islamaumaroc

تصدي السلطان مولاي الحسن الأول لمحاولات الأجانب في سواحل الصحراء المغربية (1879-1894)

  نور الدين بلحداد

العدد 369 جمادى 2-رجب 1423/ غشت-شتنبر 2002

أصبحت سواحل المغرب الجنوبية منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ميدانا للمنافسة بين أساطيل الدول الأوربية، فجهزت كل دولة عدة سفن وشحنتها بمواد غذائية متنوعة وهدايا مختلفة، لتوزيعها على شيوخ بعض القبائل، وأرسلت عدة بعثات استكشافية وأخرى علمية لدراسة إمكانية بناء مستودعات تجارية على طول هذه السواحل، لتسهيل عملية احتلالها فيما بعد.

البعثات البريطانية:
خلفت المحاولات التي قام بها كل من المغامر جورج گلاص (J. Glass) سنة 1764م، وجون دفدسون (J. Davidson) سنة 1836م، في سواحل المغرب الجنوبية لبناء وكالات تجارية، رغبة قوية في نفوس بعض التجار البريطانيين الذين حاولوا ربط علاقات تجارية مباشرة مع شيوخ بعض القبائل الصحراوية دون حصولهم على إذن أو ترخيص من السلطان المغربي، نذكر من بينهم المغامر دونالد ماكينزي (D. Mavkenzie) الذي أسس شركة تجارية في مدينة لندن سنة 1875، أطلق عليها اسم شركة شمال غرب إفريقيا (North West African Company) وفي 11 يونيو 1876م، غادرت السفينة (Volta) ميناء ليفربول وعلى متنها مكينزي وبعض أعوانه بالإضافة إلى كميات هامة من المواد التجارية، وبعد أخذ ورد وقع اختيار مكينزي وأعوانه على ساحل طرفاية لبناء مستودع تجاري.
ووقع الاتصال بالشيخ محمد بن بيروك التكني، واستأذنه في إقامة مشروعه في ساحل بلاده، بعد أن زوده بكميات هامة من المواد الغذائية وهدايا متنوعة، فاستجاب له الشيخ ووعده بمنحه قطعة أرضية لتحقيق مشروعه.(1)
وبعد مرور عامين، عاد ماكينزي إلى ساحل طرفاية حاملا معه مساعدات هامة منحتها له الحكومة البريطانية وهي عبارة عن كميات ضخمة من الحديد والخشب، وتوسط لصالحه قنصل بلاده (Topeban) بجزر الكناري لإقناع السلطات الإسبانية بمد ماكينزي بكميات هامة من الأحجار واليد العاملة،(2) وبعد انتهاء إشغال البناء سنة 1879م، بدأ مكينزي يعقد صفقات تجارية مع القبائل فكان يحصل منها على الصوف والجلود مقابل كميات من السكر والشاي، كما استطاع أن يجلب أنظار أصحاب القوافل التجارية نحو مركزه المشيد بطرفاية، بل أخذ يتطلع إلى التوقيع على اتفاقية تجارية مع أمير منطقة آدار الشيخ أحمد ولد عايدة.(4)
وقد اتخذ تاجران بريطانيان نفس الطريقة التي نهجها مكينزي لبناء مستودعات تجارية أخرى في سواحل المغرب الجنوبية، فجهز الأول ويدعى دفيد كوهم (D. Cohen) السفينة (Anjou) وشحنها بمواد تجارية مختلفة وهدايا متنوعة، وأبحر من مدينة مرسيليا بتاريخ 5 يونيو 1880، بهدف الرسو في ساحل إفني للتعاقد مع الشريف الحسين أهاشم.(5)
أما التاجر الثاني ويدعى جيمس كورتيس (J. curtis) فقد فضل بناء مركز تجاري بالقرب من مرسى أركسيس سنة 1880م، وطلب من الشيخين الحاج محمد بوشيخة الصويري والجيلاني بن علي الصويري بالتوسط لصالحه لدى شيوخ قبيلة صبويا ومستي لمساعدته على تحقيق مشروعه،(6) لكن قبائل آيت باعمران امتنعت من ذلك وفضلت المتاجرة مع التجار الفرنسيين بسبب غزارة المواد التجارية التي يحملونها إلى أسواقهم.(7)

