islamaumaroc

من أعلام العصر العلوي المجيد أبو عبد الله محمد بن إدريس العمراوي -الشاعر الكاتب الوزير-

  الصادقي العماري

العدد 369 جمادى 2-رجب 1423/ غشت-شتنبر 2002

إن مكونات مكونات الشخصية نتيجة عدة عناصر ومؤثرات تحتم على الدارس استحضارها وهو بصدد تناول شخصية ما بالتحليل، وذلك ليتأتى له استجلاؤها ووضع تصور موضوعي وشامل لأبعادها.
وشخصية «أبي عبد الله محمد بن إدريس العمراوي» ليست بمنأى عن ذلك، إذ لا شك في أن ذاكرته اختزنت أبرز الأحداث التي عايشها فأسهمت في تكوينه الوجداني والفكري، ومنها ما تسرب إلى أعماقه اللاشعورية، وذلك منذ أن بدأ يعي الواقع الخارجي من حوله.
هناك وضعية أسرته التي تبدو أنها أقرب إلى الاكتفاء منها إلى السعة واليسر، وهناك ظروف بيئته المحلية والإقليمية – فاس- وما عرفته أثناء نشأته وطيلة حياته من أحوال وما سادها من اتجاهات واعتراها من تقلبات، وهناك وطنه كله باعتباره قطرا له كيانه وخصوصياته بين سائر بلدان الشمال الإفريقي والعالم العربي. وإلى جانب ذلك ما اكتنف البلدان الإسلامية وكان عليه حال الدول الأوربية خاصة أنها صارت تعرف تغييرات عميقة وتطورات سريعة وتوجهات متباينة وتطلعات لعقد صلات بالمغرب على غير ما كان عليه الأمر من قبل.
بالإضافة إلى ما تقدم لا يصح أن نستبعد ما «لابن إدريس» من خصوصية فردية من حيث تكوينه الطبيعي وعوامل عضوية ووراثية ورصيده الثقافي، وما اضطلع به من معا وقام به من أدوار في حياته العملية. وتجب المبادرة إلى القول بأن هذه المؤثرات والعوامل ليست منفصلة عن لعضها بل هي مترابطة ومتفاعلة بعامل الزمان والمكان. كما أنها متعددة بالنظر إلى مجالاتها، منها النفسي والفكري والطبيعي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وهي متفاوتة من حيث فاعليتها وتأثيرها قوة ومدى زمنيا.
* تتيح لنا الأخبار التي أوردتها المصادر والمراجع المختلفة أن نكون صورة مجملة لأسرته، فهي أسرة متوسطة الحال مرتبطة بالعلم والتعليم، فقد كان والده معلم صبيان له كتاب «بدرب اللمطي» بفاس، وهو إلى ذلك من قراء الحزب بين الظهرين «بجامع الأندلس»، وينوب عن الإمام الراتب في الصلوات أثناء غيابه، وكان هذا الوالد على جانب كبير من الصلاح والخير، وموضع تقدير الناس، يقول عنه المؤرخ الأديب «أكنسوس» - وهومن المعاصرين له-: «... وكان يلتمس منه الخبر ويرغب الناس في صالح دعواته، فلا يلقاه أحد إلا قبل يده وطلب منه الدعاء...» كما تبين لنا أن عم «ابن إدريس» من حفاظ كتاب الله إذ كان يتولى – أحيانا- تعليم الصبيان في الكتاب المشار إليه.
نستطيع أن نستنتج أن أسرة ابن إدريس لم تكن من الغنية، ولكن كانت غنية بتدينها وتقواها، وعنايتها بكتاب الله حفظا وإقراء. ولهذا لا بد أن تطبع «ابن إدريس» بطابعها وتؤثر في توجهه وسلوكه وأخلاقه، فلا عجب أن نجده مطيعا لوالده مجدا في تحصيله الدراسي، طموحا لتحقيق ذاته وإثبات وجوده في المكرمات بجهوده وكده، ولا غرابة – في نهاية الأمر- أن يعد شمسا في سماء الأدب المغربي ومن نبغاء المغرب ومن المسؤولين السياسيين المهرة المخلصين في عهد السلطان مولاي عبد الرحمان بن هشام بوأه الله إعلى مقام.
*إذا حاولنا تقدير ميلاد «محمد بن إدريس» سنجد – حسب شهادة رفيقه وصديقه «أكنسوس»- أنه ولد سنة 1210هـ أو سنة 1208هـ بفاس إذ التقيا في مجالس العلم «بالقرويين»في حدود سنة 1229 ويبدو أن ذلك في أواخر مراحل التلقي العلمي.
