات الحياة السياسية والعلمية والثقافية.
4- تاريخ الوراقة المغربية : منشورات كلية الآداب بالرباط سنة 1991 م، تناول فيه مساهمة المغرب في حضارة صنع الكتاب العربي والإسلامي انطلاقا من "العصر الإدريسي" إلى "العصر العلوي"، عرف فيه بحوالي 600 شخصية مهمته بالكتاب من وراقين ونساخين وموثقين وغيرهم ...
5- المصادر العربية لتاريخ المغرب من الفتح الإسلامي إلى نهاية العصر الحديث : في جزء منشورات كلية الآداب بالرباط 1983 م و 1989 م.
تناول فيه بالوصف والتحليل 1613 مصدرا، مبينا مضمونها ونسخها إن كانت مخطوطة، ومكان وجودها، وطبعتها إن كانت مطبوعة .. وهو مؤلف نفيس بين عمق ثقافة المرحوم المصدرية ومعرفته بنفائس المخطوطات المغربية ودخائر المكتبات العامة والخاصة.
وقد ذيله بملحق مهم عرض فيه 189 دليلا من أدلة المخطوطات ومراكزها وعدد لوائحها مما لا غنى عنه للباحث في التراث المغربي عموما، كما تحدث في هذا الملحق عن قواعد تحقيق النصوص وبعض المكملات الضرورية للباحث كصيغ الاختصار وحساب الجمل، وأرقام القلم الفاسي، ومقارنة بين الأرقام العربية والغبارية الهندية الرومانية، ولمحة عن تاريخ الخط العربي في الغرب الإسلامي إلى آخر القرن 19 م.
ويمكن أن نضيف إلى هذه المؤلفات ، مقالات مهمة صدرت للمرحوم محمد المنوني في منابر مختلفة تعد من صميم ما سميناه بالبحث المصدري، أهمها :
1- "معرض المخطوطات العربية بمكناس" ... "مجلة تطوان" : العدد الثالث والرابع "مزدوج"، ينة 1958 م – 1959 م، ص : 97- 108.
2- "المخطوطات التونسية بالمغرب"، "مجلة المغرب" التي تصدر عن وزارة الممثل الشخصي : العددان 6 و7 "مزدوج " دجنبر 1965 م.
3- "ترجمة مغربية لفهرس الإسكوريال"، "مجلة البحث العلمي" : العدد السادس، السنة الثانية ص : 16- 23، 1385 م- 1965م.
4- "معطيات جائزة الحسن الثاني للمخطوطات والوثائق عبر سبع سنوات"، "مجلة دعوة الحق" : العدد الرابع، السنة 17 ص: 117- 121.
5- "المصادر الدفينة في تاريخ المغرب" مجلة "البحث العلمي"، السنة الثالثة العدد الثامن 1386 م/ 1966م، ص : 117- 135.
6- "مجموعات المصادر التاريخية"، "مجلة البحث العلمي" السنة العاشرة العدد 20- 21 مزدوج ، ص : 83- 95.
7- "الكناشات المغربية" ، مجلة "المناهل" : العدد الثاني، صفر – مارس 1395 /1975، ص : 196- 232.
8- "وثيقة عن المهاجرين التلمساني بفاس"، "مجلة دعوة الحق" : السنة العاشرة، العدد الثاني، شعبان – ديسمبر 1386 هـ / 1966 م- ص : 104 – 106.
9- "وثيقتان جديدتان من ذيول موقعة واد المخازن" : مجلة "الإيمان" : السنة الثامنة، العدد 77، شعبان – يوليوز 1398 هـ / 1978 – ص : 69- 73.
10- "أساتذة الهندسة ومؤلفوها في المغرب السعدي" "مجلة دعوة الحق" : العدد الثاني، السنة التاسعة ص : 101- 104، شعبان 1385 هـ - ديسمبر 1965م.
11- "فصلة نصف الدراسة بالقرويين أيام المنصور السعدي" ... مجلة البحث العلمي" : العدد السابع السنة الثالثة، ص : 241 -266 سنة 1385 هـ / 1966م.
