islamaumaroc

مساهمات لنخب من الغرب الإسلامي ضدا على الحروب الصليبية

  محمد بن عبد الهادي المنوني

370 العدد

من مظاهر التضامن الإسلامي بين جناحي العروبة، مساهمة طوائف من مناطق الغرب الإسلامي في الدفاع عن بيت المقدس وما حواليه، ضدا على الحروب الصليبية أيام صلاح الدين الأيوبي، وقبله على عهد نور الدين الشهيد.
وللتوضيح، فإن هذه المناطق المشار إليها، يغلب على النصوص أن تذكرها باسم "المغرب" ، وإنما القصد بذلك إلى جهات من الأندلس أو المغرب الكبير.
ومن الملامح الأولى لهذه المساهمة المنوه بها، توافر عدد الأسرى من المجاهدين المغاربة، وذلك ما يبرزه "ابن جبير"(1) في هذه المقولة :
"ومن جميل صنع الله تعالى لأسرى المغاربة بهذه البلاد الشامية الإفرنجية، أن كل من يخرج من ماله وصية من المسلمين بهذه الجهات الشامية وسواها، إنما يعينها في افتكاك المغاربة خاصة، لبعدهم عن بلادهم، وأنهم لا مخلص لهم سوى ذلك بعد اله عز وجل ...".
وعن المجاهدين الطلقاء من الأسرى يشنع المصدر ذاته، على الصليبيين في شأن الضريبة التي فرضوها على المغاربة خاصة لما يمرون بهم، ويبرز أن ذلك كان عقابا لهم من المسيحيين ، وجزاء وفاقا على ما حققه أبطال المسلمين، من استماتتهم في تحرير أحد الحصون من سيطرة الإفرنج، وهكذا يقول "ابن جبير" :(2)
..." وأكثر المعترضين في هذا المكس المغاربة، ولا اعتراض على غيرهم من جميع بلاد المسلمين ، وذلك لمقدمة منهم أحفظت الإفرنج عليهم، سببها أن طائفة من أنجادهم غزت مع نور الدين رحمه الله – أحد الحصون، فكان لهم في أخذه غنى ظهر واشتهر، فجازاهم الإفرنج بهذه الضريبة المكسية ألزموها رؤوسهم ...".
ويبدو أن أول تدخل مغربي في هذه الحروب الصليبية يصعد إلى عام 543 هـ / 1148 م، وهو التاريخ الذي استشهد فيه الإمام المغربي، "يوسف بن دانوس الفندلاوي"(3) وللتذكير فإن "فندلاوة" من نواحي فاس.
ومن المجاهدين المغاربة مع صلاح الدين الأيوبي، قائد أحد أساطيله: "عبد السلام المغربي"، وكان موصوفا بالحذق في صناعته وشجاعته، وتوفي غريقا في حصار مدينة "صور" عام 583 هـ / 1127 م.(4)
ثم المؤرخ القيرواني "عبد العزيز بن شداد"، من رجال آخر القرن الهجري السادس، وقد هاجر إلى الشام ومات به، وكان من أمراء الجيش لذا "صلاح الدين".(5)
وقد كان للفاتح العربي تقدير خاص يعامل به بعضا من نخب المغاربة، ومن نماذجهم المؤرخ "إليسع بن عيسى ابن حزم الغافقي الجياني"، وهو أول من خطب على منابر العبيديين بعد نقل الدعوة إلى العباسيين.(6)
ثم العالم الأندلسي "أبو الحسن بن جميل" : علي بن محمد بن علي المعارفي المالقي، استوطن الشام وعرف هنالك "بزين الدين"، حسب "ابن عبد الملك" الذي يذكر عنه :
"ولما فتح صلاح الدين بيت المقدس، التمس إماما يكون خطيبه وصاحب الصلاة به، فأجمع من حضر هناك من العلماء والأفاضل المشار إليهم، على أنه لا أحق من "أبي الحسن" هذا بذلك المنصب، فقدمه لذلك".(7)