فيكون «ابن إدريس» قد قضى تعلمه في عهد السلطان «مولاي سليمان»،ومسايرة لتاريخ ميلاده التقريبي، فإنه بدأ يعي الواقع من حوله قبل انصرام عقد من السنين بعد التاريخ المذكور، هذا الواقع الزاخر بالأحداث على المستوى الداخلي والخارجي، وأهم مظاهر المجتمع في عاداته وسلوكاته وثقافته.
أما نسب «ابن إدريس» فهو من «الشرفاء الأدارسة» بناء على نا ذكره صديقه «أكمنسوس» بقوله: «وجدت بخطه في ذكر آبائه الكرام: «محمد بن إدريس بن محمد بن إدريس»، ثلاث مرات، فقلت له: ما هذا التكرار؟ فقال: هكذا بخط والدي إلى السيد محمد بن الإمام إدريس بن عبد الله الكامل، بتكرير محمد بن إدريس في عمود آبائنا تبركا بالجد المذكور، قال: فقلت لوالدي هذا النسب صحيح؟! قال ذ: هكذا كان آباؤنا ينتسبون وكانت عندهم ظهائر الملوك المتضمنة التعظيم والاحترام، وضاعت لهم في بعض الفتن الواقعة في باديتهم بعد انتقالهم لفاس» ويضيف «أكنسوس» قائلا: «وكان مقام سلفهم بقبيلة «زمور» من بني عمرو، منهم من عهد قيام «مغراوة» على «الأدارسة» واختفاء الأدارسة في أغمار القبائل».
كما أن المؤرخ «مولاي عبد الرحمن بن زيدان» يثبت صحة هذا النسب بما وقف عليه من وثائق.
أما شعرته بالعمراوي الزموري فلطول إقامة آبائه بتلك القبيلة قبل رحيلهم عنها واستيطانهم مدينة فاس.
لا شك في أن ابن إدريس بدأ تعلمه بحفظ القرآن الكريم وتعلم الكتابة والقراءة بكتاب والده، وجريا على العادة المتبعة، حفظ المتون المتداولة في اللغة والفقه ليتم له الالتحاق بمجالس الدرس بالقرويين، وأثناء ذلك كان ينوب عن والده في تحفيظ الصبيان القرآن الكريم، ويمارس نسخ الكتب، ولا شك أنه يتقن الخط ويجوده، ومن مظاهر جديته في الدرس والاهتمام بالكتب، أنه كان ينسخ ما تدعوه إليه ضرورة الدراسة. كما ينسخ كتبا أخرى لبيعها، ومن ذلك: أنه نسخ ثلاث نسخ من كتال الشفا «للقاضي عياض»، وسفرها، ونسختين من القاموس المحيط «للفيروز آبادي» وباع هذه النسخ كلها بثمن قيمة عالية في ذلك الوقت،والواضح أن رفعة الثمن راجعة لما يتميز به النسخ من جودة وإتقان، وهذا جانب فتي في شخصية ابن إدريس له دلالة عميقة مما ينم عن حسن ذوقه وبراعته، وعن صبره ورقة مزاجه وتعلقه المكين بالكتاب الذي هو أداة العلم.
*أما مصادر ثقافته فيبدو من أدبه أنها متنوعة، تشمل المعارف التي تلقن في القرويين –على ذلك العهد- ولا يستبعد أنه وسع معارفه بالتثقيف الذاتي، ولو حاولنا تقصي هذا الجاني من خلال ما ورد في شعره ورسائله من إشارات واستشهادات وإحالات، لتبين لنا بجلاء أنه موسوعي المعرفة ومشارك في فنون شتى، ويتأكد ذلك بما لا يدع مجالا للشك حين نمعن النظر فيما حلاه به معاصروه وغيرهم من نعوت تدل على علو كعته في المجال العلمي، ومن ذلك على –سبيل المثال- ما أورده «محمد الطالب بن حمدون ابن الحاج» المتوفي سنة 1274هـ في كتابه: رياض الورد حيث قال: «...رقيق الإشارات. حلو الحكايات له في النظم والنثر القلم الأعلى والمورد الأحلى، لازم الجثو للتعليم بين أكثر أشياخنا فمن فوقهم...وكانت له –رحمه الله- معرفة ببعض العلوم كالحساب والتعديل أخذهما عن الشيخ «سيدي محمد بن الطاهر بن أحمد الحبابي رئيس الموقتين بمنار القرويين من فاس،وكالنحو واللغة والعروض والأدب أخذها عن غير واحد...».
وقال في حقه العربي بن عبد القادر المشرفي المتوفى سنة 1313هـ، في كتابه: الحسام الشرفي: «أديب الأدباء وأنجب النجباء، من تتلى فضائله في مجالس الاقراء ومنابر التدريس». وحلاه العلامة «محمد بن جعفر الكتاني» المتوفى سنة 1345هـ في كتابه: سلوة الأنباس، بقوله: «الفقيه الأديب الأشهر، الناظم الناثر الأبهر...».