12- "مدخل إلى تاريخ القرويين الفكري" ... الكتاب الذهبي لجامعة القرويين سنة 1379 هـ / 1960 م، ص : 182- 187.
13- "كراسي الأساتذة بجامعة القرويين" ... "مجلة دعوة الحق" : السنة التاسعة العدد الرابع ص : 91- 97، مع العددين الخامس والسادس : ص : 91- 97 وص : 117- 119، سنة 1385 هـ / 1965 م.
14- "ملامح ودواوين في السيرة والمديح النبوي" مجلة "دعوة الحق" : السنة التاسعة، العدد التاسع والعاشر "مزدوج ص : 97 – 111، ربيع الأول – والثاني – يوليوز – غشت 1386 هـ / 1966م.
15- "المولديات في الأدب المغربي"، "مجلة دعوة الحق" : السنة الثانية عشرة، العدد السابع، ربيع الأول – يونيه، 1389 هـ / 1969م – ص : 62 – 65.
16- "مجموعات مغربية في المدائح النبوية"، مجلة الثقافة المغربية: العدد 4 ص : 87 -102، صفر – أبريل 1391 هـ / 1971 م.
17- "مدائح نبوية مغربية"، مجلة "دعوة الحق" العدد التاسع والعاشر "مزدوج" السنة 15، ربيع الأول – ماي 1393 هـ / 1973 م، ص : 157 – 161.
18- "تاريخ حفلات الشموع بالمغرب" ، مجلة "الفنون" : السنة الأولى، العدد السادس والسابع "مزدوج"، ربيع الثاني – جمادى الأولى – ماي 1397 هـ / 1977 م، ص : 20-31.
19- "مؤلفات مغربية في الصلاة والتسليم على خير البرية (ص) مجلة "دعوة الحق" : السنة 18 العدد 4، جمادى الأولى – 1397 هـ / ماي 1977م، ص : 20-31.
20- "نشاط الدراسات اللغوية في المغرب العلوي" مجلة "دعوة الحق" السنة 11، العدد الرابع، ذو القعدة 1386 هـ فبراير 1968 م، ص : 51-62.
21- "تاريخ المصحف الشريف بالمغرب"، "مجلة معهد المخطوطات بالقاهرة" : المجلد الخامس عشر، الجزء الأول، مايو 1969 م، ص : 3-47.
22- "صحيح البخاري في الدراسات المغربية" ، "مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق" : ج : 3 مج 49، ص : 500-549.
23- "التخطيط المعماري لمدينة مكناس عبر أربعة عصور" : مجلة "الثقافة المغربية" : العدد السابع ، ص : 21 -56 : القسم الأول.
24- "حضارة وادي دراعة من خلال النصوص والآثار"، مجلة "دعوة الحق" : العدد الثاني، السنة 16، ص : 130-153.
25- "الحصون والقلاع العسكرية. كفن أصيل في العمارة المغربية" : "مجلة الفنون"، السنة الرابعة، العدد الثاني، ص : 107-110.

- نماذج من نفائس مخطوطات خزانة ابن غازي لمالكها المرحوم محمد المنوني :
لا شك أن أغلب الباحثين المتخصصين في الدراسات المغربية يعرفون دلالة ( خزانة ابن غازي) بالرباط أي خزانة العلامة محمد المنوني وأجداده وما تحويه من نفائس المخطوطات والوثائق وفرائد المطبوعات ، من كتب ومجلات شرقية ومغربية، لأن صاحبها رحمه الله اتصف بالكرم والسخاء في هذا المجال إذ لم يخيب ظن طالب علم، ولم يكن يرد بحثا اتسم فيه علامات الجد والرغبة في البحث.
وقد اهتديت إلى خزانة "ابن غازي" من خلال كتابات الأستاذ محمد حجي عن الزاوية الدلائية، وبقيت مدة أتساءل عن مالكها ومكانها إلى أن هداني إلى ذلك زميلي في العمل في بداية السبعينات الأستاذ سعيد بنسعيد العلوي ...