موقف السلطان مولاي الحسن من الاستقرار البريطاني بساحل طرفاية:
استشاط السلطان مولاي الحسن الأول غضبا على الاستقرار البريطاني في سواحل بلاده الجنوبية. واستدعى وزير بريطانيا بطنجة جون درمندهاي، وأبلغه احتجاجه الشديد على بناء مكينزي لمركز تجاري في ساحل طرفاية دون الحصول على إذن أو ترخيص منه. وإذا كان جون درمندهاي قد اعترض في أول الأمر على مشروع مكينزي، فإنه تراجع عن موقفه واعتبر ساحل طرفاية لا يخضع لسلطة السلطان، وبعث برسالة إلى السلطان قال فيها:
«... ليس من حق الحكومة المغربية التدخل في شؤون الأوربيين الذين ينزلون في المناطق الواقعة في جنوب وادي نون...».(8)
فازداد غضب السلطان، واعتبر التبريرات التي قدمها هاي لا أساس لها من الصحة وبعث رسالة إلى نائبه بطنجة محمد بركاش قال فيها:
«وقد تكلمنا مع باشدورهم حيث كان بحضرتنا العالية بالله في شأن ما ذكر، والمحل الذي نزل به، فادعى أن ذلك العمل خارج عن آلياتنا، فلم نقبل منه ذلك ورددناه عليه... ومن جملته الاسترعاء على نزول المذكور هناك بغير إذننا وتصرفه مع قبائل إيالتنا افتيانا وجعل الدرك عليه في كل ما بينا عن نزوله...».(9)
ولتعزيز سلكته في السواحل الجنوبية عين السلطان مولاي الحسن الأول الشيخ ماء العينين نائبا عنه في الصحراء ووادي نون وسوس، (10) كما بادر السلطان إلى تحسين علاقاته مع قائد تازروالت الشيخ الحسين أهاشم، وأمره بعدم التعاقد مع التاجر دفيدكوهين، وجدد لأمير آدرار ظهير توليته وأمره بعدم الاستجابة لطلب مكينزي.(11)
وأمام تعنت مكينزي وعدم مبالاته باحتجاجات السلطان، هاجمت قبائل الصحراء مركزه بساحل طرفاية سنة 1881م وأضرمت النار في منشآته.(12) فاحتج جون درمندهاي وطالب السلطان مولاي الحسن بدفع مبلغ 12 ألف فرنك كتعويض عن الخسائر التي لحقت المركز، فرض السلطان هذا الطلب، وبعث رسالة إلى نائبه بطنجة محمد بركاش قال فيها:
«... وإذا كانت به أمتعة لرعيتهم فإنه ليس بمفتوح للتجارة وإن الإسترعاء على وجود الأمتعة المذكورة بذلك العمل واجب لكون وجودها به خارجا عن القانون ومخلف للحق...».(13)
وأمام تجدد محاولات التاجر كرتيس جهز السلطان حركة نحو سوس سنة 1882، لوضع حد لمشاريع التجار الأجانب،(14) وقام بتنصيب عدد من القواد الجدد، وكلفهم بحراسة السواحل المغربية الجنوبية لمنع رسو السفن الأجنبية،(15) كما أمر قائده بالجنوب أحمد العبوبي بالقبض على كورتيس إن هو عاد مرة أخرى إلى مرسى أركسيس.(16)
ولمساعدة قبائل الجنوب المغربي على اقتناء كل ما تحتاج إليه من مواد غذائية عوض المتاجرة فيها مع الأجانب قرر السلطان فتح مرسى للتجارة في سواحل بلاد تكنة، وبعث رسالة إلى شيوخ قبائل «آيت باعمران» و«تكنة» قال فيها:
«... وبعد فقد اقتضت المصلحة فتح مرسى بجدود بلادكم وبلاد خدامنا قبيلة تكنة بسيدي بورزك أو بالمحل المسمى آصاكا ليسهل عليكم وعليهم بقربها تعاطي البيع والشراء فيها لبعد مراسي ايالتنا السعيدة عنكم ولحاق المشقة لكم في سفركم لها...».(17)