وبهذا يمكن أن ندرك مدى سعة معرفته وتنوع مصادر ثقافته،وعلو مكانته بين علماء عصره، وحصيلته المعرفية تضم القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف وما يتعلق بهما من علوم القرآن وعلوم الحديث والسير والفقه والأصول والتوحيد، وعلوم اللغة من نحو وصرف وبلاغة وعروض، بالإضافة إلى اطلاعه على كتب الأدب ودواوين الشعراء والتاريخ والحساب، وحصيلة محفوظة غزيرة لدرجة أن صاحب الابتسام عن دولة ابن هشام وهو معاصر لابن إدريس يؤكد أنه يحفظ ما تملأ به الدواوين.
وأشهر أساتذته: «محمد بن الطاهر الحبابي»، و«حمدون ابن الحاج»، و«محمد اليازغي»، و«محمد ابن الطاهر العلوي»،وكلهم من العلماء المشهورين والفقهاء البارزين، كما استفاد من أهل الصلاح أمثال «الطيب الكتاني»، و«عبد القادر العلمي» المشهور «بسيدي قدور العلمي»، والشخ الصوفي محمد الحراق.
بالإضافة إلى الصلة الوثيقة في بداية حياته إبان الطلب بالمؤرخ السفير الوزير أبي القاسم الزياني حيث كان يساعده في نسخ ما كان يؤلفه الزياني، وعن هذه العلاقة يقول الزياني في كتابه البستان الظريف: «وكان ملازمي في البيت (يعني إدريس) يدي ويده إلى الليل، فاستماله حمدون ابن الحاج –رحمه الله- وجلبه فقاطعني وهاجرني إلى أن كان يمر ببابي ولا يسلم، ولم أقصر معه في الإحسان، وأنكر الصنيع فتركته...».
بعد وفاة أستاذه ابن الحاج، رأى ابن إدريس من واجبه أن يعاود اتصاله بالزياني، ولكن الزياني ظل معرضا عنه حتى تشفع له بعض الوجهاء فعادت المياه إلى مجاريها وتوطدت العلاقة حتى إن الزياني قدم ابن إدريس إلى مولاي عبد الرحمن، يقول الزياني: «...واشتغل يتعلق بخواص الطلبة المتصلين بنا وبالمكاتب، وقط ما أجبته عن واحد منهما، إلى أن أتاني شفيعا الفقيه الشريف سيدي بوبكر المنجرة بكتابه، وطلب مني أن أجيبه عليه، فما وسعني إلا جوابه...» ولما قدم له ابن إدريس قصيدة أشاد بها غاية الإعجاب، يقول الزياني: «فمن أجل ذلك عرفت به أمير المؤمنين، وأظنه يخلف مقام السيد حمدون أو يقرب منه».
من خلال هذه الشهادة ندرك كيف بدأت الصلة بينهما وما اعتراها ويبدو أن مرجع ذلك إلى المنافسة القائمة بين الزياني وابن الحاج من أجل أن يستقطب كل منهما ذوي الكفاءة إلى جانبه للاستعانة بهم، وابن إدريس ليس من الخسة ونكران الجميل إلى حد ما قد يعن للقارئ لأول وهلة، ولكن الأقرب إلى الصواب أن ابن إدريس يكن التقدير والإكبار لأستاذه مما حدا به إلى الانحياش إليه قاصدا إرضاءه، ثم إن صلة ابن إدريس بالزياني صلة آجر لمأجور، وعلاقته بابن الحاج رابطة علمية ومع ذلك فقد سارع ابن إدريس إلى تقديم اعتذاره وبإلحاح إلى الزياني بعد وفاة ابن الحاج –رحم الله الجميع-.
