islamaumaroc

مؤتمر اللجان الوطنية العربية لليونسكو

  رئيس التحرير

8 العدد

 (واليونسكو من المنظمات المتخصصة المتفرعة عن هيأة الأمم المتحدة، ورسالتها الأساسية العمل على تيسير التفاهم بين الشعوب والأمم المختلفة، عن طريق تقريب فكري، والنهوض بوسائل التعليم والتربية، ورفع المستوى العام للأبحاث في ميادين العلوم، ونشر الثقافة، كوسيلة من وسائل إقرار السلام، وبعث روح التعاون بين البشر).

( وقد تم إنشاء اليونسكو رسميا في 4 نوفمبر1946 وبعد أن قامت عشرون دولة بالتصديق على الميثاق التأسيس لها).
                                                     ***
وقد انضم المغرب بعد استقلاله إلى هذه المنظمة العالمية، وشكل لجنته الوطنية التابعة لليونسكو.
واللجان اتخذت المنظمة قرارا يقضي بعقد مؤتمرات دورية للجان الوطنية، لتبادل وجهات النظر في المشاكل الخاصة بالمناطق التي تنتمي إليها هذه اللجان، وكان أول مؤتمر للجان الوطنية العربية لليونسكو، هو الذي انعقد أخيرا بفاس، من السابع والعشرين إلى الثلاثين من شهر يناير 1958 وذلك بدعوة من الحكومة المغربية وقد كانت هذه المجلة ممثلة في المؤتمر، وحرصت على أن تحضر كل جلساته، وأن تتبع مناقشات قراراته وتوصياته، وإن تتبع أيضا عن كثب نشاط لجانه الخاصة وأعمالها.

وسنعمل هنا على أن نقدم للقارئ صورة مصغرة عن المؤتمر، قد لا تكون كافية في الدلالة على قوته وعظمته وأهميته، ولكنها تساعد القارئ الكريم على تكوين فكرة جامعة عنه.
وبما أن من ضمن مواد هذا العدد التقرير العام للمؤتمر، وتقارير اللجان الخاصة، فسنجتهد – تجنبا للتكرار- ألا نذكر هنا ألا ما يستطيع القارئ أن يستفيده من التقارير المذكورة.
***
تفضل حضرة صاحب الجلالة ملك المغرب سيدي محمد الخامس فحضر حفلة افتتاح المؤتمر، وألقى الخطاب العظيم الذي صدرنا به هذا العدد، ثم توالى على المنصة بعد ذلك رؤساء الوفود العربية المشتركة في المؤتمر، فألقوا كلمات قيمة شكروا فيها لجلالة العاهل الكريم، أن تفضل فشمل هذا المؤتمر بعطفه ورعايته، كما شكروا للشعب المغربي ما قابلهم به الحفاوة والترحيب، وتحدثوا عن منظمة اليونسكو، وعن الآمال المعقودة عليها، كمنظمة عالمية، تستهدف التقريب بين وجهات النظر، وتدعيم السلم بنشر العلوم والمعرفة، وتسهيل التعاون بين أمم العالم في ميدان الفكر، وإبراز القيم العليا للحضارات البشرية المختلفة، كما أشاد رؤساء الوفود بالروابط المتينة التي توحد العلم العربي.

ونحن نقتطف هنا فقرات من كلمات رؤساء الوفود، ونأسف لكون ضيق المجال لا يسمح بنشرها كاملة:
    
قال الدكتور أحمد زكي رئيس الوفد المصري:

(إن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة ( اليونسكو) منظمة عالمية، جديرة بتقدير الأمم واحترامها، وبتقديرنا نحن خاصة، وهي تجاهد ما تجاهد رغم العقبات، مستندة إلى ما في طبيعة البشر من خير مثير، والذين صنعوا هذه المنظمة، صنعوها مؤمنين عظيمي الإيمان بالإنسان، ونحن نؤمن بالإنسان وبمستقبل الإنسان، وبأنه سوف يأتي يوم يسود فيه بين بني الناس السلام، بل ويسود الود وتسود المحبة.
وسبيل هذه المنظمة إلى هذا الخير الكثير والأمل الكبير، سبيل التربية والعلوم والثقافة، ولقد ارتأت المنظمة، وخير ما ارتأت أن الأمم شعوب، وأن الأمم أشباه متقاربة، وأشباه متباعدة، وأن الأمم العربية بين أمم الأرض بينها وشائج أرحام، فأقرت هذه  الوشائج، وجمعتنا معا في هذا الصعيد، وحمدنا لها ما ارتأت وحمدنا لها ما جمعت).