وإذا كان السلطان مولاي الحسن الأول قد تمكن من إفشال مشروع التاجر كورتيس بعد اعتقاله سنة 1883م، فإنه قد عانى الأمرين من تزايد محاولات مكينزي في ساحل طرفاية، ولم يتمكن من استرجاع هذا الساحل إلى حظيرة الوطن إلا في سنة 1895م، بعد التوقيع على اتفاقية بين الحكومة البريطانية والخزن المغربي، اعترفت فيها بريطانيا بحقوق المغرب المشروعة في هذه الأصقاع وبسيادة السلطان في هذه المناطق مقابل حصولها على مبلغ 50 ألف جنيه كتعويض لمكينزي عن مركزه.(18)

تجدد المطالب الإسبانية الخاصة بالجنوب المغربي:
ازدادت مخاوف إسبانيا على مصالحها سواء في جزر الكناري أو في المناطق التي كانت تطالب بها في الجنوب المغربي بناء على الاتفاقية التي وقعتها مع المغرب سنة 1860، والتي نصت مادتها الثامنة على منح إسبانيا قطعة أرضية في الجنوب المغربي لبناء مركز للصيد البحري في نفس المكان الذي كان يوجد به حصن «سانتاكروز دي ماربيكينيا»، وذلك بسبب الاستقرار البريطانس بساحل طرفاية. وقرر أعضاء الجمعية الملكية الإسبانية للجغرافية(19) إرسال بعثة من المهندسين الإسبان إلى سواحل المغرب الجنوبية، لتحديد مكان القطعة الأرضية التي سيشيد فوقها مركز للصيد البحري، وأمام رفض المغرب الاستجابة لمطلبها، حاولت إسبانيا الاتصال مباشرة بشيوخ بعض القبائل لمنحها قطعة أرضية لتحقيق مشروعها وجعل السلطان يخضع للأمر الواقع، وأمرت قنصلها بالصويرة خوسي الفاريث بريث (José Alvarez Perez) بتحذير الشيخ الحبيب ولد بيروك من مغبة التعرض لأعضاء بعثتها(20) وفي سنة 1877م، حلت سفارة إسبانية بقيادة ادواردو رومية (E. Romea) بفاس، وطلب من السلطان مولاي الحسن التعجيل بتطبيق مضمون المادة الثامنة من معاهدة 1860م، والتدخل كذلك لإطلاق سراح بعض التجار الإسبانيين الذين وقعوا في أيدي قبائل وادي نون سنة 1876م.(21)
ولحل هذه المشكلة بين الدولتين، أرسل السلطان المغربي سفارة إلى مدريد بقيادة عامل الرباط عبد السلام السويسي سنة 1877م، وبعد عدة مفاوضات توصل الطرفان إلى حل يقضي بإرسال عدة بعثات مختلطة من مهندسي البلدين إلى سواحل المغرب الجنوبية للبحث عن مكان الحصن الإسباني القديم لكن هذه المفاوضات توقفت بسبب إقدام إسبانيا على احتلال ساحل وادي الذهب سنة 1884م.(23) ولتسهيل مهمة بونيللي (Bonelli) أرسل أعضاء الشركة التجارية الإسبانية – الإفريقية السفينة (Ines) إلى ساحل وادي الذهب في فبراير 1884، وشحنوها بمواد تجارية مختلفة لإقامة علاقات تجارية مع الشيوخ، لكن قبائل وادي الذهب رفضت التعامل مع الإسبانيين ومنعت سفينتهم من الرسو بسواحل بلادهم،(24) فتدخلت الحكومة الإسبانية من جديد وأرسلت سفينة حربية أخرى تدعى (Libertad) ساحل وادي الذهب لحماية بونيللي، وبالفعل تمكن هذا المغامر الإسباني من الرسو في شبه جزيرة وادي الذهب في 3 نونبر 1884م، وبنى بسرعة ثلاثة أكواخ خشبية جعلها بمثابة مستودعات تجارية.(25)
وبسبب بعض الضغوطات التي مارستها بعض الشركات التجارية الإسبانية وأعضاء جمعية الدراسات الإفريقية والاستعمارية، قررت الحكومة الإسبانية الإعلان بصفة رسمية عن فرض حمايتها على المناطق الواقعة بين رأس بوجدور في الشمال والرأي الأبيض في الجنوب، وذلك في 26 دجنبر 1884م،(26) فتصدت قبائل المنطقة لهذا القرار، وهاجمت أكواخ بونيللي في 9 مارس 1885م، واستولت على كل المواد التجارية التي كانت تحملها السفينة (Cirus) وقتلت بعض أعوان بونيللي وأسروا البعض الآخر، وأرغموا باقي الإسبانيين على الفرار إلى سفنهم الراسية بالبحر.(27)