* لقد بدأت مظاهر تفوق ابن إدريس منذ كان طالبا بالقرويين، وتجلى ذلك حينما أقام السلطان مولاي سليمان احتفالا بمناسبة إتمام بناء دارين لولديه الأميرين مولاي علي، ومولاي إبراهيم،وكانت إحداهما «بزقاق الحجر»، والأخرى «بزقاق الرواح» بفاس ودعا السلطان إلى هذا الحفل البهيج جلة القوم من العلماء والشرفاء والطلبة، قدمت الموائد وأحيا الجميع الليلة بالصلاة وتلاوة القرآن والأمداح النبوية فشد ابن إدريس إليه الأنظار لما أنشد قصيدة لتهنئة السلطان بهذا الإنجاز العمراني مطلعها:
حياك حياك رب العرش يا دار
      ولا تحل حماك الدهر أكدار
ولن تزالي بإذن الله دار علا
      والمجد والجود والعلياء عمار
دار تود الشموس لو تحل بها
      وتحسد النازلين فيها أقمار
استحسن العلامة حمدون ابن الحاج ما أنشده ابن إدريس – وهو علم مشهود له بسداد الرأي وحسن الذوق، وسعة المعرفة، وبصيرة بالمنظوم والمنثور- وقدم القصيدة للسلطان مولاي سليمان، وقيم ابن الحاج القصيدة بقوله جامعة أثناء عرضها حيث قال: «هذا نفس غريب في هذا الزمان ظهر في ولد من أهل فاس» يعني بذلك ابن إدريس، وإذا حاولنا النظر بتمعن في هذه القولى النقدية، أدركنا أن شعر ابن إدريس – كما بدا هنا- مباين لما هو سائد من الأشعار الرائجة في ذلك الوقت، ولكن بما تفرد هذا الشعر عن غيره؟ لقد سماه ابن الحاج بالنفس الغريب والنفس دلالة على الحياة والارتباط الوثيق بالمبدع، وأيضا على طريقة تأليفه وتربيه للألفاظ، ثم هو نابع من أعماقه ومن صميم مشاعره، وليس متكلفا مثقلا بالزخارف اللفظية المصنعة حيث فتور العوطف وضيق الخيال.
لقد صدرت هذه القولة عن عالم متبحر لا يخفي عليه جمال القول الشعري، وتدل على مدى إعجابه بابن إدريس – وهو بعد في بداية طريق الإبداع الشعري، والمخاطب بها قبل كونه سلطانا هو عالم تحرير من جهة أخرى فإن احتفاء الجمهور الحاضر في الدارين، من الطلبة والعلماء بهذه القصيدة وترديدها دون غيرها له دلالته العميقة. ولا غرو إن أنعم السلطان على ابن إدريس بجائزة سنية لها قيمتها المادية في ذلك الوقت وهي مائة «مثقال» بالإضافة إلى قيمتها الرمزية المعنوية، ولا شك أن لها تأثيرا عميقا في نفسية ابن إدريس من ذلك تحفزه على صقل موهبته وتوسيع مداركه، هذه القصيدة والجائزة – معا- أن يشيع ذكره، ويتعرف إلى العديد من الشخصيات العلمية والسياسية، ويوسع اتصالاته... ويمكن أن نذكر بعض تلك الشخصيات البارزة. فهناك أساتذته الذين صار افتخارهم به عظيما لأنه نتاج غرسهم، أمثال: حمدون ابن الحاج، ومحمد الحبابي، وصديقه ورفيقه في الدراسة أكنسوس الذي صار وزيرا للسلطان مولاي سليمان والمؤرخ السفير الزياني الذي قدمه لمولاي عبد الرحمان بن هاشم لما كان خليفة لعمه مولاي سليمان بفاس فاتخذ ابن إدريس كاتبا له.
ومن شخصيات الصلاح والزهد اتصل ابن إدريس أثناء دراسته بالزاهد المتعبد «مولاي عمرو العمراني» الذي كان مقيما بمدرسة الصهريج، وهي بجوار مسجد الأندلس (بفاس) لازمه ابن إدريس زمنا طويلا للقيام بخدمته تبركا به. وهذا الزاهد عنه يقول أكنسوس!
إنه أستاذ يقرأ بالجماعة وكان يلقب ابن إدريس بالسلطان الصغير» ويقول له أن تدرك كذا وكذا.يعني الرئاسة وعلو الشأن ولما نال ابن إدريس من الخطوة الرفيعة وسمو المنزلة ما نال لدى السلطان، كان يقول: ما أدركته إلا ببركة ولي الله سيدي مولاي عمرو، وكانت وفاة الرجل الصالح سنة 1230 هـ، حسبما أثبته محمد ابن أحمد اللمتوني الفاسي المتوفى سنة 1311هـ في كتابه «اللؤلؤ المكنون» وكان لابن إدريس اتصال وثيق بالشاعر الصوفي الزجال عبد القادر العلمي، وبالشيخ الصوفي محمد الحراق، الذي راسل ابن إدريس. وهو وزير-يرشده إلى مزايا الطريقة الحراقية وما يلزم المريد من تدبير وسلوك، وقد كان ابن إدريس يحضر مجالس الشيخ الحراق بفاس، كما ثبت ذلك في كتاب: النور البراق يقول الحراق في رسالة إلى ابن إدريس: «...وبعد سلام تام ورحمة من الله تعالى وبركاته كل ذلك شامل عام على الأخ في الله العالم العلامة الأديب البليغ الدراكة الفهامة، الذاكر المجد الأفضل، والجامع بين الحقيقة والشريعة الأمثل، ناظم الدر النفيس أبي عبد الله محمد ابن إدريس...» إلى آخر الرسالة المطولة الطافحة بالتوجيهات النيرة والمواعظ المتخيرة الفاتحة لأبواب الخير.