فكان اللقاء الأول بالمرحوم في "الخزانة الحسنية"، وأذكر أنه ضرب لي موعدا في داره، واستقبلني استقبالا جميلا ومكنني من الكتاب الذي طلبته وبقيت أتردد على منزله يوميا إلى أن أنهيت ما كنت أرغب في تسجيله من خزانته.
وقد توطدت العلاقة بيننا بشكل كبير وأصبح رحمه الله ، يعاملني معاملة الأب لابنه، ويعيرني المخطوطات لأطلعها في منزلي ويسمح لي بتصوير ما أحتاجه منها.
وزادت العلاقة قوة خلال إقامته الطويلة بمراكش أثناء إشرافه على فهرسة "خزانة الجنان الكبير الملكية بمراكش" في منتصف الثمانينات، فكنا نلتقي باستمرار ونتبادل المطبوعات والمؤلفات التي كانت تصدر لما معا آنذاك.
وسأشير في هذه المناسبة إلى أهم المخطوطات التي أفادني بها المرحوم ، اعترافا بأفضاله علي، وتعريفا بمضمونها قصد إفادة القراء والباحثين.
1- كتاب درر الحجال في مناقب سبعة رجال :
"درر الحجال" من أهم مؤلفات الإفراني في المناقب، قصد به التعريف بسبعة رجال مراكش. وأول ما يثيره الكتاب اختلاف المؤرخين في ضبط عنوانه. وهذا راجع إلى أن النسخة الوحيدة التي وصلتنا لا تتوفر على أول الكتاب وآخره، ولم يرد العنوان في المتن الذي بين أيدينا إلا جزئيا.(1)
أما النسخ المذكورة في كتب التاريخ والتراجم فهي :
1- نسخة "الخزانة الأحمدية" : ذكرها "عبد السلام بنسودة" في كتابه : ذيل مؤرخ المغرب الأقصى عندما عرف بالكتاب قال :
(درة الحجال في مناقب سبعة رجال أو زبدة الأوطاب في مناقب الأقطاب)، افتتحه بقوله : الحمد لله الذي أعطى أولياء التصرف في الكون إلخ ... تكلم فيها على رجال مراكش المار ذكرهم، يوجد طرف من أولها بخزانتنا الأحمدية، ذكر صاحب الأعلام ج : 1، ص : أنه وقف على المقدمة في مبيضة مؤلفها بخط يده، وحدث أنه لم يكمل.
2- نسخة "المؤرخ العباس بن إبراهيم" صاحب كتاب الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام، قال فيه : (هذا التأليف لم يكمل، وقفت عليه بخطه، ومن فوائده فيه التصريح بأن الإمام فقيه العصر "أبا علي المعداني" شيخه، وحلاه بهذا الحلي، وبأن الفقيه الصالح "سيدي العربي بن أبي القاسم الإفراني" بلديه وشيخه، وبأن الإمام أبا عبد الله المسناوي شيخه.
وهذا الكتاب له مقدمة فيها ثلاثة وثلاثون فصلا، والمقصد فيه أسماط سبعة، ثم منها السمط الأول في ترجمة سيدي يوسف بن علي، ووصل للسمط الثاني في ترجمة سيدي عياض، ولم يتمه (رحمه الله).(2)
وتبعا لما صرح به العباس، فهذه النسخة مهمة لأنها بخط المؤلف، ولأنها تتضمن جديدا، وهو تحديده لبعض شيوخه الذين أخذ عنهم لم يسبق أن ذكرهم غيره.
وقفت عليها في خزانة المرحوم محمد المنوني وأذن لي بتصويرها من مكتبته سنة 1985 عندما كنت منهمكا في تحضير أطروحتي حول : "الحركة الصوفية بمراكش وأثرها في الأدب"، وقد أفادني المرحوم أنه اقتناها من مكتبة الفقيه محمد التطواني، الذي انتهت إليه بدوره من مكتبة المؤرخ العباس ابن ابراهيم التعارجي بعد وفاته.