وقال الدكتور عبد الرزاق الجليلي رئيس وفد العراق:
( إننا في الوقت الذي نعمل فيه بنشاط على تعزيز التبادل الفكري والتعاون الأخوي بين أقطارنا العربية، يجب ألا نهمل وألا نرفض للتبادل الثقافي مع الأمم الأخرى، بل يجب علينا أن نسعى جهدنا لتعزيز علاقاتنا الثقافية، وتنمية صداقتنا مع جميع أقطار العالم، وذلك عن طريق التبادل الثقافي والتعاون الفني وعقد المؤتمرات وتشجيع التفاهم المتبادل بيننا وبين حكومات العالم وشعوبه بشرط أن يشاد ذلك كله على أساس المساواة والاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة، فعلى أساس هذه المبادئ العادلة نرحب بكل تفاهم مع الدول الأخرى).

وقال الدكتور حسن أحمد يوسف عضو وفد السودان: (  لقد كان مبعث سرورنا في السودان- يا صاحب الجلالة- أن تجيء الدعوة لعقد هذا المؤتمر في المغرب لما بين البلدين من صلات قديمة في ميدان العلم والثقافة، فكتب العلماء المغاربة تدرس في مساجد السودان، وأثرهم في الحياة الدينية ملموس، واتصال علماء السودان بالمغرب قديما، معروف في هذه البلاد.

لكل ذلك جئت إلى هنا، وفي رأسي صور عن ماضي المغرب، فإذا بي إذ أطأ أرض هذا البلد الكريم، أعرف أن ذلك الماضي لم ينقطع، وأن حاضر المغرب لا يقل عظمة عن ماضيه، وأنا متأكد أن مستقبل المغرب سيكون بإذن الله وفي ظل رعايتكم وقيادتكم الحكيمة أكثر ازدهارا وتألقا من ماضيه وحاضره معا.
وسأنقل إلى شعب السودان عند ما أعود إليه، أنني وجدت في المغرب شعبا أبيا يغار على العروبة والإسلام، وإنني قد رأيت فيه ملكا عظيما، لا يملك شعبه، وإنما يقوده إلى الخير والرفاهية والازدهار).

وقال الأستاذ محمد العابد المزالي رئيس وفد تونس:
(.. فاجتماعكم هذا دليل على أن كل شعب من الشعوب العربية فقير لما هو لدى الشعوب الأخرى من دقيق علم أو غزير معرفة أو واسع تجربة لابد من تضافر أسبابها وتقارب وجهات النظر فيها، وانتظام عقود معانيها حتى يكون بذلك نصيب الصواب أوفر، ووسائل النجاح أضمن.

فإن قصد مؤتمركم كل هذا أو دل عليه، فليس انعقاده في هذه العاصمة من عواصم العالم بأدنى معنى ولا أقرب غاية، ففيه دليل على الثقافة العربية تراث مشترك بين البلدان الناطقة بالضاد من أدناها مغربا إلى أقصاها مشرقا، وأن أهلها ما زالت تجمعهم أواصر لا تنفصم وتضم شعثهم إياد لاتنى، وتسعى في توحيد كلمتهم عوامل وأي عوامل، فإن جدت عاصمة فاس وأقامت النوادي والمؤتمرات فعن حذق وجدارة، وإن أقبل إليها وفود العرب من كل صواب وناحية فإيمانا منهم أنهم يحلون ترابا هو ترابهم، وينزلون عند أهل هم أهلهم وعشيرتهم).