لقد وسع ابن إدريس اتصالاته برجال الصلاح والزهد والتصوف يلتمس منهم خير الدعاء متوسلا بخدمتهم لنيل رضاهم مما ينم عن صفاء سريرته، وطيبوبة نفسه، ونزعه إلى الفضل وسمو الأخلاق فتعمق في هذا النزوع الصوفي، وهذا ما جعله يكثر من نظم الشعر في هذا الجانب، كما يدل على حسن اعتقاده وإيمانه العميق، ولهذا لا يجب الخوض في قضايا علم التوحيد وما قد يثيره من إشكالات. وكان يستدل ببيت الحراق:
نحن في شرعة الغرام أذلة
      إن قمنا على الحبيب أدلة
وكان يقول كلما دعا الأمر، يكفينا قول من قال اللهم إيمانا كإيمان العجائز.

* مهامه الإدارية والسياسية:
مر ابن إدريس بمراحل ثلاث مدة اضطلاعه بمهام الإدارة ومناصب السياسة وهي:
1 – مرحلة الكتابة للخليفة السلطاني.
2 – مرحلة الكتابة والوزارة للسلطان.
3 – مراحل ما بعد نكبته حيث تولى الكتابة والوزارة والحجابة.
1 – مرحلة الكتابة للخليفة السلطاني
من المعروف أن مولاي عبد الرحمن بن هاشم كان مقيما «بتافيلالت»، ونظرا لما شاع عنه من ذكر حسن وشيم الفضل وحصافة الرأي استقدمه السلطان مولاي سليمان وولاه على مدينة الصويرة فقام بمهامه على أتم وجه، ثم ولاه السلطان على فاس سنة 1237 هـ وأثناء ذلك قدم الزياني ابن إدريس للخليفة السلطاني بما لمس فيه من مقدرة ليتولى له مهام الكتابة،وتبين لنا أن ابن إدريس شاع ذكره في الأوساط العلمية والسياسية نظرا لصلاته بتلك الشخصيات التي سبقت الإشارة إليها، ثم ما كان للجائزة
السلطانية من أثر، وقد نال ابن إدريس ثقة مولاي عبد الرحمن بإخلاصه وحسن تدبيره، ولما آل أمر الملك إلى مولاي عبد الرحمن سنة 1238 هـ رفع من شأن ابن إدريس  فجعله كاتبه ثم وزيره.
2- مرحلة الكتابة والوزارة:
لقد واجه ابن إدريس في هذه المرحلة مشاكل عديدة ومنها ما هو من مخلفات العهد السليماني،ومنها ما هو طارئ في العهد الرحماني، ولما أنه اكتسب من الخبرات والتجارب نصيبا كبيرا بحكم عمله السابق واتصالاته بشخصيات ذلك العهد، وبحكم وجوده في مدينة فاس التي كانت محور كثير من الأحداث أو منطلقها أو مصبها، فقد استطاع ابن إدريس أن بتخذ لكل موقفا ما يقتضيه من تدبير، وأظهر من المقدرة والحرص على أداء الواجب ما جعل السلطان يزداد به ثقة ويطمئن إلى تصرفه ويركن إليه، يقول المؤرخ ابن زيدان: «... أبقاه (السلطان) من جملة كتبه، بل ورأسه عليهم لما رأى من حسن عقله وديانته، ثم استوزره فقام بشؤون مأموريته وظيفه أحسن قيام كما أسند إليه الرياسة واختص بالتدبير والسياسة، وصار لا يدخل إلا من بابه ولا تنال الرغائب من غير ميزابه» هذه المكانة المرموقة أوغرت صدور بعض ضعاف العقول وقرناء الزور، فسعت شرمذة من – الودايا بكل الوسائط للكيد له لدى السلطان، وألصقوا به تهمة التأمر على سلامة الدولة وأمنها. وأنه شريك لهم فيما قاموا به من عصيان وفتنة، بل هو السبب في شق عصى الطاعة كلمة الذين اتهموه، ولو لم تكن التهمة من الخطورة إلى هذه الدرجة –وخاصة لرجل في مثل مركزه- لما تلقيت أذنا صاغية من السلطان وخاصة أن هناك ظروفا وملابسات اكتنفت هذه التهمة، لا يتسع المجال هنا لبيانها، وقد أحسن السلطان صنعا –لحلمه وبعد نظره- إذ لم يأمر بإعدام ابن إدريس فورا، فتريث وأمر الوزير بملازمة داره، ثم حبسه حتى لا تتطور الفتنة إلى مالا تحمد عقباه، وتمت مصادرة أمواله، وكان الحدث المشؤوم عليه سنة 127هـ، ويتبين أنه قضى مدة تسع سنوات في وظيفة الكتابة والوزارة.