وقد اقترح علي المرحوم بعد صدور أطروحتي المذكورة أن أحقق "دور الحجال" متى سمحت لي الظروف بذلك، وكنت كلما أهديته مؤلفا من مؤلفاتي – بعد ذلك – يذكرني باقتراحه.
وبعد وفاته سنة 1999 ألحت علي الفكرة وبدا لي أن من الاعتراف بجميله تحقيق رغبته في طبع "درر الحجال"، وقد تسنى لي ذلك سنة 2000 (3) إذ تمكنت بحمد الله من إخراجه محققا مع مقدمة ودراسة للكتاب ومؤلفه الكبير محمد الصغير الإفراني.
2- البركة البكرية في الخطب الوعظية :
وهو ديوان خطب الأديب اللغوي الخطيب أبو عبد الله محمد بن محمد ابن أبي بكر الدلائي الشهير بالمرابط(4) المتوفى سنة 1089هـ.
وقفت على أوائله في مكتبة ابن غازي لمالكها المرحوم محمد المنوني في مجموع رقم 305 يشتمل على 35 مبحثا بين خطب ورسائل وتقريظات.
ويتضمن القسم الموجود عنده :
1- ديباجة الكتاب : ذكر فيها أنه درس المقامات الوعظية المواقف الخطابية، وبارى أصحابها فطلع عليهم بخطبه التي لا نظير لها، وعرفنا على اسم الكتاب وأقسامه فقال : "وقسمتها قسمين : قسم خلو من الأسباب المقيدة(5) وآخر مرتبط بأمور متعددة".(6)
2- ثلاث خطب من القسم الأول أي من العواري من الأسباب المقيدة : خطبتان تامتان، والثالثة مبتورة الأخير.
وبعد الفراغ من رسالتي التي ورد فيها الحديث عن هذا الديوان سنة 1978، تمكنت من الوقوف عليها كاملا في مكتبة عامة خارج الوطن، وما زلت أذكر فرح المرحوم محمد المنوني عندما أهديته صورة من الكتاب كاملة، ولاحظ تطابق ما فيه مع البدايات التي لديه، وعبر لي عن ابتهاجه بذلك وهنأني على متابعتي للموضوع بالرغم من أنني ناقشت رسالتي وفرغت منها منذ سنوات .
3- المباحث الإنشائية في الجملة الخبرية والإنشائية :
مخطوط مكتبة ابن غازي مجموع غير مرقم، من ص: 514 إلى 540.
هذه التسمية من وضع جامع هذه المباحث، ذلك أن "المرابط" قد توصل بسؤال نحوي، فأجاب عليه بتفصيل، ورد عليه من العالم الشهير "عبد القادر الفاسي"، وعقب عليهما ولده "محمد بن عبد القادر الفاسي"(7) الذي جمع السؤال والأجوبة وأطلق عليه التسمية المذكورة.
واستهل المرابط المباحث – كعادة العلماء- بمدح الكتاب الذي وصله من السائل، ومدح صاحبه والثناء عليهما نثرا وشعرا، ومما قال فيه :
راقت بك الأيام بعد تناس
إذ حيث صارت فخار كل ناس
وحييت كل المكرمات وأحجمت
عنها البرية دون ما الباس
هيهات لا مرقى لمجدك يرتقى
أو منهجا ينحي سوى الوسواس
وأما السؤال ، فقد أطال فيه واضعه، إذ قال بعد الديباجة : "قول المكودي وغيره من الشروح في قول جمال الدين بن مالك "أحمد ربي"(8) إن الجملة محكية بالقول إلى آخره ... يخيل فيه شيء ذلك لأن الجملة إنشائية لا خبرية، وجملة الإنشاء على حقيقته لا تكون معمولة للقول ..."(9) وهكذا تعرض السائل لكافة الاحتمالات التي تحتملها الجملة : سواء محكية بعد قول، أو في محل المفعول به، أو حالية أو اعتراضية. وفي هذه الحالات كلها ترد في كونها خبرية أو إنشائية، وهو الشيء الذي يريد من المرابط أن يوضحه له على وجه التدقيق.