الدكتور حسن أحمد يوسف عضو وفد السودان
وفي النهاية تقدم إلى المنصة معالي وزير التهذيب الوطني السيد محمد الفاسي رئيس الوفد المغربي وألقى بين يدي صاحب الجلالة كلمة قيمة نقتطف منها ما يلي:
( وأننا منذ تشرفنا بالانتماء إلى منظمة اليونسكو، ونحن معمل على نشر مبادئها والدعاية لها، والمساهمة على قدر إمكانياتنا في مختلف مناحي مشاطها، لذلك رجونا عند حضورنا في المؤتمر التاسع العام الذي انعقد بعاصمة الهند بتوجيه من حضرة صاحب الجلالة الملك نصره الله، أن ينعقد ببلادنا أحد المؤتمرات التي تنظمها اليونسكو، أو تساعد على تنظيمها.

وبما أن اللجان الوطنية العربية لم تكن بعد عقدت مؤتمراتها، كان لنا الشرف في استدعائها لعقد مؤتمرها الأول بالمغرب، تدشينا لمشاركته بعد استقلاله في نشاط العائلة العربية الثقافي والفكري.
وأن المغرب لممنون لكم- أيها الإخوان الكرام- إذ لبيتم طلبه، وجاءت وفودكم لتحيي من جديد رحم القربى مع إخوان كانت باعدت بينهم ظروف نود أن يقضى على آخر أثر لها بهذا المغرب العربي، حتى تتم الوحدة الكبرى لكل البلاد العربية، وتقدم بمجموعها للمساهمة بقواتها وبمقدراتها في تثبيت دعائم السلام في المعمور.

وقد تقدمنا كذلك في نفس الوقت للأمم التي تجمعنا وإياها وحدة الأسس الثقافية التي انبثقت في حوض البحر الأبيض المتوسط، والتي أثرت بعضها على البعض الآخر، بأن يحضر ممثلون عنها، خصوصا من بين المستشرقين، ليحضروا معنا كملاحظين في هذا المؤتمر العربي، وقد لبوا كذلك دعوتنا فشكرا لهم شكرا جزيلا.

وإن الدور العظيم الذي لعبته الثقافة العربية في تاريخ الحضارة البشرية، وما تضطلع به الآن في نهضتها الجديدة، يجعلنا محقين في المطالبة، كما فعلت في المؤتمر التاسع بدلهي الجديدة بأن تكون اللغة العربية لغة عمل معترف بها في اليونسكو، لأنها إحدى لغات الحضارة لكثير من الأمم حتى الغير العربية، وأنه بمثل هذه المؤتمرات نستطيع أن نوحد وجهة نظرنا، ونبرهن في نفس الوقت،على أن لغتنا قادرة على القيام بهذا الواجب وتأدية هذه الرسالة). 

وبانتهاء رئيس الوفد المغربي من إلقاء كلمته، انتهت حفلة الافتتاح، وغادر جلالة الملك والمدعوون قاعة الاحتفال بثانوية مولاي إدريس بفاس، وقد تفضل جلالته بعد ظهر اليوم نفسه، بزيارة قصر البطحاء، مقر أعمال اللجان وكاتب الوفود في زيارة تفقدية استطلاعية، كان لها وقع كبير في نفوس جميع الوفود، لما دلت عليه من عظيم اهتمام جلالته، وحرصه على التأكد من الدقة في التنظيم والتوزيع.
وقبل أن ترفع الجلسة، تناوب مندوبون عن جميع الوفود على المنصة، حيث عبروا عن شكرهم وامتنانهم لجلالة الملك وللشعب المغربي عن الحفاوة التي قوبلوا بها وتحدثوا عن شعورهم عن المؤتمر، وارتساماتهم عن المغرب وعن الشخصية المغربية التي اتفقوا جميعا في الإشادة بنبلها ودماثتها وكرمها وإخلاصها.