لقد شكلت هذه المحنة بالنسبة إلى الوزير الأديب تجربة نفسية قاسية، إذ قلب له جل الناس ظهر المجن، وجفاه القريب فضلا عن البعيد، وخلا إلى تأمل حاله ومراجعة نفسه، وأدرك من أين أتاه الشر بالأذى، وعبر ابن إدريس عن هذه التجربة المريرة بقصائد ومقطعات تنم عما انتابه من أحاسيس ومشاعر ومعاناة قاسية.
تعرض ابن إدريس أثناء هذه المحنة لألوان من التحقير بعضها يهد الجبال ويشيب له الولدان، فوقع كل إساءة مهما صغرت يكون وقعها على نفسه حادا لأنه كان ذا مركز مرموق، ولأنه مرهف الإحساس إذ هو الشاعر الأديب المتفنن، فرب كلمة أشد عليه من وقع الحسام، ويكفي أن نثبت هنا حادثة واحدة لها دلالتها، وهي: أن ابن إدريس كان ذات يوم في مسجد «درب السعود»، وطال بالناي انتظار الإمام، فلم يجدوا بدا من تقديم ابن إدريس ليأتم بهم، وقام امتثالا لأداء الواجب، فلما هم بالتكبير إذ بالإمام يحضر، وهو في حال من الانفعال، وعمد إلى ابن إدريس وأخرجه من المحراب «وأغلظ له في القول وأغاظه بشديد الملام ونبزه بقوله: إن منكوب السلطان لا يؤتم به. وقد حز ذلك في نفس ابن إدريس وأضمره وانتابه ما يعتري الإنسان في حالة ضعفه، وهو يقول في نفسه: لئن أقدرني الله عليه لأجزينه بحبسه، وبينما هو في هذه الحالة من الاكتئاب والغضب سائرا في الطريق إذ به يسمع صبيا يقرأ قوله تعالى:
(إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يوتيكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم) (سورة الأنفال من الآية 70).
فتاب إليه رشده وهدأت سورته، ودخل جامع الأندلس وصلى ركعتين شكرا أن هداه إلى الصواب في الحال، ولهذا عاهد الله أن يقابل الإساءة بالإحسان.
خلال مدة العزل وما عاناه أثناءها، دوام على العبادة واللجوء إلى رجال الصلاح، يستمطر لطف الله به ورأفته، ومن هؤلاء الولي الطالح الطيب الكتاني – سالف الذكر- الذي أمره بالانتقال من فاس على مكناس، والاحترام بضريح السلطان مولاي إسماعيل، وفي ذلك المقام، رآه بعض خاصة السلطان مولاي عبد الرحمن فأخبره بحال ابن إدريس، فاستدعاء السلطان إلى أعتابه الشريفة، بعد أن رق لما آل إليه حاله، وتأكد من براءته وإخلاصه، فأعاده إلى سابق مركزه، وقد استغربت مدة العزل قرابة أربع سنوات من سنة 1247 هـ، إلى سنة 1251 هـ.
3- مرحلة ما بعد نكبته.
تعد مرحلة العزل حدا فاصلا بين ما سلف من حياته الإدارية والسياسة، وما بعدها، استقبل هذه المرحلة، وقد جدت أمور في أحوال المغرب، وخارجه، من ذلك: أحداث زمور وما آل إليه أمر الاستعمار الفرنسي للجزائر، فوجد المعرب نفسه في موقف الدفاع عن جيرانه وأرضه التي أضحت مهددة. فكانت وقعة «إسلي» وغيره هذه الأحوال والأحداث مما لا يتسع المجال هنا لتتبع جزيئاته ولعل من جملة ما استفاد ابن إدريس من تلك التجربة التي مر بها بقساوة ابن إدريس من تلك التجربة التي مر بها بقساوتها ومن خبراته السابقة، حرص بكامل اليقظة ومزيد الحزم على سد كل الثغرات التي من شأنها أن تكون مصدر ريبة أو منفذ ضرر له شخصيا ولمركزه ووطنه، حتى إنه لم يكن يغادر مقر عمله بالأعتاب السلطانية ولو في أيام الأعياد والعطل إلا لضرورة ملحة، ولوقت محدود، وكان يردد قولته الشهيرة: «الأيام حبالى لا يدري ما تلد فربما يحدث أمر وأكون غائبا».
لقد علا مركز ابن إدريس في هذه المرحلة من سنة 1251 هـ إلى سنة 1264 هـ، حيث توفي رحمه الله في الرابع من المحرم، ودفن بروضته بالقباب خارج باب الفتوح بفاس.