وبعد الديباجة قال المرابط : الجواب والله الموفق للصواب سبحانه أعلم ... يتحصل إن شاء الله في قول
الألفية : "أحمد ربي خير مالك" في أربعة أقوال، وتعرض لكل واحد منها بالتتابع السائل على تساؤلاته.
واستمر في عرض الأقوال الأربعة بتفصيل :
القول الأول : إنها محكية بالقول في موضع المفعول به.
القول الثاني : إنها منصوبة على المفعولية المطلقة.
القول الثالث : إنها حالية.
القول الرابع : إنها اعتراضية.(10)
4- التحرير الأسما في إعراب الزكاة اسما :
مخطوط مكتبة ابن غازي، وجموع رقم 487 من ص : 50 إلى 64.
استهل المرابط تقييده بقوله "جامع هذه الألفاظ البائس الفقير محمد بن محمد بن أبي بكر الصغير لطف الله به آمين".
وبعد حمد الله والثناء على رسوله، ساق سبب كتابته التقييد فقال : " هذا وقد وقع كلام الشيخ ابن عرفة،(11) في حدة الزكاة مثل الدليل لغة، فاستصعب إعرابه من يعني .. فعزم على من يتحتم وده ولا يستطاع رده، أن اختصر له في المسألة المرام، وأكشف له عن مخدراتها القناع واللثام، فلبيت دعوته".(12)
وشرع في إجابة السائل بإثبات جملة ابن عرفة كاملة : "الزكاة اسما شيء من المال شرط وجوب لمستحقه بلوغ المال نصابا ..." إلخ، ثم أورد أعاريب العلماء لها.
- فهي عند أبي عبد الله محمد الأنصاري الرضي مثل قولنا : "الدليل لغة، فهي منصوبة على التمييز إلا أنه قليل لأن اللفظ المشترك لا يصح نصب التمييز بعده للفرق بين الإبهام الذاتي والعرضي".
- قال المرابط : "هذه المسألة كثيرا ما دار القول فيها بين أئمة اللغة واضطربت أقوالهم وأعربوها أعاريب، ومسلك أئمة اللغة واضطربت قبله ابن الحاجب وابن هشام وأورده الرضي هذا نحاه قبله ابن الحاجب وابن هشام وأورد المؤلف رأي ابن الحاجب في الإبهام المستقر أو الذاتي : وهو أن يضع الواضع لفظا لمبهم معين، والإبهام العارض وهو أن يضع الواضع لفظا مبهما صالحا لكل نوع كالعدد والوزن والكيل، والأخير هو الذي لا ينضب بعده التمييز".
- وعند ابن الحاجب في أماليه "لغة" ونحوها منصوبة على المفعول المطلق، وإنه من المصدر المؤكد، وهو شبيه بقولنا : "الإجماع لغة العزم".
قال وهذا القول سائغ في نصب "اسما" في كلام الشيخ ابن عرفة لا باعتبار انقسام الزكاة إلى نماء وتزكية وتطهير، وإنما باعتبار احتمال المصدرية والاسم.(13)
5- فصل الخصمين في متعلق الظرفين : (14)
مخطوط مكتبة ابن غازي مجموع رقم 487 من ص: 15 إلى 42.
استهل المرابط تقييده بحمد اله تعالى ثم الصلاة والسلام على نبيه (ص)، ثم قال : "هذا كلام يتضمن حكم الظرفين هل يصوغ تعلقهما بعامل واحد، أو لابد من عاملين، وما عليه مدار أهل الصناعة، ومعول أهل اليراعة".
ودخل بعد ذلك مباشرة إلى الموضوع، فقرر جواز تعلق ظرفين بعامل واحد بشرط توازنهما إبهاما أو تخصيصا. واستدل على ذلك بالقرآن والشعر العربي.