ومن المغاربة الذين هنأوا صلاح الدين بفتح بيت المقدس، "أبو الفضل عبد المنعم بن عمر بن عبد الله الغساني الجيلاني نزيل القاهرة، ومطلع قصيدته" :
أبا المظفر أنت المجتبي لهدى
أخرى الزمان على خبر بخبرته(8)
ويقول في افتتاح قصيدة أخرى :
قد أقسموا بذراع الرب تدخله(9)
ثم كان مطلع تهنئته الرحالة ابن جبير :
أطلت على أفقك الزاهر
سعود من الفلك الدائر
إلى أن يقول :
فتحت المقدس من أرضه
فعادت إلى وصفها الطاهر
وجئت إلى قدسه المرتضى
فخلصته من يد الكافر
وأعليت فيه منار الهدى
وأحييت من رسمه الدائر(10)
وعن أصداء الحروب الصليبية داخل المغرب، نسجل تطلع المغاربة لتحرير بيت المقدس من وقت مبكر، ومن المهتمين بذلك من زمن بعيد عن تاريخ هذا الفتح، الإمام "أبو الحكم بن برجان" : عبد السلام بن عبد الرحمن بن أبي الرجال محمد اللخمي الإفريقي الاشبيلي ، دفين مراكش عام 536/1141، وقد لوح في تفسيره عند طالعة سورة الروم، إلى تاريخ فتح بيت المقدس عام 583 هـ 1187 /م.
ثم أوضح ما غمض من إشارة ابن الرجان ، أبو زكرياء : يحيى بن أبي الحجاج اللبلي الأصل، المراكشي النشأة، المتوفى حدود 590 هـ أو بعدها بقليل، عنه ابن الزبير : (11) "وهو الذي استخرج من تفسير أبي الحكم ابن برجان – من كلامه على سورة "الم غلبت الروم" – فتح بيت المقدس في الوقت الذي فتح فيه على المسلمين، وحقق وعين ما كان أغمض فيه ابن الرجان وأبهم، ووقف عليه المنصور فبقي مرتقبا له ومعتنيا – في نفسه- به، حتى كان ذلك على حسب ما قاله، فأمر أن يحضر مجلسه ويرتسم في جملة طلبته".
ولنقف  - قليلا – عند الفقرة الأخير من كلام ابن الزبير، لنرى مدى اهتمام يعقوب المنصور بهذا الفتح، حتى نظم مستخرج تاريخه بين أهل مجلسه العلمي، فلتضف هذه الملاحظة إلى ملف العلاقات بين المنصور الموحدي وصلاح الدين الأيوبي.
ومما يتصل بهذا المساق، الاستبشار الذي عم المسلمين بمنطقة الغرب الإسلامي، ابتهاجا بما تم من فتح بيت المقدس، وذلك ما يجليه ابن عبد الملك(12) وهو يترجم للرحالة ابن جبير :
"ولما شاع الخبر المبهج المسلمين جميعا حينئذ يفتح بيت المقدس ... كان ذلك من أقوى الأسباب التي بعثته (ابن جبير) على الرحلة الثانية .. قال : وقضى الله برحمته لي بالجمع بين زيارة الخليل عليه السلام، وزيارة المصطفى (ص) ، وزيارة المساجد الثلاثة في عام واحد متوجها، وفي شهر واحد منصرفا"
وإلى هنا نذيل بفقرة لمحيي الدين ابن العربي الحاتمي المرسي الأصل، وفيها يبرز رؤيته لبيت المقدس قبل تحريره، فيدعو إلى مقاطعة زيارته مادام يرزح تحت الحكم الصليبي، وبعد مقدمة مطولة يخلص إلى هذا النداء :
 " ... فلهذا حجرنا في هذا الزمان على الناس زيارة بيت المقدس والإقامة فيه، لكونه بيد الكفار، فالولاية لهم والتحكم في المسلمين ، والمسلمون معهم على أسوأ حال، نعوذ بالله من تحكم الأهواء، فالزائرون – اليوم – البيت المقدس والمقيمون فيه من المسلمين، هم الذين قال الله فيهم :
"ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا".(13)