* مميزات شخصيته.
لا نجد أحدا ممن وقفنا على كتاباتهم من الدارسين قد تناول الجانب الفزيقي لابن إدريس، وإن كنا لا نعدم بعض الإشارات الطبيعية والملامح النفسية والتي من شأنها أن تغني تصورنا لشخصيته وتلقي بعض الأضواء على إنتاجه الأدبي –الشعري والنثري- وقد تترادف هذه الإشارات في ثنايا إبداعه مما يسعف على النفاذ إلى مضامينه وبيته الفنية بما في ذلك من دلالات مجازية وخيالات وعواطف وصور، وما يمكن أن يلاحظ من تناص وتوارد الخواطر مع إنتاج غيره ممن تقدمه من أدباء العربية مشارقة وأندلسيين ومغاربة وخاصة المشهورين، ولهذا دلالة على مقدرته الاستيعابية والاسترجاعية وإمكاناته على ملاءمة ذلك بموافقة مما ينمم عن طاقة إبداعية وموهبة أصلية.
ومن المعلوم في دراسة الشخصيات أن ما تتسم به هذه أو تلك في جانبها الجسمي أو العقلي أو المزاجي والنفسي ليس – قطعا- حصيلة للعوامل الوراثية أو للعوامل البيئية ولكن نتيجة للتفاعل المعقد –كما تقدم- ويكفي أن نستحضر بعض العناصر:
1 – تبين لنا ما كان عليه ابن إدريس من خلق رفيع، وتجلى ذلك في طاعة والده وتقديره لرجال الزهد والصلاح، ونزوعه الديني وورعه ومقابلة الإساءة بالإحسان.
2 – جديته في العمل وتفانيه في التحصيل العلمي وأداء واجبه الوطني.
فقد تبين لنا كيف يجمع بين عمله في الكتاب وحضوره الدروس في القرويين وكيف كان يواظب على أداء عمله بكامل التفاني حتى أنه لم يكن يغادر مقر عمله في الأعياد والعطل إلا قليلا.
3 – من مزاياه أيضا صبره وقدرته على الاحتمال مهما كان ثقل الأعباء، وقد كانت له مواقف جريئة ضد الاستعمار الفرنسي للجزائر وأبدع عدة قصائد في الموضوع من الروائع. كما قد تبين ذلك في مواجهة الصعاب التي كانت تكتنف الواقع المغربي في ذلك العهد، وفي إبان محنته وعزله من وظيفته، وليس هذا راجعا إلى صحته الجسمية فقط ولكن إلى كفاءته الفكرية وحالته النفسية، وفي هذا الصدد يقول ابن زيدان:
«.... وكان ذا ملكة واقتدار على الاشتغال يسد مسد أربعة إذا اجتهدوا... ويضيف: وكان لا يرى محافظا على الطهارة...» وسجل رفيقه أكنسوس أنه كان يصاب بمرض اللوزتين (الحلاقم) في كل شهر تقريبا، وذلك زمن الطلب. وقد أرشده أكنسوس إلى دواء فلم يصب بعده بذلك المرض. ولم يمرض قبل وفاته إلا اثني عشر يوما وكان أشد تألما بهزيمة المغرب في معركة إسلي.
4 – لم يكن ابن إدريس متجها أو ضجرا ولا متصلبا أو يائسا، وإن كان في مركز يقتضي منه الجدية واليقظة الدائمة، فإن ذلك لا يتنافى مع رقة المزاج والمرح وللتأكيد نذكر ما جاء به ابن زيدان: «... وكان ينبسط إلى الكتاب ويمازحهم قصدا لإدخال السرور عليهم..» ولم يكن متكبرا أو متعجرفا لأنه خبر الحياة وعرف حلوها ومرها، يستحضر مصير الإنسان المحتوم ومما خلق، وكيف وهو الفقيه الذاكر يعلم ما جاء في الوحي –القرآن والسنة المطهرة- من وعيد للمتكبرين، ويثبت المشرفي ذلك بقوله: «... هو الوزير الأفخم وديوان الملك الأعظم وممن ظهر حسن صبره على انتظام أمره، وممن حسن صبره على الشدائد في حوادث الدهر ومكائده، ومعرفته بعيب نفسه أوثق عنده من مدح أبناء جنسه، منقبض عن العامة ومن يجانسها ممتنع عن التكبر والتجبر بما يحاسنها عالي الهمة متين الرحمة...».