- "وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر". (15)
- """وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين".(16)
- وما سعاد غداة البين إذ رحلوا
     إلا أغن عضيض الطرف مكحول
- ففاضت دموع العين حتى كأنها
لنظرها عصر يراح مطير
- كأني غداة البين يوم تحملوا
لذا سمرات الحي ناقف حنظل
- إذ في الآيتين المذكورتين بدل من اليوم، واليوم مفعول به، واستطرد المرابط بعد ذلك إلى الحديث عن إعرابات "إذ" و"يوم" ومعانيهما، فقال :
- و "إذ" الواقعة في أوائل القصص القرآني تعرب مفعولا به لفعل محذوف هو أذكر نحو : "وإذ قال ربك للملائكة".(17) و"إذ قلنا للملائكة " (18) و" إذ فرقنا بكم البحر".(19)
وتعرب بدلا من المفعول به في نحو "واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا".(20)
- وزعم الجمهور أن "إذ" لا تكون إلا ظرفا ايليها : ففي قول الله تعالى : "واذكروا إذ كنتم قليلا"(21) ظرف لمفعول محذوف، أي واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم قليلا، وكذا في "إذ انتبذت ..." ظرف لمضاف إلى مفعول محذوف، والتقدير : واذكر قصة مريم إذ انتبذت ...
- أما يوم فلها أربعة معان : مقابل الليلة، مطلق الزمان، والدولة مدة الحرب ...(22)
6- الدلائل القطعية في تقرير النصب على المعية فيما يتعلق ببعض أبيات الألفية :
مخطوط خزانة ابن غازي، مجموع رقم : 487 من ص : 42 إلى ص : 49.
بدأ المرابط هذا التقييد بقوله : مجموع رقم : 487 من ص : 42 إلى ص : 49.
بدأ المرابط هذا التقييد بقوله : ملفق هذه الألفاظ المفتقر إلى مولانا الكبير محمد بن محمد بن أبي بكر الصغير لطف الله به في قضائه. وحمد الله وأثنى على رسوله (ص) ثم عرف بالموضوع المتضمن قول الألفية :
والنصب إن لم يجز العطف يجب
أو اعتقد إضمار عامل تصب
من باب المفعول معه.
وهذا التقييد ، والتقييد الأول "المباحث الإنشائية" هما السبب في اللبس الذي وقع حول تأليف المرابط لشرح الألفي، لأنه تناول فيهما شرح أبيات منها.
وتناول الموضوع في مقدمة وفصلين. قال في المقدمة بأن للاسم الواقع بعد الواو أربع حالات:
الحالة الأولى : وجوب الرفع في نحو : "كل رجل وضيعته". وخالف الصيمري فقال بجواز النصب
بالخبر المقدر. وأنكره ابن باشاد طاهر بن أحمد، واشترط في جوازه وجوب إضمار الخبر قبل الواو أي "كل رجل مقرون وضعيته".
و
منع بعضهم النصب لكون الخبر المقدر أضعف من الظاهر، ورد المرابط أن هذا لا يقتضي امتناع النصب ولا مرجوحيته، وذلك لإجرائهم العوامل المضمرة مجرى الظاهرة في كثير من الأحيان.
الحالة الثانية : العطف على الأصل لا مكانه بلا ضعف نحو "جاء زيد وعمرو" خلافا لعبد القاهر في التزامه الرفع نظرا إلى أن النصب خلاف الأصل.
الحالة الثالثة : امتناع العطف في نحو : "جئت وزيد" وهو مذهب الجمهور وابن الحاجب، وعنده يجب النصب عندما يمتنع العطف.
الحالة الرابعة : هي المشار إليها في بيت ابن مالك أي وجوب النصب على المعية وذلك في نحو : "مالك وزيدا" وقول الشاعر :
فكونوا أنمتم وبني أبيكم
    مكان الكليتين من الطحال
لامتناع العطف فيهما، ففي البيت العطف منتف لأمر معنوي ذلك أن الأمر موجه إلى المخاطبين وحدهم، ولو جاز لكان موجها كذلك إلى بني أبيهم وهو غير مقصود.