عقد البرلمان الإسباني دورة طارئة لمناقشة مسألة طرد بونيللي وأعوانه من ساحل وادي الذهب، وبعد انتهاء أشغال هذه الدورة، بعثت الحكومة الإسبانية برسالة احتجاج للسلطان المغربي، حذرته من مغبة تكرار ما حدث في وادي الذهب وطالبته بغرامة مالية كتعويض عن الخسائر التي لحقت منشآت مركز فيلا سيسنيروس، ومعاقبة أفراد قبيلة أولاد دليم الذين قاموا بهذا الهجوم.(28)
وعلى الرغم من هذه الهجومات، فقد واصلت إسبانيا إرسال بعثاتها إلى الصحراء لدراسة إمكانية بناء مستودعات تجارية أخرى، وهكذا أرسلت بعثة سنة 1886م، بقيادة (José Alvarez Perez) إلى السواحل المغربية الواقعة بين مصب وادي درعة ورأس بوجدور،(29) فاعترضت طريقه بعض القبائل وأضرمت النار في الكوخ الخشبي المقام بهذه الأصقاع.(30)
كما قاد كل من Julio Cervera  و Francisco quiroga و Felipe Rizzo  بعثة أخرى نحو منطقة آدرار سنة 1886، لربط الاتصال بالشيخ أحمد ولد عايدة، وعقد صفقات تجارية معه.(31)

رد فعل المخزن المغربي على احتلال إسبانيا لساحل وادي الذهب:
بعث السلطان مولاي الحسن مذكرة احتجاج إلى ممثلي الدول الأجنبية بطنجة في 16 ماس 1886م، حذرهم فيها من عواقب نزول رعاياهم في سواحل بلاده الجنوبية دون الحصول على إذن أو ترخيص منه، كما أنه جهز حركة ثانية إلى سوس سنة 1886م، للتأكيد على تمسكه بوحدته الترابية ورفضه المطلق للحماية التي زعمت إسبانيا فرضها على ساحل وادي الذهب. وبمجرد حلوله بوادي نون في 13 ماي 1886م، وفدت عليه جموع شيوخ القبائل بتجديد البيعة له، فنظم بلادهم وأقام حامية عسكرية في كليمين،(32) ونصب قوادا جددا وكلفهم بحراسة السواحل الجنوبية ومنع رسو السفن الأجنبية بها، ومعاقبة كل من يتعاون مع الأجانب(33) وتوصل السلطان برسالة من قائده بالجنوب محمد بن أحمد بن الكور الزفاضي قال فيها.
«... إن جميع قبائل الصحراء وأعيانهم كابن أحمد عيد وقبائله... وغيرهم من قبائل الصحراء قد فرحوا بقدوم سيدنا لهذه البلاد ويطلبون له النصر والظفر ويطلبون الله أن يمتعهم بلقائه في بلادهم والحاصل أنهم يحبون سيدنا نصره الله وأيده وينصرون كلمته...».(34)
وبعد عودته إلى مقر حكمه، توصل السلطان برسالة من وزير إسبانيا بطنجة «ديوسضادو» (Diosdado) يطلب فيها معرفة حدود المغرب الجنوبية فرفض السلطان هذا الأسلوب واعتبره تدخلا في شؤون بلاده، وبعث رسالة إلى نائبه بطنجة «محمد الطريس» قال فيها: «... فأجبه بما حاصله من أن حدها حيث الكرسي المستقل وهو مصر من ناحية السودان من ناحية ومغنية من ناحية، وأما وادي الذهب فقد بحث فيه أعراب هذه الناحية فأخبروا أن هذا المحل بناحية أولاد دليم وقبيلة تسمى بالعروسيين الذين هم بخدمتنا الشريفة...».(35)
وأمام تعنت الإسبانيين وعدم مبالاتهم باحتجاجات السلطان، هاجمت القبائل الصحراوية مراكز «فيلا سيسنيروس» في 24 مارس 1887م، فقررت الحكومة الإسبانية إلحاق ساحل وادي الذهب بالقيادة العامة لجزر الكناري، كما أنها منحت لقب الحاكم السياسي والعسكري على هذه المناطق لبونيللي.(36)