5 – مما يجانس هذا الجانب في شخصية ابن إدريس كونه متفننا وشاعرا مبدعا وكاتبا مقتدرا يستمليه الجمال بمعناه الواسع وتجلى ذلك بأوضح وجوهه في ابتكاره لتلك الصور الرائعة في شعره والتفاته لمظاهر الحسن وخفاياه فأبرزها بقسماتها وألوانها ووقعها في النفس بما يناسبها من ملاحظة ذكية ودقيقة ومشاعر فياضة وخيال رائق وألفاظ متخيرة وإيقاع منسجم أخاذ، وفي النثر نلاحظ كيف ارتفع بالكتابة الديوانية إلى أعلى درجات البلاغة والفصاحة ومطابقة الدلالة لمقتضيات الأحوال واختلاف الأغراض والمناسبات فحرر الكتابة من العامية والرداءة والسقط، ومن المظاهر الفنية في شخصيته إجادته الخط حيث كان ناسخا منذ بداية حياته العملية للكتب، لنفسه وللزياني، ويؤكد صاحب الكتاب: الابتسام أن ابن إدريس كان محبا السماع يستهويه ويطرب له، مما يدل على رهافة حسه ورقة طبعه ولا غرابة أن يصفه صاحب الكتاب المذكور بقوله: «،لقد كان لنا بمنزلة الوالد مشفقا من حالنا معتنيا بشأننا، عاشرناه تسع سنين فما سمعنا منه شيئا يكدرنا وكان يلاطفنا ويرفعنا في مجلسه...».
* لقد تبين لنا من خلال هذه المقالة أننا حاولنا أن نستوفي فيها دراسة شخصية ابن إدريس بأبعادها المختلفة الاجتماعية والنفسية والفكرية بقدر ما أتاحته المصادر والمراجع وإعمال النظر فيها أوردته وموازنة بين الآراء، ويبدو أن هناك اجتماعا على إظهار شخصية ابن إدريس بمظهر مثالي بناء على «سلوكه العام» إن الدرسين القدامي لا تخلو دراساتهم أحيانا من تجاوزات لأن ما يهم الدارس قد ينحصر فيما يكون عليه الشخص في علاقاته بالآخرين وما سوى ذلك قد يعد أمرا ثانويا، قد تكون للشخص أسراره وخفاياه ولكن في حدود، أما إذا تجاوزت الحدود فإن الأمر يدعو حينئذ إلى الكشف مثل ما نراه مسطرا في سير بعض العظماء من الوزراء والكتاب وذوي المراكز السياسة فإن القدامى لم يخفوا ذلك وإن تم التستر على المساوئ زمن سطوة ذلك الشخص، ومهما يكن فيكفي المرء نبلا أن تعد معايبه ولا يتأتى لنا في هذا المقالة إيراد مزيد من التفاصيل إذ توخينا الإيجاز وأثبتنا ما يبدو أفيد، ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق إذ ما زال هناك مجال لدراسة شعره ونثره وهذا يتطلب أكثر من مقالة واحدة، وأكثر من بحث واحد.
فقد طرق ابن إدريس أغراض الشعر المختلفة، وخاصة تلك التي دأب الشعراء على تناولها منذ القدم مثل المدح والرثاء والغزل، كما تصرف فأبدع في بعض الموضوعات حسبما دعته إليه الضرورة، مما جعل شعره متجاوبا مع نزعاته ومشاعره الجماعية وطبيعة عصره ويدل على مدى إحكامه الصناعة الشعرية، وإطلاع جيد مستوعب للتراث فجعله ذلك شاعرا بارزا من شعراء المغرب المعدودين،ويمكن أن نصنف شعره صنفين:
- أحدهما يندرج في إطار التعبير في المشاعر الجماعية مثل المديح النبوي والسلطاني وإدانة الفتن والعصيان.
- أما الصنف الآخر، مثل شعر التغني بالجمال والإبانة عن البين والشوق ووصف الطبيعة والتأمل في الحياة وصروف الدهر ونوائبه، وإعلان التبرأ والتماس العفو، وهذه الموضوعات تندرج في نطاق التعبير عن الأحاسيس الفردية الخاصة والتجارب الذاتية.
أما نثره فهو محكم النسج وإن بدا مثقلا بألوان البديع على نحو ما جرت عليه العادة بالمشرق والأندلس، ويمكن أن نقسم نثره إلى الأقسام الآتية:
1 –الرسائل السلطانية في الأغراض المختلفة.
2 –رسائل اخوانية ذات طابع شخصي.
3 –رسالة أدبية وهي التي عدها البعض مقامة ويذكر عبد الله كنون بأن نثر ابن إدريس لو قدر له أن يجمع لكان في مجلدات!
ما أحوج أدبنا إلى إيلاءه العناية اللازمة، فهو تراث أمة وثمرات عقول الأجيال السابقة ووسيلة للنهوض بحاضرنا والتطلع إلى مستقبلنا وتحقيق ذاتيتنا.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here