islamaumaroc

محمد المنوني والتراث المخطوط

  عمر أفا

370 العدد

أريد أن أفتح ملفا واحدا في سيرة العلامة الفقيه سيدي محمد المنوني(1) لأننا قد نجد بعض العزاء في الحديث عن أستاذنا الراحل الحاضر؛ الحاضر في وجداننا، الحاضر في ذاكرة الوثيقة والمخطوط، في ذاكرة أكثر من ثمانين سنة عاشها من عمر حضارة المغرب، خلال قرن مضى وما يزال في ذاكرة هذا الجيل ووجدانه.
إنه ملف التراث المخطوط الذي يعد –بحق- من المرجعيات الأساسية لحضارتنا. ولقد ندب العلامة محمد المنوني نفسه لخدمة هذا التراث منذ دخوله للكتاب إلى آخر يوم من حياته.
والآن –أكثر من أي وقت مضى- يعتبر الاهتمام ب "علم المخطوط والوثيقة" ضرورة ملحة، لأن جهاز "الكومبيوتر" الكاسح بسرعته وخدماته الكتابية، يقوم حائلا دون تحسين الخطوط اليدوية، وإتقان الوثائق والمخطوطات والرجوع إليها لدى الجيل الحاضر، بحيث يعاني الكثير من الأساتذة والطلبة صعوبات في قراءة المخطوطات المغربية القديمة.
فما أحوجنا إلى هذا العلم، لأن حضارتنا خلال أربعة عشر قرنا كانت، من حيث كتابتها، حضارة مخطوطة، لأن المغاربة ، وبحكم نزعتهم في التمسك بالأصيل، كانوا ضمن البلدان الإسلامية التي تأخرت في إدخال المطبعة، وكان ذلك سنة 1864م، وبقي الاحتفاظ في المطبعة الحجرية بالخط اليدوي من صنف المجوهر، ولم ينقرض آخرها إلا في سنة 1946م، وكان قد حل محلها، منذ  بداية القرن، والحروف الطباعية المعروفة إلى اليوم.(2)
وإن الرجوع إلى تراثنا المخطوط حمل كثيرا من الباحثين من المغاربة والأجانب على أن يحجوا إلى بيت العلامة محمد المنوني حاملين أسئلة كثيرة، وقد تعددت هذه الأسئلة متضمنة : البحث عن مواقع المخطوطات وعن عدد النسخ الموجودة وأماكنها، وما كان منها محققا، وعدد الطبعات، وأحيانا يضطرون إليه في مجرد قراءة كلمة أو كلمات أو وثيقة أشكلت عليهم هندسة كتابتها اليدوية، وأحيانا يكتبون إليه في جميع هذه الأغراض.(3) وهكذا، فإنهم جميعا يجدون عنده أجوبة لمختلف أسئلتهم ، فيستفيد منه الباحثون في ميادين الفقه والتاريخ والأدب واللغة والفلك والطب، بل يستفيد منه الباحثون في تخصصات علم الاجتماع والانتروبولوجيا والاقتصاد والقانون وعلوم أخرى حديثة.
إن العلامة محمد المنوني كان يغوص في المخطوطات والوثائق ليصل في كل مادة إلى ما هو أكثر عمقا بهدف يد الفراغات الواقعة في تراثنا التاريخي والإسلامي، ليس في الخزانات المغربية فحسب، بل في خزانات العالم العربي والإسلامي.
ولقد تعددت جهود الفقيد – رحمة الله عليه- في مجال التراث المخطوط. غير أننا نكتفي في هذه العجالة بالنظر إليها إجمالا في أربع زوايا :
- العمال المكتبي في الخزانات العامة والخاصة.
- إنجاز الفهارس والكشافات.
- الإسهام في التعريف بصناعة المخطوط.
- تكوين خزانة شخصية للكتب والمخطوطات

1- العمل المكتبي :
كان للعلامة محمد المنوني شغف بالكتاب والمكتبات طوال فترة اشتغاله بالتدريس في مدينة مكناس بين سنوات 1943 م و 1960م،(4) انتقل بعدها إلى مدينة الرباط لممارسة العمل المكتبي في مختلف الخزانات، فقام بما يلي :
أ‌- اشتغل ابتداء من سنة 1961م في الخزانة العامة بالرباط.
ب‌-  ابتداء من مارس 1962 م انتقل للاشتغال بالخزانة الملكية (الحسنية) حتى سنة 1970م.
ج- ابتداء من سنة 1970م عين رئيسا بمصلحة المخطوطات بوزارة الثقافة والتعليم الأصلي إلى سنة 1974 م.
د- وفي سنة 1974 م عاد من جديد إلى الخزانة الحسنية وعمل بها حتى سنة 1988م.
هـ- في السنة الجامعية 1988م- 1989م التحق بكلية الآداب بالرباط أستاذا في التعليم العالي(5) بقية حياته.
وهكذا ظل أزيد من نصف قرن يشتغل في هذه المكتبات، وقد زار مكتبات أخرى للبحث عن المخطوطات في المغرب وخاصة "خزانة الجامع الكبير بمكناس"، و"خزانة القرويين بفاس"، و"الخزانة الناصرية بتامكروت"، و"الخزانة الحمزاوية بإقليم الرشيدية"، و"الخزانة الوزانية"، و "خزانة المعهد الإسلامي بتارودانت" و "الخزانة الحسنية بمراكش" والعديد من الخزانات الخاصة.
كما زار لنفس الغرض مكتبات عديدة بالبلاد العربية: القاهرة والسعودية وتونس والجزائر. وقام أثناء ذلك بفهرسة وترتيب العديد من المخطوطات والتعريف بها.