وفي الأول لا يجوز العطف على الضمير المجرور إلا بإعادته عند أهل البصرة نحو : (وعليها وعلى الملك) هذا رأي ابن عطية والزجاج والمازني وسيبويه والمصنف في شرح الكافية.(23)
وبعد فهذه نماذج من نفائس المخطوطات التي اطلعت عليها في خزانة ابن غازي لمالكها المرحوم محمد المنوني، وأغلبها يتصل بشخصية العالم اللغوي الأديب الصوفي أبي عبد الله المرابط الدلائي ... كما استفدت الكثير من مخطوطات نفيسة في التصوف المغربي لا أريد الإطالة بسردها وسرد مضامينها مثل :
- الأنوار القدسية في الصلاة على خير البرية، "لعمر ابن الحسن الكتاني".
- وعددا كبيرا من كتب التصلية، وقصائد في مدح محمد (ص) خير البرية.
- والمواهب القدسية في أسانيد بعض المشايخ الصوفية "لمحمد بن العباس السوسي الجزولي".
وغيرها كثير ... وأردت أن أبين ذلك للقراء اعترافا بأفضال المرحوم علي في إعارة الكتب، وفي مناقشة مضامينها، وما إلى ذلك مما يحتاجه التلميذ المتعلم من شيخه العالم المتضلع ... رحم الله الفقيد وأسكنه فسيح جنانه

(1) – ورقة 58 من المخطوط حيث قال : "في التعريف بمناقب السادات سبعة رجال"
(2) – الإعلام 6/56.
(3) – صدر عن المطبعة والوراقة الوطنية بمراكش في 170 ص في القطع المتوسط سنة 2000.
(4) – انظر دراستنا المفصلة عنه : أبو عبد الله محمد المرابط الدلائي : عالم الزاوية الدلائية وأديبها، والوراقة الوطنية بمراكش 1997 في 500 ص.
(5) – أي غير مرتبطة بمناسبات معينة وهي خطب الوعظ عامة.
(6) – أي التي تلقى في جمع السنة وفي العيدين والمناسبات.
(7) – من أهل فاس، اشتغل أول مرة بعلوم العربية ثم اقتصر على التفسير والحديث له عدة مؤلفات / إعلام الزركلي 7/81.
(8) – هو البيت الأول من الخلاصة :
قال محمد هو ابن مالك
أحمد ربي الله خير مالك
(9) – ص : 515 من المجموع.
(10) – انظر تفاصيل التقييد في كتاب : المرابط الدلائي 441 – 443.
(11) – أبو عبد الله محمد بن محمد بن عرفة الورغي نسبا التونسي بلدا، ولد سنة 717 هـ توفي سنة 803 هـ قال عنه ابن قنفد : "وله مصنفات أورفعها المختصر الكبير في فروع المذهب، قرأت عليه بعضه وأنعم علي بمناولته وإجازته وذلك سنة 777هـ ... وبلغت مدة إمامته بجامع الزيتونة في بلده خمسين سنة" .. انظر ألف سنة من الوفيات ، تحقيق : "محمد حجي" 88/134/200/231.
(12) – ص : 25 من المجموع.
(13) – انظر تفاصيل التقييد في كتابنا : المرابط الدلائي 441- 443.
(14) – تعرض صاحب المغني لهذا الموضوع في حديثه عن إذا، ج 1/97.
(15) – سورة مريم : آية 39.
(16) – سورة غافر، آية : 18.
(17) – سورة البقرة، آية : 30.
(18) – سورة البقرة، آية : 34.
(19) – سورة البقرة، آية  :50.
(20) – سورة مريم، آية : 16.
(21) – سورة الأعراف، آية : 86.
(22) – انظر تفاصيل التقييم في كتابنا : المرابط الدلائي 445- 448.
(23) – انظر باقي تفاصيل التقييد في كتابنا : عن المرابط الدلائي 449-451.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here