وقد سمعت في حفلة الاختتام هذه الكلمتين يسرني أن أسجلهما هنا:
كانت الأولى للدكتور شفيق غربال ممثل الجامعة العربية، وقد التأثير باديا في عينيه وصوته وهو يعبر عن إحساساته النبيلة نحو جلالة الملك ونحو المغرب والشعب المغربي، أما عن المؤتمر فقد قال سيادته عن نفسه أولا. أنه( يونسكوي) قديم، وأنه قد حضر العدد الكبير من المؤتمرات أن تثير المشاكل وأن تشعر الناس بالمتاعب التي تنتظرهم، وأن تفتح عيونهم على الميادين الواسعة التي لايزال عليهم أن يخوضوا غمارها وأن يكافحوا فيها، وهو يعتبر مؤتمر فاس ناجحا كل النجاح، لأنه نجح في كل ذلك، نجح في إثارة المشكلات، وفي فتح الميادين للعمل، وفي تنبيهنا إلى أن الطريق أمامنا لايزال طويلا وشاقا، وأن علينا أن نتدرع بالصبر والحكمة لتغلب على المصاعب والمشكلات التي تنتظرنا.
وكانت الكلمة الثانية للمستشرق الأستاذ ماسينيون، وقد حاول أن يحلل فيها شخصية جلالة الملك سيدي محمد الخامس، فوجد أنها شخصية جامعة لكل الصفات النبيلة التي تنطوي عليها الكلمة العربية ( الفتوة) وأشاد بالخصوص بصفة من هذه الصفات، هي ألا يتغير الإنسان في حالة اليسر عنه في حالة العسر.

 وهكذا انتهى مؤتمر فاس، لكن الحديث عنه لا ينتهي عند هذا الحد، ولو أطلقنا العنان لأنفسنا للحديث والتعليق عن كل أعمال المؤتمر ومناقشاته وجلساته، والأحاديث التي كانت تدور على هوامشه، لما كاد الحديث ينتهي بنا أبدا، فلنكتف بأن نضع بين يدي القارئ الكريم قرارات المؤتمر وتوصياته، أي نتائج أعماله النهائية، على أن نبادر فنقول إنها كانت نتائج مجهود شاق، وجلسات طويلة، ومناقشات عسيرة، وإجهاد فكري قد يصعب احتماله في بعض الأحيان.

على أن ذلك لن يمنعنا من أن نسجل هنا بعض الارتسامات والملاحظات:
كان المؤتمر مظاهرة قومية عربية بالرغم من انعقاده في إطار عالمي، وإذا كانت الصفة الأولى لم تستطع أن تطغى طغيانا كاملا على صفته الثانية الأصلية، وكان يزيد في وضوحها أولا : أن أعمال المؤتمر كانت تجري كلها باللغة العربية حتى  الملاحظون الذين حضروا من بلاد أوربية كانوا يحرصون على أن يتكلموا باللغة العربية ما استطاعوا، فان لم يستطيعوا فلا أقل من أن يبدأوا كلامهم بتحية عربية أو أن يختموه بها.

كذلك كان من مظاهر الصفة القومية للمؤتمر تلك العواطف الأخوية النبيلة التي كانت تتدفق على لسان كل متكلم من أعضاء الوفود العربية المشتركة في المؤتمر، وتلك المهرجانات العظيمة التي كان الشعب المغربي يستقبل بها المؤتمرين في تنقلاتهم في كل مكان، في فاس وصفروا ومشليفن، ومكناس والرباط ومراكش والدار البيضاء وفي كل مكان زاروه أو مروا به.