2- إنجاز الفهارس والكشافات:
إلى جانب تصنيف ما يفوق 200 مخطوط من الخزانة العامة بالرباط، في حرف ك، و400 مخطوط في الخزانة الحسنية بالرباط، والإسهام في تصنيف كتب الخزانة الحسنية بمراكش، ووضع لوائح خزانة الجامع الكبير في مكناس، إلى جانب هذا أصدر الأستاذ المنوني عدة فهارس وكشافات، نذكر منها حسب تاريخ الإصدار ما يلي :
أ‌- فهرس المخطوطات العربية في الخزانة العامة بالرباط، حرف ك، الجزء الأول سنة 1974 م (مرقون).
ب‌-  منتخبات من نوادر المخطوطات بالخزانة الحسنية بالرباط، مطبعة فضالة، المحمدية 1978 م.
ج- مخطوطات مغربية في علوم القرآن والحديث، مجلة دار الحديث الحسنية، عدد 3 سنة 1982م.
د – فهارس مخطوطات الخزانة الحسنية حسب أرقامها على الرفوف، المطبعة الملكية، الرباط، 1983م.
هـ- المصادر العربية لتاريخ المغرب: من الفتح الإسلامي إلى نهاية العصر الحديث، منشورات كلية الآداب بالرباط، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء 1983م.
و- دليل مخطوطات دار الكتب الناصرية بتامكروت، مطبعو فضالة، المحمدية، 1983 م.
ز- المصادر العربية لتاريخ المغرب، الفترة المعاصرة، منشورات كلية الآداب بالرباط، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء 1989 م.
ح- ذخائر ونوادر مخطوطات المكتبة الحمزاوية بإقليم الرشيدية، منشور بمجلة تطوان، العدد8، سنة 1963 م.
وقد نشر أبحاثا وكشافات في مجالات أخرى(6) للتعريف برصيد المخطوطات في العديد من الخزانات منها :
ط- المخطوطات التونسية بالمغرب (مجلة المغرب، عدد6 – 7، سنة 1965 م).
ي- خزانة الجامع الأعظم بوزان (مجلة دعوة الحق، عدد 165، سنة 1987 م).
ك- خزانة الإمام علي بتارودانت (مجلة دعوة الحق، عدد 280، سنة 1990م).
ل- الخزانات المغربية من خلال ما تتوفر عليه من مصادر لتاريخ المملكة العربية السعودية (مجلة المنهل السعودية، عدد 477، سنة 1990م).

3- مساهمته في التعريف بصناعة المخطوط :
تتبع العلامة محمد المنوني أطوار صناعة المخطوط العربي بغية الوقوف على مدى ما وصلت إليه العبقرية العربية من مستويات، وما فتحه من آفاق في هذا الفن، وكان يقف مع الطلبة على أسرار هذه الصناعة، في تقنيات الكتابة ووسائلها، خاصة في صناعة الورق والرق وأنواع المداد، وكيفية دراسة الوثائق والكشف عن جمالية الخطوط العربية. وتناغم رموزها والأدوار التي يؤديها كل نوع منها في صناعة المخطوط. وقد توج ذلك بخصوص صناعة الكتاب العربي بالمغرب بإصدار كتابات نذكرها كما يلي:
أ – تاريخ الوراقة المغربية: صناعة المخطوط المغربي من العصر الوسيط إلى الفترة المعاصرة، منشورات كلية الآداب بالرباط، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، سنة 1991م.
ب- لمحة عن تاريخ الخط العربي إلى القرن التاسع عشر، مجلة المناهل، عدد 24، سنة 1982م.
ج- لمحة عن تاريخ الخط العربي والزخرفة في الغرب الإسلامي، المجلة التاريخية المغربية، تونس، عدد 54.
د- تقنيات إعداد المخطوط المغربي، وقد نشر ضمن أعمال ندوة المخطوط العربي وعلم المخطوطات، منشورات كلية الآداب بالرباط، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، سنة 1994م.
وإلى جانب هذا ترجم لكثير من الوراقين والنساخين ممن ساهم في صناعة الكتاب العربي.
والجدير بالذكر أن صاحب منشورات دار الغرب الإسلامي في بيروت، اتفق مع العلامة المنوني منذ سنة 1994 م على إصدار موسوعة تجمع كل دراسات الفقيد التي تتصل بمادة المخطوطات والوثائق، مما تناثر في الدوريات المغاربية والمشرقية أو ينشر لأول مرة ، وقد تم جمع هذه الموسوعة تحت عنوان : "قبس من عطاء المخطوط المغربي"، وبلغ عدد صفحاتها بما في ذلك جملة من الفهارس ، منتظمة في ثلاثة مجلدات. وقد صدرت فعلا عن المؤسسة المذكورة سنة 1999م.