البعثات الفرنسية:
ازدادت أطماع فرنسا في الصحراء المغربية في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، واعترضت بقوة على المرحلة التي قام بها Cervera في منطقة آدرار سنة 1886،(37) فجهزت بعثة بقيادة كاميي دولس (C. Douls) وأرسلتها إلى ساحل بوجدور سنة 1887م،(38) وعلى الرغم من تعرض «دولس» للقتل سنة 1888م، فقد واصلت فرنسا إرسال بعثاتها إلى الصحراء، فجهزت بعثة جديدة بقيادة ليون فابير (L. Faber) الذي زار منطقة آدرار سنة 1891م،(39) وأرسلت بعثة أخرى بقيادة دونيت كاستون (D. Caston) إلى سواحل المغرب الجنوبية سنة 1893م، وكلفته بزيارة المركز الإسباني بوادي الذهب، والمركز البريطاني بطرفاية وإعداد تقرير شامل ومفصل عن نشاطهما التجاري.(40) وأمام هذه المحاولات الفرنسية، خشيت إسبانيا على مصالحها في المنطقة، وحاولت كسب عطف بعض شيوخ القبائل للتعاقد معهم مادام السلطان يرفض الاستجابة لمطالبهم، وهكذا أرسلت بعثة من الإسبانيين يرافقهم مترجم يهودي يدعى «سبير» إلى ساحل طرفاية سنة 1888م، للتوقيع على اتفاق تجاري مع الشيخ «الحبيب بن بيروك التكني»،(41) فتصدى لهم أتباع الشيخ ماء العينين وألقوا القبض على ستة أفراد منهم، واحتجزوا السفينة الإسبانية (Nueva Angelita) بساحل أكادير،(42) وعلى الرغم من فشل هذه المحاولة أعادت إسبانيا الكرة وأرسلت سبير من جديد إلى الصحراء وطلبت منه التوسط لصالحها مع الشيخ ماء العينين وإقناعه بالتعامل معها. لكن الشيخ ماء العينين رفض ذلك وبعث رسالة للسلطان قال فيها:
«... وليكن في كريم علم أمير المومنين أن رجلا كان مع النصارى لعنهم الله يقال له أصبير وهو يسمي نفسه محمد الصابر يدعي الإسلام، ومنذ زمن وهو يرسل لي البراوات... وأنه يريد مني أن يكون خير مرصة الطرفايا بيدي وامتنعت له أولا حتى يأتيني الخبر من عندكم وما أمرتموني به معه أفعله بحول الله وقوته...».(43)
وفي نفس السنة حاولت سفينة إسبانية أخرى تدعى (La Estrella) الرسو في ساحل طرفاية، فتصدى لها حوالي ستين فردا من أتباع الشيخ ماء العينين، وألقوا القبض على خمسة إسبانيين، فأرسلت الحكومة الإسبانية السفينة الحربية (Lile de Luçon) إلى ساحل طرفاية لإطلاق سراحهم فتصدت لها القبائل وقتلت عشرة أفراد من طاقمها.(44) وأمام فشل كل هذه المحاولات، أمرت إسبانيا ممثلها في مركز «فيلاسيسنيروس خوان كونثاليث» (Juan Gonzales) بإجراء مفاوضات مباشرة مع الشيخ ماء العينين، لإقناعه بربط علاقات تجارية مع مركزها «فيلاسيسنيروس» بوادي الذهب، والكف عن مهاجمة رعاياها المتوجهين للصحراء، فأرسل كونثاليث رسالة للشيخ ماء العينين قال فيها:
«... ثم أخبرك وأثبت لك أن «تجارة إسبانيا كلها بيدك وتحت أمرك في كل مكان وزمان وها أنا منتظر هدية كبيرة من ستين إلى ثمانين حمل جمل تريد الحكومة أن ترسلها لك...».(45)