   وقد حدثني عضو في الوفد اللبناني، أنه يستطيع أن يتحفظ عندما يتحدث إليه شباب مثقف عن عواطف أو ما لإلى ذلك، أما عند ما يجد نفسه في وسط جمهور شعبي يتدفق حماسا وغيرة وعروبة وإخلاصا، فإنه لا يستطيع أن يحتفظ أبدا، قد تستطيع حكومة ما إن تجمع الجماهير وأن توحي إليها بالهتاف أو التصفيق، لكن الملاحظ الدقيق يستطيع أن يميز بين ذلك وبين المظاهر الشعبية الحقيقية التي تنبثق عن الإيمان والإخلاص والصدق، هذه الزغاريد التي تعبر تعبيرا صادقا عن الفرحة، وهؤلاء الأطفال الذين يهتفون حتى تبح حناجرهم، وذلك الشيخ المسن الفاني، ذو اللحية الطويلة البيضاء، الذي يقف تحت الأمطار ليهتف بحياة العروبة، كل ذلك لا يمكن أبدا أن يصنع صنعا أو أن يكون استجابة لدعوة أو إيحاء أو أي شيء من هذا القبيل، إنها العروبة والنبل وكرم الضيافة والصدق والإخلاص الصريح.

كان المؤتمر أيضا فرصة أخرى للتعريف ببلادنا، بلادنا المكذوب عليها، بلادنا المجهولة جهلا مطلقا خارج حدودها، ويذكرني هذا بمحاضرة كنت قد سمعتها يوما خارج المغرب من أستاذ دكتور متخصص في الجغرافية والتاريخ، سمعته يقول: إن بلاد المغرب صحراء قاحلة لا تنبت زرعا ولا تنتج ضرعا.

ولأعطي فكرة موجزة وكاملة عن مدى فائدة هذا المؤتمر والمؤتمرات التي من نوعه في التعريف ببلادنا، أكتفي بأن أنقل هنا كلمة للدكتور أحمد زكي رئيس الوفد المصري.

سألت سيادته عن شعوره عندما كنا في مشليفن بالقرب من يفران، وكان المنظر أمامنا صفحة بيضاء ناصعة من الثلج من وسطها أشجار الأرز، فأجابني الدكتور أحمد زكي:
ماذا أقول، إن هذه الزيارة قد قلبت معلوماتنا عن بلادكم رأسا على عقب، بل إنها أكثر من ذلك، أخذت تشككني في قيمة وسائل التعليم المتبعة في العالم حتى الآن، صدقني لقد زرت كثيرا من بقاع العالم في الشرق والغرب، ولكنني لم أشاهد قط مثل هذا الجمال، وإن كنت قد شاهدت شيئا منه في بلاد سويسرا.

أما الحفلات التي أقيمت على شرف الوفود في قصور فاس العظيمة، ومنتجات الصناعة التقليدية التي عرضت في بعضها، والموسيقى التي كانت تصدح في إنهائها، فقد سمعت أعضاء الوفود يتحدثون إلى بعضهم أنهم يشعرون في هذا الجو شعورا كاملا، بأنهم قد انتقلوا انتقالا إلى عصر الرشيد، أو إلى عصور الأندلس الزاهية، وسمعت عضوا من وفد السودان يقول بالحرف: يخيل إلي أنني أعيش في حلم جميل.

وسمعت أحاديث كثيرة أيضا عن مدى دلالة مظاهر الحياة في المغرب على أصالته وعراقته في الحضارة، وسمعت الإعجاب بالمقدرة الفائقة التي استطاع بها الشعب المغربي أن يتطور في تفكيره، وأن يأخذ بأساليب الحياة الجديدة، مع المحافظة على كل مظاهر حضارته التقليدية القديمة.

بقي أن نقول كلمة من الوفد المغربي لهذا المؤتمر وهو يتكون من السادة: عبد الكبير الفاسي، مولاي أحمد العلوي، الحسين البكاري، إدريس عمور، الخمار، عبد الهادي التازي، محمد التازي، عبد الكريم غلاب، إبراهيم الكتاني، الحسن سائح، الهاشمي بناني، عبد السلام بن عبد الجليل، بومهدي، عبد الكريم الفلوس، احمد الأخضر.

والحقيقة أن الوفد المغربي لم يدخر مجهودا في القيام بالواجب المطلوب منه على أحسن وجه ممكن، وقد كان أعضاءه أثناء العمل موزعين على اللجان للمشاركة في مناقشة التقارير أو المشاريع المطروحة للدرس، وفي وضع القرارات والتوصيات.