استدراك :
1- من المغاربة الذين استشهدوا في هذه الحروب الصليبية مجاهد من فاس يسميه ابن القاضــــي(14) "بالعباس ابن أحمد الأندلسي"، ويقول عنه : "وترك بفاس امرأة وأولادا تركهم لله، وخرج إلى الجهاد بالشام، فتوفي في الغزو، عام خمسة وتسعين وخمسمائة".
2- في كتاب "الروضتين"(15) أثبت مؤلفها قصيدة من شعر أبي الحكم الأندلسي، يشرح فيها قصة الهجمة الصليبية على دمشق، ومسار انتصار المسلمين على الصليبيين.


(1) – "الرحلة" مطبعة السعادة بمصر 1326 هـ / 1908 م : ص : 290.
(2) – ص : 283-184.
(3) – "معجم البلدان " لياقوت مطبعة السعادة بمصر : 6/401. ذيل تاريخ دمشق "لأبي يعلى"، مطبعة الآباء اليسوعيين – بيروت. ص : 298. –كتاب "الروضتين " للمقدسي، مطبعو لجنة التأليف والترجمة والنشر- القاهرة : الجزء الأول – القسم الأول ص : 137 -139.
(4) – "تاريخ الكامل" لابن الأثير، مطبعة أحمد الحنبلي ومحمد مصطفى 11/ 210.
(5) – "رحلة التجاني"، المطبعة الرسمية – تونس 1378 هـ / 1958 م : ص: 14 : تعليق، وهو مؤلف "الجمع والبيان في أخبار المغرب والقيروان".
(6) – "التكلمة" "لابن الأبار"، وطبعة روخس – مجريط : رقم 2112، وهو مؤلف "المغرب في محاسن المغرب"، قال ابن الأبار : "وهو متهم في هذا التأليف".
(7) – "الذيل والتكلمة" دار الثقافة – بيروت، السفر الخامس رقم 627، وأصل هذا عند أبي بكر محمد بن محمد بن خميس في تكملة "الإكمال والإعلام" لخاله ابن عسكر المالقي، من مصورات جائزة الحسن الثاني عام 1970 عام 26 : فيلم خ. ع بالرباط، وفي كلام ابن عبد الملك أن إمامه المذكور كانت في قبة الصخرة من بيت المقدس.
(8) – كتاب "الروضتين" للمقدسي دار الجيل – بيروت : 2/103، وترجمة الشاعر في "الذيل والتكملة" مصدر سابق : س5 رقم 128.
(9) – كتاب "الروضتين" مصدر سابق : 2/151.
(10)- المصدر : 2/105 -106.
(11)- "صلة الصلة" المطبعة الاقتصادية – الرباط : رقم 370.
(12) – "الذيل والتكملة" مصدر سابق : س 5/ 505-606.
(13) – الباب الأخير من "الفتوحات المكية" المنشور على حدة بالمطبعة الميرية بمكة المكرمة : ص : 22.
(14) – "جذوة الاقتباس" دار المنصور – الرباط : رقم 382.
(15) – مصدر سابق عند رقم 3 : ص : 139- 140.
*) نود أن نشير أن أصل هذا المقال سلمه المرحوم المنوني إلى مجلة دعوة الحق منذ سنة 1992 ولم يكتب له النشر آنذاك وقد تولت نشره مجلة كلية الآداب بالرباط العدد 21- 1997 واعتبارا لأهميته ولأسبقية مجلة (دعوة الحق) في نشر بحوث الفقيه المنوني نعيد نشره مجددا (دعوة الحق).

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here