فامتنع الشيخ من ذلك، ورفض الإغراءات الإسبانية وقام أتباعه بهجوم قوي ضد مركز فيلاسيسنيروس في مارس 1892م، واستولى على كميات هامة من المواد التجارية التي كانت تحملها السفينتين (Tres de Mayo) و(Las Marias)(46) كما أرسل السلطان رسالة إلى قائده بالجنوب دحمان ولد بيروك أمره فيها بمراقبة سواحل الصحراء ومن رسو السفن الأجنبية بها، ومما قال فيها:
«... وقد بلغ علمنا الشريف جولان بعض السفن من جهة البحر لناحية الساحل هناكم ورجوعها وذلك مما يوجب إيقاظكم ويقضي حزمكم واستنهاظكم، فجددنا لكم ولغيركم أمرنا الشريف بمزيد الاهتمام في تصوين العسس المذكورة وتعاهد وظيفها وتجديد تأسيسها ورد الهمة لجهتها... واجعلوا ذلك أكبر هممكم ومظهر عزمكم...».(47)
وبفضل هذه السياسة تمكن المخزن المغربي من استرجاع ساحل طرفاية من يد الإنجليز سنة 1895م، وتضييق الخناق على مركز «فيلاسيسنيروس» الإسباني بساحل وادي الذهب، وأرغمت الحامية الإسبانية على الانكماش بداخله وعدم المجازفة بالخروج إلى المناطق الداخلية خوفا من الوقوع في أيدي القبائل الصحراوية، وأصبح مرسى طرفاية قاعدة لجهاد القبائل الصحراوية ضد المد الاستعماري الفرنسي والإسباني في أقاليم المغرب الجنوبية، فكانت المواكب المخزنية كالحسني والتريكي ترسو بهذا الرفأ حاملة الأسلحة والذخيرة الحربية والمؤونة والمياه الصالحة للشرب للمجاهدين الصحراويين الذين ظلوا يقاومون ببسالة واستماتة إلى حدود سنة 1934م، حيث نفذت دخيرتهم الحربية، ولكنهم ظلوا متشبثين بهويتهم المغربية وبدينهم وبالبيعة التي بايعوا بها الملوك العلويين.

1) وقع الشيخ محمد بن بيروك التكني اتفاقية مع المغامر البريطاني دونالد مكينزي في 26 يوليوز 1879، التزم فيها بمنحه قطعة أرضية كافية لبناء مرسى ومستودع تجاري في ساحل طرفاية.
«عبد الوهاب بن منصور»: طرفاية: قصة المحاولات الإنجليزية للاستقرار بصحراء المغرب. جريدة: صحراء المغرب، السنة الألى العدد: 3، الرباط، 1957، ص:3.
2) Archives Diplomatiques du Ministère des Affaires étrangères. Série : Maroc Sous – Série Tanger. Carton N350. Nantes – France.
3)ارتفع عدد القوافل التجارية التي كانت تتردد على مركز مكينزي بطرفاية من 30 إلى 60 قافلة محملة بمواد تجارية مختلفة كالصمغ، ريش النعام، العاج، الجلود، تبر الذهب، وثائق وزارة الخارجية الفرنسية المحفظة رقم:350، فرنسا.
4)«عبد الوهاب منصور»:م – س، ص: 4.
5)Tomas Garcia Figueras = Espanâ en el Sar de Marrucos y en el Africa occidental Revista AfricaM Junio – Centa. 1934. P : 189.
6)عبد الرحمن بن زيدان: الإتحاف، ج:2. الرباط. 1929م، ص: 382 – 383.
7)Nehli M = Lettres chérifiennes 1 ère série – Parie 1915. P : XLVIII. 
8)ب-ج. روجرز: تاريخ العلاقات المغربية الإنجليزية حتى عام 1900م.
  ترجمة لبيب رزق. الدار البيضاء 1981، ص: 258.
Nehli. M :  س-م  - XLVIII   9)
10) انظر نص الظهير صمن الرسالة الجامعية التي ناقشها بكلية الآداب سنة 1994، قسم التاريخ، ص:268.
11)Mahmadou Ahmadou Ba = L’Emir Ahmed Ould. M’hamed. dans, Bull. du comité de L’Afri. France. Rens. Cal N10. Paris. 1929. P :550.
12) وثائق وزارة الخارجية الفرنسية. المحفظة رقم: 350.
13)  = Nehli. M  م-س  LXI : 
14) المختار السوسي: المعسول: ج:19 ص:278.