وقد قام الوفد المغربي بمجهود عظيم في تحضير موضوع (التقدير المتبادل للقيم الثقافية بين الشرق والغرب) وكان ذلك قبل حضور الوفود وابتداء أعمال المؤتمر، وعندما ابتدأ المؤتمر، وتكونت اللجان، وجدت اللجنة التي شكلت لدراسة هذا الموضوع نفسها أمام مشروع كامل، لا يحتاج إلا إلى القليل جدا من المناقشة والتعبير.

والواقع أن الذين حاولوا أن يقللوا من أهمية الدور الذي قام به الوفد المغربي في المؤتمر، لم يتتبعوا أعمله عن كثب، ولعلهم اكتفوا بحضور الجلسات العامة التي تعقد عادة لمناقشة أعمال اللجان، كما تعقد أحيانا أخرى لمجرد تبادل كلمات المجاملة والشكر والتنويه.

وأخيرا فإن الحديث عن مؤتمر فاس طويل لا يكاد ينته، فلنكتفي منه بهذا المقدار على أن هنالك كلمة أخيرة نريد أن نقولها في هذا المقام، إننا نشكو من ركود ثقافي وقد استطاع هذا المؤتمر أن ينتشلنا لمدة أسبوع على الأقل من هذا الركود. لقد عاشت مدينة فاس وعاش معها المغرب أسبوعا يصح أن يطلق عليه بحق (أسبوع العلم والثقافة) أسبوعا عشناه بعقولنا وقلوبنا، نسينا فيه الأحاديث المكررة والمملة التي تشغل عادة الكثير من أوقات فراغنا، ولست اشك في أن هذا المؤتمر قد حرك من همة الذين شاركوا فيه أو حضروا جلساته أو تتبعوا أعماله، من رجال الثقافة والفكر في بلادنا، وأنه قد نقلهم إلى ميدان كادوا أن ينسوه وكادوا ينسوا معه الواجب الملقى على عاتقهم، واجب القيادة الفكرية، والعمل المتواصل من أجل أن نخلق لنا ثقافة مغربية تستمد من الشرق والغرب ومن تاريخنا وأمجادنا وحضاراتنا، ومن طبعنا ونوع تفكيرنا، وأسلوبنا العقلي في الحياة، ومن حاجاتنا المادية والمعنوية معا، وإذا كان لنا رجاء نتقدم به إلى حكوماتنا بهذه المناسبة فهو أن تعمل على ابتكار الكثير من أمثال هذه المناسبة، لكي نستطيع أن نعرف ما عند الغير ونعرف الغير بما عندنا ولكي نستطيع أن نجمع رجال الفكر منا من كل المدن والجهات على صعيد واحد كما حصل في فاس في مدة المؤتمر، فإن ذلك قد يساعدهم على الخروج من العزلة والفردية التي فرضوها فرضا على نفوسهم، وقد يشعر كل واحد منهم أنه ليس وحده وأن هناك من يسأل عنه أو يقرأ له، أو يستغرب من صمته.

لقد تكتلت كل الطوائف عندنا بدون استثناء في منظمات أو نقابات أو جمعيات أو هيئات، ماعدا طائفة رجال الفكر كأن ليس لهم وجود يعلنون عنه أو مصالح مشتركة يدافعون عنها، أو واجبات مشتركة أيضا يتدارسون وسائل تنفيذها والقيام بها، أو مشاكل تشغل كل واحد منهم على حدة، ويرجو أن تتاح له الفرصة للاجتماع بإخوانه وزملائه ليتدارساها معهم.

لقد كان الإحساس بالحاجة إلى تكتل من هذا النوع يتملكني أثناء مدة انعقاد هذا المؤتمر، ولعل ذلك راجع إلى أنني كنت أعيش هذا( التكتل )فعلا، فهل يتاح لنا أن نعيشه باستمرار؟. ذلك سؤال يتوجه به إلى رجال الفكر في بلادنا ونرجو ألا يتأخر الجواب عنه.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here