4- تكوين خزانة شخصية للكتب والمخطوطات :
أدرك العلامة محمد المنوني أهمية الخزانة الشخصية في حياة العلماء، ناهيك أنه عاصر شوامخ الخزانات الشخصية مثل الخزانة الزيدانية بمكناس والخزانة الكتانية والخزانة الأحمدية الفاسيتين وغيرها كثير. فكان ميالا إلى اقتناء المخطوط والوثيقة متضلعا في تقنياتها. وقد تعرف على جملة من "الدلالين" الذين يتوسطون في بيع المخطوطات في أسواقها الخاصة بالمدن العتيقة، أو ممن يجوبون الآفاق، وكانت تحمل إليه عيون المخطوطات، فلا يتردد في شرائها بعد التأكد – بخبرته – من أهميتها أو ندرتها أو غرابتها. وهكذا كون مكتبة نفيسة جعلها مقصد الباحثين وطلاب المعرفة من المغاربة ومن مختلف الجنسيات ، ومن الغريب أنه أحيانا يقدم على إعارة أندر المخطوطات على سبيل التصوير لطلاب باحثين قد لا تكون له بهم سابق معرفة، مستعملا في ذلك يقينا باطنيا لم يخب أبدا.
ولقد أطلعني رحمه الله على مشروع لفهرسة خزانته قصد طبعه في كلية الآداب بالرباط، التي تبنت ضمن منشوراتها طبع أغلب كتبه. غير أن هذا المشروع لم يقدر له أن يكتمل أو يطبع.
وفي آخر أيامه كانت له أفكار عن مصير هذه الخزانة مستمدة من مصائر مثيلاتها. غير أنه رحمه الله كان حريصا على أن تبقى معه خزانته إلى آخر يوم من عمره.
والخلاصة أن العطاء الذي قدمه العلامة الفقيه محمد المنوني فتح أمام الباحثين آفاقا واسعة في مجال التراث المخطوط. ولقد عزز عطاءه في الجوانب الأربعة المذكورة بما كان يبذله من عطاء في الإشراف على الرسائل الجامعية ورعايتها ومناقشتها، سيما في ميدان تحقيق المخطوطات وبما كان يلقيه من دروس ومحاضرات في موضوع المصادر وتقنيات المخطوط.
وإن إنتاجه عموما بما شكل من تراكم معرفي ليجعله عمدة في تاريخ الحضارة المغاربية والإسلامية، وخبيرا في المصادر المخطوطة والمطبوعة. وقد أفاد الباحث العلمي بتجربته وخبرته وبأخلاقه الإنسانية وكرمه. جزاه الله خير الجزاء.


(1) – حرص العلامة محمد المنوني على كتابة سيرته الذاتية بقلمه، حسما لأقاويل كتاب السير، وقد نشرت بتصرف في كتاب "إسعاف الإخوان الراغبين بتراجم ثلة من أعلام المغرب المعاصرين" لمحمد السلمي. مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء 1990م ص: 255-268.
(2) – عن تفاصيل الطباعة بالمغرب، انظر : محمد المنوني، مظاهر يقظة المغرب، ج1، ص: 316، وكتاب فوزي عبد الرزاق، تاريخ الطباعة في المغرب، منشورات كلية الآداب بالرباط، ص: 12و 127.
(3) – تعتبر مراسلات الفقيه الشخصية مع الباحثين مليئة بهذه المواضيع.
(4) – تعتبر هذه الفترة من حياة الفقيد مرحلة متميزة جمعت إلى تخرجه من القرويين ممارسة التدريس والالتحاق بصفوف الحركة الوطنية وممارسة النشاط السياسي.
(5) – خلال هذه الفترة ، كان يلقي محاضرات ودروسا في دار الحديث الحسنية، وفي مدرسة علوم الإعلام.
(6) – كان الراحل يحرص كل الحرص على التعريف بإنجازاته ونشر لوائحها. انظر ملاحق كتابيه :
- محمد المنوني، "المصادر العربية لتاريخ المغرب"، منشورات كلية الآداب بالرباط، ج2.
محمد المنوني ، "ورقات عن الحضارة المرينية"، منشورات كلية الآداب بالرباط، 1996م، ط2.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here