15)charles de Foucauld = Reconnaissance au Maroc.Paris 1883. P :345
16) كناش رقم 353: الخزانة الحسنية الرباط ص:220.
17) مخطوط ميكروفيلم رقم21. الخزانة العامة الرباط.
18) عبد الهادي مكوار: وثائق وبطائق متعلقة بالطرفايا. الخزانة العامة الرباط.
19)عقد أعضاء هذه الجمعية أول اجتماع لهم في مدينة مدريد بحضور الملك الإسباني ألفونصو الثاني في 16 شتنبر 1676.
T. G. Figueras : م-س، ص: 191.
20) مجلة الوثائق: مديرية الوثائق الملكية. ج:3. الرباط 1976،ص: 465.
21) ألقى الشيخ الحبيب ولد بيروك القبض على التجار الإسبانيين J. Butler و Pirjama وSelva
T. G. Figueras : م- س. ص:155.
22) نفسه.
23) بعد حصولهم على مبالغ هامة، اجتمع أعضاء جمعية الدراسات الإفريقية والاستعمارية برئيس الحكومة الإسبانية Canavas del Castillo وطلبوا منه التعجيل بإرسال بعثة إلى سواحي المغرب الجنوبية لقطع الطريق على البريطانيين والفرنسيين، فاستجاب لهم وأرسل بعثة بقيادة الملازم أميليو يونيللي إلى ساحل والدي الذهب وأمره برفع العلم الإسباني فوق المراكز التي سيبنيها هناك.
T. G. Figueras : م- س. ص:192.
24)Allal El Fassi – Documents jaints au Livre Range (Perspectives – Sahariennes). N 18 à 22 Tanger. 1961. P : 238.
25)Emillo Benelli – Nuevas Territorias espanales de la Casta del Sahara. Madrid 1885.
26)Andress Cal – Villa – Cisneras Madrid 1933. P :43.
27) نفسه. ص:41.
28) نفسه. ص:41.
29) José Alvarez Perez – En el Seguira – El Hamra. Madrid. 1886, P :9.
30) T. G : Figueras
31) Julio Cervera – expedicion al Sahara Occidental. (de Rio de DRO à iyil) Madrid 1886.
32) R. S – El Hiba, Fils de Ma – el – Aimin dans Bull. de L’Afr. France. Rens. Cal. N 3 Praris 1917. P,63.
33) كناش رقم: 152: الخزانة الحسنية الرباط، ص: 117.
34) انظر نص الرسالة صمن الرسالة الجامعية التي ناقشناها. ص:290.
35) محمد بن عزوز حكيم السيادة المغربية في الأقاليم الصحراوية من خلال الوثائق المخزنية ج:1. الدار البيضاء 1981، ص:135.
36) T. G. Figueras: م – س: ص:193.
37) وقع خلاف كبير بين فرنسا وإسبانيا على احتلال «منطقة آدرار» منذ سنة 1886. واستمر إلى حدود سنة1900.
J. L – Miège – le Maroc et L’Europe : Tomas. 3. Paris. 1960. P :340.
38) Jacques Caillé- le voyage de camillé Douis. Rabat 1954. 
39)Lëon Faber – voyage dans le pays des Trarzas et dans le sahara occidental. Paris – 1892.
40) Gaston Donnet – Une mission au Sahara occidental. du Ségégal au Tiris. Trarza, ouled Bou – Sba – oulad Dlim. yahies Ben osman. Paris 1896.
41) تذكره الوثائق المغربية تحت اسم محمد الصابر، وهو يهودي من الشام اسمه (Spiredon) استقر في جزر الكناري وادعى الإسلام.
كناش رقم:205. الخزانة الحسنية الرباط. ص:100.
42)  T. G. Figueras م – س- ص:194.
43) وثيقة في ملكنا. انظر نصها ضمن الرسالة الجامعية التي أنجزناها. ص:299.
44) Possessions espagnoles ; dans Bull du comite de L’Afri. Franç. Paris. 1982. P :14.
45) انظر نص الرسالة صمن الرسالة الجامعية التي أنجزناها ص:303.
46)  Allal El Fassi: م – س. ص: 239.
47) كناش رقم:328. الخزانة الحسنية الرباط، ص:72.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here